393 · ص395
وحفصٌ عنْ عاصمٍ مثله.
وقرأ نافعٌ والكِسَائِيُّ: «يَكَادُ» بالياء «يَتَفَطَّرْنَ» بياءٍ وتاءٍ. وقرأ أَبُو عمرو وعاصم في رواية أبي بكرٍ: «تكاد» بالتَّاءِ «يَنْفَطِرْنَ» بياءٍ ونونٌ. وقد ذكرنا التأويل فِي سورة مريم كما ذكرنا التلاوة هاهنا فأغنى عن الإعادة.
قوله تعالى: {ويعلم مَا تَفْعَلُونَ}.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ عنْ عاصمٍ: تَفْعَلُونَ بالتاء احتَجُّوا بما حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهد، عن السمري، عن الفراء، قال: أخبرني شَبيب أنَّ بكير بْن الأخنس ذكر، عنْ أَبِيهِ، قَالَ: بينا أَنَا عند عَبْدِ اللَّه بْن مَسْعُود إذ جاء رجلٌ فَقَالَ: يا أبا عَبْد الرَّحْمَن ما تَقُولُ فِي رجلٍ ألمَّ بامرأةٍ فِي شبِيَبِتِه ثُمَّ تابَ، هَلْ لَهُ أن يتزوجَها؟ فَقَالَ عَبْد اللَّه: - ورفع بها صوته وهو يَقُولُ - «وهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ ويَعْلَمُ مَا تََفْعَلُونَ» بالتَّاءِ.
وقرأ الباقون بالياء، لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ - قبل هذه الآية -: {وهو الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عنْ عِبَأدِهِ} .......... {ويَعْلَمُ مَا تََفْعَلُونَ} فشاهدٌ الأولين {حَتَّى إذا كُنْتُمْ فِيْ الفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} لأنَّ العربَ تُرجع من الخِطاب إلى الغيبة، ومن الغَيبةِ إلى الخطاب.
{ويَسْتَجِيْبُ الَّذِيِْنَ آمَنُواْ}، «الَّذِيِْنَ» فِي موضعِ النَّصبِ، والله تَعَالى المُجيب يَستجيب فِي معني يُجيب، استجاب اللَّه دعاك، وأجابَ: بمعنًى.
وقولُه تَعَالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ}.
فِيهِ ثلاثُ قراءاتٍ:
كان ابنُ كثيرٍ يثبت الياءَ وَصَلَ أَوْ وَقَفَ عَلَى الأصلِ، لأنَّ الجَوارِي: السُّفن، واحدها جاريةٌ، فلام الفعلِ، ياءٌ وهي أصلية، ولكنه كُتِبَ فِي المصحف بغير ياءٍ.
وقرأ نافعٌ وأبو عمرٍو بإثبات الياءِ فِي الوَصل، وحذفا فِي الوقف؛ ليكونا مُتبعين الكتاب والأصلِ كليهما.
وقرأ الباقون بحذفِ الياءِ وَصَلُواْ أَوْ وقفوا، اتباعا للمصحف واجتزئ بالكسرة من الياءِ، اتَّفقت المَصاحف عَلَى حذفِها، وكذلك التي في «الرحمن» {وله الجوار المنشآت} لأنَّ «الجوارِ» فِي محلِ الرفع فياؤها ساكنةٌ، ولقيتها لام ساكنة فسقطت
394 · ص396
بالتقاء الساكنين لفظًا، فأسقطت خطًأ.
وفيها قراءةٌ رابعةٌ: «الجَوَارُ» بالرَّفعِ. يروى عنْ ابنِ مسعودٍ، كأنَّه أراد الجوائر فقلت كما قيل جُرُفٍ هارٍ وسلاح شاكٍ والأصل: هائر شاكٍ و «إلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الجَحِيْمَ» والأصل صائل.
وفيها قراءةٌ خامسةٌ: وروى عنْ الكِسَائِيِّ «الجوار» بالِإمالة لكسرِ الراءِ، لأنَّ كلَّ راءٍ مكسورةٍ قبلها ألفٌ. فالعربُ تميلها، نحو قِنطار وجوار وأبرار، ونحو ذَلِكَ.
وقولُه تَعَالى: {وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ}.
قرأ نافعٌ وابنُ عامرٍ: «وَيََعْلَمُ» بالرَّفْعِ عَلَى الاستئناف، لأنَّ الشَّرْطَ والجزاءَ قد تَمَّ فجازَ الابتداءُ بعده.
وقرأ الباقون: «وَيَعْلَمَ الَّذِيِْنَ» بفتح الميم.
فَقَالَ الكوفُّيون: وهو نصبٌ عَلَى الصرفِ من مجزومٍ إلى منصوبٍ كما قَالَ اللَّه تَعَالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} واحتَجُّوا بقولِ الشَّاعرِ:
فإِنْ يَهْلَكْ أَبو قابوسِ يَهْلَكْ ... رَبِيْعُ النَّاسِ والبَلدُ الحَرَامُ
ونُمْسِكْ بَعْدَهُ بِذِنَابِ عَيْشٍ ... أَجَبِّ الظَّهرِ لَيْسَ لَهُ سَنَامُ
وقال أهل البصرة: يَنتصب بإِضمارِ «إن» معناه: وأن يعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم مِنْ مَحِيْصٍ، أي: من مَعْدَلٍ ومَنجى ومَلْجَأٍ، وينشد:
فَلَوْلَا رِجَالٌ مِنْ رِزَامٍ أَعِزَّةٌ ... وآلُ سًبَيْعٍ أَوْ أَسُوْءَكَ عَلْقَمَا
أراد: أن أَسُوْءَكَ، وقال آخر:
ولِبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِيْ ... أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ لِبْسِ الشُّفُوْفِ
أراد: أن تَقَرَّ عَيْنِيْ.
وقولُه تَعَالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ}.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ: «كَبِيْرُ الِإثْمِ» عَلَى التوَّحيدِ، وفَسَّرَهُ الشِّركِ فقط.
وقرأ الباقون: «كَبائِرَ» عَلَى الجَمع. وكذلك ألفاظ الحَديث كلُّ ذَلِكَ وَرَدَ بالجَمْعِ.
واختلفَ النَّاسُ فِي الكبائر، فَقَالَ قومٌ: كلما أوعدَ اللَّه عَلَيْهِ النَّار فهي كبيرةٌ.
وقال آخرون: كلما نهى اللَّه عَنْهُ فهي كبيرةٌ.
وقال آخرون: كبائرُ الِإثم أشياءٌ مخصوصةٌ؛ الشِّركُ بالله تَعَالى، وقتلُ النَّفسِ التي حرَّمَ