331 · ص333
ويقال: راعٍ ورعاةٌ مثل قاضٍ وقضاةٍ، وراعٍ وراعون مثل قاض وقاضون.
فإن سأل سائلٌ فَقَالَ: ما مثال رُعاة من الصَّحيح؟ فقل: لا مثال له من الصَّحيح عند البصريين؛ لأنَّ وزنَ رعاةٍ فُعَلَه، وعند الكوفيين فُعَّلٌ مثل غُزًّى فِي جمع غاز، والأصل: رُعَّىٌ، فحذفوا حرفًا كراهية التشديد وعوَضُوا الهاءَ فِي آخر. ومثل رُعًى فِي جمع راع بُدًى فِي الأعراب يريدون: «بادُون» قرأ بذلك ابْنُ مَسْعُود.
ومَنْ قَرَأ: «يُصْدِرَ» بالضّمة فمعناه: حَتَّى يصدروا إبلهم ومواشيهم عن الماء، يقال: ورد زيد الماء يرده ورودا وارِدٌ، وصَدَرَ عن الماءِ يًصْدُرُ صَدَرًا فهو صادِرٌ.
وأصْدَرَ: صدَّر غيره وأَورده يُصدره ويُورده إصدارًا وإيرادًا، والموضع: المَصدرُ والمَوردُ.
وقرأ حمزة والكِسَائِيُّ: «حتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ» بإشمام الراء.
ومن العربِ مَن يَقُولُ: حَتَّى يُزْدِرَ الرَّعَآءُ بالزاي خالصًا أنشدني ابنُ دُرَيْدٍ:
ولا تُهَيِّبُنِيْ المَوْمَاةُ أَرْكَبْهَا ... إِذَا تَجَاوَبَتِ الأَزْدَاءُ بالسَّحَرِ
يريدون بأزداء: الأصداء، وهو جمع صَدًى. الصَّدَى: ذَكَرُ البُوْمِ، والصَّدَى:
الصًّوْتُ الَّذِي يُجيبك فِي الحمام والصَّحراء. والصَّدَى: العَطَشُ، والصَّدَى: القِيَامُ بأمرِ المَعَاش، يقال: فلانٌ صَدَى مالٍ. والصَّدَى: عِظامُ المَيِّتِ إذا بَلِيَ، قال أَبُو دُؤَادٍ:
سُلِّط الموتُ والمنونُ عَلَيهم ... فَلَهُمْ فِي صَدَى المَقَاْبِرِ هَامُ
والصَّدَى - أيضًا -: من أَلوان الخَيْلِ، يقال: فَرَسٌ أَصْدَى والأُنثى صَدَّاء. والصَّدأ - بالهمز - صَدَأُ الحَدِيْدِ والسَّيْفِ، قال النَّابِغَةُ:
سَهِكْينَ مِنْ صَدَإِ الحَدِيْدِ كَأنَّهُمْ ... تَحْتَ السَّنَوَّرِ جَنَّةً البَقَّارِ
تقولُ العربُ: يدي من الحديد سَهكه ومن الأشنان فَضيضه. ومن المراد روطه، ومن الخَمر وحده، ومن الزَّعفران ردعه، ومن المسك والطيب عَبقه، ومن الزُّبد وضره، ومن اللَّحم زهمه، ومن الغُثات قَشمه، وقال النَّضر بْن شُميل:
يُقال: لخمرِ العجين إذا حمض: الوصد.
قرأ حمزة وحده: «أو جُذوة» بالضم، وجمعها جُذًى.
وقرأ عاصمٌ: «جَذوة» بالفَتْحِ، وجمعها جُذًى.
وقرأ الباقون: «جِذوة» بالكسر وجمعها جُذًى، قال الشاعر:
332 · ص334
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذى غيرَ خوَّارٍ ولا دَعرِ
الدَّعُرِ من الحَطَب: المدخن المؤذي. ويُسمى الرَّجُلُ العَيَّاب المؤذى الداعر تشبيها بالعود الدَّعِر، والعامةُ تصحف فتقول: ذاعر بالذال، وهو خطأ.
وإنما الذَّاعر المفزع، يقال: ذَعَرَ فلانٌ فلانًا: إذا أفزعه. قال الشَّاعِر:
وماءٍ قَدْ وَرَدتُ لِوَصْلِ أَرْوَى ... عَلَيْهِ الطَّيْرُ كالوَرِقِ اللُّجَيْنِ
ذعرت به القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كَالرَّجُلُ اللَّعِيْنِ
فجَذوة وجِذوة وجُذوة لغات ثلاث بمعنًى، وهو الخشب فِي رأسه نار، ومثله رغوة اللبن، ورغوة، ورغوة.
وقوله تعالى: {واضمم إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ}.
قرأ أهلُ الكوفة وابنُ عامرٍ بضم الرَّاء.
وقرأ الباقون: «من الرَّهَبِ» بفتح الراء، والهاء.
وروى حَفْصٌ عن عاصمٍ: «من الرَّهْبِ» بفتح الراء، وجزم الهاء، فَقَالَ قومٌ: هُنَّ لغاتٌ ثلاثٌ معناه: الفزع والرهبة، أي: اضمم إليك يديك، وهما جناحا الرجل. كما أن الأذن قمع، والعين مسلحة، والقلب أمير؛ لأنه لما ألقى عصاه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فصارت جانًّا تَثَنَى رَهِبَ وفَزِعَ فأمره اللَّه أن يضمَّ إليه جناحَيْه ليذهبَ عَنْهُ الفَزَعُ.
فَقَالَ مجاهدٌ: كُلُّ من فَزِعَ من شيءٍ فضمَّ جَنَاحَهُ إليه - أي: يَدَيْه - وقرأ هذه الآية ذهب عَنْهُ الفَزَعُ، ومن آوى إلى مضجعه فقرأ: «قل يا أيها الكَافِرُوْنَ» لم يَفْزَع فِي نَوْمِهِ.
وقال آخرون: الرُّهْبُ بالضَمِّ: الكُمُّ: يقال للكُمِّ: رِدْنٌ وأردانٌ ورُهْبٌ ورُهْبَانٌ وقِنٌّ وأَقْنَانٌ.
قال الشَّعْبِيُّ: دخلتُ حيًّا من أحياءِ العَرَبِ لأَسألهم عن الرُّهب فدللتُ إلى أفصحِ مَن فِي الحَيِّ فصادَفُتهُ غائبًا عن بيته. وخرجت بُنَيَّةٌ له تروّح عشراوية فقلتُ لها: أيْ بُنَيَّة أينَ أبوك؟
فَقَالت: إن دَلَلْتُكَ عَلَى أَبِي أنطيتني ما فِي رُهْبِكَ؟ فنَثَرْتُ كسرات كانت فِي كُمِّي، فأعطيتها ورَجَعْتُ. وقال قومٌ: الرَّهْبُ بالإِسكان لا يكون مخففًا من مُثَقَّلٍ، لأنَّ العَرَبَ