← المكتبة ▭▭ صفحتان
دفع دعوى المعارض العقلي عن الأحاديث المتعلقة بمسائل الاعتقاد
عيسى النعمي الفرق والأديان والردود
A− A+
65 · ص66
قولُ مَن رَدّ هذا الحديث وعارضه بقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الزمر: ٧] ... ) ١ وهذا التقرير هو على تَقْدير التسليم بأن ظاهر الحديث هو ما ظنه. والحقيقة: أن ظاهره لا ينافيه العقل؛ فضلًا عن الدلائل النقلية. والذي ظنه منافيًا لهذا الظاهر، ليس هو مدلوله ولا ظاهره. بيان ذلك: أنّه قَصَرَ معنى العذاب على العقاب. والصواب: أَنَّ العذاب أَعمّ من العقاب؛ فكل عِقابٍ عذاب، لا العكس. ومما يبرهن على هذه الدَّعوى الدَّلائل التالية: - تسمية الله تعالى على لسان أيوب - عليه السلام - ما ابْتَلِى به عبدَه عذابًا فقال: {أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)} ص: ٤١ والعذاب هنا بمعنى: الضُرّ في بدنه، وأهله الذي ابتلاه الله به ٢، لا على سبيل العقوبة له - عليه السلام -؛ وإنما ابتلاءٌ له. ومن البراهين الدالة على بطلان قصر مفهوم العذاب على العقاب: ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: (السَّفرُ قطعةٌ من العَذَابِ يمنع أَحدكم طعامَه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نَهْمَتَهُ من سَفَرِه فَلْيعجِّل بالرجوع إلى أهله) ٣ فَسَمَّى النبي - صلى الله عليه وسلم - السَّفر قطعةً من العذاب. ومن المعلوم أنه إنما أراد الألم الحَاصِلَ للمسافر على جهة العِقَاب. ومن براهين ذلك أيضًا: أن من العقوبات ما يصيب غيرَ المعاقب؛
١ "فتح الباري" (٣/ ١٩٧ - ط دار السلام) ٢ انظر: "جامع البيان" لابن جرير (٢٠/ ١٠٦ - ١٠٧ - ط دار هجر)، و "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج (٤/ ٣٣٤) ٣ رواه البخاري في كتاب: "العمرة" باب "السفر قطعة من العذاب" (٣/ ٨ - رقم [١٨٠٤])