261 · ص46 · ج3
الباب الرابع في الحكم
٥٣ قيل: لا تستصغرن أمر عدوك إذا حاربته. لأنك إن ظفرت به لم تحمد وإن ظفر بك لم تعذر. والضعيف المحترس من العدو القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالعدو الضعيف. وقيل: العدو المحتقر ربما اشتد. كالغصن النضر ربما صار شوكاً. وقيل: لا تأمنن العدو الضعيف أن يورطك. فالرمح قد يقتل به وإن عدم السنان والزج. قال الموسوي:
الفيل يضجر وهو أعظم ما رأيت من البعوض
٥٤ يقال إن ابن القرية دخل على الحجاج وقال له: ما الكفر. فقال: البطر بالنعمة واليأس من الرحمة. فقال: ما الرضا. فقال: القنوع بعطاء الله تعالى والصبر على المكاثرة. فقال: ما الصبر. فقال: كظم الغيظ والاحتمال لما لا يراد. فقال: ما الحلم. فقال: إظهار الرحمة عند القدرة والرضاء عند الغضب. فقال: ما الكرم. فقال: حفظ الصديق وقضاء الحقوق. فقال: ما الحمية. فقال: الوقوف على رأس من هو دونك. فقال: ما الشجاعة. فقال: الحملة في وجوه الأعداء والكفار. والثبات في موضع الفرار. وإرضاء الرجال. قال: ما العدل. قال: ترك المراد. وصحة السيرة والاعتقاد. فقال:
262 · ص46 · ج4
يقولون احتسب حكماً وراحوا ... بأبيض لا يراه ولا يراني
وقبل فراقه أيقنت أني ... وكل بني أب متفارقان
أخ لو دعوت أجاب صوتي ... وكنت مجيبه أنى دعاني
فقد أفنى البكاء عليه دمعي ... ولو أني الفقيد إذاً بكاني
مضى لسبيله لم يعط ضيماً ... ولم ترهب غوائله الأداني
قتلنا عنه قاتله وكنا ... نصول به لدى الحرب العوان
قتيلاً ليس مثل أخي إذا ما ... بدا الخفرات مذهول الجنان
وكنت سنان رمحي من قناتي ... وليس الرمح إلا بالسنان
وكنت بنان كفي من يميني ... وكيف صلاحها بعد البنان
وكان يهابك الأعداء فينا ... ولا أخشى وراءك من رماني
فقد أبدوا ضغائنهم وشدوا ... إلي الطرف واغتمزوا لياني
فداك أخ نبا عنه غناه ... ومولى لا تصول له يدان
ومن رقيق مراثي لبيد:
بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... وتبقى الجبال بعدنا والمصانع
وقد كنت في أكناف دار مضنة ... ففارقني جار بأربد نافع
فلا جزع إن فرق الدهر بيننا ... فكل امرئ يوماً به الدهر فاجع
وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وعدوا بلاقع
ويمضون أرسالاً وتخلف بعدهم ... كما ضم أخرى التاليات المشائع
وما المرء إلا كالشهاب وضوئه ... يجور رماداً بعد إذ هو ساطع