← المكتبة
▭▭ صفحتان
جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام - ابن قيم الجوزية - ت الأرناؤوط - ط دار العروبة
A−
A+
12
وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله، وخفي عليه بعضه،
فقلد فيه من هو أعلم منه، فهذا محمود غير مذموم .
ومذهبه في صفات الله سبحانه الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، وإجراؤها على ظاهرها اللائق بجلال الله تعالى من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فإنَّ الله تعالى أعلم بنفسه من كل أحد، ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أعلمُ الخلق. فمتى ورد النص من الكتاب أو السنة الصحيحة بإثبات صفة أو نفيها، فلا يجوز لأحد العدول عنه إلى قياس أو رأي، والكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يُحتذى فيه حذوه، ويتبع مثاله، فإذا كانَ إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات تكييف، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود، لا إثبات تكييف(۱).
الصفات،
(۱) وهذا هو المذهب الذي حكاه الخطابي وغيره من السلف وهو آخر قول أبي المعالي الجويني شيخ الإمام الغزالي، فقد صرح في «النظامية ص: (۲۳) - (٢٤ بالمنع من تأويل الصفات الخبرية، وذكر أن هذا إجماع السلف، وأن التأويل لو كان مسوغاً أو محتوماً، لكان اهتمامهم بها أعظم من اهتمامهم بغيرها. وقال العلامة ابن عابدين في رد المحتار) (۱) / (٥) وهل وصفه تعالى بالرحمة حقيقة أو مجاز عن الإنعام، أو عن إرادته لأنها من الأعراض النفسانية المستحيلة لله تعالى، فيراد غايتها؟ المشهور الثاني، والتحقيق الأول، لأن الرحمة هي من الأعراض القائمة بنا، ولا يلزم كونها في حقه تعالى كذلك حتى تكون مجازاً كالعلم والقدرة، والإرادة، وغيرها من معانيها القائمة بنا من الأعراض، ولم يقل أحد إنها في حقه تعالى مجاز. وقال العلامة الألوسي في تفسيره الكبير» (١ / ٥٦ كونُ الرحمة في اللغة: رقة القلب، إنما هو فينا، وهذا لا يستلزم ارتكاب التجوز عند إثباتها الله تعالى لأنها حينئذ صفة لائقة بكمال ذاته . كسائر صفاته، ومعاذ الله أن تقاس بصفات المخلوقين وأين التراب من رب الأرباب، ولو أوجب كون الرحمة فينا رقة القلب ارتكاب المجاز في الرحمة الثابتة له تعالى، لاستحالة اتصافه بما نتصف به فليوجب كون الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر، ما نعلمه منها فينا ارتكاب المجاز أيضاً فيها إذا أثبتت الله تعالى وما سمعنا أحداً قال بذلك، وما ندري ما الفرق بين هذه وتلك، وكلها بمعانيها القائمة فينا يستحيل وصف الله تعالى بها، فإما أن يُقال بارتكاب المجاز فيها كلها إذا نسبت إليه عز شأنه، أو بتركه كذلك، وإثباتها له حقيقة بالمعنى اللائق بشأنه تعالى، والجهل بحقيقة تلك الحقيقة كالجهل بحقيقة ذاته مما لا يعود منه نقص إليه سبحانه بل ذلك من عزة ،كماله وكمال ،عزته والعجز عن درك الإدراك إدراك، فالقول بالمجاز في بعض، والحقيقة في آخر لا أراه في الحقيقة إلا تحكماً.
6
۱۳