515 · ص517
ومن سورة البلد
قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: سُمِّيت هَذِهِ السُّورة أعني: {لا أُقْسِمُ بهذا البَلَدِ} والبَلَدُ هنا:
مكَّة {وأَنَتَ حِلٌّ} خاطب محمدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا البلد وذلك أنّ مكة ما أحلت لأحدٍ قبل رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولم يَفتحها أحدٌ قبله فحللّها لَهُ ساعةً من النَّهار يومَ فتح مكة {ووالدٍ وما وَلَدَ} الوالد: آدم عَلَيْهِ السَّلام، وما ولد ذُريته.
حَدَّثَنِي أَبُو طالبٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ، قَالَ: سرتُ إلى مجلس أَبِي جَعْفَر الطَّبري وكان يومًا مَطِيْرًا فرآني قَدْ اغتممت، فَقَالَ: والله لأعوضنَّك {لا أُقسم بهذا البلد} يعني مكَّة {وأنتَ حلُّ بهذا البَلَدِ} يعني مُحَمَّدًا {ووالدٍ} يعني عليًّا وفاطمة {وَمَا وَلَدَ} يعني: الحَسَنَ والحُسَين. قَالَ: فقمت فقبَّلتُ رجله وانصَرَفتُ.
وقولُه تَعَالى: {فَكُّ رَقَبَةٍ}.
قَرَأَ ابْنُ كَثِيْرٍ وأبو عَمْرو والكِسَائِيُّ: «فَكَّ» بالفتح جعلوه فعلًا ماضيًا «رقبةً» مفعول.
وتقول العرب: فككت الأسيرَ والرهنَ أفكُّ فكًا، فالمصدر عَلَى لفظِ الماضي، ونَسَقَ {إطْعَامٌ} عَلَى «فك» و {في يوم ذِي مَسْغَبَةٍ} المسغبةُ: المجاعةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:
لاهَ ابن عمك لا فضلت فِيْ حَسَبٍ ... عَنّى ولا أَنْتَ دَيَّانِي فَتَخْزُونِي
ولا تَقُوْتُ عِيَالِي يَومَ مَسْغَبَةٍ ... وَلَاْ بِنَفْسَكَ في الضراء تُواسِيِنْي
وحدَّثني أَبُو عُمَر، عنْ ثعلب، عنْ أَبِي نصرٍ، عنْ الَأصمعي، قَالَ: الفَكُّ أن تفك الرّقبة والخِلخال واليَد فكًّا، وَيُقَالُ: أصابه فَكَكٌ. قَالَ رؤبةُ:
هَاجَاكَ مِنْ أَرْوَى كَمِنْهَاض الفَكَكْ
وتُسمى النُّجومُ المستديرةُ الفَكَّةَ. وَيُقَال: فِيْ فلانٍ فَكَّةٌ: إِذَا كَانَ فِيْ رأيه استرخاءٌ. ويُقالُ: فلانٌ يَسعى فِيْ فكاكِ رقبته، وهلمّ فكاك رَهنك. ويقالُ انكسر أحدُ فكَّيه أي: لَحْيَيْهِ. وينشد:
كأنَّ بينَ فَكِّها والفَكِّ ... فَارَةُ مِسْكٍ ذُبِحَتْ فِيْ سَكِّ
وأجمع القُراء عَلَى ذي بالياء نعتٌ ل «يومٍ» إلَّا الْحَسَن البصري فإنه قرأ، «في يومٍ ذَا مسغبةٍ» جعل «ذا» نعتًا لمحذوف، والتَّقدير: أَوْ إطعام فِيْ يومٍ فَقَيرًا ذا مسغبة.
516 · ص518
والاختيار ما عَلَيْهِ النَّاس. و «يَتِيمًا» مفعول إطعام.
وقرأ الباقون: «فَكُّ رَقَبَةٍ» جعلوه مصدرًا. وأضافوه إلى رقبة، والمصدر إِذَا كَانَ بتقدير الفعل عمل عمله. فهذا وإن كَانَ فِيْ اللَّفظ مضافًا فهو فِيْ المعنى مفعول.
وتلخيصه: فلا يقتحم العقبة، ولا يجوز الصّراط إلا من كَانَ بهذه الصّفة أن يفك رقبة «أو إطعام في يوم ذي مسغبة» أي: أَوْ أن يطعم يتيمًا. فَقَالَ أهل البصرة:
ينتصب يتيمًا بإطعام.
وقال أهل الكوفة: المصدر إِذَا نون أَوْ دخلته الألف واللام لم يعمل فقيل لهم: فبمَ تنصبون يتيمًا؟ فقالوا: بفعل مشتق من هَذَا المصدر والتقدير عندهم: «أَوْ إطعامٌ» أن يطعم يتيمًا.
وقولُه تَعَالى: {مسكينًا ذا متربة}.
نسق عَلَى «يتيمًا ذا مقربة» أي: قَدْ لصق بالتراب من الفقر وشدّته، يُقال ترب الرجلُ: إِذَا افتقر والتصق بالتراب، وأترب: إِذَا استَغنى أي: صار ماله كالتُّراب كثرةً، فأمَّا قول رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ للرجل الَّذِي قَالَ لَهُ: «تربت يَداك» فقد فسرتُهُ فِيْ غير المَوضع.
وأمَّا الفرقُ بين المسكين والفقير، فإن أكثرَ النَّاسِ قَالُوا المسكين أسوأُ حالًا من الفقير الَّذِي لَهُ البلغة من العيش، والمسكين الَّذِي لا شيء لَهُ. واحتجوا بقول الشَّاعِر:
أمَّا الفقيرُ الَّذِي كانَت حُلُوبَتُهُ ... وفقَ العيالِ فلَم يُترك لَهُ سَبَدُ
وقال آخرون: الفَقيرُ أسوأ حالًا من المسكين؛ لأن اللَّه تَعَالى قَالَ: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ} فَقَالَ مَنْ يحتج للقول الأول: هَذَا لا يلزم من جهتين:
إحداهما: أنَّ أبا مُحَمَّدٍ قطربًا قَرَأَ: «أمَّا السَّفِيْنَةُ فكانت لِمَسَّاكِيْنَ» أي:
لملَّاحين.
والجهة الأخرى: أن اللَّه تَعَالى قَالَ: «لِمَسَاكيْنَ» أهل بيت فيهم كثرة عدد فهم فقراء وإن كانت لهم سفينةٌ.
فأمَّا قولُه: {أَهْلَكْتُ مَاْلًا لُبَدًا}.
فأجمع القراء السبعة عَلَى ضمِّ اللام وتخفيف الباء جمع لُبْدَةٍ مثل غُرفةٍ وغُرفٍ، وقبلة وقبل.