← المكتبة ▭▭ صفحتان
الوابل الصيب من الكلم الطيب - ابن القيم - ت عوض - ط الريان
شمس الدين محمد بن ابو بكر ابن قيم الجوزية كتب ابن القيم
A− A+
17
تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان ، وتكفير العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه . وبهذا يزول الاشكال الذي يورده من نقص حظه من هذا الباب على الحديث الذي فيه أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين ، ويوم عاشوراء يكفر سنة ( قالوا : فإذا كان دأبه دائما انه يصوم يوم عرفة فصامه وصام يوم عاشوراء ، فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كل سنة(١) ، وأجاب بعضهم عن هذا بأن ما فضل عن التكفير ينال به الدرجات وبالله العجب ، فليت العبد إذا أتى بهذه المكفرات كلها أن تكفر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعض ، والتكفير بهذه مشروط بشروط ، موقوف على انتفاء موانع في العمل وخارجه ، فإن علم العبد انه جاء بالشروط كلها (۲) وانتفت عنه الموانع كلها فحينئذ يقع التكفير ، وأما عمل شملته الغفلة أو لأكثره ، وفقد الإخلاص الذي هو روحه ، ولم يوف حقه ، ولم يقدره حق قدره ، فأي شيء يكفر هذا ؟ فإن وثق العبد من عمله بانه وفاه حقه الذي ينبغي له ظاهرا وباطنا ، ولم يعرض له مانع يمنع تكفيره ولا مبطل يحبطه - من عجب أو رؤية نفسه فيه أو يمن به أو يطلب من العباد تعظيمه به أو يستشرف بقلبه لمن يعظمه عليه أو يعادي من لا يعظمه عليه ويرى أنه قد بخسه حقه وأنه قد استهان بحرمته - فهذا أي شيء يكفر ؟ ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر ، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل (۳) مما يفسده ويحبطه (۱) فهمنا معنى التكفير فإنه معونة من الله تعالى فتزداد المعونة وتتضاعف حسب العمل والاخلاص منه قال رشيد رضا وذلك كقولهم: إن جحا صام يوم عاشوراء إلى الظهر وقال يكفيني تكفير ستة أشهر (٢) أي أداها على وجهها الأمثل . (۳) ولهذا كان التعبير القرآني من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلا مثلها » وقد عبر بالفعل ) جاء » ولم يعبر بالفعل ( عمل ) لأن العبرة ليست بعمل الحسنات وإنما العبر بالمحافظة عليها من المتلفات التي قد تعرض لها الانسان فتحرم من المجيء بها يوم القيامة فإنه قد عمل الحسنة ولكن هناك من يجيء بها وهناك من لا يجيء بها . وذلك مثل الصدقة .. فهي سنة ولكنها تبطل بالمن والاذى .. فيكون مثل هذا الانسان قد عمل الحسنة فتصدق ولكنه أتلفها ولم يجيء بها سليمة يوم القيامة ، ونسأل الله العافية ۲۰