صلاة الاستسقاء

الحنفية

البحر الرائق شرح كنز الدقائق اقرأ →
باب صلاة الاستسقاء

الشافعية

المجموع شرح المهذب اقرأ →
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِمَعْنَاهُ ، قَالَ : " عَنْ أَبِي قَتَادَةَ { ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ : يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالسَّنَةَ الْبَاقِيَةَ } وَحَدِيثُ أُمِّ الْفَضْلِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أُمِّ الْفَضْلِ ، وَرَوَيَا أَيْضًا مِثْلَهُ مِنْ رِوَايَةِ أُخْتِهَا مَيْمُونَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَاسْمُ أُمِّ الْفَضْلِ لُبَابَةُ الْكُبْرَى ، وَهِيَ أُمُّ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِخْوَتِهِ ، وَكَانُوا سِتَّةَ نُجَبَاءَ ، وَلَهَا أُخْتٌ يُقَالُ لَهَا : لُبَابَةُ الصُّغْرَى ، وَهِيَ أُمُّ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ، وَكُنَّ عَشْرَ أَخَوَاتٍ ، وَمَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ إحْدَاهُنَّ . وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ أَوَّلُ امْرَأَةٍ أَسْلَمَتْ بَعْدَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
( أَمَّا حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ ) فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ بِعَرَفَةَ . وَأَمَّا الْحَاجُّ الْحَاضِرُ فِي عَرَفَةَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْأَصْحَابُ : يُسْتَحَبُّ لَهُ فِطْرُهُ لِحَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : يُكْرَهُ لَهُ صَوْمُهُ ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِكَرَاهَتِهِ الدَّارِمِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَآخَرُونَ . وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ كَرَاهَتَهُ عَنْ كَثِيرِينَ مِنْ الْأَصْحَابِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ الْكَرَاهَةَ ، بَلْ قَالُوا : يُسْتَحَبُّ فِطْرُهُ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا قَوْلُ 429 الْمُصَنِّفِ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ : يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِلْحَاجِّ فَعِبَارَةٌ نَاقِصَةٌ ، لِأَنَّهَا لَا تُفِيدُ اسْتِحْبَابَ فِطْرِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ . وَاحْتُجَّ لِمَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ مَجْهُولٌ . وَعَنْ أَبِي نَجِيحٍ قَالَ : { ۝ سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ قَالَ : حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصُمْهُ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ ، وَمَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ ، فَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ لَا دَلَالَةَ فِيهِمَا لِمَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ ; لِأَنَّ الْأَوَّلَ ضَعِيفٌ ، وَالثَّانِيَ لَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافُ الْأَفْضَلِ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ .
( فَرْعٌ ) ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْحَاجِّ بِعَرَفَةَ الْفِطْرُ يَوْمَ عَرَفَةَ . هَكَذَا أَطْلَقَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : إنْ كَانَ الشَّخْصُ مِمَّنْ لَا يَضْعُفُ بِالصَّوْمِ عَنْ الدُّعَاءِ وَأَعْمَالِ الْحَجِّ فَالصَّوْمُ أَوْلَى لَهُ ، وَإِلَّا فَالْفِطْرُ . وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ : إنْ كَانَ قَوِيًّا وَفِي الشِّتَاءِ وَلَا يَضْعُفُ بِالصَّوْمِ عَنْ الدُّعَاءِ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ لَهُ ، قَالَ وَبِهِ قَالَتْ : عَائِشَةُ وَعَطَاءٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا . هَذَا كَلَامُ الرُّويَانِيِّ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ : لَوْ عَلِمَ الرَّجُلُ أَنَّ الصَّوْمَ بِعَرَفَةَ لَا يُضْعِفُهُ فَصَامَهُ كَانَ حَسَنًا وَاخْتَارَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا .
وَالْمَذْهَبُ اسْتِحْبَابُ الْفِطْرِ مُطْلَقًا ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَصَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ . فَرْعٌ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي صَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ . ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا اسْتِحْبَابُ فِطْرِهِ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . وَنَقَلَهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ غَيْرَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ 430 الصَّحَابِيِّ وَعَائِشَةَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ اسْتِحْبَابَ الصَّوْمِ ، وَاسْتَحَبَّهُ عَطَاءٌ فِي الشِّتَاءِ وَالْفِطْرَ فِي الصَّيْفِ . وَقَالَ قَتَادَةُ : لَا بَأْسَ بِالصَّوْمِ إذَا لَمْ يُضْعِفْ عَنْ الدُّعَاءِ . وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يَجِبُ الْفِطْرُ بِعَرَفَةَ . وَدَلِيلُنَا مَا سَبَقَ .
