261 · ص135 · ج2
في الألفاظِ دلالتُها على مرادِ الناطقينَ بها، فنحن نرجع ١ في معرفةِ كلامِ الشارعِ إلى معرفةِ لغتِه وعرفِه وعادتِه، وكذلك في خطابِ كلِّ أمةٍ وكلِّ قومٍ، فإذا تخاطبوا بينَهم في البيعِ والإجارةِ، أو الوقفِ، أو الوصيةِ، أو النَّذْرِ، أو غيرِ ذلك بكلامٍ: رُجِع في ٢ معرفةِ مرادِهم إلى ما يدلُّ على مرادِهم من عادتِهم في الخطابِ، وما يقترِنُ بذلك من الأسبابِ.
وأما أن نجعلَ نصوصَ الواقفِ أو نصوصَ غيرِه من العاقدينَ كنصوصِ الشارعِ في وجوبِ العملِ بها؛ فهذا كفرٌ باتِّفاقِ المسلمِينَ؛ إذ لا أحدَ يُطاعُ فيما يأمرُ به من البشرِ بعدَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
والشروطُ إن وافقَتْ كتابَ اللهِ؛ كانت صحيحةً، وإن خالفَتْه؛ كانت باطلةً، كما ثبَتَ عنه أنه قال: «من اشترطَ شرطًا ليس في كتابِ اللهِ فهو باطِلٌ، وإن كان مائةَ شرطٍ» ٣، وهذا الكلامُ حكمُه ثابتٌ في البيعِ والإجارةِ والوقفِ وغيرِه باتِّفاقِ الأئمَّةِ؛ إذ الأخذُ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السببِ.
فإذا شرَطَ فعلًا محرمًا ظهَر أنه باطلٌ؛ فإنه لا طاعةَ للمخلوق في معصيةِ الخالقِ، وإن شرَطَ مباحًا لا قربةَ فيه كان أيضًا باطلًا؛ لأنه شرَطَ شرطًا لا منفعةَ فيه، لا له ولا للموقوفِ عليه، فإنه في نفْسِه لا ينتفعُ إلا بالبِرِّ والتقوى.
١ قوله (نرجع) سقطت من الأصل. والمثبت من (ك) و (ز).
٢ في الأصل: على. والمثبت من (ك) و (ز).
٣ رواه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤) من حديث عائشة رضي الله عنها.
262 · ص136 · ج1
كان القبرُ قبلَه، فإمَّا أن يُزالَ المسجدُ، وإمَّا أن تزالَ صورةُ القبرِ ١.
والجمهورُ على أن قليلَ الحشيشةِ وكثيرَها حرامٌ، بل الصوابُ: أن آكلَها يُحَدُّ، وأنها نجِسةٌ، ولا خلافَ بينَ المسلمينَ أنه يجبُ الإنكارُ على الذين يَسكرون بها.
وقولُ القائلِ: «إنَّ مَن طَوَّلَ القيامَ عن الركوعِ، والجلوسَ بينَ السجدتينِ؛ تبطُلُ صلاتُه»: قولٌ ضعيفٌ باطلٌ.
ومَن قال: لا تجوزُ الصلاةُ خلفَ الأئمةِ المالكيةِ - مثلًا- أو غيرهم: فهو كلامٌ مُنكَرٌ، من أشنعِ المقالاتِ، يستحقُّ مُطلِقُه التعزيرَ البليغَ؛ فإنَّ فيه من إظهارِ الاستخفافِ بحرمةِ هؤلاءِ السادةِ ما يوجِبُ عظيمَ العقوبةِ، ويُدخِلُ صاحبَه في أهلِ البدعِ المضلةِ.
وكذا مَن قال: «لا تجوزُ الصلاةُ خلفَ مَن لم تُعرَفْ عقيدتُه، وما هو عليه»: فهو قولٌ لم يقُلْه أحدٌ من المسلمينَ، فإن أهلَ الحديثِ والسُّنةِ؛ كالشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وغيرِهم متَّفِقونَ على أن صلاةَ الجمعةِ تُصلَّى خلفَ البَرِّ والفاجرِ، حتى إن أكثرَ أهلِ البدعِ الجَهْميةَ الذينَ يقولونَ بخَلْقِ القرآنِ، وأنَّ اللهَ لا يُرى في الآخِرةِ، ومعَ أن أحمدَ ابتُلِي بهم، وهو أشهرُ الأئمةِ بالإمامةِ في السُّنةِ، فلم تختلفْ نصوصُه أنَّه تُصلَّى الجمعةُ خلفَ الجَهْميِّ، والقَدَريِّ، والرافضيِّ، وليس لأحدٍ أن
١ ينظر أصل الفتوى من قوله: (والمسجد المبني … ) إلى هنا في مجموع الفتاوى ٢٢/ ١٩٤، الفتاوى الكبرى ٢/ ٨٠.