443 · ص228 · ج1
وذلك بسببِ مجامعةِ القدرِ للشرع؛ إذ الخوضُ فيه بغيرِ علمٍ أوجب ضلالَ عامَّةِ الأممِ، ونهى النبيُّ أصحابَه عن التنازعِ فيه.
فذهب المكذِّبون بالقدَرِ القائلون بأن اللهَ لم يخلُقْ أفعالَ العبادِ، ولم يُرِدْ أن يكونَ إلا ما أمر بأن يكونَ، وغُلاتُهم المكذِّبون بتقدُّمِ عِلمِ اللهِ وكتابِه ما سيكونُ من أفعالِ العبادِ من المعتزلةِ وغيرِهم: إلى أن الظُّلمَ منه هو نظيرُ الظُّلم من الآدميين بعضِهم لبعضٍ، وشبَّهوه ومثَّلوه في الأفعالِ بأفعالِ العبادِ، وضربوا للهِ الأمثالَ، بل أوجبوا عليه وحرَّموا ما رأوا أنه يجبُ على العبادِ ويحرُمُ بقياسِه على العبادِ.
وقالوا: إذا أمر العبدَ ولم يُعِنْه بجميعِ ما يقدرُ عليه من وجوهِ الإعانةِ؛ كان ظالمًا، والْتزموا أنه لا يقدِرُ أن يَهْدِيَ ضالًّا، كما قالوا: إنه لا يقدرُ أن يُضِلَّ مهتديًا، وقالوا: إذا أمر اثنين بأمرٍ واحدٍ، وخصَّ أحدَهما بإعانتِه على فعلِ المأمورِ؛ كان ظالمًا، إلى مثلِ ذلك من الأمورِ التي هي من بابِ الفضلِ والإحسانِ، جعلوا تركَه لها ظلمًا.
وكذلك ظنُّوا أن التعذيبَ لمن كان فعلُه مقدَّرًا؛ ظلمٌ له، ولم يفرِّقوا بينَ التعذيبِ لمن قام به سببُ استحقاقِ ذلك، ومن لم يقُمْ، وإن كان ذلك الاستحقاقُ خلقَه لحكمةٍ أخرى عامَّةٍ أو خاصةٍ.
وهذا الموضعُ زلَّتْ فيه أقدامٌ، وضلَّتْ فيه أفهامٌ؛ فعارضَ هؤلاءِ آخرونَ من أهلِ الكلامِ المثبتينَ للقدَرِ، فقالوا: ليس للظُّلمِ منه حقيقةٌ يمكنُ وجودُها، بل هو من الأمورِ الممتنعةِ لذاتِها، فلا يجوزُ أن يكون مقدورًا، ولا أن يقالَ: إنه تاركٌ له باختيارِه، وإنما هو من بابِ الجمعِ
444 · ص228 · ج2
في بيتِه إلا بإذنهِ» ١، فإذا حرُمَ عليها الصومُ إذا كان شاهِداً إلا بإذنِه؛ لأنه يمنَعُها عن بعضِ ما يجبُ للزوجِ، فكيفَ يكونُ حالُها إذا طلَبَها فامتنعَتْ، وقالَ تعالى: {فالصالحات قانتات حافظات للغيب}، فالصالحةُ هي التي تكونُ قانتةً؛ أي: مداومةً على طاعةِ زوجِها، فإذا امتنعَتْ من فراشِه أُبِيحَ له ضربُها، وليس عليها حقٌّ بعدَ حقِّ اللهِ ورسولِه أوجبَ من حقِّ الزوجِ، وقد قال: «لو كنتُ آمِرًا أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ، لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجِها»، رواه الترمذيُّ وحسَّنَه ٢، وقال: «أيُّما امرأةٍ ماتَتْ وزوجُها راضٍ عنها دخلَتِ الجنةَ»، رواه الترمذيُّ، وحسَّنَه ٣، وقال: «إذا دعا الرجلُ المرأةَ إلى فراشِه فأبَتْ؛ لعنَتْها الملائكةُ حتى تصبحَ» ٤، وفي لفظٍ: «إلا كان الذي في السماءِ ساخطًا عليها حتى تصبحَ» ٥ ٦.
وإذا خالَعَها على أن تُبرِئَه من حقوقِها، وتأخُذَ الولدَ بكفالتِه، ولا تطالبَه بنفقتِه؛ صحَّ ذلك عندَ جماهيرِ العلماءِ؛ كمالكٍ وأحمدَ في المشهورِ عنه وغيرِهما، فإن عندَ الجمهورِ: يصِحُّ الخُلْعُ بالمعدومِ الذي
١ رواه البخاري (٥١٩٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٢ رواه الترمذي (١١٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أحمد (٢١٩٨٦) وابن ماجه (١٨٥٣) من حديث معاذ رضي الله عنه، وأبو داود (٢١٤٠) من حديث قيس بن سعد رضي الله عنه.
٣ رواه الترمذي (١١٦١)، وابن ماجه (١٨٥٤) من حديث أم سلمة رضي الله عنها.
٤ رواه البخاري (٥١٩٣)، ومسلم (١٤٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٥ رواه مسلم (١٤٣٦ - ١٢١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٦ ينظر أصل الفتوى من قوله: (ويحرمُ على المرأةِ … ) في مجموع الفتاوى ٣٢/ ٢٧٤، والفتاوى الكبرى ٣/ ٣٣٤.