38
40
المختصر الفقهي
الغزالي، وقد تأثر ابن عرفة تأثراً كبيراً به، كما قرر ذلك ابن عاشور، فكان عمله في مختصره؛ رداً على طريقة المختصرات، وانتصاراً لطريقة ابن رشد في بداية المجتهد. ولكن الفرق بين الكتابين أن ابن رشد أورد الفروع والأصول، وأسباب الخلاف، والمذاهب، وأشهر الأقوال في كل مذهب، أما ابن عرفة فإنه اقتصر على إيراد الأقوال في المذهب المالكي، وعلى الفروع دون الأصول(2).
وكان أساس طريقة ابن عرفة في مختصره هي التوسع في النقل بالرجوع إلى الأقوال كلها حتى المتروك منها، أو المحكوم عليه بالضعف والمرجوحية، هادفاً من وراء ذلك إلى تكوين ملكة التفقه ) .
هذا المنهج الجديد يقر أن الراجح هو الراجح ، والمفتی به مفتی به؛ ولكن لا مانع مع ذلك من أن ننظر إلى غير الراجح، وإلى غير المفتى به، وأن تناقش الأدلة بين هذا وذاك، لا على سبيل الإفتاء، أو الحكم بتلك الأقوال المتروكة؛ ولكن على معنى أننا نجعل البحث فيها رياضة نظرية فقهية.
إذ المعتمد من مذهب المالكية عدم جواز الإفتاء الأقوال الضعيفة؛ ولكنها تذكر لفوائد في كتبهم، ذكرها الشَّيخ الصاوي، وحصرها في ثلاثة أشياء هي: اتساع النظر، ومعرفة مدارك الأقوال، والعمل به في نفسه إذا اقتضت الضرورة ذلك (4).
وثمرة هذه الطريقة الاتساع في الأقوال، وإحياء منهج البحث بالترجيح والاختيار، وربما احتاجها الفقيه في بعض فتاويه، وقد فعل ابن عرفة ذلك كثيراً، كما نقل عنه تلاميذه كالأبي.
ابن عاشور، محمد الفاضل ، المذهب المالكي، محاضرة ألقيت في كلية الشريعة بفاس سنة 1966
ضمن كتابه المحاضرات المغربيات، ص: 76.
(2) ابن عاشور، محمد الفاضل المحاضرات المغربيات، ص: 86.
(3) المرجع السابق، ص: 87. (4) فقال : ( فإن قيل : ما فائدة ذكر الأقوال الضعيفة في كلامهم إذا كان لا يجوز العمل بها ولا الفتوى؟ :قلنا أمور ثلاثة الأول: اتساع النظر والعلم بأن الراجح المذكور ليس بمتفق عليه، والثاني: معرفة مدارك الأقوال فلمن له الترجيح ترجيح ما ضعف لقوة المدرك عنده، والثالث: العمل به في نفسه إذا اقتضت الضرورة ذلك، حاشية الصاوي على الشرح الصغير: (2979).