413 · ص415
وقوله تعالى: {وليوفيهم أَعْمَالهُمْ}.
قرأ عاصمٌ وهشامٌ، عنْ ابنِ عُمَرَ، وأبو عَمْرٍو، وابنُ كثيرٍ بالياء أي ليوفيهم اللَّه.
وقرأ الباقُون بالنُّون، اللَّه تَعَالى يُخبر عنْ نفسه وليوفيهم نصبٌ بلام كي.
وقولُه تَعَالى: {لَا يُرَى إلّا مَسَاكِنُهُمْ}.
قرأ عاصمٌ وحمزةُ: «لا يُرَى إلَّا مَسَاكِنُهُمْ» بالياء عَلَى ما لم يُسم فاعله.
ومساكنهم بالرّفع عَلَى تقدير لا يرى شيءٌ إلا مساكنهم.
وقرأ الباقون: «لا تَرى» بالتاء عَلَى خطاب النَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إلا مَسَاكِنَهُمْ» بالنَّصب مفعولٌ بها. أي: قد هَلَكُوا فلا يُحَسُّ لَهُمْ أَثَرٌ خلا المَنَازِلَ والمساكنَ.
واحتجَّ أصحابُ هذه القراءَة بما حَدَّثَنِي ابنُ مجاهدٍ عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاءَ. قَالَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الفضل الخراساني، عنْ عطاءٍ، عنْ أَبِي عَبْد الرَّحْمَن، قَالَ: سَمِعْتُ عليًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يقرأ: «لا تَرَى إلَّا مَسَاكِنَهُمْ».
وفيها قراءةٌ ثالثةٌ، قرأ الْحَسَن: «لا تُرى» بالتاء والضم لتأنيث المساكن.
وقولُه تَعَالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}.
قرأ ابنُ عامرٍ: «أَأَذْهَبْتُمْ» بهمزتين الأولى ألفُ توبيخٍ بلفظ الاستفهامِ، ولا يكون فِي القرآن استفهامٌ، لأنَّ الاستفهام استعلام ما لا يُعلم والله تَعَالى يعلم الأشياء قبلَ كونِها فإذا وردَ عليك لفظةٌ من ذلك فلا تخلو من أن يكونَ توبيخًا أَوْ تقريرًا، أَوْ تعجبًا أَوْ تسويةً أَوْ إيجابًا أَوْ أمرًا. فالتّوبيخ «أأذهبتم»، والتَّقرير {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} والتَّعَجُّبُ {القَارِعةُ ما القَارِعَةُ} و {الحاقة مَا الحَاقَّةُ} و {كيف تكفرون} والتسوية {سَوَاْءٌ عليهم أأنذرتهم} والإيجاب {أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا} والَأمرُ {أأسلمتم} معناه: أَسلِمُوا، والألف الثّانية ألفُ القَطع. فإذا اجتمع همزتان فأكثرُ العرب والقراء يُلينون الثانية تخفيفًا. فلذلك قرأ ابنُ كثير «آذْهَبْتُمْ» بألفِ مُطولة.
وقرأ الباقون: «أَذْهَبْتُم» عَلَى لفظِ الخبرِ بألفٍ واحدةٍ، فيحتمل هَذَا أن يكونوا أرادوا: أَأَذهَبْتُم فخزلوا ألفًا تخفيفًا. ويجوز أن يكونَ تأويلُه: ويوم يُعرض الَّذِيِْنَ كفَروا عَلَى النَّارِ، يُقالُ لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ، قَالَ عُمَر بْن الخطاب رحمة اللَّه عليّه لو شِئْتُ أن
414 · ص416
يدهمق إلى الطعام لدعوت بصَلَّاءٍ أي شواء وصناب، وهو الخردل بالزبيب، وكراكر وأفلاذ وهو الحزة من اللحم يعني القطعة من اللحم، ولكني سمعتُ اللَّه يَقُولُ: {أَذهِبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}.
حَدَّثَنِي أَبُو الْحَسَن بْن عُبَيْد، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيل القاضي، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حَرب، عنْ أَبِي هلال، عنْ الْحَسَن، قَالَ: قَالُوا لعُمر بْن الخطاب: يا أمير المؤمنين أَلا تُصيب من طيّبِ الطَّعام، فَقَالَ: إني سَمِعْتُ اللَّه ذكر قومًا فَقَالَ: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} فو الله لولا ذَلِكَ لشركتكم فِي طيِّب الطعام.
وقال: كان عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رجلًا يخاصم بالقرآن قَالَ: وحدثنا إِسْمَاعِيل، قَالَ:
حَدَّثَنَا سُلَيْمَان بْن حرب، قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو هلال، عنْ حميد بْن هلال بْن حفَص بْن القاضِي أَنَّهُ كان يَشْهَدُ طعامَ عُمَر رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فلا يأكلُ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَر: يا أبا حفص ما لك لا تأكل من طَعَامِنَا، قَالَ: يا أميرَ المُؤمنين أرجع إلى بيتي إلى طعام هُوَ أطيبُ من طَعامِك وأكثرُ، قَالَ ثَكِلَتْك أُمُّك أَتَرَانِي أَعجز أن آخذ شاةً فأنزَعَ شعرتها ثُمَّ أعمد إلى صاعٍ من زبيب فألقيه فِي سقاء حَتَّى إذا كان مثل دَمِ الغَزال شَرِبْتُهُ، وآخذ من البقي كذا، وكذا. قَالَ يا أمير المؤمنين أراك عالمًا بالعَيش، قَالَ: والله لولا أن ينقصَ من حسناتنا لشَركناكُم فِي طيِّب الطّعام. قَالَ: وحدَّثني إِسْمَاعِيل، قَالَ: حَدَّثَنِي منجاب، عنْ عليّ بْن مسهر، عنْ الْأَعْمَش، عنْ زيِد بْن وهبٍ، عنْ حُذيفة، قَالَ:
أتيت عُمَر بْن الخطاب وقد قرب قصعة ليُطعم الناس، فَقَالَ لي: اجلس فجلستُ فلما فرغ دعاني ودعا بقصعةٍ من ثريد بخَلٍّ وزَيْتٍ فَقَالَ لِي: كُلْ. فقلت: يا أميرَ المؤمنين مَنَعْتَنِي من الطَّعام الطَّيِّبِ، قال: ذاكَ طعامُ النَّاس، وإنّما أُطعمك من طَعامي. قَالَ:
وحدثنا إسماعيل، قال: حَدَّثَنَا الوليد بْن هشام المعيطي، عنْ معدان بْن طلحة اليَعمري، قَالَ: قدمت عَلَى عمر بن الخطاب بقطائف وطعام فأمر بِهِ فقُسم، ثُمَّ قَالَ:
اللهم إنك لَتَعْلَمُ أنِّي لم أرزأ فيهم، ولم أَستأثر عليهم إلا أضع يدي مَعَ أَيديهم فِي جفنةِ العامَّة وقد خِفت أن تجعله نارًا فِي بَطْنِ عُمر.