← المكتبة
▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
A−
A+
38
تعذيب عشاق الدنيا بالدنيا، وصية الحسن لعمر بن عبد العزيز
۳۷
لا يزال يشكو ويصرخ منه ، وفي الترمذى أيضاً عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : « يقول الله تبارك وتعالى : ابن آدم ، تفرغ لعبادتى أملاً صدرك غنى ، وأسد فقرك ، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلا ، ولم أسد فقرك (1) » وهذا
6
أيضاً من أنواع العذاب، وهو اشتغال القلب والبدن بتحمل أنكاد الدنيا ومحاربة أهلها إياه ومقاساة معاداتهم ، كما قال بعض السلف ( من أحب الدنيا فليوطن نفسه على تحمل المصائب» ومحب الدنيا لا ينفك من ثلاث : هم لازم ، وتعب دائم ، وحسرة لا تنقضى ، وذلك أن مجتها لا ينال منها شيئاً إلا طمحت نفسه إلى ما فوقه ، كما في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام ( لو كان لابن آدم واديان من مال لا بتغى لهما ثالثا ) » وقد مثل عيسى ابن مريم عليه السلام محب الدنيا بشارب الخمر ، كلما ازداد شربا ازداد عطشاً وذكر ابن أبي الدنيا أن الحسن البصرى كتب إلى عمر بن عبدالعزيز «أما بعد: فإن الدنيا دار ظمن ، ليست بدار إقامة ، إنما أنزل إليها آدم عليه السلام عقوبة ، فاحذرها يا أميرالمؤمنين ، فإن الزاد منها تركها ، والغنى فيها فقرها . لها في كل حين قتيل ، تذل من أعزها ، وتفقر من جمعها. هي كالسم يأكله من لا يعرفه ، وهو حتفه ، فكن فيها كالمداوى جراحه ، يحتمى قليلا ، مخافة ما يكره طويلا ، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء ، فاحذر هذه الدار الغرارة ، الخداعة الخيالة ، التى قد تزينت بخدعها ، وفتنت بغرورها ، وختلت بآمالها ؛ وتشوفت لخطابها ، فأصبحت كالعروس المجلوة ؛ فالعيون إليها ناظرة ، والقلوب عليها والهة ، والنفوس لها عاشقة ، وهي لأزواجها كلهم قاتلة ؛ فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته ، فاغتر وطغى ، ونسى المعاد ، فشغل بها لبه ، حتى زَلَّت عنها قدمه ، فعظمت عليها ندامته ، وكثرت حسرته ، واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه ، وحسرات الفوت ، وعاشق لم ينل منها بغيته ، فعاش بغصته ، وذهب بكمده ، ولم يدرك منها ما طلب ، ولم تسترح نفسه من التعب ، فخرج بغير
:
•
•
(۱) نسخة « أملأ صدرك » وقال الترمذي : حديث حسن ورواه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه باختصار والحاكم وقال : صحيح الاسناد . والبيهقي في كتاب الزهد (۲) روى أحمد والبخار ومسلم والترمذى عن أنس ، وأحمد والبخاري ومسلم عن ابن عباس ، والبخارى عن ابن الزبير . وابن ماجه عن أبى هريرة . وأحمد عن أبي واقد الليثى : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لو كان لابن آدم واد من مال لا بتغى إليه ثانيا ، ولو كان له واديان لا بتغى لهما ثالثا . ولا يلا جوف ابن آدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب »