705 · ص361 · ج2
إلى قولِه: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين}، فهذه القصةُ تدلُّ من وجوهٍ أنه إسماعيلُ:
أحدُها: أنَّ البشارةَ بالذبيحِ، وذَكَر قصته وفداءه، فلما استوفى ذلك قال: {وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين وباركنا عليه وعلى إسحاق}، فهما بشارتانِ: بِشارةٌ بالذبيحِ، وبِشارةٌ بابنِه إسحاقَ، وهذا بيِّنٌ.
الوجهَ الثاني: أنه لم يذكرْ قصةَ الذبيحِ إلا في هذه السورةِ، وفي سائرِ المواضعِ يذكرُ البشارةَ بإسحاقَ خاصةً، كما قال في سورةِ هودٍ: {وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب}، وقال: {فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم}، وقال في الحِجْرِ: {قالوا إنا نبشرك بغلام عليم قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون}، ولم يذكرْ معَ البشارةِ بإسحاقَ أنه ذبيحٌ، معَ تعددِ المواضعِ، فإذا كان قد ذكر البشارةَ بإسحاقَ وحدَه غيرَ مرةٍ، ولم يذكرِ الذبيحَ، ثم ذكر البِشارتينِ جميعًا: البشارةَ بالذبيحِ والبشارةَ بإسحاقَ بعدَه؛ كان هذا من أبينِ الأدلةِ على أن إسحاقَ ليس هو الذبيحَ.
يؤيدُ ذلك: أنه ذكَر هِبتَه وهبةَ يعقوبَ لإبراهيمَ بقولِه: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين}، وقوله: {ووهبنا له إسحاق ويعقوب وآتيناه أجره
706 · ص362 · ج1
وتقصيرِه، حتى يُقالُ للكاملِ: هو العالِمُ والصانِعُ، وهذا هو الشجاعُ، وأمثالُه كثيرٌ من الأسماءِ والصفاتِ؛ كالمؤمنِ، والكافرِ، والفاسقِ، والمنافقِ، واللهُ أعلمُ.
ووُرودُ حوضِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قبلَ الصراطِ، فيَرِدُه قومٌ، ويُذادُ عنه آخَرونَ قد بدَّلوا وغيَّروا، واللهُ أعلمُ.
ولا رَيْبَ أن قولَه: «أكتُبْ لكم كتابًا لن تَضِلُّوا بعدَه» ١: إنما كان أرادَ أن يكتبَ لأبي بكرٍ العهدَ في الخلافةِ بعدَه، كما فُسِّر ذلك في حديثِ عائشةَ يومَ الخميس، قال لها: «ادعي لي أباكِ وأخاكِ؛ أكتبْ لأبي بكرٍ كتابًا لا يختلفُ الناسُ عليه بعدي»، ثم علم أن الناس واللهَ يأبى ذلك فقال: «يأبى الله والمؤمنونَ إلا أبا بكرٍ» ٢، وذلك لما كان قد نصَبَ لهم من العلامةِ على خلافتِه؛ من الصَّلاةِ بالناسِ، وسَدِّ خَوْخةِ غيرِه، وإخبارِه بحُبِّه أكثرَ من غيره وغير ذلك من العلاماتِ.
ثم لما قال عمرُ: «أهَجَرَ؟!» ٣، نسَخ اللهُ كتابَه ذلك عن الناس،
١ رواه البخاري (١١٤)، ومسلم (١٦٣٧)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
٢ رواه مسلم (٢٣٨٧)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
٣ تتمة حديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم تخريجه.
قال في النهاية ٥/ ٢٤٦: («أهَجَر؟» أي: اختلف كلامه بسبب المرض، على سبيل الاستفهام. أي: هل تغير كلامه واختلط لأجل ما به من المرض؟ وهذا أحسن ما يقال فيه، ولا يجعل إخبارًا، فيكون إما من الفحش أو الهذيان، والقائل كان عمر، ولا يظن به ذلك). وينظر: مشارق الأنوار ٢/ ٢٦٥، فتح الباري ٨/ ١٣٣.