← المكتبة ▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
شمس الدين ابو عبدالله محمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
29
۲۸ إنما خلق الله الخلق لعبادته الجامعة لمعرفته وحبه فهذه سبعة مواضع تنتظم هذين الأصلين الجامعين لمعني التوحيد اللذين لا سعادة للعبد بدونهما ألبتة الوجه الثاني : أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق لعبادته ، الجامعة لمعرفته والانابة إليه ومحبته ، والاخلاص له، فبذكره تطمئن قلوبهم ، وتسكن نفوسهم ، وبرؤيته في الآخرة تقر عيونهم ، ويتم نعيمهم ، فلا يعطيهم في الآخرة شيئاً هو أحب إليهم ، ولا أقر العيونهم ، ولا أنعم لقلوبهم : من النظر إليه ، وسماع كلامه منه بلا واسطة : ولم يعطهم في الدنيا شيئاً خيراً لهم ولا أحب إليهم ، ولا أقر لعيونهم من الإيمان به، ومحبته والشوق إلى لقائه ، والأنس بقر به ، والتنعم بذكره وقد جمع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بين هذين الأمرين في الدعاء الذي رواه النسائي والإمام أحمد ، وابن حبان في صحيحه وغيرهم، من حديث عمار بن ياسر : أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يدعو به « اللهم بعلمك الغيب ، وقدرتك على الخلق ، أحينى ماعلمت الحياة خيرا لي ، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لى ، وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة ، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضى ، وأسألك القصد في الفقر والغنى ، وأسألك نعيما لا ينفد ، وأسألك قرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضى بعد القضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك ، وأسألك الشوق إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة ، اللهم زينا بزينة الإيمان ، واجعلنا هداة مهتدين ) . في هذا الدعاء العظيم القدر بين أطيب شيء فى الدنيا ، وهو الشوق إلى لقائه سبحانه ، وأطيب شيء في الآخرة ، وهو النظر إلى وجهه سبحانه . ولما كان كمال ذلك وتمامه موقوفا على عدم مايضر فى الدنيا ويفتن فى الدين قال : « في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة » ولما كان كمال العبد في أن يكون عالما بالحق متبغاله معلما لغيره ، مرشداً له قال : وَاجْعَلْنَا هُدَاةٌ مُهْتَدِينَ ( ولما كان الرضى النافع المحصل للمقصود هو الرضى بعد وقوع القضاء لاقبله ، فإن ذلك عزم على الرضى ، فإذا وقع القضاء انفسخ ذلك العزم ، سأل الرضى بعده ، فإن المقدور يكتنفه أمران : الاستخارة قبل وقوعه ، والرضى بعد وقوعه . فمن سعادة العبد أن يجمع بينهما ، كما في المسند وغيره عنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ( إن من سعادة ابن آدم استخارة الله ورضاه