← المكتبة
▭▭ صفحتان
إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان - ابن قيم الجوزية - ت الفقي - ط دار المعرفة
A−
A+
39
۲۸
عذاب أهل الدنيا بما فتنوا به فيها
زاد ، وقدم على غير مهاد . فكن أسر ماتكون فيها أحذر ما تكون لها ، فإن صاحب الدنيا كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصته إلى مكروه ، وصل الرخاء منها بالبلاء ، وجعل البقاء فيها إلى فناء . سرورها مشوب بالحزن، أمانيها كاذبة ، وآمالها باطلة ، وصفوها كدر ، وعيشها نكد فلو كان ربنا لم يخبر عنها خبرا ، ولم يضرب لها مثلا ، لكانت قد أيقظت النائم ، ونبهت الغافل . فكيف وقد جاء من الله فيها واعظ ، وعنها زاجر ؟ فمالها عند الله قدر ولا وزن ، ولا نظر إليها منذ خلقها . ولقد عرضت على نبينا بمفاتيحها وخزائنها (١) لا ينقصها عند الله جناح بعوضة ، فأبى أن يقبلها ، كره أن يحب ما أبغض خالقه ، أو يرفع ماوضع مليكه . فزواها عن الصالحين اختيارا ، وبسطها لاعدائه اغترارا . فيظن المغرور بها المقتدر عليها أنه أكرم بها ، ونسى ما صنع الله عز وجل برسوله حين شد الحجر على بطنه » . وقال الحسن أيضاً «إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب . فأهينوها فأهنأ ماتكون إذا أهنتموها » وهذا باب واسع
وأهل الدنيا وعشاقها أعلم بما يقاسونه من العذاب وأنواع الألم في طلبها ولما كانت هي أكبر هم من لا يؤمن بالآخرة ، ولا يرجو لقاء ربه . كان عذابه بها بحسب حرصه عليها ، وشدة اجتهاده في طلبها .
و إذا أردت أن تعرف عذاب أهلها بها فتأمل حال عاشق ، فان في حب معشوقه ، وكلما رام قربا من معشوقه نأى عنه ، ولا يفى له ويهجره ، ويصل عدوه . فهو مع معشوقه في أنكد عيش . يختار الموت دونه ، فمعشوقه قليل الوفاء ، كثير الجفاء ، كثير الشركاء ، سريع الاستحالة ، عظيم الخيانة ، كثير التلون ، لا يأمن عاشقه معه على نفسه ولا على ماله ، مع أنه لا صبر له عنه ولا يجد عنه سبيلا إلى سلوة تُريحه ، ولا وصال يدوم له ، فلو لم يكن لهذا العاشق عذاب إلا هذا العاجل لكفى به ، فكيف إذا حيل بينه وبين لذاته كلها ، وصار معذبا بنفس ما كان ملتذا به على قدر لذته به ، التي شغلته عن سعيه فى طلب زاده ، ومصالح معاده ؟ . وسنعود إلى تمام الكلام فى هذا الباب فى باب ذكر علاج مرض القلب بحب الدنيا إن شاء الله تعالى ، إذ المقصود بيان أن من أحب شيئاً سوى الله تعالى ، ولم تكن محبته له
(1) يشير إلى حديث ( أعطيت مالم يعط أحد من الأنبياء قبلى نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض - الحديث رواه أحمد عن على رضى الله عنه