الصلاة
الجنائزصلاة العيدينصلاة الجمعةسجود السهوصلاة الاستسقاءصلاة الخوفصلاة الكسوفصفة الصلاةصلاة المسافرصلاة الجماعةالأذاناستقبال القبلةصلاة المريضشروط الصلاةالمواقيتصلاة التطوعسجود التلاوةالصلاة في الكعبةالأذان والإقامةحمل الجنازةستر العورةالشهيدصلاة أهل الأعذارالإمامةقضاء الفوائتالنيةاجتناب النجاسةالاستسقاءالحدث في الصلاةصفة الأئمةما يفسد الصلاة وما يكره فيهامواقيت الصلاةاجتناب النجاساتاختلاف نية الإمام والمأموم وغير ذلكإدراك الفريضةافتتاح الصلاةأقل ما يجزئ من عمل الصلاةإمامة المرأةالتبكير إلى الجمعةالجمع بين الصلاتينالحكم في تارك الصلاة متعمداالدعاء في الاستسقاءالساعات التي تكره فيها الصلاةالساعات التي نهي عن الصلاة فيهاستر العورة وأحكام اللباسسجود السهو وسجود الشكرصلاة الإمام وصفة الأئمةالصلاة بالنجاسة ومواضع الصلاة من مسجد وغيرهصلاة التطوع وقيام شهر رمضانصلاة كسوف الشمس والقمرصلاة المسافر والجمع في السفرصلاة الوترطول القراءة وقصرهاالعيدينالغسل للجمعة والخطبة وما يجب في صلاة الجمعةفضل الجماعة والعذر بتركهافي كراهية اللباس والمبارزةما جاء في الوتر بركعة واحدةالنوافلالنية في الصلاةالوتر والنوافلوقت الصلاة والأذان والعذر فيهاجتزاء المرء بأذان غيره وإقامته وإن لم يقم لهاجتناب النجاسة ومواضع الصلاةأحكام صلاة العيدآداب السفرآداب المشي إلى الصلاةإدراك فريضة الصلاةالأذان والإقامة للجمع بين الصلاتين والصلواتالأذكار المستحبة في الليل والنهارالاستخلافاستقبال القبلة بالأذاناستقبال القبلة وأن لا فرض إلا الخمساستقبال القبلة وبيان أدلتها وما يتعلق بذلكأصل فرض الصلاةالأفعال في الصلاةالإمامة وصلاة الجماعةانصراف المصلي إماما أو غير إمام عن يمينه وشمالهالأوقات التي يكره فيها صلاة التطوع ويجوز فيها الفريضة والقضاء والجنازة وغيرهاأوقات النهي في الصلاةالبئرباب الجمعةالتأمين عند الفراغ من قراءة أم القرآنالتجافي في السجودالتشهد والصلاة على النبيالتعوذ بعد الافتتاحالتكبير في أيام التشريقالتكبير في العيدالتكبير في العيدينالتكبير للركوع وغيرهالجلوس إذا رفع من السجود بين السجدتينجماع الأذانجماع لبس المصليجماع ما يصلى عليه ولا يصلى من الأرضالحالين اللذين يجوز فيهما استقبال غير القبلةحكاية الآذانالذكر في السجودالرجل يؤذن ويقيم غيرهرفع الصوت بالأذانرفع اليدين في التكبير في الصلاةالساعات التي يكره فيها صلاة التطوعسجدتي السهوسجدة التلاوةسجود التلاوة والشكرالسلام في الصلاةشروط الصلاة التي تتقدمهاصفة الأذانصفة الأذان وما يقام له من الصلوات ولا يؤذنصفة الصلاة وما يجزئ منها وما يفسدها وعدد سجود القرآنصفة الصلاة وما يجوز منها وما يفسدهاصفة الصلاة وما يكره فيها وأركانها وواجباتها وسننها وما يتعلق بهاصلاة الإمام قائما بقعود أو قاعدا بقيامصلاة الإمام قاعدا بقيام وقائما بقعودالصلاة بالنجاسة وغير ذلكالصلاة بمكة في الكعبةصلاة التراويحصلاة التطوع وما يتعلق بهاصلاة الجنازةصلاة العذرصلاة العراةالصلاة في أعطان الإبل ومراح الغنمالصلاة في السفينةالصلاة في القميص الواحدصلاة المستحاضةطهارة البدن وما يصلى فيه وعليهعدد المؤذنين وأرزاقهمالعذر في ترك الجمعة والجماعةفي بيان سبب سجود السهو وأحكامهفي سجود التلاوةفي سجود التلاوة والشكرفي السلام وأحكامه وآدابهفي صلاة النفلفي صلاة النفل وهي قسمانفي القول مثل ما يقول المؤذنقدر الجلوس في الركعتين الأوليين والأخريينالقراءة بعد أم القرآنالقراءة بعد التعوذالقول عند رفع الرأس من الركوعالقول في الركوعالقيام في الفريضةالقيام من اثنتينالقيام من الجلوسالكسوفكلام الإمام وجلوسه بعد السلامالكلام في أثناء الأذانالكلام في الأذان بما ليست فيه للناس منفعةكيف السجودكيف قراءة المصليكيف القيام من الركوعكيفية لبس الثياب في الصلاةما يدخل به في الصلاة من التكبيرما يستحب في الصلاة أو يباح أو يكره أو يبطلهاما يصلى عليه مما يلبس ويبسطما يفسد الصلاة ويكره فيهاما يفعل قبل الصلاةما يكره لبسه وما لا يكرهما يكره للمصليالمسبوقالمقام الذي يتم بمثله الصلاةمن لا يحسن القراءة وأقل فرض الصلاةمن له أن يصلي صلاة الخوفموقف الإمامموقف الجماعةموقف صلاة المأموم مع الإمامموقف المأموم مع الإمامالنية وما يتعلق بهاهيئة الجمعة والتكبيرالهيئة للجمعةوجوب الجمعة وغيره من أمرهاالوضوء والغسلوقت الأذان للصبحيشتمل على شروط الصلاة وموانعها
الحنفية
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
اقرأ →
( فَصْلٌ ) :
وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ إمَامَ الْحَيِّ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ إنْ حَضَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَأَمِيرُ الْمِصْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَإِمَامُ الْحَيِّ ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَالْأَقْرَبُ مِنْ ذَوِي قَرَابَاتِهِ ، وَهَذَا هُوَ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُمْكِنٌ ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ إذَا حَضَرَ فَهُوَ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَالْقَاضِي ; لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَإِمَامُ الْحَيِّ ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِمَامَتِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ ; وَلِهَذَا لَوْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ أَحَدًا فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَرِيبِ لِرِضَاهُ بِهِ إلَّا أَنَّهُ بَدَأَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِإِمَامِ الْحَيِّ ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ قَلَّمَا يَحْضُرُ الْجَنَائِزَ ، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ عَصَبَتِهِ وَذَوِي قَرَابَاتِهِ ; لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمَيِّتِ لَهُ .
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَرِيبُ أَوْلَى مِنْ السُّلْطَانِ ، لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَلَايَةِ ، وَالْقَرِيبُ فِي مِثْلِ هَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ ، كَمَا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ ; وَلِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِلدُّعَاءِ وَالشَّفَاعَةِ لِلْمَيِّتِ ، وَدُعَاءُ الْقَرِيبِ أَرْجَى ; لِأَنَّهُ يُبَالِغُ فِي إخْلَاصِ الدُّعَاءِ ، وَإِحْضَارِ الْقَلْبِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ شَفَقَتِهِ ، وَتُوجَدُ مِنْهُ زِيَادَةُ رِقَّةٍ وَتَضَرُّعٍ فَكَانَ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا رُوِيَ { أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا مَاتَ قَدَّمَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ - وَكَانَ وَالِيًا بِالْمَدِينَةِ - وَقَالَ : لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُكَ ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ التَّقَدُّمِ لَمَا قَدَّمْتُكَ } ; وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالسُّلْطَانِ كَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ ، وَضَرَرُهُ وَنَفْعُهُ يَتَّصِلُ بِالْوَلِيِّ لَا بِالسُّلْطَانِ ، فَكَانَ إثْبَاتُ الْوَلَايَةِ لِلْقَرِيبِ أَنْفَعَ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، وَتِلْكَ وِلَايَةُ نَظَرٍ ثَبَتَتْ حَقًّا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَلِيِّ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ .
أَمَّا قَوْلُهُ : " إنَّ دُعَاءَ الْقَرِيبِ ، وَشَفَاعَتَهُ أَرْجَى " فَنَقُولُ : بِتَقَدُّمِ الْغَيْرِ لَا يَفُوتُ دُعَاءُ الْقَرِيبِ وَشَفَاعَتُهُ مَعَ أَنَّ دُعَاءَ الْإِمَامِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ثَلَاثٌ لَا يُحْجَبُ دُعَاؤُهُمْ وَذَكَرَ فِيهِمْ الْإِمَامَ } ، ثُمَّ تَقَدُّمُ إمَامِ الْحَيِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَكِنَّهُ أَفْضَلُ لِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ رَضِيَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ .
وَأَمَّا تَقْدِيمُ السُّلْطَانِ فَوَاجِبٌ لِأَنَّ تَعْظِيمَهُ مَأْمُورٌ بِهِ ; وَلِأَنَّ تَرْكَ تَقْدِيمِهِ لَا يَخْلُو عَنْ فَسَادِ التَّجَاذُبِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ .
