← المكتبة ▭▭ صفحتان
الرسالة التبوكية زاد المهاجر إلى ربه - ابن القيم - ت غازي
ابن القيم كتب ابن القيم
A− A+
19
وتصور هذين الأمرين يوجب للعبد انقطاع تعلق قلبه عن غيره بالسكلي خوفاً ورجاء ومحبة ، فإنه إذا علم أن الذى يفر منه ويستعيذ منه إنما هو بمشيئة الله وقدرته وخلقه لم يبق فى قلبه خوف من غير خالقه وموجده ، فتضمن ذلك إفراد الله وحده بالخوف والحب والرجاء ، ولو كان فراره مما لم يكن بمشيئة الله ولا قدرته ، لكان ذلك موجباً لخوفه منه ؛ مثل من يفر من مخلوق آخر أقدر منه ، فإنه فى حال فراره من الأول خائف منه حذراً أن لا يكون الثاني يفيده منه ، بخلاف ما إذا كان الذى يفر إليه هو الذي قضى وقدر وشاء ما يفر منه ، فإنه لا يبقى فى القلب التفات إلى غيره . فتفطن إلى هذا السر العجيب فى قوله ( أعوذ بك منك » و « لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك » فإن الناس قد ذكروا في هذا أقوالا وقل من تعرض منهم لهذه النكتة التى هى لب الكلام ومقصوده . وبالله التوفيق . الهجرة إلى الله • فتأمل كيف عاد الأمر كله إلى الفرار من الله إليه ؛ وهو معنى الهجرة إلى الله تعالى ؟ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم « المهاجر من هجر ما نهى الله عنه » ولهذا يقرن الله سبحانه بين الإيمان والهجرة في غير موضع لتلازمهما واقتضاء أحدهما للآخر . والمقصود : أن الهجرة إلى الله تتضمن هجران ما يكرهه وإتيان ما يحبه ويرضاه ، وأصلها الحب والبغض ، فإن المهاجر من شيء إلى شيء لا بد أن