705 · ص713 · ج2
بلا شك إلى تبديل الشريعة، واعتقاد ما ليس بعبادة أنه عبادة، وما ليس بسنَّة أنه سُنَّة، ويجري الأمر في جانب الترك كذلك، فيعتقد فيما تركه النبي -صلى الله عليه وسلم- على جهة العادة أو العرف أنه عبادة يتقرب إلى الله بها، ولا شك أن هذا من أعظم أسباب الولوج في البدع، وعمله مردود عليه.
يقول الإمام ابن تيمية في مسألة النذر بالمباحات: "كذلك لا يؤمر الناذر أن يفعلها، فمن فعلها على وجه التعبد بها، والتقرب، واتخاذ ذلك دينًا وطريقًا إلى الله تعالى فهو ضال جاهل، مخالف لأمر الله ورسوله، ومعلوم أن من يفعل ذلك من نذر اعتكافًا ونحو ذلك إنما يفعله تدينًا، ولا ريب أن فعله على وجه التدين حرام؛ فإنه يعتقد ما ليس بقربة قربة، ويتقرب إلى الله تعالى بما لا يحبه الله، وهذا حرام، لكن من فعل ذلك قبل بلوغ العلم إليه فقد يكون معذورًا بجهله إذا لم تقم عليه الحجة فإذا بلغه العلم فعليه التوبة" ١.
ويقول أيضًا فيما يتعلق بالسفر إلى القبور بقصد العبادة: "والسفر إلى القبور إنما يقصد به العبادة، والعبادة إنما تكون بواجب أو مستحب، فإذا حصل الاتفاق على أن السفر إلى القبور ليس بواجب ولا مستحب كان من فعله على وجه التعبد مبتدعًا مخالفًا للإجماع، والتعبد بالبدعة ليس بمباح، لكن من لم يعلم أن ذلك بدعة فإنه قد يعذر، فإذا بينت له السُّنَّة لم يجز له مخالفة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا التعبد بما نهى عنه" ٢.
ويقول ابن رجب: "فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن حكم الله ورسوله بالكلية فهو مردود على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}
١ مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٩٣).
٢ المصدر نفسه (٢٧/ ٣٣٥ - ٣٣٦).
706 · ص714 · ج2
[الشورى: ٢١]، فمن تقرب إلى الله بعمل لم يجعله الله ورسوله قربة إلى الله فعمله باطل مردود عليه" ١.
ويقول الإمام الشاطبي: "وهذا فساد عظيم؛ لأن اعتقاد ما ليس بسُنّة سنة، والعمل بها على حد العمل بالسُّنَّة؛ نحوٌ من تبديل الشريعة؛ كما لو اعتقد في الفرض أنه ليس بفرض، أو بما ليس بفرض أنه فرض، ثم عمل على وفق اعتقاده؛ فإنه فاسد، فهب العمل في الأصل صحيحًا؛ فإخراجه عن بابه اعتقادًا وعملًا من باب إفساد الأحكام الشرعية، ومن هنا ظهر عذر السلف الصالح في تركهم سننًا قصدًا؛ لئلا يعتقد الجاهل أنها من الفرائض؛ كالأضحية وغيرها؛ كما تقدم ذلك" ٢.
* المسألة الثالثة * أقوال أهل العلم في تقرير معنى القاعدة
لقد اهتم أهل العلم بهذه القاعدة لما لها من الأثر الكبير في صيانة الشريعة من البدع والمحدثات؛ وذلك لكثرة أفعاله -صلى الله عليه وسلم- التي حصل فيها اللبس، وتنوعت أنظار العلماء حيالها، ومن أكثر من قررها ودندن حولها الإمام ابن تيمية -رحمه الله-، وفيما يأتي أذكر ما وقفت عليه من أقواله، وأقوال غيره من أهل العلم في تقرير معنى القاعدة.
يقول الإمام ابن تيمية: "فَمَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ كَانَ عِبَادَةً تُفْعَلُ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ، وَمَا أَعْرَضَ عَنْهُ وَلَمْ يَفْعَلْهُ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لَمْ يَكُنْ عِبادَةً وَلَا مُسْتَحَبًّا. وَمَا فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعَبُّدِ بِهِ كَانَ مُبَاحًا، وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَسْتَحِبُّ مُشَابَهَتَهُ فِي هَذَا فِي الصُّورَةِ كَمَا
١ جامع العلوم والحكم (ص ٦٠).
٢ الاعتصام، للشاطبي (١/ ٤٤٨).