← المكتبة ▭ 1 page
إعراب القراءات السبع وعللها ط العلمية
ابن خالويه التجويد والقراءات 370 هـ
A− A+
521 · ص523
ومن سورة «واللَّيْلِ» قَالَ أَبُو عَبْد اللَّه: أقسم اللَّه تَعَالى باللَّيل إِذَا غشى ظلمته ضوء النهار وب‍ {والنهار إِذَا تَجَلَّى} عنْ ظلمة اللَّيل، {وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى} فِيْ حرف عَبْدِ اللَّه: «الَّذِي خَلَقَ الذَّكر والُأنثى» لأنَّ ما بمعنى الَّذِي، وقيل: ما بمعنى مَنْ، وقيل: ما مَعَ الفعل مصدر والتقدير: وخلقه الذَّكر والُأنثى. وجوابُ القَسَم {إنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى}. - وقولُه تَعَالى: {فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى}. قَرَأَ ابنُ كَثيرٍ فِيْ روايةِ البَزِّي: «نَارًا تَّلَظَّى» بتشديد التاء، يريد: تتلظى، فأدغم. وَقَدْ روى عنْ عَبْد اللَّه بْن عمير: «نَارًا تَتَلَظَّى» بتاءين. حَدَّثَنَا ابنُ مجاهدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن رحمة، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّه، عنْ سُفْيَان بْن عيينة، عنْ عَمْرو بْن دينار، قَالَ: رَأَيْت عَبْد اللَّه بْن عمير يقرأ فِيْ المغرب «فَأَنْذَرْتُكُمْ نارًا تَّلَظَّى» بالتَّشديد. قَالَ: وحرك رأسه ولحيته، وروى الفَرَّاءُ عنْ ابْنُ عُيينة عنْ عَمْرِو، عنْ عَبْد الملك: «تَتَلَظَّى» بتاءين، وكلٌّ صوابٌ بحمدِ اللَّه. وقرأ الباقون: «تَلَظَّى» بتاءٍ واحدةٍ مخففة، وأسقطوا تاء تخفيفًا، وجميع ما فِيْ كتاب اللَّه تَعَالى من التاءات اللواتي شدَّدها ابْنُ كَثِيْر - فِيْ رواية البزي - أحدٌ وثلاثون حرفًا قَدْ ذكرتُها كلها فقوله: {فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تلظى لا يصلاها إلا الأشقى} وَقَدْ علمنا أن النار قَدْ يصلاها من كَانَ بغير هَذِهِ الصفة فمعنى ذَلِكَ أن النار دركات وطبقات، فيجازون عَلَى قدر ذنوبهم، كقولُه تَعَالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} فكذلك لا يصلى هَذِهِ النار التي تتلظى إلا الأشقى الَّذِي كذب وتولى. وقال آخرون: بل جميع من دخل النار بذنوبه فهو يصلي هَذِهِ النار. نعوذ بالله من جهنَّم، ومن عمل يقرب من النار، ونسأله عملا يدني من الجنة ويزلف لديه إنه سميع الدعاء.
522 · ص524
ومن سورة «والضُّحى» قَالَ أَبُو عبدِ اللَّه: هِيَ مكيّة، والضُّحى جزءٌ من الشَّمس، وهي أول ساعةٍ من النَّهار من حين تطلع الشمس. فأقسم اللَّه تَعَالى وب‍ {اللَّيْلِ إذَا سَجَى} يعني: إِذَا غَطّى ظلمته ضوءَ النهار. فقرأ الناس كلهم: «سجى» مُخفَّفًا إلا الْحَسَن، فإنه قَرَأَ «سجَّى» مشدَّدًا، والسَّاجي: السَّاكِنُ، وَيُقَال: بحر ساجٍ، وليل ساجٍ لام الفعل ياءٌ مبدلةٌ من واو، والأصل: ساجو فصارت الواو ياء لانكسار ما قبلها. فأمَّا الساج الطيلسان فلام الفعل جيم {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ} جوابُ القسم. وأجمع القراء عَلَى تشديد الدَّال من ودَّع يودع من التَّوديع والمفارقة والترك، وذلك أن الوحي احتبس عنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خمس عشرة سنة فَقَالَ كفار قريش: إن اللَّه قَدْ ودع محمدًا وقلاه أي: أبغضه كذبا منهم، وعدوانا فأنزل الله تعالى مقسما: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} وروى عنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هشام بْن عروة: «ما وَدَعَكَ ربُّك» مُخففًا، أي: ما تركك من قولهم: زيدٌ يدع عمرًا أَوْ ينبذه أي: يتركه: وهذا لا يصححه أهل النقل؛ لأنَّ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفصحُ الناسِ فلا يقرأ إلا باللُّغة الفصحى، وكلامُ العربِ يدع، ويذر، ولا يُقال مِنْهُ ودعته، ولا وذرته. وإنما جاء ذَلِكَ فِيْ بيتِ شعر. أنشدني أَبُو بشر بالرَّي، عنْ الْمَازِنِي: لَيْتَ شِعْرِيِ عَن خَلِيِلي مَا الَّذِي ... غَالَهُ فِي الحُبِّ حَتَّى وَدَعَهُ وقال سيبويه: استغنت العرب بتركه عنْ ودعته كما استغنوا بأنت مثلى وأنا مثلك عنْ أن يقولوا أنت لي وأنا لَكَ. وقولُه تَعَالى: {وَوَجَدَكَ عائلًا فَأَغْنَى}. قَرَأَ أَبُو عَمْرو: «وَوَجَدَكَ عِائِلًا» بكسرِ العين فيما حَدَّثَنِي ابْنُ مجاهد، قَالَ: حَدَّثَنَا الجمال، عنْ روح، عنْ أَحْمَد، عنْ أَبِي عَمْرو أَنَّهُ قَرَأَ «عائِلا» بالِإمالة والمدَّ والهمز والمشهور عنْ أَبِي عَمْرو «عائِلا» بفتح العين، وكذلك قُرَأَهُ الباقون. وقال سيبويه: تجوز الِإمالة فِيْ كلِّ شيء عَلَى فاعل نحو: عالم وعامل ومالك لأنه
→ prev 521–522 / 555 next ←