← المكتبة ▭ صفحة واحدة
أقوال الطحاوي في التفسير: الفاتحة - التوبة
محمد بن عبد الله الوزرة الدوسري التفسير
A− A+
595 · ص595
وإنما يقال: إن كلمة (فوق) بمعنى (على) والمعنى: فاضربوا على الأعناق، فـ (فوق) و (على) معناهما متقارب، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر. ١ كما تقول: (ضربته على رأسه) و (ضربته فوق رأسه). ٢ - القول الثاني: أن معنى قوله جل وعلا: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الأنفال:١٢] أي: فاضربوا أعالي الأعناق، حيث المفصل بين الرأس والعنق، لأنه مذبح، والضرب فيها يطير الرأس، فكان إيقاع الضرب فيه أبلغ، وأسرع إلى القطع. ٣ - القول الثالث: أن معنى قوله جل وعلا: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الأنفال:١٢] أي: فاضربوا الرؤوس. وذلك لأن الذي (فوق الأعناق) هو الرؤوس. - وهذا قول: عكرمة. الترجيح: والقول الراجح هو أن قوله جل وعلا: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} [الأنفال:١٢] محتمل لجميع الوجوه المتقدمة، وإذا كان الأمر كذلك لم يصح لأحد توجيه الآية إلى بعض هذه المعاني دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة على ذلك. ٤ وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم. قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)} [الأنفال:١٥ - ١٦].
١ تفسير الطبري (٦/ ١٩٧). ٢ مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٢٤٢). ٣ انظر: تفسير ابن جزي (١/ ٣٤٠) - وتفسير الشوكاني (٢/ ٣٠٩). ٤ تفسير الطبري (٦/ ١٩٧).
596 · ص596
قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عمر، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فَجَاضَ الناس جَيْضَةً ١، وكنت فيمن جاض، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، فقلنا: لو دخلنا المدينة، فبتنا بها، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج، فقال: "من القوم؟ " قلنا: نحن الفرَّارون، قال: "بل أنتم العَكَّارون ٢، أنا فئتكم، أو أنا فئة المسلمين"، فأتيناه حتى قبلنا يده ٣ فقال قائل: العَكَّارون عند العرب: هم الكَرَّارون، فكيف جاز في هذا الحديث أن يقال هذا القول للفَرَّارين؟ فكان جوابنا له في ذلك: أن المراد بذلك أنهم لما كروا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فئتهم ليرجعوا إلى ما يأمرهم به، ولينصرفوا فيما يصرفهم فيه، كان ذلك كراً منهم إليه، وعوداً منهم إلى ما كانوا عليه من بذل أنفسهم لقتال عدوهم، فاستحقوا بذلك أن يكونوا عكَّارين، والله أعلم بحقيقة ذلك.
١ معنى قوله: (فَجَاضَ الناس) أي: فرَّ الناس، يقال: جاض في القتال، إذا فرَّ، وجَاضَ عن الحق، أي: عدل، وأصل (الجيض): الميل عن الشيء. (النهاية في غريب الحديث -١/ ٣٢٤). ٢ معنى قوله: (العكَّارون) أي: الكَرَّارون إلى الحرب والعَطَّافون نحوها الراجعون إليها. (النهاية في غريب الحديث -٣/ ٢٨٣). ٣ أخرجه الترمذي في سننه - كتاب: الجهاد - باب: ما جاء في الفرار من الزحف (حـ ١٧٢٠ - ٧/ ٢١٢) وقال: هذا حديث حسن. أهـ. والبيهقي في سننه - كتاب: السير - باب من تولى متحرِّفاً لقتال أو متحيِّزاً إلى فئة - (حـ ١ - ٩/ ٧٦).