وَأَمَّا بَيَانُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّ إمَامَ الْحَيِّ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ إنْ حَضَرَ ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَأَمِيرُ الْمِصْرِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَإِمَامُ الْحَيِّ ، فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَالْأَقْرَبُ مِنْ ذَوِي قَرَابَاتِهِ ، وَهَذَا هُوَ حَاصِلُ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا ، وَالتَّوْفِيقُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُمْكِنٌ ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ إذَا حَضَرَ فَهُوَ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ إمَامُ الْأَئِمَّةِ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَالْقَاضِي ; لِأَنَّهُ نَائِبُهُ فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ فَإِمَامُ الْحَيِّ ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِمَامَتِهِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ ، فَيَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِهِ بَعْدَ مَمَاتِهِ ; وَلِهَذَا لَوْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ أَحَدًا فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْقَرِيبِ لِرِضَاهُ بِهِ إلَّا أَنَّهُ بَدَأَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ بِإِمَامِ الْحَيِّ ; لِأَنَّ السُّلْطَانَ قَلَّمَا يَحْضُرُ الْجَنَائِزَ ، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ عَصَبَتِهِ وَذَوِي قَرَابَاتِهِ ; لِأَنَّ وِلَايَةَ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمَيِّتِ لَهُ .
وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْقَرِيبُ أَوْلَى مِنْ السُّلْطَانِ ، لِأَبِي يُوسُفَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوَلَايَةِ ، وَالْقَرِيبُ فِي مِثْلِ هَذَا مُقَدَّمٌ عَلَى السُّلْطَانِ ، كَمَا فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ ; وَلِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ شُرِعَتْ لِلدُّعَاءِ وَالشَّفَاعَةِ لِلْمَيِّتِ ، وَدُعَاءُ الْقَرِيبِ أَرْجَى ; لِأَنَّهُ يُبَالِغُ فِي إخْلَاصِ الدُّعَاءِ ، وَإِحْضَارِ الْقَلْبِ بِسَبَبِ زِيَادَةِ شَفَقَتِهِ ، وَتُوجَدُ مِنْهُ زِيَادَةُ رِقَّةٍ وَتَضَرُّعٍ فَكَانَ أَقْرَبَ إلَى الْإِجَابَةِ ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ مَا رُوِيَ { أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ لَمَّا مَاتَ قَدَّمَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ - وَكَانَ وَالِيًا بِالْمَدِينَةِ - وَقَالَ : لَوْلَا السُّنَّةُ مَا قَدَّمْتُكَ ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ : لَوْلَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ التَّقَدُّمِ لَمَا قَدَّمْتُكَ } ; وَلِأَنَّ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الْعَامَّةِ فَيَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِالسُّلْطَانِ كَإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْخَاصَّةِ ، وَضَرَرُهُ وَنَفْعُهُ يَتَّصِلُ بِالْوَلِيِّ لَا بِالسُّلْطَانِ ، فَكَانَ إثْبَاتُ الْوَلَايَةِ لِلْقَرِيبِ أَنْفَعَ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ ، وَتِلْكَ وِلَايَةُ نَظَرٍ ثَبَتَتْ حَقًّا لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَلِيِّ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ .
أَمَّا قَوْلُهُ : " إنَّ دُعَاءَ الْقَرِيبِ ، وَشَفَاعَتَهُ أَرْجَى " فَنَقُولُ : بِتَقَدُّمِ الْغَيْرِ لَا يَفُوتُ دُعَاءُ الْقَرِيبِ وَشَفَاعَتُهُ مَعَ أَنَّ دُعَاءَ الْإِمَامِ أَقْرَبُ إلَى الْإِجَابَةِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { ثَلَاثٌ لَا يُحْجَبُ دُعَاؤُهُمْ وَذَكَرَ فِيهِمْ الْإِمَامَ } ، ثُمَّ تَقَدُّمُ إمَامِ الْحَيِّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَكِنَّهُ أَفْضَلُ لِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ رَضِيَهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ .
وَأَمَّا تَقْدِيمُ السُّلْطَانِ فَوَاجِبٌ لِأَنَّ تَعْظِيمَهُ مَأْمُورٌ بِهِ ; وَلِأَنَّ تَرْكَ تَقْدِيمِهِ لَا يَخْلُو عَنْ فَسَادِ التَّجَاذُبِ وَالتَّنَازُعِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ .
المبسوط
اقرأ →
ثُمَّ إنَّهُ بَدَأَ بِكِتَابِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ أَقْوَى الْأَرْكَانِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ } وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ } فَمَنْ أَرَادَ نَصْبَ خَيْمَةٍ بَدَأَ بِنَصْبِ الْعِمَادِ ، وَالصَّلَاةُ مِنْ أَعْلَى مَعَالِمِ الدِّينِ مَا خَلَتْ عَنْهَا شَرِيعَةُ الْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ
وَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ الْأُسْتَاذَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } أَيْ لِأَنِّي ذَكَرْتُهَا فِي كُلِّ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ عَلَى لِسَانِ كُلِّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَفِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنْ الْمُصَلِّينَ } مَا يَدُلُّ عَلَى وَكَادَتِهَا ، فَحِينَ وَقَعَتْ بِهَا الْبِدَايَةُ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهَا فِي الْقُوَّةِ بِأَعْلَى النِّهَايَةِ ، وَفِي اسْمِ الصَّلَاةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا ثَانِيَةُ الْإِيمَانِ فَالْمُصَلِّي فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّالِي لِلسَّابِقِ فِي الْخَيْلِ قَالَ الْقَائِلُ ﴿﴾ وَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَكُونَ مُصَلِّيًا ﴿﴾ ﴿﴾ إذَا كُنْتُ أَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ السَّبَقُ ﴿﴾ وَفِي رِوَايَةٍ ﴿﴾ أَمَا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ أَكُونَ مُصَلِّيًا ﴿﴾ . وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } أَيْ دُعَاءَكَ ، وَقَالَ الْقَائِلُ : ﴿﴾ وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ ﴿﴾ أَيْ دَعَا وَأَثْنَى عَلَى دَنِّهَا وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَرْكَانٍ مَخْصُوصَةٍ كَانَ فِيهَا الدُّعَاءُ أَوْ لَمْ يَكُنْ
5 فَالِاسْمُ شَرْعِيٌّ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ ، فَالدَّلَائِلُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا مَشْهُورَةٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا .
وَقَدْ سَمِعْتُ شَيْخَنَا الْإِمَامَ الْأُسْتَاذَ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَأَقِمْ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } أَيْ لِأَنِّي ذَكَرْتُهَا فِي كُلِّ كِتَابٍ مُنَزَّلٍ عَلَى لِسَانِ كُلِّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ وَفِي قَوْلِهِ - عَزَّ وَجَلَّ - : { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنْ الْمُصَلِّينَ } مَا يَدُلُّ عَلَى وَكَادَتِهَا ، فَحِينَ وَقَعَتْ بِهَا الْبِدَايَةُ ، دَلَّ عَلَى أَنَّهَا فِي الْقُوَّةِ بِأَعْلَى النِّهَايَةِ ، وَفِي اسْمِ الصَّلَاةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا ثَانِيَةُ الْإِيمَانِ فَالْمُصَلِّي فِي اللُّغَةِ هُوَ التَّالِي لِلسَّابِقِ فِي الْخَيْلِ قَالَ الْقَائِلُ ﴿﴾ وَلَا بُدَّ لِي مِنْ أَنْ أَكُونَ مُصَلِّيًا ﴿﴾ ﴿﴾ إذَا كُنْتُ أَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ السَّبَقُ ﴿﴾ وَفِي رِوَايَةٍ ﴿﴾ أَمَا كُنْتَ تَرْضَى أَنْ أَكُونَ مُصَلِّيًا ﴿﴾ . وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } أَيْ دُعَاءَكَ ، وَقَالَ الْقَائِلُ : ﴿﴾ وَقَابَلَهَا الرِّيحُ فِي دَنِّهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَصَلَّى عَلَى دَنِّهَا وَارْتَسَمْ ﴿﴾ أَيْ دَعَا وَأَثْنَى عَلَى دَنِّهَا وَفِي الشَّرِيعَةِ عِبَارَةٌ عَنْ أَرْكَانٍ مَخْصُوصَةٍ كَانَ فِيهَا الدُّعَاءُ أَوْ لَمْ يَكُنْ
5 فَالِاسْمُ شَرْعِيٌّ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى اللُّغَةِ ، فَالدَّلَائِلُ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا مَشْهُورَةٌ يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا .
فتح القدير
اقرأ →
217 كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ الْمَوَاقِيتِ ( أَوَّلُ وَقْتِ الْفَجْرِ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ الثَّانِي وَهُوَ الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْأُفُقِ ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ ) لِحَدِيثِ { إمَامَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَإِنَّهُ أَمَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ ، 218 وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَطْلُعُ } ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَقْتٌ لَك 219 وَلِأُمَّتِك .
وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو طُولًا ثُمَّ يَعْقُبُهُ الظَّلَامُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ ، وَإِنَّمَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ } أَيْ الْمُنْتَشِرُ فِيهِ .
وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْفَجْرِ الْكَاذِبِ وَهُوَ الْبَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو طُولًا ثُمَّ يَعْقُبُهُ الظَّلَامُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ ، وَإِنَّمَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ } أَيْ الْمُنْتَشِرُ فِيهِ .
رد المحتار على الدر المختار
اقرأ →
( قَوْلُهُ : كَلَوْنٍ وَرِيحٍ ) الْكَافُ اسْتِقْصَائِيَّةٌ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَثَرِ هُوَ مَا ذُكِرَ فَقَطْ كَمَا فَسَّرَهُ فِي الْبَحْرِ وَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِمَا ، وَأَمَّا الطَّعْمُ فَلَا بُدَّ مِنْ زَوَالِهِ ; لِأَنَّ بَقَاءَهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ كَمَا نُقِلَ عَنْ الْبُرْجَنْدِيِّ ، وَاقْتَصَرَ الْقُهُسْتَانِيُّ عَلَى تَفْسِيرِ الْأَثَرِ بِالرِّيحِ فَقَطْ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الرَّائِحَةِ بَعْدَ زَوَالِ الْعَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَشُقَّ زَوَالُهَا . وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ ظَاهِرُ مَا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ .
أَقُولُ : وَهُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلَهُ نُوحٌ أَفَنْدِي عَنْ الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ لَوْ غُسِلَ الثَّوْبُ عَنْ الْخَمْرِ ثَلَاثًا وَرَائِحَتُهَا بَاقِيَةٌ طَهُرَ وَقِيلَ لَا مَا لَمْ تَزُلْ الرَّائِحَةُ . ( قَوْلُهُ : لَازِمٍ ) أَيْ : ثَابِتٍ وَهُوَ نَعْتٌ لِأَثَرٍ . ( قَوْلُهُ : حَارٍّ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ : مُسَخَّنٍ . ( قَوْلُهُ : وَنَحْوِهِ ) أَيْ : كَحُرْضٍ وَأُشْنَانٍ . ( قَوْلُهُ : بَلْ يَطْهُرُ إلَخْ ) إضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ ط . ( قَوْلُهُ : بِنَجِسٍ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ : مُتَنَجِّسٍ إذْ لَوْ كَانَ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ كَالدَّمِ وَجَبَ زَوَالُ عَيْنِهِ وَطَعْمِهِ وَرِيحِهِ وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَفَادَهُ ح . مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الصَّبْغِ وَالِاخْتِضَابِ بِالصِّبْغِ أَوْ الْحِنَّاءِ النَّجِسَيْنِ
. ( قَوْلُهُ : وَالْأَوْلَى غَسْلُهُ إلَخْ ) اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الدُّهْنِ النَّجِسِ أَوْ اخْتَضَبَتْ الْمَرْأَةُ بِالْحِنَّاءِ النَّجِسِ أَوْ صُبِغَ الثَّوْبُ بِالصِّبْغِ النَّجِسِ ثُمَّ غُسِلَ كُلٌّ ثَلَاثًا طَهُرَ ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ يَطْهُرُ إنْ غُسِلَ الثَّوْبُ حَتَّى يَصْفُوَ الْمَاءُ وَيَسِيلَ أَبْيَضَ ا هـ . وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي صِبْغٍ فَإِنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ الثَّوْبُ ثُمَّ يُغْسَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ كَالْمَرْأَةِ إذَا اخْتَضَبَتْ بِحِنَّاءٍ نَجِسٍ . ا هـ . وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْحِنَّاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُطْلَقَةً أَيْضًا ، ثُمَّ قَالَ : وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْهُرَ مَا دَامَ يَخْرُجُ الْمَاءُ مُلَوَّنًا بِلَوْنِ الْحِنَّاءِ ، فَعُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ صَفْوِ الْمَاءِ إمَّا قَوْلٌ ثَانٍ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الْمُحِيطِ ، أَوْ هُوَ تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَبَيَانٌ لَهُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْخَانِيَّةِ وَيَنْبَغِي ، وَعَلَى كُلٍّ فَكَلَامُ الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ يُشْعِرُ بِاخْتِيَارِ ذَلِكَ الشَّرْطِ ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْفَتْحِ .
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ كَلَامًا حَسَنًا سَبَقَهُ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ ، وَهُوَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الِاخْتِضَابِ أَوْ الصَّبْغِ بِالْحِنَّاءِ أَوْ الصِّبْغِ النَّجِسَيْنِ وَغَمْسِ الْيَدِ فِي الدُّهْنِ النَّجِسِ مَبْنِيَّةٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ إمَّا عَلَى أَنَّ الْأَثَرَ الَّذِي يَشُقُّ زَوَالُهُ لَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ ، وَإِمَّا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّ الدُّهْنَ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا بِأَنْ يُجْعَلَ فِي إنَاءٍ فَيُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ ثُمَّ يُرْفَعَ وَيُرَاقَ الْمَاءُ ، وَهَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ ; فَمَنْ بَنَى ذَلِكَ عَلَى الْأَوَّلِ اشْتَرَطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَفْوَ الْمَاءِ لِيَكُونَ اللَّوْنُ الْبَاقِي أَثَرًا شَقَّ زَوَالُهُ فَيُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا نُفِضَ عَلَى ثَوْبٍ آخَرَ أَوْ ظَهَرَ فِي الْمَاءِ عِنْدَ غَسْلِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ . وَالْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ غَسْلِهِ ثَلَاثًا بَعْدَ صَفْوِ الْمَاءِ ضَعِيفٌ ، وَمَنْ بَنَى عَلَى الثَّانِي اكْتَفَى بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا ; لِأَنَّ الْحِنَّاءَ وَالصِّبْغَ وَالدُّهْنَ الْمُتَنَجِّسَاتِ تَصِيرُ طَاهِرَةً بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا فَلَا يُشْتَرَطُ بَعْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ الْمَاءِ صَافِيًا . ا هـ . وَقَدْ أَطَالَ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ ثُمَّ جَنَحَ إلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَالَ : إنَّهُ الْأَشْبَهُ فَلْيَكُنْ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى ا هـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَرْجِيحٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْفَتْحِ ، 330 فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ الْجَزْمُ بِهِ إذْ لَمْ نَرَ مَنْ رَجَّحَ خِلَافَهُ فَافْهَمْ ، ثُمَّ قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ : وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ بِالدَّمِ كَالثِّيَابِ الْحُمْرِ الَّتِي تُجْلَبُ فِي زَمَانِنَا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ ، فَلَا تَطْهُرُ أَبَدًا مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ صَافِيًا وَيُعْفَى عَنْ اللَّوْنِ ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْمَصْبُوغُ بِالدُّودَةِ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ يَتَجَمَّدُ فِيهَا الدَّمُ النَّجِسُ مَا لَمْ تَكُنْ مِنْ دُودٍ يَتَوَلَّدُ فِي الْمَاءِ فَتَكُونُ طَاهِرَةً ، لَكِنَّ بَيْعَهَا بَاطِلٌ ، وَلَا يَضْمَنُ مُتْلِفُهَا ، وَلَا يُمْلَكُ ثَمَنُهَا بِالْقَبْضِ ; لِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ ا هـ مُلَخَّصًا .
أَقُولُ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الدُّودَةَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَائِيَّةِ الْمَوْلِدِ وَكَانَ لَهَا دَمٌ سَائِلٌ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَإِلَّا فَطَاهِرَةٌ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهَا . وَأَمَّا حُكْمُ بَيْعِهَا فَيَنْبَغِي جَوَازُهُ كَمَا أَجَازُوا بَيْعَ السِّرْقِينِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ وَكَذَا بَيْعُ دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ ; لِأَنَّهُ مَالٌ يُضَنُّ بِهِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ . وَكَذَا بَيْعُ النَّحْلِ وَالْعَلَقِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْهَوَامِّ ، وَهَذِهِ الدُّودَةُ عِنْدَ أَهْلِ زَمَانِنَا مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ وَأَنْفَسِهَا وَالضِّنَّةُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ دُودِ الْقَزِّ . وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ الدُّودَةَ نَوْعَانِ نَوْعٌ مِنْهَا حَيَوَانِيٌّ يُخْنَقُ بِالْخَلِّ أَوْ الْخَمْرِ ، وَنَوْعٌ مِنْهَا نَبَاتِيٌّ وَالْأَجْوَدُ فِي الصَّبْغِ الْأَوَّلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - . مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الْوَشْمِ [ تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ ]
يُسْتَفَادُ مِمَّا مَرَّ حُكْمُ الْوَشْمِ فِي نَحْوِ الْيَدِ ، وَهُوَ أَنَّهُ كَالِاخْتِضَابِ أَوْ الصَّبْغِ بِالْمُتَنَجِّسِ ; لِأَنَّهُ إذَا غُرِزَتْ الْيَدُ أَوْ الشَّفَةُ مَثَلًا بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حُشِيَ مَحَلُّهَا بِكُحْلٍ أَوْ نِيلَةٍ لِيَخْضَرَّ تَنَجَّسَ الْكُحْلُ بِالدَّمِ ، فَإِذَا جَمَدَ الدَّمُ وَالْتَأَمَ الْجُرْحُ بَقِيَ مَحَلُّهُ أَخْضَرَ ، فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ ; لِأَنَّهُ أَثَرٌ يَشُقُّ زَوَالُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ إلَّا بِسَلْخِ الْجِلْدِ أَوْ جَرْحِهِ ، فَإِذَا كَانَ لَا يُكَلَّفُ بِإِزَالَةِ الْأَثَرِ الَّذِي يَزُولُ بِمَاءٍ حَارٍّ أَوْ صَابُونٍ فَعَدَمُ التَّكْلِيفِ هُنَا أَوْلَى ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ فَقَالَ : وَلَوْ اتَّخَذَ فِي يَدِهِ وَشْمًا لَا يَلْزَمُهُ السَّلْخُ ا هـ . لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ : لَوْ أَعَادَ سِنَّهُ ثَانِيًا وَنَبَتَ وَقَوِيَ ، فَإِنْ أَمْكَنَ قَلْعُهُ بِلَا ضَرَرٍ قَلَعَهُ وَإِلَّا فَلَا وَتَنَجَّسَ فَمُهُ ، وَلَا يَؤُمُّ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ ا هـ . أَيْ : بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ السِّنِّ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ : وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ الْوَشْمَةِ ، وَلَا رَيْبَ فِي عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِهِ إمَامًا بِجَامِعِ النَّجَاسَةِ . ثُمَّ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ قِيلَ : يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ نَجِسًا ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهُ إلَّا بِالْجَرْحِ فَإِنْ خِيفَ مِنْهُ الْهَلَاكُ أَوْ فَوَاتُ عُضْوٍ لَمْ تَجِبْ وَإِلَّا وَجَبَتْ ، وَبِتَأْخِيرِهِ يَأْثَمُ ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ سَوَاءٌ ا هـ .