( فَرْعٌ ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْحَاجِّ فِطْرُ عَرَفَةَ لِيَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ هَكَذَا عَلَّلَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ : وَلِأَنَّ الْحَاجَّ ضَاحٍ مُسَافِرٌ ، وَالْمُرَادُ بِالضَّاحِي الْبَارِزُ لِلشَّمْسِ ، لِأَنَّهُ يَنَالُهُ مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةٌ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَصُومَ مَعَهَا ، وَقَدْ سَبَقَ فِي بَابِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ صَوْمُ يَوْمِ الِاسْتِسْقَاءِ ، وَإِنْ كَانَ يَوْمَ دُعَاءٍ ، وَسَبَقَ هُنَاكَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ، وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّ الْوُقُوفَ يَكُونُ آخِرَ النَّهَارِ ، وَوَقْتَ تَأْثِيرِ الصَّوْمِ مَعَ أَنَّهُ مُسَافِرٌ وَالِاسْتِسْقَاءُ يَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ قَبْلَ ظُهُورِ أَثَرِ الصِّيَامِ مَعَ أَنَّهُ مُقِيمٌ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، هَكَذَا ذَكَرُوهُ هُنَا ، وَسَنُوَضِّحُهُ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ : يَوْمُ عَرَفَةَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ . وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ : اُخْتُلِفَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ الْجُمُعَةِ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَوْمُ عَرَفَةَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ صِيَامَهُ كَفَّارَةَ سَنَتَيْنِ وَلَمْ يَرِدْ مِثْلُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَوْمُ الْجُمُعَةِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ } هَذَا كَلَامُ السَّرَخْسِيِّ وَالْمَشْهُورُ تَفْضِيلُ يَوْمِ عَرَفَةَ ، وَسَنُعِيدُ الْمَسْأَلَةَ فِي فَصْلِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ ، وَفِي كِتَابِ الطَّلَاقِ فِي تَعْلِيقِ الطَّلَاقِ عَلَى أَفْضَلِ الْأَيَّامِ ، وَمِمَّا يَدُلُّ لِتَرْجِيحِ يَوْمِ عَرَفَةَ أَنَّهُ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ كَمَا سَبَقَ ، وَلِأَنَّ الدُّعَاءَ فِيهِ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ ، وَلِأَنَّهُ جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ مَا مِنْ يَوْمٍ يُعْتِقُ اللَّهُ فِيهِ مِنْ النَّارِ أَكْثَرُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ } .
( فَرْعٌ ) قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ : { ۝ يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْمُسْتَقْبِلَةَ } قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي : فِيهِ تَأْوِيلَانِ 431 أَحَدُهُمَا ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ .
( وَالثَّانِي ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ فَلَا يَعْصِي فِيهِمَا . وَقَالَ السَّرَخْسِيُّ : أَمَّا السَّنَةُ الْأُولَى فَتُكَفِّرُ مَا جَرَى فِيهَا ، قَالَ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى تَكْفِيرِ السَّنَةِ الْبَاقِيَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ . فَقَالَ : بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ إذَا ارْتَكَبَ فِيهِ مَعْصِيَةً جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى صَوْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ الْمَاضِي كَفَّارَةً لَهَا ، كَمَا جَعَلَهُ مُكَفِّرًا لِمَا فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ فِي السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ عَنْ ارْتِكَابِ مَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى كَفَّارَةٍ . وَقَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ فِي تَكْفِيرِ السَّنَةِ الْأُخْرَى يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) الْمُرَادُ السَّنَةُ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ مَاضِيَتَيْنِ .
( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ أَرَادَ سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً مُسْتَقْبَلَةً . قَالَ وَهَذَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ الزَّمَانَ الْمُسْتَقْبَلَ وَإِنَّمَا ذَلِكَ خَاصٌّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ . وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ بِحُرُوفِهِمَا . قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَكُلُّ مَا يَرِدُ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ فَهُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الصَّغَائِرِ دُونَ الْمُوبِقَاتِ . هَذَا كَلَامُهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مَا يُؤَيِّدُهُ ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { ۝ مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا ، إلَّا كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً . وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { ۝ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : " { ۝ الصَّلَاةُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مِنْ الذُّنُوبِ إذَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
( قُلْتُ ) وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَأْوِيلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ كَبَائِرُ ، فَإِنْ كَانَتْ كَبَائِرَ لَمْ يُكَفِّرْ شَيْئًا لَا الْكَبَائِرَ وَلَا الصَّغَائِرَ .
432 وَالثَّانِي ) وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ كُلَّ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ ، وَتَقْدِيرُهُ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُ كُلَّهَا إلَّا الْكَبَائِرَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : هَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ غُفْرَانِ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَأَنَّ الْكَبَائِرَ إنَّمَا تُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ أَوْ رَحْمَةُ اللَّهِ . فَإِنْ قِيلَ : قَدْ وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ وَوَقَعَ فِي الصَّحِيحِ غَيْرُهَا مِمَّا فِي مَعْنَاهَا ، فَإِذَا كَفَّرَ الْوُضُوءُ فَمَاذَا تُكَفِّرُهُ الصَّلَاةُ ؟ وَإِذَا كَفَّرَ الصَّلَوَاتُ فَمَاذَا تُكَفِّرُهُ الْجُمُعَات وَرَمَضَانُ ؟ وَكَذَا صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ ، وَيَوْمُ عَاشُورَاءَ كَفَّارَةُ سَنَةٍ ، وَإِذَا وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ . فَالْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ صَالِحٌ لِلتَّكْفِيرِ فَإِنْ وَجَدَ مَا يُكَفِّرُهُ مِنْ الصَّغَائِرِ كَفَّرَهُ ، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً كُتِبَتْ بِهِ حَسَنَاتٌ وَرُفِعَتْ لَهُ بِهِ دَرَجَاتٌ ، وَذَلِكَ كَصَلَوَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالصِّبْيَانِ وَصِيَامِهِمْ وَوُضُوئِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عِبَادَاتِهِمْ ، وَإِنْ صَادَفَ كَبِيرَةً أَوْ كَبَائِرَ وَلَمْ يُصَادِفْ صَغَائِرَ ، رَجَوْنَا أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ الْكَبَائِرِ . وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي الْأَشْرَافِ فِي آخِرِ كِتَابِ الِاعْتِكَافِ فِي بَابِ الْتِمَاسِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ۝ مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } قَالَ : هَذَا قَوْلٌ عَامٌّ يُرْجَى لِمَنْ قَامَهَا إيمَانًا وَاحْتِسَابًا أَنْ تُغْفَرَ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا .
تحفة المحتاج في شرح المنهاج اقرأ →
( بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ ) هُوَ لُغَةً طَلَبُ السُّقْيَا وَشَرْعًا طَلَبُ السُّقْيَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَسَقَاهُ وَأَسْقَاهُ بِمَعْنًى ، وَالْأَصْلُ فِيهَا فِعْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا وَكَذَا الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ ( هِيَ سُنَّةٌ ) مُؤَكَّدَةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ كَالْعِيدِ بِأَنْوَاعِهَا الثَّلَاثَةِ أَدْنَاهَا مُجَرَّدُ الدُّعَاءِ وَأَوْسَطُهَا الدُّعَاءُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ نَفْلًا 66 وَفِي نَحْوِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ فِي الْأَنْوَارِ وَيَتَحَوَّلُ فِيهَا لِلْقِبْلَةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ مِنْ تَفَرُّدِهِ مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَسْقَى فِيهَا وَلَمْ يَفْعَلْهُ وَأَيْضًا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِيهَا مَكْرُوهٌ بَلْ مُبْطِلٌ عَلَى وَجْهٍ ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ عَبَّرَ بِيَجُوزُ وَهُوَ الَّذِي رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ ثُمَّ قَالَ بَلْ الَّذِي يُتَّجَهُ نَدْبُهُ وَحِينَئِذٍ فَالِاعْتِرَاضُ إنَّمَا يُتَّجَهُ عَلَى الثَّانِي وَأَكْمَلُهَا الِاسْتِسْقَاءِ بِخُطْبَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْآتِيَةِ لِثُبُوتِهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يَنْفِيهَا إذْ تَرْتِيبُ نُزُولِ الْمَطَرِ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِيهِ عَلَى لِسَانِ نُوحٍ وَهُودٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِيمَانُ وَحَقِيقَتُهُ لَا يَنْفِي نَدْبَ الِاسْتِسْقَاءِ لِانْقِطَاعِهِ الثَّابِتِ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي كَادَتْ أَنْ تَتَوَاتَرَ عَلَى أَنَّ الْأَصَحَّ فِي الْأُصُولِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنَا وَبِتَسْلِيمِهِ فَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَرِدْ فِي شَرْعِنَا مَا يُخَالِفُهُ ( عِنْدَ الْحَاجَةِ ) لِلْمَاءِ لِفَقْدِهِ أَوْ مُلُوحَتِهِ أَوْ قِلَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يَكْفِي أَوْ لِزِيَادَتِهِ الَّتِي بِهَا نَفْعٌ ، وَإِنْ كَانَ الْمُحْتَاجُ لِذَلِكَ طَائِفَةً مُسْلِمِينَ قَلِيلَةً فَيُسَنُّ لِغَيْرِهِمْ الِاسْتِسْقَاءُ لَهُمْ وَلَوْ بِالصَّلَاةِ .
نَعَمْ إنْ كَانُوا فَسَقَةً أَوْ مُبْتَدِعَةً لَمْ يُفْعَلْ لَهُمْ عَلَى مَا بُحِثَ 67 لِئَلَّا تَظُنَّ الْعَامَّةُ حُسْنَ طَرِيقَتِهِمْ وَجَعَلَ شَارِحٌ مِنْ ذَلِكَ الْحَاجَةَ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ حَبْسَهَا يَمْنَعُ فَائِدَةَ السُّقْيَا لِمَنْعِهِ نُمُوَّ النَّبْتِ ، وَالثَّمَرِ فَكَانَ طُلُوعُهَا مِنْ تَتِمَّةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ مِنْ نَحْوِ الزِّلْزَالِ الَّذِي مَرَّ فِيهِ أَنَّهُ يُصَلَّى لَهُ فُرَادَى وَهَذَا هُوَ الْأَوْجَهُ ثُمَّ رَأَيْت فِي كَلَامِهِمْ مَا يَرُدُّ الْأَوَّلَ ( وَتُعَادُ ) بِأَنْوَاعِهَا ( ثَانِيًا وَثَالِثًا ) وَهَكَذَا ( إنْ لَمْ يُسْقَوْا ) حَتَّى يَسْقِيَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَضْلِهِ لِخَبَرِ { ۝ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ } ، وَإِنْ ضَعُفَ ثُمَّ إذَا أَرَادُوا إعَادَتَهَا بِالصَّلَاةِ ، وَالْخُطْبَةِ إنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِمْ الْخُرُوجُ مِنْ غَدِ كُلِّ خُرْجَةٍ خَرَجَ بِهِمْ صِيَامًا ، وَإِنْ شَقَّ وَرَأَى التَّأْخِيرَ أَيَّامًا صَامَ بِهِمْ ثَلَاثًا وَخَرَجَ بِهِمْ فِي الرَّابِعِ صِيَامًا وَهَكَذَا .
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج اقرأ →
413 بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
هُوَ لُغَةٌ : طَلَبُ السُّقْيَا ، وَشَرْعًا : طَلَبُ سُقْيَا الْعِبَادِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا ، يُقَالُ سَقَاهُ وَأَسْقَاهُ بِمَعْنًى غَالِبًا . وَالْأَصْلُ فِي الْبَابِ قَبْلَ الْإِجْمَاعِ الِاتِّبَاعُ ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا وَاسْتَأْنَسُوا لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِذْ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ } الْآيَةُ ( هِيَ سُنَّةٌ ) مُؤَكَّدَةٌ لِمُقِيمٍ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ ، أَوْ بَادِيَةٍ وَمُسَافِرٍ وَلَوْ سَفَرَ قَصْرٍ لِاسْتِوَاءِ الْجَمِيعِ فِي الْحَاجَةِ ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ لِمَا مَرَّ فِي الْعِيدِ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ ثَابِتَةٌ بِالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ أَدْنَاهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ مُطْلَقًا فُرَادَى ، أَوْ مُجْتَمِعِينَ ، وَأَوْسَطُهَا يَكُونُ بِالدُّعَاءِ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَلَوْ نَافِلَةً كَمَا فِي الْبَيَانِ عَنْ الْأَصْحَابِ وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَإِنْ وَقَعَ لِلْمُصَنِّفِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ تَقْيِيدُهُ بِالْفَرَائِضِ ، وَأَفْضَلُهَا أَنْ يَكُونَ بِالصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَسَيَأْتِي بَيَانُهُمَا وَإِنَّمَا تُطْلَبُ ، ( عِنْدَ الْحَاجَةِ ) كَانْقِطَاعِ الْمَاءِ أَوْ مُلُوحَتِهِ ، أَوْ قِلَّتِهِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ كَافِيًا ، وَعُلِمَ مِنْهُ عَدَمُ سَنِّهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ الْمَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَالْحَاجَةُ غَيْرُ دَاعِيَةٍ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَشَمَلَ إطْلَاقُهُ الْحَاجَةَ 414 مَا لَوْ احْتَاجَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَاءِ فَيُسْتَحَبُّ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُصَلُّوا وَيَسْتَسْقُوا لَهُمْ وَيَسْأَلُوا الزِّيَادَةَ لِأَنْفُسِهِمْ لِلِاتِّبَاعِ ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ; وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ إذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ وَصَحَّ { ۝ دَعْوَةُ الْمَرْءِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ : آمِينَ وَلَك بِمِثْلٍ } وَهُوَ مُقَيَّدٌ كَمَا قَالَهُ الْأَذْرَعِيُّ بِأَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْغَيْرُ ذَا بِدْعَةٍ وَضَلَالَةٍ وَبَغْيٍ وَإِلَّا لَمْ يُنْدَبْ زَجْرًا لَهُ وَتَأْدِيبًا ; وَلِأَنَّ الْعَامَّةَ تَظُنُّ بِالِاسْتِسْقَاءِ لَهُمْ حُسْنَ طَرِيقَتِهِمْ وَالرِّضَا بِهَا وَفِيهَا مَفَاسِدُ .
الأم اقرأ →
باب صلاة الاستسقاء
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام … اقرأ →
513 بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " وَيَسْتَسْقِي الْإِمَامُ حَيْثُ يُصَلِّي الْعِيدَ وَيَخْرُجُ مُتَنِّظِفًا بِالْمَاءِ وَمَا يَقْطَعُ تَغَيُّرَ الرَّائِحَةِ مِنْ سِوَاكٍ وَغَيْرِهِ فِي ثِيَابِ تَوَاضُعٍ وَفِي اسْتِكَانَةٍ وَمَا أَحْبَبْتُهُ لِلْإِمَامِ مِنْ هَذَا أَحْبَبْتُهُ لِلنَّاسِ كَافَّةً ، وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ فِي الْجُمْعَةِ وَالْعِيدَيْنِ بِأَحْسَنِ هَيْئَةٍ وَرُوِيَ ۝ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مُتَوَاضِعًا وَقَالَ : أَحْسَبُ الَّذِي رَوَاهُ مُتَبَذِّلًا .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الْأَصْلُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [ الشُّورَى : 42 ] . وَقَالَ تَعَالَى : وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا [ الْبَقَرَةِ : 60 ] . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ [ الْأَعْرَافِ : 160 ] فَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الِانْبِجَاسَ أَضْيَقُ مِنَ الِانْفِجَارِ . وَقَالَ تَعَالَى : اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا [ نُوحٍ : 10 ، 11 ] . وَرُوِيَ : ۝ أَجْدَبُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَجْدَبُوا فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَسْتَسْقِيَ لَهُمْ فَسُقُوا ، فَلَوْ سَأَلْتُمْ صَاحِبَكُمْ فَدَعَا لَكُمْ اسْتُجِيبَ لَهُ . فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَكَ تَرَى الْجَدْبَ وَمَا نَزَلَ بِنَا ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ السَّنَةَ ، يَعْنِي الْجَدْبَ ، لِأَنْ أَسْتَنْصِرَ بِهِ عَلَى أَهْلِ نَجْدٍ ، فَأَمَّا إِذَا أَبَيْتُمْ فَسَأَفْعَلُ . فَاسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسُقُوا كَأَفْوَاهِ الْعَزَالِي وَرَوَى شَرِيكُ بْنُ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : ۝ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ لِلْجُمْعَةِ إِذْ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : هَلَكَتِ الْمَوَاشِي وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى لَنَا ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُطِرْنَا مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ تَهَدَّمَتِ الْبُيُوتُ ، وَتَقَطَّعَتِ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ تَعَالَى لَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَءُوسِ الْجِبَالِ 514 وَالْآكَامِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ قَالَ فَانْجَابَ كَانْجِيَابِ الثَّوْبِ وَرَوَى أَبُو مُسْلِمٍ الْمُلَائِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ۝ أَتَى أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَتَيْنَاكَ وَمَا لَنَا بَعِيرٌ يَثِبُ وَلَا صَبِيٌّ يَصِيحُ ثُمَّ أَنْشَدَ :
﴿﴾ أَتَيْنَاكَ وَالْعَذْرُ يَدْمَى لَبَانُهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَقَدْ شُغِلَتْ أُمُّ الصَّبِيِّ عَنِ الطِّفْلِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَا شَيْءَ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ عِنْدَنَا ﴿﴾ ﴿﴾ سِوَى الْحَنْظَلِ الْعَامِيِّ وَالْعِلْهِزِ الْغَسْلِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَيْسَ لَنَا إِلَّا إِلَيْكَ فِرَارُنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَيُّ فِرَارِ النَّاسِ إِلَّا إِلَى الرُّسْلِ ﴿﴾ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا ، سَحًّا طَبَقًا غَيْرَ رَائِثٍ تُنْبِتُ بِهِ الزَّرْعَ ، وَتَمْلَأُ بِهِ الضَّرْعَ ، وَتُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ، وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ . فَمَا اسْتَتَمَّ الدُّعَاءُ حَتَى أَلْقَتِ السَّمَاءُ بِأَبْرَاقِهَا ، فَجَاءَ أَهْلُ الْبَادِيَةِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، الْغَرَقُ . فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا . فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنِ الْمَدِينَةِ كَالْإِكْلِيلِ ، وَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ وَقَالَ : لِلَّهِ دَرُّ أَبِي طَالِبٍ لَوْ كَانَ حَيًّا لَقَرَّتْ عَيْنَاهُ ، مَنِ الَّذِي يُنْشِدُنَا شِعْرَهُ . فَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ أَرَدْتَ قَوْلَهُ .
: ﴿﴾ وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ ﴿﴾ ﴿﴾ يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ﴿﴾ ﴿﴾ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ ﴿﴾ ﴿﴾ كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ يُبْزِي مُحَمَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَمَّا نُقَاتِلْ دُوْنَهُ وَنُنَاضِلِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ ﴿﴾ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ فَأَنْشَدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ :
﴿﴾ لِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْحَمْدُ مِنْ شُكْرٍ ﴿﴾ ﴿﴾ سُقِينَا بِوَجْهِ النَّبِيِّ الْمَطَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ دَعَا اللَّهَ خَالِقَهُ دَعْوَةً ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَشْخَصَ مَعْهَا إِلَيْهِ الْبَصَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَمْ يَكُ إِلَّا كَإِلْغَاهِ الرِّوَاءِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَسْرَعَ حَتَّى رَأَيْنَا الدُّرَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ رِقَاقُ الْعَوَالِي جَمُّ الْعِنَانِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَغَاثَ بِهِ اللَّهُ عُلْيَا مُضَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَكَانَ كَمَا قَالَهُ عَمُّهُ ﴿﴾ ﴿﴾ أَبُو طَالِبٍ أَبْيَضُ ذُو غُرَرْ ﴿﴾ ﴿﴾ بِهِ اللَّهُ يَسْقِي صَوْبَ الْغَمَامِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَهَذَا الْعِيَانُ لِذَاكَ الْخَبَرْ ﴿﴾ 515 فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنْ يَكُنْ شَاعِرٌ يُحْسِنُ فَقَدْ أَحْسَنْتَ
.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ يَسْتَسْقِي بِالْعَبَّاسِ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّا نَتَقَرَّبُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَقِيَّةِ آبَائِهِ وَكُبْرِ رِجَالِهِ فَاحْفَظِ اللَّهُمَّ نَبِيَّكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَمِّهِ ، فَقَدْ دَنَوْنَا إِلَيْكَ مُسْتَعْفِينَ إِلَيْكَ وَمُسْتَغْفِرِينَ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعَيْنَاهُ تَنْضُجَانِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ الرَّاعِي لَا تُهْمِلِ الضَّالَّةَ ، فُقِدَ الضَّرْعُ الصَّغِيرُ وَدَقَّ الْكَبِيرُ ، وَارْتَفَعَتِ الشَّكْوَى ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ، اللَّهُمَّ فَأَغِثْهُمْ بِغِيَاثِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَقْنَطُوا فَيَهْلِكُوا فَإِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ، قَالَ : فَنَشَأَتِ السَّحَابُ وَهَطَلَتِ السَّمَاءُ فَطَبَّقَ النَّاسُ بِالْعَبَّاسِ يَمْسَحُونَ أَرْكَانَهُ وَيَقُولُونَ : هَنِيئًا لَكَ سَاقِيَ الْحَرَمَيْنِ فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ :
﴿﴾ سَأَلَ الْإِمَامُ وَقَدْ تَتَابَعَ جَدْبُنَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَسَقَى الْإِمَامَ بِغُرَّةِ الْعَبَّاسِ ﴿﴾ ﴿﴾ عَمِّ النَّبِيِّ وَصِنْوِ وَالِدِهِ الَّذِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَرِثَ النَّبِيَّ بِذَاكَ دُونَ النَّاسِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَحْيَى الْإِلَهُ بِهِ الْبِلَادَ فَأَصْبَحَتْ ﴿﴾ ﴿﴾ مُخْضَرَّةَ الْأَجْنَابِ بَعْدَ الْيَاسِ ﴿﴾
روضة الطالبين وعمدة المفتين اقرأ →
90 كِتَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ
الْمُرَادُ بِالِاسْتِسْقَاءِ : سُؤَالُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَسْقِيَ عِبَادَهُ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ ، وَلَهُ أَنْوَاعٌ . أَدْنَاهَا : الدُّعَاءُ بِلَا صَلَاةٍ وَلَا خَلْفَ صَلَاةٍ ، فُرَادَى أَوْ مُجْتَمِعِينَ لِذَلِكَ ، وَأَوْسَطُهَا : الدُّعَاءُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ ، وَفِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَأَفْضَلُهَا : الِاسْتِسْقَاءُ بِرَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ . وَيَسْتَوِي فِي اسْتِحْبَابِ الِاسْتِسْقَاءِ أَهْلُ الْقُرَى وَالْأَمْصَارِ وَالْبَوَادِي وَالْمُسَافِرُونَ ، وَيُسَنُّ لَهُمْ جَمِيعًا الصَّلَاةُ وَالْخُطْبَةُ . وَلَوِ انْقَطَعَتِ الْمِيَاهُ وَلَمْ يُمَسَّ إِلَيْهَا حَاجَةٌ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، لَمْ يَسْتَسْقُوا ، وَلَوِ انْقَطَعَتْ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَاجَتْ ، اسْتُحِبَّ لِغَيْرِهِمْ أَنْ يُصَلُّوا وَيَسْتَسْقُوا لَهُمْ ، وَيَسْأَلُوا الزِّيَادَةَ لِأَنْفُسِهِمْ .
فَرْعٌ
إِذَا اسْتَسْقَوْا فَسُقُوا ، فَذَاكَ ، فَإِنْ تَأَخَّرَتِ الْإِجَابَةُ ، اسْتَسْقَوْا وَصَلَّوْا ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى يَسْقِيَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى . وَهَلْ يَعُودُونَ مِنَ الْغَدِ ، أَمْ يَصُومُونَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَبْلَ الْخُرُوجِ كَمَا يَفْعَلُونَ فِي الْخُرُوجِ الْأَوَّلِ ؟ قَالَ فِي ( الْمُخْتَصَرِ ) : مِنَ الْغَدِ . وَفِي الْقَدِيمِ : يَصُومُونَ ، فَقِيلَ : قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : الْأَوَّلُ . وَقِيلَ : عَلَى حَالَيْنِ . فَإِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَى النَّاسِ ، وَلَمْ يَنْقَطِعُوا عَنْ مَصَالِحِهِمْ عَادُوا غَدًا بَعْدُ بِغَدٍ ، وَإِنِ اقْتَضَى الْحَالُ التَّأْخِيرَ أَيَّامًا ، صَامُوا .
قُلْتُ : وَنَقَلَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ : أَنَّ الْمَسْأَلَةَ عَلَى قَوْلٍ 91 وَاحِدٍ ، نَقَلَ الْمُزَنِيُّ الْجَوَازَ ، وَالْقَدِيمُ الِاسْتِحْبَابُ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
ثُمَّ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ قَطَعُوا بِاسْتِحْبَابِ تَكْرِيرِ الِاسْتِسْقَاءِ كَمَا ذَكَرْنَا ، لَكِنَّ الِاسْتِحْبَابَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى آكَدُ . وَحُكِيَ وَجْهٌ : أَنَّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إِلَّا مَرَّةً .
فَرْعٌ
لَوْ تَأَهَّبُوا لِلْخُرُوجِ لِلصَّلَاةِ ، فَسُقُوا قَبْلَ مَوْعِدِ الْخُرُوجِ ، خَرَجُوا لِلْوَعْظِ وَالدُّعَاءِ وَالشُّكْرِ . وَهَلْ يُصَلُّونَ شُكْرًا ؟ فِيهِ طَرِيقَانِ . قَطَعَ الْأَكْثَرُونَ بِالصَّلَاةِ ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي ( الْأُمِّ ) . وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَّالِيُّ وَجْهَيْنِ . أَصَحُّهُمَا : هَذَا . وَالثَّانِي : لَا يُصَلُّونَ . وَأُجْرِيَ الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذَا لَمْ تَنْقَطِعِ الْمِيَاهُ وَأَرَادُوا أَنْ يُصَلُّوا لِلِاسْتِزَادَةِ .

الحنابلة

المغني اقرأ →
148 بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، ثَابِتَةٌ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . ( 1474 ) مَسْأَلَةٌ ; قَالَ أَبُو الْقَاسِم ، رَحِمَهُ اللَّهُ : ( وَإِذَا أَجْدَبَتْ الْأَرْضُ ، وَاحْتَبَسَ الْقَطْرُ ، خَرَجُوا مَعَ الْإِمَامِ ، فَكَانُوا فِي خُرُوجِهِمْ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ ، أَنَّهُ كَانَ إذَا خَرَجَ إلَى الِاسْتِسْقَاءِ ، خَرَجَ مُتَوَاضِعًا ، مُتَبَذِّلًا ، مُتَخَشِّعًا ، مُتَذَلِّلًا ، مُتَضَرِّعًا } ) .
وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ السُّنَّةَ الْخُرُوجُ لِصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ ، مُتَوَاضِعًا لِلَّهِ تَعَالَى ، مُتَبَذِّلًا ، أَيْ فِي ثِيَابِ الْبِذْلَةِ ، أَيْ لَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الزِّينَةِ ، وَلَا يَتَطَيَّبُ ، لِأَنَّهُ مِنْ كَمَالِ الزِّينَةِ ، وَهَذَا يَوْمُ تَوَاضُعٍ وَاسْتِكَانَةٍ ، وَيَكُونُ مُتَخَشَّعًا فِي مَشْيِهِ وَجُلُوسِهِ ، فِي خُضُوعٍ ، مُتَضَرِّعًا لِلَّهِ تَعَالَى ، مُتَذَلِّلًا لَهُ ، رَاغِبًا إلَيْهِ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ { ۝ : خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِاسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلًا ، مُتَوَاضِعًا ، مُتَخَشِّعًا ، مُتَضَرِّعًا ، حَتَّى أَتَى الْمُصَلَّى ، فَلَمْ يَخْطُبْ كَخُطْبَتِكُمْ هَذِهِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَزَلْ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ وَالتَّكْبِيرِ ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَمَا كَانَ يُصَلِّي فِي الْعِيدِ } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ .
وَيُسْتَحَبُّ التَّنْظِيفُ بِالْمَاءِ ، وَاسْتِعْمَالُ السِّوَاكِ وَمَا يَقْطَعُ الرَّائِحَةَ ، وَيُسْتَحَبُّ الْخُرُوجُ لِكَافَّةِ النَّاسِ ، وَخُرُوجُ مَنْ كَانَ ذَا دِينٍ وَسِتْرٍ وَصَلَاحٍ ، وَالشُّيُوخُ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا ، لِأَنَّهُ أَسْرَعُ لِلْإِجَابَةِ . فَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِ الْعَجَائِزِ ، وَمَنْ لَا هَيْئَةَ لَهَا ، فَأَمَّا الشَّوَابُّ وَذَوَاتُ الْهَيْئَةِ ، فَلَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ الْخُرُوجُ ، لِأَنَّ الضَّرَرَ فِي خُرُوجِهِنَّ أَكْثَرُ مِنْ النَّفْعِ . وَلَا يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُ الْبَهَائِمِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفْعَلْهُ .
وَإِذَا عَزَمَ الْإِمَامُ عَلَى الْخُرُوجِ ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَعِدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ ، وَيَأْمُرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ الْمَعَاصِي ، وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَظَالِمِ ، وَالصِّيَامِ ، وَالصَّدَقَةِ ، وَتَرْكِ التَّشَاحُنِ ; لِيَكُونَ أَقْرَبَ لَإِجَابَتِهِمْ ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ سَبَبُ الْجَدْبِ ، وَالطَّاعَةُ تَكُونُ سَبَبًا لِلْبَرَكَاتِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ } .
كشاف القناع عن متن الإقناع اقرأ →
( بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ ) هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ السُّقْيَا ، أَيْ بَابُ الصَّلَاةِ لِأَجْلِ الِاسْتِسْقَاءِ ( وَهُوَ الدُّعَاءُ بِطَلَبِ السُّقْيَا عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ ) وَالسُّقْيَا بِضَمِّ السِّينِ الِاسْمُ مِنْ السَّقْيِ ( وَهِيَ ) أَيْ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ ( سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ حَضَرًا وَسَفَرًا ) لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ { ۝ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَسْقِي ، فَتَوَجَّهَ إلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ ثُمَّ صَلَّى ، رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَتُفْعَلُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى وَالْأَفْضَلُ جَمَاعَةً ( إذَا أَجْدَبَتْ الْأَرْضُ ) أَيْ أَصَابَهَا الْجَدْبُ ( وَهُوَ ضِدُّ الْخِصْبِ ) بِالْكَسْرِ ، أَيْ النَّمَاءِ وَالْبَرَكَةِ مِنْ أَخْصَبَ الْمَكَانُ فَهُوَ مُخَصَّبٌ .
وَفِي لُغَةٍ : خَصِبَ يَخْصَبُ مِنْ بَابِ تَعِبَ فَهُوَ خَصِيبٌ وَأَخْصَبَ الْمَكَانُ ، الْمَوْضِعُ : إذَا أَنْبَتَ بِهِ الْغَيْثُ وَالْكَلَأُ قَالَهُ فِي حَاشِيَتِهِ ( وَقَحَطَ الْمَطَرُ ) أَيْ احْتَبَسَ ( وَهُوَ ) أَيْ الْقَحْطُ ( احْتِبَاسُهُ ) أَيْ الْمَطَرِ ( لَا عَنْ أَرْضٍ غَيْرِ مَسْكُونَةٍ وَلَا مَسْلُوكَةٍ ) لِعَدَمِ الضَّرَرِ ( فَزِعَ النَّاسُ إلَى الصَّلَاةِ ) لِمَا تَقَدَّمَ وَيَأْتِي ( حَتَّى وَلَوْ كَانَ الْقَحْطُ فِي غَيْرِ أَرْضِهِمْ ) لِحُصُولِ الضَّرَرِ بِهِ ( أَوْ غَارَ مَاءُ عُيُونٍ ) أَيْ ذَهَبَ مَاؤُهَا فِي الْأَرْضِ ، ( أَوْ ) غَارَ مَاءُ ( أَنْهَارٍ ) جَمْعُ نَهْرٍ - بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا - وَهُوَ مَجْرَى الْمَاءِ ( أَوْ نَقَصَ ) مَاءُ الْعُيُونِ وَالْأَنْهَارِ ( وَضَرَّ ذَلِكَ ) أَيْ غَوْرُ مَائِهَا أَوْ نُقْصَانُهُ فَتُسْتَحَبُّ صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ لِذَلِكَ كَقَحْطِ الْمَطَرِ .
شرح منتهى الإرادات اقرأ →
بَابُ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ وَأَحْكَامِهَا ( وَهُوَ ) أَيْ الِاسْتِسْقَاءُ ( الدُّعَاءُ بِطَلَبِ السُّقْيَا ) بِضَمِّ السِّينِ الِاسْمُ مِنْ السَّقْيِ ( عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ ) يَأْتِي بَيَانُهَا ( وَتُسَنُّ ) صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ ( حَتَّى بِسَفَرٍ إذَا ضَرَّ ) النَّاسَ ( إجْدَابُ أَرْضٍ ) يُقَالُ : أَجْدَبَ الْقَوْمُ ، إذَا أَمْحَلُوا ( وَ ) ضَرَّهُمْ ( قَحْطُ مَطَرٍ ) أَيْ احْتِبَاسُهُ ( أَوْ ) ضَرَّهُمْ ( غَوْرُ ) أَيْ ذَهَابُ ( مَاءِ عُيُونٍ ) فِي الْأَرْضِ ( أَوْ ) ضَرَّهُمْ غَوْرُ مَاءِ ( أَنْهَارٍ ) جَمْعُ نَهْرٍ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَسُكُونِهَا : مَجْرَى الْمَاءِ وَكَذَا لَوْ نَقَصَ مَاؤُهَا وَضَرَّ ( وَوَقْتُهَا ) أَيْ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ كَعِيدٍ ، فَتُسَنُّ أَوَّلَ النَّهَارِ وَتَجُوزُ كُلَّ وَقْتٍ غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ .
الإنصاف اقرأ →
باب صلاة الاستسقاء
الفروع اقرأ →
باب صلاة الاستسقاء
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
باب صلاة الاستسقاء
المبدع في شرح المقنع اقرأ →
باب صلاة الاستسقاء