37 · ص39
«عَلَيْهِمْ» وَيَكُونُ نَصْبًا عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِ الْأَخْفَشِ، وَمَنْ قَرَأَ «غَيْرِ» بِالْخَفْضِ فَإِنَّهُ يَجْعَلُهُ بَدَلًا مِنَ «الَّذِينَ» وَصِفَةً لَهُمْ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ «غَيْرَ» إِذَا كَانَتْ صِفَةً أَوْ كَانَتِ اسْتِثْنَاءً حَسَنٌ إِلَّا فِي مَوَاضِعِهَا، كَقَوْلِكَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ غَيْرُ دَانِقٍ، وَعِنْدِي دِرْهَمٌ غَيْرُ زَائِفٍ، لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ أَنْ تَقُولَ: عِنْدِي دِرْهَمٌ إِلَّا زَائِفًا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَدَّةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا الضَّالِّينَ} إِنَّمَا أُتِيَ بِهَا لِتَحْجُزَ بَيْنَ السَّاكِنَيْنِ وَهِيَ اللَّامُ الْمُدْغَمَةُ وَالْأَلِفُ الَّتِي قَبْلَهَا.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: الْمَدَّةُ عِوَضٌ مِنَ اللَّامَيْنِ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ: لَمَّا كَانَتِ الْأَلِفُ خَفِيَّةً وَالْمُدْغَمُ خَفِيٌّ قَوَّوْهُمَا بِالْمَدِّ.
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ الْمَدَّةَ هَمْزَةً فَيَقُولُ: «وَلَا الضَّأْلِينَ»، وَقَدْ قَرَأَ بِذَلِكَ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ.
أَنْشَدَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عنه:
حمار قبان يسوق أرنبا ... لقد رأيت يا لقوم عجبا
خِطَامُهَا زَأَمَّهَا أَنْ تَذْهَبَا
يُرِيدُ: زَامَهَا.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْحَرْفَ وَإِنْ لَمْ تَخْتَلِفِ السَّبْعَةُ فِيهِ، لِأَنَّ بَعْضَ النَّحْوِيِّينَ يَمُدُّ هَذَا وَنَحْوَهَ مَدًّا مُفْرَطًا، وَالْمَدُّ فِيهِ وَسَطٌ، كَذَلِكَ كَانَ لَفْظُ ابْنِ مُجَاهِدٍ، وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ «وَلَا جَأْنٌّ» مَهْمُوزٌ غَيْرُ مَمْدُودٍ، وَالنُّونُ مُشَدَّدَةٌ.
حَدَّثَنِي ابْنُ مُجَاهِدٍ، قَالَ: رَوَى لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: حَدَّثَنِي ظَفَرُ بْنُ الْعَبَّاسِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ: قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْفَجْرَ فَقَرَأَ «إِنْسٌ وَلَا جَأْنٌّ» فَهَمَزَ فَلَمَّا سَلَّمَ، قُلْتُ: لِمَ هَمَزْتَ؟ قَالَ: فَرَرْتُ مِنِ اجْتِمَاعِ السَّاكِنَيْنِ.
قال أبو عبد الله رضي الله عنه: كَانَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ يُؤْتَى مِنْ قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكْرَهُ اجْتِمَاعَ السَّاكِنَيْنِ، إِذَا كَانَ أَحَدُ السَّاكِنَيْنِ حَرْفَ لِينٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ} وَقَدْ كَانَ كَلَّمَ أبا عَمْرِو بْنَ الْعَلَاءِ فِي الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا حَتَّى فَهَّمَهُ أَبُو عَمْرٍو، وَقَالَ: وَيْحَكَ إِنَّ الرَّجُلَ الْعَرَبِيَّ إِذَا وَعَدَ أَنْ يُسِيءَ إِلَى رَجُلٍ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ يُقَالُ: عَفَا وَتَكَرَّمَ، وَلَا يُقَالُ: كَذَبَ، وَأَنْشَدَ:
وَإِنِّي إِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
38 · ص40
سُورَةُ الْبَقَرَةِ
- قَوْلُهُ تَعَالَى: {لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى}.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ «فِيهْ هُدًى» بِإِدْغَامِ الْهَاءِ فِي الْهَاءِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِالْحَرْفَيْنِ إِذَا الْتَقَيَا، مُتَجَانِسَيْنِ كَانَا أَوْ مُتَقَارِبَيْنِ، فَالْمُتَجَانِسَانِ نَحْوَ: {جَعَلْ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا، } {وَلَا نُكَذِّبْ بآيات ربنا} وذهب {بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} وَإِنْ كَانَ الْحَرْفُ الْأَوَّلُ مُشَدَّدًا لَمْ يُدْغِمْ نَحْوَ: {أُحِلَّ لَكُمْ} وَ {مَسَّ سَقَرَ} أَوْ كَانَتِ الْكَلِمَةُ مَحْذُوفَةَ عَيْنِ الْفِعْلِ نحو: {كدت تركن إليهم} و {كنت ترجوا} أَوْ خَفَّتِ الْكَلِمَةُ بَعْضَ الْخِفَّةِ.
