445 · ص447
ومن سورة التغابن
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه: إنَّما سُميت هَذِهِ السُّورة بذلك لقوله: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ} ويومَ الجمعِ: يومُ القِيَامَةِ. وذلك أن أهلَ الجنَّةِ غَبنوا أهل النار، واستنقصوا عُقولَهم حينَ عبدُوا مَعَ اللهِ إلهًا آخرَ، يُقال: غُبِنَ الرجلُ فِي الشَّراءِ والبَيع غَبْنًا، وغُبِنَ الرَّجلُ رأْيه يُغْبَن غَبَنًا، فالفاعل غابِنٌ، والمفعول مغبونٌ.
وقولُه تَعَالى: {يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ}.
قَرَأَ نافعٌ وابنُ عامرٍ بالنُّون.
وقرأ الباقون بالياءِ.
وَقَدْ ذكرتُ نحو ذَلِكَ فيما سَلَفَ، وإنما ذكرتُه لأنَّ بعده: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}.
فحدّثني ابنُ مجاهدٍ، عنْ السِّمَّرِيّ، عنْ الفَرَّاءِ، قَالَ: معناه: أنْ تَقولَ عندَ المُصِيْبَةِ {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} فتلك هي الهِدَاية.
وقال آخرون: «يَهْدِ قَلْبَهُ» إذا ابتُلى صَبَرَ، وإذا أُنْعِمَ عَلَيْهِ شَكَرَ، وإذا ظُلِمَ عَلَيْهِ غَفَرَ.
وروُى عنْ أَبِي بكرٍ الصِّديق رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَرَأَ: «يهدئ قَلْبُهُ» أراد يهدأ أي:
يَسكن، يُقال: هدأ يهدأ، والأمر اهدأ يا هَذَا مثل اقرأ، ويُقال: طرقت فلانًا بعد ما هدأتِ الرِّجْلُ أي: بعد ما نامَ النَّاس، وأتيته قبل العُطاس أي: وقت السَّحر قبل أَن يَنْتَبِهَ النّاسُ.
وقولُه تَعَالى: {يُضاعِفْهُ لَكُمْ}.
قَرَأَ ابنُ كثير وابن عامر: «يضعفه» مشدَّدةً بغيرِ ألفٍ.
وقرأ الباقون بألفٍ. وَقَدْ ذكرتُ علّته فِي البقرة.
وقولُه تَعَالى: {يَوْمَ يَجْمَعُكُمُ}.
فِيهِ ثلاثُ قراءات:
رُوى عنْ عَبَّاس وأبي عَمْرٍو بإسكان العين.
وقرأ فِي سائر الروايات باختلاس الحركة مثل «يَأمْرُكُمْ» «ويَنْصُرُكُمْ» والباقون يضمون بالإشباع.
446 · ص448
ومن سورة الطلاق
قولُه تَعَالى: {يُدْخِلْهُ}.
قَرَأَ نافعٌ وابنُ عامرٍ بالنون.
والباقون بالياء.
وقولُه تَعَالى: {وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا}.
قَرَأَ ابنُ كثيرٍ وحدَه: «وَكَايِنْ».
والباقون «وكَأيِّنْ» وَقَدْ ذكرتُ علة ذَلِكَ فِي آل عِمران.
وقولُه تَعَالى: {إنَّ اللَّه بالِغُ أَمْرِهِ}.
روى حفصٌ عاصمٍ: «بالغُ أمرِهُ» مضافًا.
والباقون: «بَالِغٌ أَمْرَهُ» وَقَدْ ذكرتُ علة ذَلِكَ والفرق بينهما فِي الأنفال.
وقولُه تَعَالى: {وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا}.
قَرَأَ ابْنُ عامرٍ وحدَه: «نُكُرًا» بضمتين.
وقرأ الباقون: «نُّكْرًا» وهما لُغتان كما بينت في سورة الكهف غيرَ أنّ الاختيار فِي هَذِهِ السُّورة الِإسكان ليكون أشبه برءوس الآي، لأن قبله قدرا وعسرا وأمرا كما كَانَ الاختيار فِي سورة القَمر نُكُرْ لقوله: «الدبر» و «مستطر».