397 · ص399
ومن سورة الزُّخرف
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: قد ذكرتُ ألفاظَ السَّبعةِ فِي «حَمَ» وإنما أعدتُ ذكره لأنِّي سَمِعْتُ ابنَ مجاهدٍ يَقُولُ: قرأ ابنُ أَبِي إِسْحَاق: «حم والكتابِ المبين» بالكسرِ جعله قَسَمًا.
وقرأ عِيسَى بْن عُمر: «حم»، وقد ذكرت علّته. قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: قَالَ لي الْعَبَّاسُ: قَالَ لي: المُصطفى - صَلَّى الله عليه وسلم - يوم حنين: «ناولني كنارا من حصباء، قال: فكأن البغلة فهمت فانْحَضَجَتْ أي: انْبَسَطَتْ فتَناول هُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ما أراد ثُمَّ رَمَى فِي وُجُوهِ الكُفَّارِ، وقال: شاهَتِ الوُجُوْهُ، أيْ:
قَبُحَتْ «حم لا يُنْصِرُوْنَ» «قَالَ: فانهزَمَ النَّاسُ، وكانُوا ثلاثين ألفًا، قَالَ عليٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي المعمعة قبل الهزيمة: وقد بقينا سبعةَ نَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وقد حَزِنَنَا الَأمرُ فقلتُ: تقدم رَسُول اللَّه أمامنا فما هُوَ أن تكلم بكلامه، ورمى حتَّى أَعَطُوا الأكتافَ، والَأقْفَاءَ، فأَنزلَ اللَّه تَعَالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى} قَالَ: المُبَرِّدُ: وما رميتَ بقوّتك يا مُحَمَّد إذ رَميت يا محّمد ولكنْ بقوّةِ اللَّه رميتَ. وقال ثَعلبُ: وما قَذفتَ الرُّعبَ فِي قلوبِهم يا مُحَمَّد ولكنَّ اللَّه قَذَفَ فِي قلوبهم الرُّعب حَتَّى انهزموا.
وقال غيرها: لما رَمَى رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الكفّ من الحَصْبَاءِ صارَ فِي عينِ كلِّ واحدٍ من الكَفَرَةِ غَشَاوَةٌ وظُلمَةٌ، وظَلَّوا يَمسحون التُّراب عنْ وُجوههم، قَالَ اللَّه تَعَالى: {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} أي: لم تَكُنْ لتُوصل التُّراب إلى عيونٍ ثلاثينَ أَلفًا ولكن اللَّه أوصله. ويُقال: الَّذِي رَمى فِي ذَلِكَ اليوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
وقولُه تَعَالى: {أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَن كُنتُمْ قَوْمًا مُّسْرِفِينَ}.
قرأ نافعٌ وحَمزةُ والكِسَائِيُّ: «إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا» بكسر الهمزةِ جعلوه مستأنفًا شرطًا.
وقرأ الباقون: «أنْ كُنْتُمْ» جعلوه فِعلًا ماضيًا أراد: إذْ كنتم، كما قَالَ: {أنْ جَاءَهُ الَأعْمَى} أي: إذْ جاءه الَأعمى. وكذلك: أَسُبُّك أنْ حَرَمْتَنِيْ، فموضع «أنْ» نصبٌ عند البَصريّين، جَرٌّ عندَ الكُوفيّين؛ لأنَّ التَّقديرَ: الذِّكرَ صفحا
398 · ص400
لأن كُنتم وبأن كُنتم قومًا مسرفين، والمُسرف: الَّذِي يُنفق فِي مَعْصِيَةٍ ولا إسرافَ فِي طاعةِ اللهِ. وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا إسراف فِي المَأكول والمَشْرُوْبِ».
وقرأ الناسُ كلُّهم: «الذِّكْرَ صَفْحًا» بفتحِ الصَّادِ إلَّا سُمَيْطُ بن عمير وشبيل بن عزرة فإنهما قرءا «صُفْحًا» بضمِ الصَّادِ، وهما لُغتان: الصَّفح، والصُّفح، وضربته بصَفح السَّيف وصُفحه أي: بعَرضه، وضَربتُهُ بالسيف مُصَفَّحًا، وشُبَيْلُ بْن عَزْرَةَ هَذَا القارِئُ: {وادكر بعد أمة} وهذا الذي روى عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قَالَ: «مَثلُ الجَلِيْس الصَّالحِ مِثلُ العطار إنْ أصبتَ من عِطْرِهِ، وإلّا أصبت من رائِحَتِهِ ... » حَدَّثَنَا أَبُو بكرٍ بْنُ الَأشعث، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الأزهر أَحْمَد بْن الأزهر، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن عامرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُبَيْلُ بْن عَزْرَةَ، عنْ أنس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مثل الجليس الصَّالح مثل العطَّار إن لم تُصب من عطره أصبت من ريحه».
وقوله تعالى: {أومن يُنَشَّؤُا فِي الحِلْيَةِ}.
قرأ حمزةُ والكِسَائِيُّ وحفصٌ، عن عاصم: «ينشأ» بالتشديد جَعَلُوا «مَنْ» فِي موضعِ مفعولٍ؛ لأنَّ اللَّه تَعَالى قَالَ: «إنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً» فأنشأتُ وَنشَأْتُ بمعنًى: إذا رَبَّيْتُ، يُقال: قد نَشَأَ فلانٌ، ونشَّأه غيرُهُ، ويُقال: غُلامٌ ناشئٌ، إذا أدرك، وَيُقَال:
قد أشهد الغُلام: إذا احتَلَمَ، وبلغَ أَشُدَّه، وقيل: احتَلَم، وقيل: بَلَغَ ثمانِي عشرة سنةً، وقيل خمسًا وثلاثين سنةً، وبلغ الغُلام السَّعْيَ: إذا احتَلَمَ. قيل: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ} قَالَ: كان ابنُ ثلاثَ عَشْرَة، ويُقال قد أخْضَرَّ إزارُهُ: إذا احتَلَمَ، وذلك أن ابْنُ عُمر أُتِيَ بغلامٍ قد سَرَقَ، فَقَالَ: إن كان قد اخْضَرَّ إِزاره فاقْطَعُوه.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: إنما كَنَّى بنبَاتِ شعرِ عانَتِه، كما تَقُولُ العَرَبُ: فلانٌ عفيفُ الإِزار: إذا كان صائِنًا لفَرجه، ويُقال: أنبت: إذا احْتَلَمَ، وقيل فِي قولِهِ تَعَالى: {ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} قَالَ: هُوَ نَبَاتُ شِعْرته وإبطه.
وقرأ الباقون: «أو من ينشأ» جعلوا الفعلَ لهم؛ لأنَّ اللَّه أنشأهم فَنَشَئُوا، وَيُقالُ للجواري المِلاح: النَّشْأُ، قَالَ نُصَيْبٌ:
وَلَوْلَا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصِّغَارُ
وقرأ عَبْدُ اللَّه بْن مسعودٍ: «ولا يُنَشَّئُوا إلا فِي الحِلْيَةِ» وذلك أن اللَّه تعالى احتج