← المكتبة ▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
شمس الدين ابو عبدالله محمد بن ابي بكر بن ايوب بن سعد ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
37
تعذيب المنافقين في الدنيا والآخرة بأموالهم وأولادهم وهو غير طيب النفس ، ولا راج من الله جزاء ، ولا من الآخذ منه حمداً ولا شكراً ، بل على صغار منه وكره (۱) وهذا أيضاً عدول عن المراد بتعذيبهم في الدنيا بها ، وذهاب عن مقصود الآية وقالت طائفة : تعذيبهم بها أنهم يتعرضون بكفرهم الغنيمة أموالهم ، وسبى أولادهم ، فإن هذا حكم الكافر ، وهم في الباطن كذلك . وهذا أيضاً من جنس ما قبله ، فإن الله سبحانه أقر المنافقين ، وعصم أموالهم وأولادهم بالإسلام الظاهر وتولى سرائرهم ، فلو كان المراد ماذكره هؤلاء لوقع مراده سبحانه : من غنيمة أموالهم وسبى أولادهم ، فإن الإرادة لهنا كونية بمعنى المشيئة ، وما شاء الله كان ولا بد ، وما لم يشأ لم يكن ، والصواب ، والله أعلم ، أن يقال : تعذيهم بها هو : تعذيبهم بها هو الأمر المشاهد من تعذيب طلاب الدنيا ومحبيها ومؤثريها على الآخرة : بالحرص على تحصيلها ، والتعب العظيم في جمعها ، ومقاساة أنواع المشاق في ذلك ، فلا تجد أتعب ممن الدنيا أكبر همه ، وهو حر ينص بجهده على تحصيلها . والعذاب هنا هو الألم والمشقة والنصب ، كقوله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم « السفر قطعة من العذاب (۲)) وقوله ( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ) ، أى يتألم ويتوجع ، لا أنه يعاقب بأعمالهم، وهكذا من الدنيا كل همه أو أكبر همه ، كما قال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في الحديث الذي رواه الترمذى وغيره من حديث أنس رضى الله عنه « من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهى راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفَرَّق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ماقدر له (4) ومن أبلغ المذاب في الدنيا : تشتيت الشمل وتفريق القلب ، وكون الفقر نصب عينى العبد لا يفارقه ، ولولا سكرة عشاق الدنيا بحبها لاستغاثوا من هذا العذاب ، على أن أكثرهم (۱) نص عبارة ابن جرير » لا تعجبك يا محمد أموال هؤلاء المنافقين وأولادهم ، فتصلى على أحدهم إذا مات وتقوم على قبره من أجل كثرة ماله وولده فإنى إنما أعطيته ما أعطيته من ذلك لأعذبه في الدنيا بالغموم والهموم بما ألزمه فيها من المؤن والنفقات والزكوات وبما ينوبه فيها من الرزايا والمصيبات » (۲) رواه البخارى ومسلم والإمام أحمد وأبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه عن أبى هريرة (۳) رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر (٤) رواه الترمذى من طريق يزيد الرقاشي عن أنس . ويزيد وثق ولا بأس به في المتابعات . وقد روى مثل هذا الحديث بمعناه قريبا منه عن أبي الدرداء . رواه الطبرانى فى الكبير والأوسط والبيهقي في الزهد وعن زيد بن ثابت رواه ابن ماجه ورواته ثقات 6 الترغيب والترهيب للحافظ المنذري في باب التفرغ للعبادة والطبرانى باسناد لا بأس به وابن حبان في صحيحه . انظر • •