137 · ص142
عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ اليهودَ أتوا النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: السَّامُ عليكَ؟ قال: «وعليكم». فقالت عائشةُ: السَّامُ عليكم، ولعنَكُم الله، وغضب عليكم! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَهْلاً يا عائشةُ! عليكِ بالرِّفقِ، وإيَّاكِ والعُنْفَ أو الفُحْشَ». قالت: أَوَلَمْ تسمع ما قالوا؟ قال: «أَوَلَم تسمعي ما قلتُ، رددتُ عليهم؛ فيستجابُ لي فيهم، ولا يُستجاب لهم فِيَّ». ١
ففي هذا الحديث أدبٌ نبويٌّ كريم في الردِّ على من أساء في السلام عليه حقدًا منه وحسدًا، فأرشد النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إلى الاكتفاء في الجواب بكلمة «وعليكم!»، فيرتدُّ على القائل ما أراد الإساءة به.
قال ابن بطال القرطبيُّ رحمه الله: «في الحديث أدب عظيم من أدب الإسلام، وحضٌّ على الرفق بالجاهل والصفح والإغضاء عنه؛ لأنَّ الرسولَ عليه السلام تركَ مقابلةَ اليهود بمثل قولهم، ونَهَى عائشةَ عن الإغلاظ في ردِّها، وقال: مهلاً يا عائشةُ! إنَّ الله يحبُّ الرِّفقَ في جميع الأمور؛ لعموم قوله: «إنَّ الله يحبُّ الرِّفقَ في الأمر كلِّه» ٢، وإن كان الانتصارُ بمثل ما قوبل به المرء جائزًا، لقوله تعالى: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: ٤١]، فالصبر أعظم أجرًا وأعلَى درجةً لقوله تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: ٤٣]، والصَّبْرُ أخلاقُ النبيين والصالحين، فيجبُ امتثال طريقتهم والتأسِّي بهم، وقَرْعُ النَّفْسِ عن المغالبة، رجاءَ ثواب الله على ذلك». ٣
١ أخرجه البخاري في «الصحيح» (٢٩٣٥)، وفي «الأدب المفرد» (٣١١). والسَّامُ: الموتُ.
٢ هذا في لفظ آخر من ألفاظ حديث عائشة المذكور: أخرجه البخاري في «الصحيح» (٦٠٢٤)، وفي «الأدب المفرد» (٤٦٢)، ومسلم في «الصحيح» (٢١٦٥).
٣ «شرح صحيح البخاري» (٩/ ٢٢٦).