← المكتبة ▭▭ صفحتان
الوابل الصيب من الكلم الطيب - ابن القيم - ت عوض - ط الريان
شمس الدين محمد بن ابو بكر ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
15
فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق ، وطلب المنزلة والجاه عندهم ، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم، وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع على المناهي. فهذا ليس فعله وتركه صادراً عن تعظيم الأمر والنهي ولا تعظيم الآمر الناهي ، فعلامة التعظيم للأوامر رعاية أوقاتها وحدودها والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها ، والحرص على تحينها في أوقاتها ، والمسارعة إليها عند وجوبها ، والحزن والكآبة والأسف عند فوت حق من حقوقها ، كمن يحزن على فوت الجماعة ويعلم أنه تقبلت منه صلاته منفردا فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضعفاً . ولو أن رجلا يعاني البيع والشراء تفوته صفقة واحدة في بلده من غير سفر ولا مشقة قيمتها سبعة وعشرون ديناراً لأكل يديه ندماً وأسفاً ، فكيف وكل ضعف مما تضاعف به صلاة الجماعة خير من ألف وألف ألف وما شاء الله تعالى فإذا فوت العبد عليه هذا الربح قطعا - وكثير من العلماء لا صلاة له (۱) ـ وهو بارد القلب فارغ من هذه المصيبة غير مرتاع (۲) لها ، فهذا عدم تعظيم أمر الله تعالى في قلبه ، وكذلك إذا فاته أول الوقت الذي هو رضوان الله تعالى ، أو فاته الصف الأول الذي يصلي الله وملائكته على ميامنه (۳) ، ولو يعلم العبد فضيلته الجالد (٤) عليه ولكانت قرعة (٥) . وكذلك فوت الجمع الكثير الذي تضاعف الصلاة بكثرته وقلته . كلما كثر الجمع كان أحب إلى الله عز وجل ، وكلما بعدت الخطا كانت خطوة تحط خطيئة ، وأخرى ترفع درجة وكذلك (۱) لعله يشير إلى قول الامام علي ! لا صلاة لجار المسجد إلا بالمسجد » . . والنفي هنا ليس للحرمان من أجر الصلاة أو سقوط ثوابها ولكن الأسلوب هنا خبري للترغيب لأنه لو كان بمعنى أن صلاته غير معتبرة أو غير مقبولة فيكون هذا قريبا من الحكم عليه بالكفر . بل إن هذا بعين أن من أصر على الصلاة في بيته فإنه يرتكب كبيرة على الأقل .. إن لم يكن إصراره كفراً . وهذا ما لم يقل به أحد والله أعلم (۲) خائف فزع . · (۳) على ميامنه : أي اليمين من وفي ذلك تفضيل للوقوف على يمين الامام والله أعلم . (٤) المجالدة الصبر والاصرار . (٥) ورد في الحديث الشريف ) لو علم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه . . . رواه البخاري ومسلم . . ۱۸