← المكتبة ▭▭ صفحتان
أصول الإنشاء والخطابة ويليه الخطابة عند العرب-ابن عاشور والخضري حسين-ط المنهاج
محمد الطاهر بن عاشور - محمد الخضر حسين الأدب والبلاغة
A− A+
44
٤٦ أصول الإنشاء والخطابة اتبعوا طريقة المتقدمين بعد أن تمايزت الفنون حتى أصبح طلبة هذا الفن إن هم شرعوا فيه نُقلت لهم المسائل التي قرؤوها في علم البلاغة فلم يجدوا فائدة يستزيدونها، ولا مُهمَّةٌ ينقلونها، فربما أُدخِلَ على أذهانهم بذلك شيء من التهويس (۱) ، زيادة على ما أُضِيعَ من وقتهم النفيس، ولذلك جَعَلْنا بعض مسائل فنون البلاغة لهذا الفنّ كالأصول نُحِيل عليها المتعلم، ونكتفي فيها بتوقيف المعلم ؛ لئلا يطول الفن بلا طائل، وأخذنا من كلام أئمة الفن المتناثر، ما جعلنا له قواعد وكليات وأدرجناه تحتها كالشواهد، فجاء شبيها بقطارٍ نُظِمَ مِنْ مُرْتَاضِ الشوارد (۲)، وجاء أول إملاء فيما علمتُ ظهر به فن الإنشاء مهذَّبًا ممتازا عما سواه، ومَنْ خَبرَ ما من عَلِمَ قيمة ما صنعنا، وكيف تتبعنا مواقع القطر فانتجَعْنا (۳) . وكان العزم معقودًا على أن نعود إلى تلك الأمالي فنهذِّبَ ديباجها، ونعالج مِزَاجَها (٤) ، فحالت دون ذلك شواغل، وصَرَفت الذهنَ خصومٌ ونوازل، إلى أن اشتدت حاجة الراغبين في تعلم الإنشاء إلى كتاب يبيِّنُ طرائقه، ويُدنِي لِجَانِيه حدائقه، فرأيتُ من اختلاف طرق المزاولين، وتعطشهم إلى كتابٍ مُذَكِّر أو معين ما حداني إلى أن نفضتُ منها عُنَّ (٥) الهجران، وأَمَظْتُ عنها عناكب النسيان ورجائي من أهل الأدب ورواته، وأطباء اللسان وأُسَاته، أن يتلقَّوْها تلقَّي الجيش للرَّبيئة (٦) ، ويضموا إليها ما تُوضِحُه شمس أفهامهم المضيئة. سلف كتبه (۱) التهويس : الاختلاط والفساد مصدر الفعل هوس. (۲) القطار: صف الإبل يكون بعضها خلف بعض على نَسَقٍ واحد. ومرتاض الشوارد : ما صار مروضاً من نوافر الإبل والمعنى: أن الكتاب قد جمع من مسائل الفن ما تناثر، وألف ما تنافر. (۳) الانتجاع : طلب الكلأ في موضعه . (٤) مزاج الشراب : ما يُمزج به. (٥) العُمُّ : وهي أَرَضَةٌ تأكل الصُّوف. (٦) الربيئة : الطليعة التي تأتي بخبر العدو، ويتلقاها الجيش بالاهتمام والإصغاء والتشوف جمع لما عندها .