فَأَمَّا الْمُتَقَارِبَانِ نحو {خلقكم ثم رزقكم} وأعلم {بالشاكرين} و {مريم بهتانا عظيما}.
قرأ الْبَاقُونَ كُلَّ ذَلِكَ بِالْإِظْهَارِ، فَحُجَّةُ مَنْ أَدْغَمَ، قَالَ: إِظْهَارُ الْكَلِمَتَيْنِ كَإِعَادَةِ الْحَدِيثِ مَرَّتَيْنِ أَوْ كَخَطْوِ الْمُقَيَّدِ، فَأَسْكَنَ الْحَرْفَ الْأَوَّلَ وَأَدْغَمَهُ فِي الثَّانِي لِيُعْمِلَ اللِّسَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً.
وَأَمَّا مَنْ أَظْهَرَ فَإِنَّهُ أَتَى بِالْكَلَامِ عَلَى أَصْلِهِ لِتَكْثُرَ حَسَنَاتُهُ، إِذْ كَانَ لَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَإِنَّمَا الِإدْغَامُ تَخْفِيفٌ وَتَقْلِيلُ الْكَثِيرِ، وَاتَّفَقَ الْقُرَّاءُ جَمِيعًا عَلَى إِدْغَامِ الْحَرْفَيْنِ الْمُتَجَانِسَيْنِ، وَالْأَوَّلُ سَاكِنٌ نَحْوَ قَوْلِهِ: {أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ}.
- وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}.
قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو إِذَا حَدَرَ الْقِرَاءَةَ أَوْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ «يؤمنون» بِتَرْكِ الْهَمْزِ تَخْفِيفًا، إِذْ كَانَتِ الْهَمْزَةُ تَخْرُجُ مِنْ أَقْصَى الْحَلْقِ وَفِي إِخْرَاجِهَا كُلْفَةٌ، وَأَكْثَرُ الْعَرَبِ يُلَيِّنُهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذِفُهَا جُمْلَةً، فَإِذَا حَقَّقَ الْقِرَاءَةَ هَمَزَ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْهَمَزَاتِ السَّاكِنَاتِ، وَإِذَا كَانَ سُكُونُ الْهَمْزَةِ عَلَامَةً لِلْجَزْمِ، نحو قوله تعالى {أو ننسها، } {إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} لَمْ يَدَعِ الْهَمْزَةَ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْحَرْفِ لُغَتَانِ، نَحْوَ: {مؤصدة} لِأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ لُغَةٍ إِلَى لُغَةٍ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ تَرْكُ الْهَمْزِ أَثْقَلَ مِنَ الْهَمْزِ لَمْ يَدَعِ الْهَمْزَةَ، نَحْوَ قَوْلِهِ: {وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ} وَكَانَ حَمْزَةُ لَا يَهْمِزُ إِذَا وَقَفَ، وَيَهْمِزُ إِذَا أَدْرَجَ وَلَا يُبَالِي إِذَا كَانَتِ الْهَمْزَةُ سَاكِنَةً أَوْ مُتَحَرِّكَةً، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} يَقْفِ «مَوْلًا»، {وَأَصْحَابُ الْمَشْئَمَةِ} يَقِفُ «الْمَشْمَةِ»، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ اتِّبَاعًا