← المكتبة ▭ 1 page
إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية
ابن خالويه التجويد والقراءات 370 هـ
A− A+
243 · ص245
ومن سورة مريم عليها السّلام قولُه تَعَالَى: {كَهيعَصَ}. فيها خمسُ قراءاتٍ: قرأ ابن كثيرٍ، ونافعٌ، وحفصٌ عَنْ عاصمٍ، بتفخيمِ الحُروف كلِّها، وكان نافعٌ قراءته بينَ بين؛ وذلك أنَّ هذه الحروفَ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، وتُمدُّ وتُقصَرُ، وتُمال وتفخَّمُ، فيقال: ياءٌ وطاءٌ، ويا وطا. ومن العربِ من ينحو بِهِ نحو الواوِ، فيقولُ: طُو ويُو وهُو. وقد قرأ بذلك الحَسَنُ «كُهُيُعص». وقرأ عاصمٌ في راويةِ أبي بكرٍ والكِسَائِيّ بإمالةِ هذه الحروف. وقرأ ابن عامر، وحمزة بفتح الهاء وإمالة الياءِ «كَهَيعَصَ»، وكأنَّهما كرها تواتى الفَتَحَات والكَسْرات، فأمالا بَعضًا، وفَتحا بَعضًا. وقرأ أَبُو عَمْروٍ ضدَّ ذَلِكَ، فكسرَ الهاءَ، وفتحَ الياءَ لهذه العلّة الّتي تقدمت. وحدَّثني مُحَمَّد بْن الحَسَن الأَنْبَارِيُّ، عَنْ ابن فَرَحٍ، عَنْ أبي عُمَر، عَنْ اليَزِيِديَّ، عَنْ أبي عَمْروٍ، أَنَّهُ قرأ: «كَهِيِعَصَ» بكسر الهاءِ والياء. قال: قلتُ لأبي عَمْروٍ: لِمَ كَسرتَ الهاءَ؟ ، قَالَ: لئلا تلتبس بالهاء الّتي للتنبيه، قلت: فلمَ كسرتَ الياءَ؟ . قَالَ: لئَلَّا تلتبس بالياءِ الّتي للنِّداء إذَا قلتَ: يا رَجُلُ، ويا زَيْدُ. وهذا حَسَنٌ جدًّا. قَالَ ابنُ مُجاهدٍ: واللَّفظ‍ بهذه الحُروف أن تَنظَر، فَما كَانَ منها عَلَى حرفين كَانَ أقصرَ مدًّا، نحو ها، ويا، وما كَانَ عَلَى ثلاثةِ أحرفٍ كَانَ أطولَ مدا، نحو كاف، وصاد. فإن قيلَ لَكَ: فإنَّ أبا عَمْروٍ وغيرَه مِمَّن أَدغَم الدَّالَ في الذَّالِ من (ص ذكر) جَعلوه أطولَ من كاف؟ فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ الألفَ إذَا وقعَ بعدها حرفٌ مشدّدٌ، نحو دابَّة، وشابَّة، وتابَّة، وهي العجوزُ، فلا بد من مدِّه، تمكينًا للحرفِ المُدغمِ، وليكون حاجزًا بين السَّاكنين. واختلفَ أهلُ التأويلِ في {كهيعص}.
244 · ص246
قَالَ قومٌ: أقسمَ الله تَعالى بحروفِ المُعجم، ثُمَّ اجتزأ ببعضٍ عَنْ بعضٍ. وقال آخرون: بل وهو شِعَارٌ للسُّورة. وقال عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبي بَكْر: لِله تَعَالَى مَعَ كلِّ نبيٍّ سرُّ، وسرٌّ الله تَعَالَى مَعَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في القرآن الحُروفُ المقطعةُ. فإن سألَ سائِلٌ: ما معنى قولِ عليٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: يا كاف ها، يا ع ص اغفر لي؟ فالجوابُ في ذَلِكَ: أنَّ عليًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ يتأوّل كلَّ حرفٍ من الحروف المُقطَّعة اسمًا من أسماء الله عَزَّ وجَلَّ، فالكاف من {كهيعص: } الكافي، والهاءُ: الهادِي، والصَّادُ: من صادقٍ، والعَينُ: من عَليمٍ. كأنَّه قَالَ: يا كافِي، يا هَادي، يا عَلِيم، يا صادق، ثُمَّ اجتزأ ببعضِ الحروف عَنْ كلٍّ، كما تَقُولُ العرب، ألا تا، تريد: أَلا تَرحل؟ فيقول: بلى فَا، أي: بَلَى فَأَفعل. قَالَ الشَّاعِرُ: ناداهُمُ أَنْ ألْجِمُوا ألا تا ... قول امرئ للجلبات عبّا ثُمَّ تَنادوا بعد تِلْكَ الضَّوضا ... منهم بهاب وهل وبابا ومن ذلك حديث رسول الله - صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «كفى بالسَّيف شا». أراد أن يَقُولُ عَلَيْهِ السَّلام: «شاهدًا»، ثُمَّ قَالَ - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أنْ يتتابع فيه الغيران والسكران». وقوله تعالى: {كهيعص ذكر رحمت رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا}. أدغَمَ الدَّال في الذّال أَبُو عَمْرو، وحمزةُ، والكِسَائِيُّ تَخْفِيفًا لقربِ مَخرج الدَّالِ من الذَّالِ. والباقون يظهرون إذَا لم يتجانسا، وليسا أختين. وكان أَبُو عَمْروٍ يسكّن الرَّاءَ من «ذَكِرْ»، ويدغمها في الراء من «رحمة»، فيقول: «ذكر رحمت ربِّكَ». والباقون يظهرون إذَا كَانَا من كلمتين، ولأنَّ الرَّاءَ الأولى متحركةٌ، وقد مَضَى مثل ذَلِكَ فيما سَلَفَ من الكتاب، والتَّقديرُ في الآية: ذِكْرُ ربِّك عبدَه بالرَّحْمَةِ. قولُه تَعَالَى: {إني خفت الموالي من ورائي}. قرأ ابن كثير، فيما قرأت على ابن مجاهدٍ، عَنْ قنبل - «ورآءىَ» بفتح الياء، والمدّ، والباقون يُسَكِّنون الياءَ تخفيفًا، لطولِ الحَرْفِ مَعَ الهمزة.
→ prev 243–244 / 555 next ←