595 · ص620
٥ - إِسناد التقوى إليه. قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٣٢)} الأنعام.
٦ - إسناد الصنع إليه. قال تعالى: {لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)} المائدة: ٦٣
وأنواع الدَّلائل المثبِتة لهذا الأصل كثيرة، يَصْعُب تقصِّيها في هذا المقام؛ فضلًا عن الإلمام بآحادها.
وبهذه الأصول نطق أهل السنة والجماعة، وانعقد إجماعهم. قال أبو الحسن الأشعري - رحمه الله -: (قد أجمع المسلمون قبل حدوث الجهميَّة والمعتزلة والحرورية على أن لله علمًا لم يزَلْ .. وعِلْم الله سابق في الأشياء ... = فمن جَحَدَ أن لله علمًا؛ فقد خالف المسلمين، وخرج عن اتفاقهم) ١ .
وقال ابن القطان: (وأجمعوا على أن الإقرار بالقدر مع الإيمان به واجب .. وأجمع المسلمون على قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وعلى قول: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ... وأجمعوا على أنه تعالى قدّر أفعال جميع الخلق، وآجالهم، وأرزاقهم قبل خلقه لهم، وأثْبت في اللوح المحفوظ جميع ما هو كائن منهم. وأجمعوا على أنه الخالق لجميع أفعال العباد، وأرزاقهم، والمنشئ لجميع الحوادث وحده؛ لا خالق لشيءٍ منها سواه) ٢ .
وقال الإمام ابن تيمية - رحمه الله -: (وممّا اتفق عليه سَلَفُ الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر .. أن العباد لهم مشيئة وقُدرةٌ، يفعلون بمشيئتهم وقدرتهم ما أقدرهم الله عليه، مع قولهم: إن العباد لا يشاءون إلا أن يشاء الله) ٣ .
١ "الإبانة" (١٠٩)، وانظر: "درء تعارض العقل والنقل" (٩/ ٣٩٦) .
٢ "الإقناع في مسائل الإجماع" (١/ ٧٦ - ٨٢) .
٣ "مجموع الفتاوى" (٨/ ٤٥٩) .
596 · ص621
فتبيّن بَعْدُ ما انطوى عليه حديث المحاجّة من الأصول العظيمة في هذا الباب التي قام الإجماع عليها؛ إلا أَنَّ هناك قَدْرًا من الحديث جالت فيه فهوم أهل العلم - رحمهم الله -؛ وهو حقيقةُ ما وقع عليه لَوْم موسى، وحقيقةُ ما احتج به آدم عليهما السلام. ومنشأ الخلافِ - والله أعلم - أَمران:
الأوَّل: أنَّ سائرَ الرِّوايات وقع فيها ذكر خطيئة آدم الواقع في سياق لوم موسى عليه السلام له.
الآخر: أَنَّ في الرِّواية التي تفرّدَ بها مُسلمٌ، احتجاج آدم - عليه السلام - بالقدر على الذنب.
وحاصل هذه الأنظار تتمحور في ثلاثة أنظار:
النظرُ الأوّل: أنّ موسى لامَ آدم عليهما السلام على الذّنْبِ. وأرباب هذا النظر تَشعّبت أقاويلهم في وجه غَلَبة آدم عليه السلام بالحُجَّةِ، على أقوال:
القول الأوَّل: أَنَّ آدم احتج بالقدر على الخطيئة، وهذا خاص به؛ لأَنَّ اللومَ حاصلٌ بعد التَّوبةِ، وقبولِها =فحَسُن من آدم هذا الاحتجاج، ولا يصح من غيره؛ لأنه لا يعلم أقُبِلت توبته أم لا = وهذا القول، ذهب إليه الإمام القنازعي، وتلميذه ابن عبد البر -رحمهما الله تعالى-. وفي تقرير هذا القول، يقول القنازعي: (وإنما صَحّت الحُجّةُ في هذه المسألة لآدم على موسى؛ من أجل أن الله عز وجل قد غفر لآدم ذنبه، وأما غيره من النَّاس فلا يحتج على معصية؛ بأن يقول: إن الله قد قدّرها عَليَّ؛ إذ لا يدري كيف ينجو منها في الآخرة .. فكلُّ مَنْ لم يَعْلم هل غُفِرَ ذنْبُهُ أم لم يغفر؟ لم تقم له حجة؛ بأن يقول: إنّ الله قد قدَّره عليَّ) ١ .
فاللوم عند أصحاب هذا القول كان على نفس المعصية كما يبدو، فكان الاحتجاج بالقدر عليها.
١ "تفسير الموطأ" (٢/ ٧٤٠) . و انظر: "التمهيد" لابن عبد البر (١٤/ ٣٧٣) .