أَقُولُ : وَعَلَيْهِ لَوْ أَصَابَ مَاءً قَلِيلًا أَوْ مَائِعًا نَجَّسَهُ ، لَكِنَّ تَعْبِيرَ الْأَكْمَلِ بِقِيلَ يُفِيدُ عَدَمَ اعْتِمَادِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْهُمْ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَشْمَةِ وَبَيْنَ السِّنِّ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ السِّنَّ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَالْوَشْمَةَ أَثَرٌ ، فَإِنْ اُدُّعِيَ أَنَّ بَقَاءَ اللَّوْنِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ رُدَّ بِأَنَّ الصَّبْغَ وَالِاخْتِضَابَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ عَدَمُ طَهَارَتِهِ ، وَإِنْ فُرِّقَ بِأَنَّ الْوَشْمَةَ امْتَزَجَتْ بِاللَّحْمِ وَالْتَأَمَتْ مَعَهُ بِخِلَافِ الصَّبْغِ نَقُولُ : إنَّ مَا تَدَاخَلَ فِي اللَّحْمِ لَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ كَمَا لَوْ تَشَرَّبَتْ النَّجَاسَةُ فِي يَدِهِ مَثَلًا ، وَمَا عَلَى سَطْحِ الْجِلْدِ مِثْلُ الْحِنَّاءِ وَالصَّبْغِ ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ { وَلَمَّا جُرِحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُحُدٍ جَاءَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَحْرَقَتْ حَصِيرًا وَكَمَّدَتْ بِهِ حَتَّى الْتَصَقَ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ } .
وَفِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى : كُسِرَ عَظْمُهُ فَوُصِّلَ بِعَظْمِ الْكَلْبِ وَلَا يُنْزَعُ إلَّا بِضَرَرٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ فِي يَدِهِ تَصَاوِيرُ وَيَؤُمُّ النَّاسَ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ ا هـ . وَفِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ سُئِلَ فِي رَجُلٍ عَلَى يَدِهِ وَشْمٌ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ مَعَهُ أَمْ لَا ؟ أَجَابَ نَعَمْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ بِلَا شُبْهَةٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - . ا هـ . ( قَوْلُهُ : إلَّا دُهْنَ وَدَكِ مَيْتَةٍ ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إلَّا وَدَكَ دُهْنِ مَيْتَةٍ ; لِأَنَّ الْوَدَكَ الدَّسَمُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ . ( قَوْلُهُ : حَتَّى لَا يُدْبَغَ بِهِ جِلْدٌ ) أَيْ : لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَوْ دُبِغَ ثُمَّ غُسِلَ طَهُرَ . قَالَ فِي الْقُنْيَةِ : الْكِيمَخْتُ الْمَدْبُوغُ بِدُهْنِ الْخِنْزِيرِ إذَا 331 غُسِلَ يَطْهُرُ ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ الْأَثَرِ . وَفِي الْخُلَاصَةِ : وَإِذَا دُبِغَ الْجِلْدُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ وَيَطْهُرُ وَالتَّشَرُّبُ عَفْوٌ ا هـ . ( قَوْلُهُ : بَلْ يُسْتَصْبَحَ بِهِ إلَخْ ) ظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا هَذَا فِي الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ فَقَطْ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ يَقُولُ وَهُوَ بِمَكَّةَ : إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ; قَالَ : لَا ، هُوَ حَرَامٌ } الْحَدِيثَ "
أَقُولُ : وَهُوَ صَرِيحُ مَا نَقَلَهُ نُوحٌ أَفَنْدِي عَنْ الْمُحِيطِ حَيْثُ قَالَ لَوْ غُسِلَ الثَّوْبُ عَنْ الْخَمْرِ ثَلَاثًا وَرَائِحَتُهَا بَاقِيَةٌ طَهُرَ وَقِيلَ لَا مَا لَمْ تَزُلْ الرَّائِحَةُ . ( قَوْلُهُ : لَازِمٍ ) أَيْ : ثَابِتٍ وَهُوَ نَعْتٌ لِأَثَرٍ . ( قَوْلُهُ : حَارٍّ ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ : مُسَخَّنٍ . ( قَوْلُهُ : وَنَحْوِهِ ) أَيْ : كَحُرْضٍ وَأُشْنَانٍ . ( قَوْلُهُ : بَلْ يَطْهُرُ إلَخْ ) إضْرَابٌ انْتِقَالِيٌّ ط . ( قَوْلُهُ : بِنَجِسٍ ) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ : مُتَنَجِّسٍ إذْ لَوْ كَانَ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ كَالدَّمِ وَجَبَ زَوَالُ عَيْنِهِ وَطَعْمِهِ وَرِيحِهِ وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ الْمَيْتَةِ أَفَادَهُ ح . مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الصَّبْغِ وَالِاخْتِضَابِ بِالصِّبْغِ أَوْ الْحِنَّاءِ النَّجِسَيْنِ
. ( قَوْلُهُ : وَالْأَوْلَى غَسْلُهُ إلَخْ ) اعْلَمْ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمُنْيَةِ أَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الدُّهْنِ النَّجِسِ أَوْ اخْتَضَبَتْ الْمَرْأَةُ بِالْحِنَّاءِ النَّجِسِ أَوْ صُبِغَ الثَّوْبُ بِالصِّبْغِ النَّجِسِ ثُمَّ غُسِلَ كُلٌّ ثَلَاثًا طَهُرَ ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّهُ يَطْهُرُ إنْ غُسِلَ الثَّوْبُ حَتَّى يَصْفُوَ الْمَاءُ وَيَسِيلَ أَبْيَضَ ا هـ . وَفِي الْخَانِيَّةِ إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي صِبْغٍ فَإِنَّهُ يُصْبَغُ بِهِ الثَّوْبُ ثُمَّ يُغْسَلُ ثَلَاثًا فَيَطْهُرُ كَالْمَرْأَةِ إذَا اخْتَضَبَتْ بِحِنَّاءٍ نَجِسٍ . ا هـ . وَذَكَرَ مَسْأَلَةَ الْحِنَّاءِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُطْلَقَةً أَيْضًا ، ثُمَّ قَالَ : وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْهُرَ مَا دَامَ يَخْرُجُ الْمَاءُ مُلَوَّنًا بِلَوْنِ الْحِنَّاءِ ، فَعُلِمَ أَنَّ اشْتِرَاطَ صَفْوِ الْمَاءِ إمَّا قَوْلٌ ثَانٍ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُ الْمُحِيطِ ، أَوْ هُوَ تَقْيِيدٌ لِإِطْلَاقِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَبَيَانٌ لَهُ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُ الْخَانِيَّةِ وَيَنْبَغِي ، وَعَلَى كُلٍّ فَكَلَامُ الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ يُشْعِرُ بِاخْتِيَارِ ذَلِكَ الشَّرْطِ ، وَلِذَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِ فِي الْفَتْحِ .
هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ كَلَامًا حَسَنًا سَبَقَهُ إلَيْهِ صَاحِبُ الْحِلْيَةِ ، وَهُوَ أَنَّ مَسْأَلَةَ الِاخْتِضَابِ أَوْ الصَّبْغِ بِالْحِنَّاءِ أَوْ الصِّبْغِ النَّجِسَيْنِ وَغَمْسِ الْيَدِ فِي الدُّهْنِ النَّجِسِ مَبْنِيَّةٌ فِي الْأَصْلِ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ إمَّا عَلَى أَنَّ الْأَثَرَ الَّذِي يَشُقُّ زَوَالُهُ لَا يَضُرُّ بَقَاؤُهُ ، وَإِمَّا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ مِنْ أَنَّ الدُّهْنَ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا بِأَنْ يُجْعَلَ فِي إنَاءٍ فَيُصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءُ ثُمَّ يُرْفَعَ وَيُرَاقَ الْمَاءُ ، وَهَكَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ يَطْهُرُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ ; فَمَنْ بَنَى ذَلِكَ عَلَى الْأَوَّلِ اشْتَرَطَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَفْوَ الْمَاءِ لِيَكُونَ اللَّوْنُ الْبَاقِي أَثَرًا شَقَّ زَوَالُهُ فَيُعْفَى عَنْهُ وَإِنْ كَانَ رُبَّمَا نُفِضَ عَلَى ثَوْبٍ آخَرَ أَوْ ظَهَرَ فِي الْمَاءِ عِنْدَ غَسْلِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ . وَالْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِ غَسْلِهِ ثَلَاثًا بَعْدَ صَفْوِ الْمَاءِ ضَعِيفٌ ، وَمَنْ بَنَى عَلَى الثَّانِي اكْتَفَى بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا ; لِأَنَّ الْحِنَّاءَ وَالصِّبْغَ وَالدُّهْنَ الْمُتَنَجِّسَاتِ تَصِيرُ طَاهِرَةً بِالْغَسْلِ ثَلَاثًا فَلَا يُشْتَرَطُ بَعْدَ ذَلِكَ خُرُوجُ الْمَاءِ صَافِيًا . ا هـ . وَقَدْ أَطَالَ فِي الْحِلْيَةِ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ دَأْبُهُ ثُمَّ جَنَحَ إلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ وَقَالَ : إنَّهُ الْأَشْبَهُ فَلْيَكُنْ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي الْفَتْوَى ا هـ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَرْجِيحٌ لِمَا فِي الْمُحِيطِ وَالْخَانِيَّةِ وَالْفَتْحِ ، 330 فَكَانَ عَلَى الشَّارِحِ الْجَزْمُ بِهِ إذْ لَمْ نَرَ مَنْ رَجَّحَ خِلَافَهُ فَافْهَمْ ، ثُمَّ قَالَ سَيِّدِي عَبْدُ الْغَنِيِّ : وَهَذَا بِخِلَافِ الْمَصْبُوغِ بِالدَّمِ كَالثِّيَابِ الْحُمْرِ الَّتِي تُجْلَبُ فِي زَمَانِنَا مِنْ دِيَارِ بَكْرٍ ، فَلَا تَطْهُرُ أَبَدًا مَا لَمْ يَخْرُجْ الْمَاءُ صَافِيًا وَيُعْفَى عَنْ اللَّوْنِ ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْمَصْبُوغُ بِالدُّودَةِ فَإِنَّهَا مَيْتَةٌ يَتَجَمَّدُ فِيهَا الدَّمُ النَّجِسُ مَا لَمْ تَكُنْ مِنْ دُودٍ يَتَوَلَّدُ فِي الْمَاءِ فَتَكُونُ طَاهِرَةً ، لَكِنَّ بَيْعَهَا بَاطِلٌ ، وَلَا يَضْمَنُ مُتْلِفُهَا ، وَلَا يُمْلَكُ ثَمَنُهَا بِالْقَبْضِ ; لِأَنَّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِمَالٍ ا هـ مُلَخَّصًا .
أَقُولُ : الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الدُّودَةَ إنْ كَانَتْ غَيْرَ مَائِيَّةِ الْمَوْلِدِ وَكَانَ لَهَا دَمٌ سَائِلٌ فَهِيَ نَجِسَةٌ وَإِلَّا فَطَاهِرَةٌ فَلَا يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهَا قَبْلَ الْعِلْمِ بِحَقِيقَتِهَا . وَأَمَّا حُكْمُ بَيْعِهَا فَيَنْبَغِي جَوَازُهُ كَمَا أَجَازُوا بَيْعَ السِّرْقِينِ لِلِانْتِفَاعِ بِهِ وَكَذَا بَيْعُ دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ ; لِأَنَّهُ مَالٌ يُضَنُّ بِهِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ . وَكَذَا بَيْعُ النَّحْلِ وَالْعَلَقِ مَعَ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْهَوَامِّ ، وَهَذِهِ الدُّودَةُ عِنْدَ أَهْلِ زَمَانِنَا مِنْ أَعَزِّ الْأَمْوَالِ وَأَنْفَسِهَا وَالضِّنَّةُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ دُودِ الْقَزِّ . وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ الدُّودَةَ نَوْعَانِ نَوْعٌ مِنْهَا حَيَوَانِيٌّ يُخْنَقُ بِالْخَلِّ أَوْ الْخَمْرِ ، وَنَوْعٌ مِنْهَا نَبَاتِيٌّ وَالْأَجْوَدُ فِي الصَّبْغِ الْأَوَّلُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - . مَطْلَبٌ فِي حُكْمِ الْوَشْمِ [ تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ ]
يُسْتَفَادُ مِمَّا مَرَّ حُكْمُ الْوَشْمِ فِي نَحْوِ الْيَدِ ، وَهُوَ أَنَّهُ كَالِاخْتِضَابِ أَوْ الصَّبْغِ بِالْمُتَنَجِّسِ ; لِأَنَّهُ إذَا غُرِزَتْ الْيَدُ أَوْ الشَّفَةُ مَثَلًا بِإِبْرَةٍ ثُمَّ حُشِيَ مَحَلُّهَا بِكُحْلٍ أَوْ نِيلَةٍ لِيَخْضَرَّ تَنَجَّسَ الْكُحْلُ بِالدَّمِ ، فَإِذَا جَمَدَ الدَّمُ وَالْتَأَمَ الْجُرْحُ بَقِيَ مَحَلُّهُ أَخْضَرَ ، فَإِذَا غُسِلَ طَهُرَ ; لِأَنَّهُ أَثَرٌ يَشُقُّ زَوَالُهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَزُولُ إلَّا بِسَلْخِ الْجِلْدِ أَوْ جَرْحِهِ ، فَإِذَا كَانَ لَا يُكَلَّفُ بِإِزَالَةِ الْأَثَرِ الَّذِي يَزُولُ بِمَاءٍ حَارٍّ أَوْ صَابُونٍ فَعَدَمُ التَّكْلِيفِ هُنَا أَوْلَى ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي الْقُنْيَةِ فَقَالَ : وَلَوْ اتَّخَذَ فِي يَدِهِ وَشْمًا لَا يَلْزَمُهُ السَّلْخُ ا هـ . لَكِنْ فِي الذَّخِيرَةِ : لَوْ أَعَادَ سِنَّهُ ثَانِيًا وَنَبَتَ وَقَوِيَ ، فَإِنْ أَمْكَنَ قَلْعُهُ بِلَا ضَرَرٍ قَلَعَهُ وَإِلَّا فَلَا وَتَنَجَّسَ فَمُهُ ، وَلَا يَؤُمُّ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ ا هـ . أَيْ : بِنَاءً عَلَى نَجَاسَةِ السِّنِّ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ . وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْبِيرِيُّ : وَمِنْهُ يُعْلَمُ حُكْمُ الْوَشْمَةِ ، وَلَا رَيْبَ فِي عَدَمِ جَوَازِ كَوْنِهِ إمَامًا بِجَامِعِ النَّجَاسَةِ . ثُمَّ نُقِلَ عَنْ شَرْحِ الْمَشَارِقِ لِلْعَلَّامَةِ الْأَكْمَلِ أَنَّهُ قِيلَ : يَصِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ نَجِسًا ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهُ إلَّا بِالْجَرْحِ فَإِنْ خِيفَ مِنْهُ الْهَلَاكُ أَوْ فَوَاتُ عُضْوٍ لَمْ تَجِبْ وَإِلَّا وَجَبَتْ ، وَبِتَأْخِيرِهِ يَأْثَمُ ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِيهِ سَوَاءٌ ا هـ .
أَقُولُ : وَعَلَيْهِ لَوْ أَصَابَ مَاءً قَلِيلًا أَوْ مَائِعًا نَجَّسَهُ ، لَكِنَّ تَعْبِيرَ الْأَكْمَلِ بِقِيلَ يُفِيدُ عَدَمَ اعْتِمَادِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْهُمْ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْوَشْمَةِ وَبَيْنَ السِّنِّ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهَا ظَاهِرٌ فَإِنَّ السِّنَّ عَيْنُ النَّجَاسَةِ وَالْوَشْمَةَ أَثَرٌ ، فَإِنْ اُدُّعِيَ أَنَّ بَقَاءَ اللَّوْنِ دَلِيلٌ عَلَى بَقَاءِ الْعَيْنِ رُدَّ بِأَنَّ الصَّبْغَ وَالِاخْتِضَابَ كَذَلِكَ فَيَلْزَمُ عَدَمُ طَهَارَتِهِ ، وَإِنْ فُرِّقَ بِأَنَّ الْوَشْمَةَ امْتَزَجَتْ بِاللَّحْمِ وَالْتَأَمَتْ مَعَهُ بِخِلَافِ الصَّبْغِ نَقُولُ : إنَّ مَا تَدَاخَلَ فِي اللَّحْمِ لَا يُؤْمَرُ بِغَسْلِهِ كَمَا لَوْ تَشَرَّبَتْ النَّجَاسَةُ فِي يَدِهِ مَثَلًا ، وَمَا عَلَى سَطْحِ الْجِلْدِ مِثْلُ الْحِنَّاءِ وَالصَّبْغِ ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لَوْ اكْتَحَلَ بِكُحْلٍ نَجِسٍ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ { وَلَمَّا جُرِحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُحُدٍ جَاءَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَحْرَقَتْ حَصِيرًا وَكَمَّدَتْ بِهِ حَتَّى الْتَصَقَ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ } .
وَفِي مُفْسِدَاتِ الصَّلَاةِ مِنْ خِزَانَةِ الْفَتَاوَى : كُسِرَ عَظْمُهُ فَوُصِّلَ بِعَظْمِ الْكَلْبِ وَلَا يُنْزَعُ إلَّا بِضَرَرٍ جَازَتْ الصَّلَاةُ ، ثُمَّ قَالَ : لَوْ فِي يَدِهِ تَصَاوِيرُ وَيَؤُمُّ النَّاسَ لَا تُكْرَهُ إمَامَتُهُ ا هـ . وَفِي الْفَتَاوَى الْخَيْرِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ سُئِلَ فِي رَجُلٍ عَلَى يَدِهِ وَشْمٌ هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ مَعَهُ أَمْ لَا ؟ أَجَابَ نَعَمْ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِمَامَتُهُ بِلَا شُبْهَةٍ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - . ا هـ . ( قَوْلُهُ : إلَّا دُهْنَ وَدَكِ مَيْتَةٍ ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ إلَّا وَدَكَ دُهْنِ مَيْتَةٍ ; لِأَنَّ الْوَدَكَ الدَّسَمُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ . ( قَوْلُهُ : حَتَّى لَا يُدْبَغَ بِهِ جِلْدٌ ) أَيْ : لَا يَحِلُّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ لَوْ دُبِغَ ثُمَّ غُسِلَ طَهُرَ . قَالَ فِي الْقُنْيَةِ : الْكِيمَخْتُ الْمَدْبُوغُ بِدُهْنِ الْخِنْزِيرِ إذَا 331 غُسِلَ يَطْهُرُ ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ الْأَثَرِ . وَفِي الْخُلَاصَةِ : وَإِذَا دُبِغَ الْجِلْدُ بِالدُّهْنِ النَّجِسِ يُغْسَلُ بِالْمَاءِ وَيَطْهُرُ وَالتَّشَرُّبُ عَفْوٌ ا هـ . ( قَوْلُهُ : بَلْ يُسْتَصْبَحَ بِهِ إلَخْ ) ظَاهِرُ مَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا هَذَا فِي الدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ فَقَطْ يُؤَيِّدُهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ يَقُولُ وَهُوَ بِمَكَّةَ : إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ ; قَالَ : لَا ، هُوَ حَرَامٌ } الْحَدِيثَ "
البحر الرائق شرح كنز الدقائق
اقرأ →
( قَوْلُهُ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى يَسَارِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ ) كَمَا قَدَّمْنَاهُ وَلَمْ يَذْكُرْ كَيْفِيَّةَ الْوَضْعِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تُذْكَرْ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَأْخُذُ رُسْغَهَا بِالْخِنْصَرِ 326 وَالْإِبْهَامِ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ الْأَخْذِ الْوَضْعُ وَلَا يَنْعَكِسُ وَهَذَا لِأَنَّ الْأَخْبَارَ اخْتَلَفَتْ ذُكِرَ فِي بَعْضِهَا الْوَضْعُ ، وَفِي بَعْضِهَا الْأَخْذُ فَكَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ أَيْضًا وَقْتَ الْوَضْعِ فَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَقْتُهُ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ فَهُوَ سُنَّةُ قِيَامٍ لَهُ قَرَارٌ فِيهِ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فَيَضَعُ حَالَةَ الثَّنَاءِ ، وَفِي الْقُنُوتِ وَتَكْبِيرَاتِ الْجِنَازَةِ ، وَقِيلَ سُنَّةُ الْقِرَاءَةِ فَقَطْ فَلَا يَضَعُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوَضْعُ فِي الْقِيَامِ الْمُتَخَلِّلِ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ; لِأَنَّهُ قَرَارٌ لَهُ وَلَا قِرَاءَةَ فِيهِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ مِنْ أَنَّ الْإِرْسَالَ فِي الْقَوْمَةِ بِنَاءً عَلَى الضَّابِطِ الْمَذْكُورِ يَقْتَضِي أَنْ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ إذَا قِيلَ بِأَنَّ التَّحْمِيدَ وَالتَّسْمِيعَ لَيْسَ سُنَّةً فِيهَا بَلْ فِي نَفْسِ الِانْتِقَالِ إلَيْهَا لَكِنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ النُّصُوصِ ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُ قَلَّ مَا يَقَعُ التَّسْمِيعُ إلَّا فِي الْقِيَامِ حَالَةَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا ا هـ .
لِمَا عَلِمْت أَنَّ كَلَامَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي قِيَامٍ لَهُ قَرَارٌ ، وَفِي الْقُنْيَةِ ، وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيعَ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا لَا يَأْتِي كَمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ حَالَةَ الِانْحِطَاطِ حَتَّى رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَرَكَهُ وَيَجِبُ أَنْ يَحْفَظَ هَذَا وَيُرَاعِيَ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَحَلِّهِ . ا هـ .
وَهُوَ صَرِيحٌ 327 فِي أَنَّ الْقَوْمَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا يُعْتَمَدُ فَإِنَّ فِي هَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا مَسْنُونًا ، وَهُوَ التَّسْمِيعُ أَوْ التَّحْمِيدُ وَعَلَى هَذَا مَشَى صَاحِبُ الْمُلْتَقَطِ . ا هـ .
وَهُوَ مُسَاعِدٌ لِمَا بَحَثَهُ الْمُحَقِّقُ آنِفًا وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ اتِّفَاقُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ جَوَابَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْمَانَنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلَاةِ } مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُنَّةُ الْقِيَامِ مُطْلَقًا حَتَّى يَضَعَ فِي الْكُلِّ وَحُكِيَ فِي الْبَدَائِعِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ فِي الْوَضْعِ فِيمَا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ .
لِمَا عَلِمْت أَنَّ كَلَامَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي قِيَامٍ لَهُ قَرَارٌ ، وَفِي الْقُنْيَةِ ، وَلَوْ تَرَكَ التَّسْمِيعَ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا لَا يَأْتِي كَمَا لَوْ لَمْ يُكَبِّرْ حَالَةَ الِانْحِطَاطِ حَتَّى رَكَعَ أَوْ سَجَدَ تَرَكَهُ وَيَجِبُ أَنْ يَحْفَظَ هَذَا وَيُرَاعِيَ كُلَّ شَيْءٍ فِي مَحَلِّهِ . ا هـ .
وَهُوَ صَرِيحٌ 327 فِي أَنَّ الْقَوْمَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَسْنُونٌ وَذُكِرَ فِي شَرْحِ مُنْيَةِ الْمُصَلِّي أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ذَكَرَ فِي شَرْحِ كِتَابِ الصَّلَاةِ أَنَّهُ يُرْسِلُ فِي الْقَوْمَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى قَوْلِهِمَا كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَذُكِرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ عَلَى قَوْلِهِمَا يُعْتَمَدُ فَإِنَّ فِي هَذَا الْقِيَامِ ذِكْرًا مَسْنُونًا ، وَهُوَ التَّسْمِيعُ أَوْ التَّحْمِيدُ وَعَلَى هَذَا مَشَى صَاحِبُ الْمُلْتَقَطِ . ا هـ .
وَهُوَ مُسَاعِدٌ لِمَا بَحَثَهُ الْمُحَقِّقُ آنِفًا وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ اتِّفَاقُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ وَصَحَّحَ فِي الْبَدَائِعِ جَوَابَ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْمَانَنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلَاةِ } مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ فَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا مَا خُصَّ بِدَلِيلٍ وَذَكَرَ الشَّارِحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ سُنَّةُ الْقِيَامِ مُطْلَقًا حَتَّى يَضَعَ فِي الْكُلِّ وَحُكِيَ فِي الْبَدَائِعِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ فِي الْوَضْعِ فِيمَا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ .
الاختيار لتعليل المختار
اقرأ →
50 كتاب الصلاة .
المالكية
مواهب الجليل في شرح مختصر خليل
اقرأ →
( كِتَابُ الصَّلَاةِ ) لَمَّا انْقَضَى الْكَلَامُ عَلَى الطَّهَارَةِ الَّتِي هِيَ أَوْكَدُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْكَلَامِ عَلَى بَقِيَّةِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَأَرْكَانِهَا أَوْ سُنَنِهَا وَمُسْتَحَبَّاتهَا وَمُبْطِلَاتِهَا وَالْكَلَامِ عَلَى بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ وَأَنْوَاعِهَا ، وَجَرَتْ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ بِتَسْمِيَةِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِكِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَقَسَّمَ الْكَلَامَ عَلَيْهَا فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا فِي كِتَابَيْنِ وَاخْتَلَفَ الشُّيُوخُ فِي تَقْسِيمِهِ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا مِثْلَ هَذَا إلَى كِتَابَيْنِ وَإِلَى ثَلَاثَةٍ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لِلصُّعُوبَةِ وَعَدَمِهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ وَقِلَّتِهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : لَهُمَا مَعًا نَقَلَهُ ابْنُ نَاجِي فِي شَرْحِهَا وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْكِتَابِ وَالْبَابِ وَالْفَصْلِ وَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يَجْعَلُ الْأَبْوَابَ مَكَانَ الْكُتُبِ وَيَحْذِفُ التَّرَاجِمَ الْمُضَافَ إلَيْهَا الْأَبْوَابُ .
وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ . قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } أَيْ : دَعَوَاتُكَ طُمَأْنِينَةٌ لَهُمْ وقَوْله تَعَالَى : { وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ } أَيْ : أَدْعِيَتَهُ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا جَاءَهُ النَّاسُ بِصَدَقَاتِهِمْ يَدْعُو لَهُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى جِئْتُ مَعَ أَبِي بِصَدَقَةٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَقَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى } قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ .
( قُلْتُ : ) وَبِهَذَا فَسَّرَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ ثُمَّ قَالَ فِي الصِّحَاحِ : وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ وَمِنْ الْآدَمِيِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ . وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا التَّقْسِيمَ الْإِمَامُ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْقُشَيْرِيُّ : الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ لِمَنْ دُونَ النَّبِيِّ رَحْمَةٌ وَلِلنَّبِيِّ تَشْرِيفٌ وَتَكْرِمَةٌ ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : صَلَاةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَتُسْتَعْمَلُ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بُعِثْتُ إلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ } فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ أُمِرْتُ لِأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى } وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا } . ( قُلْتُ : ) وَهَذَا الثَّانِي يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَلِتَضَمُّنِ الصَّلَاةِ مَعْنَى التَّعَطُّفِ عُدِّيَتْ بِعَلَى ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ : هِيَ وَاقِعَةٌ عَلَى دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ تَقْتَرِنُ بِهَا أَفْعَالٌ مَشْرُوعَةٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ مَعَ النِّيَّةِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ ، قَالَ : وَلَا تَرِدُ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْغَالِبِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ : تَصَوُّرُهَا عُرْفًا ضَرُورِيٌّ ، وَقِيلَ : نَظَرِيٌّ ; لِأَنَّ فِي قَوْلِ الصَّقَلِّيِّ وَغَيْرِهِ وَرِوَايَةِ الْمَازِرِيِّ : " سُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ " نَظَرٌ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَظَرِيٌّ فَهِيَ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَتَسْلِيمٍ أَوْ سُجُودٍ فَقَطْ فَيَدْخُلُ هُوَ يَعْنِي سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ انْتَهَى . وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَيْسَ بِصَلَاةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَبِيهٌ بِالصَّلَاةِ كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ شَبِيهٌ بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ صَلَاةٌ فَمِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ لَا الْحَقِيقَةِ ، ثُمَّ قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ : لَا أُصَلِّي فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَسَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ لَا يَحْنَثُ ؟ انْتَهَى . وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّهَا صَلَاةٌ ; لِأَنَّهُ عَدَّهَا فِي الصَّلَوَاتِ الْفَضَائِلِ وَاعْتَرَضَ الْأَبِيُّ حَدَّ ابْنِ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ قَالَ لَصِدْقِهِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَسَلَّمَ مِنْهُ عَلَى الْحَجِّ ; لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَأَجَابَ بِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ غَيْرُ إحْرَامِ الصَّلَاةِ وَبِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا هُوَ بِالْخَوَاصِّ اللَّازِمَةِ وَالسَّلَامُ فِي الصَّلَاةِ لَازِمٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ فِي الْحَجِّ وَبِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ حَقِيقَةِ الْحَجِّ لَصِحَّتِهِ بِدُونِهِمَا وَلَا يُقَالُ : إنَّهُمَا لَازِمَتَانِ لِلْحَجِّ الْكَامِلِ ; لِأَنَّ الْحَدَّ لِلْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ 378 لَا لِلْكَامِلَةِ .
( فَصْلٌ ) وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ إطْلَاقَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّ حَمَلَةَ الشَّرْعِ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُمْ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي تِلْكَ الْمَعَانِي حَتَّى إنَّ اللَّفْظَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الشَّرْعَ هَلْ وَضَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِهَذِهِ الْمَعَانِي ، أَوْ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، أَوْ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهَا حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ مُبْتَكَرَةٌ نَقَلَهَا الشَّرْعُ عَنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ إلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَصْلًا ، وَإِنْ صَادَفَ ذَلِكَ الْوَضْعُ عَلَاقَةً بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَذَلِكَ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَاسْتُبْعِدَ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي أَنْ تَكُونَ الْعَرَبُ خُوطِبَتْ بِغَيْرِ لُغَتِهَا . وَالثَّانِي أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَالْمَعَانِي الَّتِي اُسْتُعْمِلَتْ فِيهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْمَازِرِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَهِيَ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ . وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ نَقْلٌ ، وَلَا مَجَازٌ بَلْ الْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ لَكِنْ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ اللُّغَوِيَّةَ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ قُيُودٍ زَائِدَةٍ حَتَّى تَصِيرَ شَرْعِيَّةً وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَلَفْظُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ الدُّعَاءُ فَإِذَا قِيلَ : لَهُ الدُّعَاءُ لَيْسَ مُجْزِيًا وَحْدَهُ وَيَصِحُّ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، يَقُولُ : عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِدَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى ضَمِّ أُمُورٍ أُخَرَ لَا مِنْ لَفْظِ الصَّلَاةِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنَّ النَّقْلَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مُنَاسَبَةُ الْمَعْنَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ لِلْمَعْنَى الْمَنْقُولِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمَجَازِ ، وَعَلَى الثَّانِي فَقِيلَ : إنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الدُّعَاءُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ قَالَ الْقَرَافِيُّ : وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَقِيلَ : لِلدُّعَاءِ مَعْنَيَانِ دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ وَدُعَاءُ عِبَادَةٍ وَخُضُوعٍ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } فَقِيلَ : الْمَعْنَى أَطِيعُونِي أُثِبْكُمْ ، وَقِيلَ : سَلُونِي أُعْطِكُمْ وَحَالُ الْمُصَلِّي كَحَالِ السَّائِلِ الْخَاضِعِ فَسُمِّيَتْ أَفْعَالُهُ صَلَاةً ، وَقِيلَ : هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي الرِّدْفِ وَأَصْلُهُمَا الصَّلَا وَهُوَ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ يَفْتَرِقُ عِنْدَ عَجْبِ الذَّنَبِ ، وَقِيلَ : هُمَا عَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَذَا قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَلَمَّا كَانَ يَظْهَرَانِ مِنْ الرَّاكِعِ سُمِّيَ مُصَلِّيًا وَفِعْلُهُ صَلَاةً ، وَمِنْهُ الْمُصَلِّي وَهُوَ التَّالِي مِنْ حَلَبَةِ السِّبَاقِ ; لِأَنَّ رَأْسَ فَرَسِهِ يَكُونُ عِنْدَ صَلَوَيْ الْأَوَّلِ قَالُوا : وَلِهَذَا كُتِبَتْ الصَّلَاةُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ اُخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِ الصَّلَاةِ فَالْأَظْهَرُ الْأَشْهَرُ أَنَّهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ وَعَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ انْتَهَى . فَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي تَفْسِيرِ الصَّلَوَيْنِ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَقِيلَ : لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الْإِيمَانِ وَتَالِيَتُهُ كَالْمُصَلِّي مِنْ الْخَيْلِ فِي حَلْبَةِ السِّبَاقِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ فَاعِلَهَا مُتَّبِعٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يَتَّبِعُ الْفَرَسُ الثَّانِي الْأَوَّلَ ، وَقِيلَ : مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَصْلِيَةِ الْعُودِ عَلَى النَّارِ لِيُقَوَّمَ ، وَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقِيمُ الْعَبْدَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَخِدْمَتِهِ وَتَنْهَاهُ عَنْ خِلَافِهِ كَانَتْ مُقَوِّمَةً لِفَاعِلِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : { إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } ، وَقِيلَ : مَأْخُوذَةٌ مِنْ الصِّلَةِ ; لِأَنَّهَا صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ بِمَعْنَى أَنَّهَا تُدْنِيهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَتُوَصِّلُهُ إلَى كَرَامَتِهِ وَجَنَّتِهِ ، وَقِيلَ : إنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ وَفِي الصَّلَاةِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَقِيلَ : مَعْنَاهَا اللُّزُومُ فَكَأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَزِمَ هَذِهِ الْعِبَادَةَ ، وَقِيلَ : مِنْ الرَّحْمَةِ وَالصَّلَاةُ رَحْمَةٌ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَى الْمَغْفِرَةِ وَالْمَغْفِرَةُ تُسَمَّى صَلَاةً قَالَ - تَعَالَى - 379 { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } .
( تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ ) قَوْلُنَا : وَضْعُ الشَّرْعِ وَنَقْلُ الشَّرْعِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ : صَاحِبِ الشَّرْعِ قَالَ الْقَرَافِيُّ : لِأَنَّ الشَّرْعَ هُوَ الرِّسَالَةُ وَالرِّسَالَةُ لَا تَضَعُ لَفْظًا ، إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْوَضْعُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ - تَعَالَى - انْتَهَى . وَالصَّلَوَانُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَاللَّامِ تَثْنِيَةُ صَلَى بِالْقَصْرِ وَحَلْبَةُ السِّبَاقِ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ : خَيْلٌ تُجْمَعُ لِلسِّبَاقِ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ أَيْ : نَاحِيَةٍ لَا تَخْرُجُ مِنْ إصْطَبْلٍ وَاحِدٍ انْتَهَى . وَالسِّبَاقُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُسَابَقَةُ ، وَقَوْلُهُمْ : صَلَّيْتُ الْعُودَ عَلَى النَّارِ بِالتَّشْدِيدِ نَقَلَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ، قَالَ : وَاعْتَرَضَ النَّوَوِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ صَلَّيْت لَامُهُ يَاءٌ وَلَامُ الصَّلَاةِ وَاوٌ . وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُشَدَّدَ تُقْلَبُ فِيهِ الْوَاوُ يَاءً نَحْوُ زَكَّيْتُ الْمَالَ وَصَلَّيْتُ الظُّهْرَ قَالَ الدَّمِيرِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ صَلَيْتُ اللَّحْمَ بِالتَّخْفِيفِ صَلْيًا كَرَمَيْتُ رَمْيًا إذَا شَوَيْتُهُ . الثَّانِي قَالَ الدَّمِيرِيُّ : وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَعْنِي الْقَوْلَ بِالنَّقْلِ فَهُوَ لَمَّا نَقَلَ الشَّرْعُ هَذَا اللَّفْظَ جَعَلَهُ مُتَوَاطِئًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَوْ جَعَلَهُ مُشْتَرَكًا كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَا فِيهِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَعَلَى مَا لَا رُكُوعَ فِيهِ وَلَا سُجُودَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَعَلَى مَا لَا تَكْبِيرَ فِيهِ وَلَا تَسْلِيمَ كَالطَّوَافِ ، وَعَلَى مَا لَا حَرَكَةَ فِيهِ لِلْجِسْمِ كَصَلَاةِ الْمَرِيضِ الْمَغْلُوبِ ، وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا .
وَالصَّلَاةُ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ . قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ } أَيْ : دَعَوَاتُكَ طُمَأْنِينَةٌ لَهُمْ وقَوْله تَعَالَى : { وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ } أَيْ : أَدْعِيَتَهُ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا جَاءَهُ النَّاسُ بِصَدَقَاتِهِمْ يَدْعُو لَهُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى جِئْتُ مَعَ أَبِي بِصَدَقَةٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَقَالَ : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى } قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ .
( قُلْتُ : ) وَبِهَذَا فَسَّرَهَا ابْنُ رُشْدٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ ثُمَّ قَالَ فِي الصِّحَاحِ : وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ الرَّحْمَةُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ رَحْمَةٌ وَمِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ وَمِنْ الْآدَمِيِّ تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ . وَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا التَّقْسِيمَ الْإِمَامُ الْأَزْهَرِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ فِي الشِّفَاءِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْقُشَيْرِيُّ : الصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ لِمَنْ دُونَ النَّبِيِّ رَحْمَةٌ وَلِلنَّبِيِّ تَشْرِيفٌ وَتَكْرِمَةٌ ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : صَلَاةُ اللَّهِ عَلَيْهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَلَائِكَتِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَتُسْتَعْمَلُ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الِاسْتِغْفَارِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بُعِثْتُ إلَى أَهْلِ الْبَقِيعِ لِأُصَلِّيَ عَلَيْهِمْ } فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَالَ أُمِرْتُ لِأَسْتَغْفِرَ لَهُمْ وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْبَرَكَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى } وَتُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا } . ( قُلْتُ : ) وَهَذَا الثَّانِي يَرْجِعُ إلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَلِتَضَمُّنِ الصَّلَاةِ مَعْنَى التَّعَطُّفِ عُدِّيَتْ بِعَلَى ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَقَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ : هِيَ وَاقِعَةٌ عَلَى دُعَاءٍ مَخْصُوصٍ فِي أَوْقَاتٍ مَحْدُودَةٍ تَقْتَرِنُ بِهَا أَفْعَالٌ مَشْرُوعَةٌ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هِيَ أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ مَعَ النِّيَّةِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ ، قَالَ : وَلَا تَرِدُ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْغَالِبِ وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قِيلَ : تَصَوُّرُهَا عُرْفًا ضَرُورِيٌّ ، وَقِيلَ : نَظَرِيٌّ ; لِأَنَّ فِي قَوْلِ الصَّقَلِّيِّ وَغَيْرِهِ وَرِوَايَةِ الْمَازِرِيِّ : " سُجُودُ التِّلَاوَةِ صَلَاةٌ " نَظَرٌ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ نَظَرِيٌّ فَهِيَ قُرْبَةٌ فِعْلِيَّةٌ ذَاتُ إحْرَامٍ وَتَسْلِيمٍ أَوْ سُجُودٍ فَقَطْ فَيَدْخُلُ هُوَ يَعْنِي سُجُودَ التِّلَاوَةِ وَصَلَاةَ الْجِنَازَةِ انْتَهَى . وَاَلَّذِي جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الطِّرَازِ أَنَّ سُجُودَ التِّلَاوَةِ لَيْسَ بِصَلَاةٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَبِيهٌ بِالصَّلَاةِ كَمَا أَنَّ الطَّوَافَ شَبِيهٌ بِالصَّلَاةِ وَلَيْسَ بِصَلَاةٍ ، وَإِنْ أُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ صَلَاةٌ فَمِنْ طَرِيقِ الْمَجَازِ لَا الْحَقِيقَةِ ، ثُمَّ قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ : لَا أُصَلِّي فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ فَسَجَدَ لِلتِّلَاوَةِ لَا يَحْنَثُ ؟ انْتَهَى . وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُقَدِّمَاتِ أَنَّهَا صَلَاةٌ ; لِأَنَّهُ عَدَّهَا فِي الصَّلَوَاتِ الْفَضَائِلِ وَاعْتَرَضَ الْأَبِيُّ حَدَّ ابْنِ عَرَفَةَ بِأَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ قَالَ لَصِدْقِهِ عَلَى مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَسَلَّمَ مِنْهُ عَلَى الْحَجِّ ; لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَأَجَابَ بِأَنَّ إحْرَامَ الْحَجِّ غَيْرُ إحْرَامِ الصَّلَاةِ وَبِأَنَّ التَّعْرِيفَ إنَّمَا هُوَ بِالْخَوَاصِّ اللَّازِمَةِ وَالسَّلَامُ فِي الصَّلَاةِ لَازِمٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ فِي الْحَجِّ وَبِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَتَا مِنْ حَقِيقَةِ الْحَجِّ لَصِحَّتِهِ بِدُونِهِمَا وَلَا يُقَالُ : إنَّهُمَا لَازِمَتَانِ لِلْحَجِّ الْكَامِلِ ; لِأَنَّ الْحَدَّ لِلْحَقِيقَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ 378 لَا لِلْكَامِلَةِ .
( فَصْلٌ ) وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ إطْلَاقَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي الشَّرْعِ عَلَى مَعَانِيهَا الشَّرْعِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ بِمَعْنَى أَنَّ حَمَلَةَ الشَّرْعِ غَلَبَ اسْتِعْمَالُهُمْ لِتِلْكَ الْأَلْفَاظِ فِي تِلْكَ الْمَعَانِي حَتَّى إنَّ اللَّفْظَ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَّا الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الشَّرْعَ هَلْ وَضَعَ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لِهَذِهِ الْمَعَانِي ، أَوْ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِيهَا عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، أَوْ هِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَنَّهَا حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ مُبْتَكَرَةٌ نَقَلَهَا الشَّرْعُ عَنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ إلَى الْمَعَانِي الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ لِلْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ أَصْلًا ، وَإِنْ صَادَفَ ذَلِكَ الْوَضْعُ عَلَاقَةً بَيْنَ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ وَالْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ فَذَلِكَ أَمْرٌ اتِّفَاقِيٌّ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَاسْتُبْعِدَ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي أَنْ تَكُونَ الْعَرَبُ خُوطِبَتْ بِغَيْرِ لُغَتِهَا . وَالثَّانِي أَنَّهَا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ اللُّغَوِيِّ لِمُنَاسَبَةٍ بَيْنَ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ وَالْمَعَانِي الَّتِي اُسْتُعْمِلَتْ فِيهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ وَالْمَازِرِيِّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ ابْنُ نَاجِي هُوَ مَذْهَبُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَهِيَ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ حَقَائِقُ شَرْعِيَّةٌ . وَالثَّالِثُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ نَقْلٌ ، وَلَا مَجَازٌ بَلْ الْأَلْفَاظُ الْمَذْكُورَةُ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ لَكِنْ دَلَّتْ الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الْمُسَمَّيَاتِ اللُّغَوِيَّةَ لَا بُدَّ مَعَهَا مِنْ قُيُودٍ زَائِدَةٍ حَتَّى تَصِيرَ شَرْعِيَّةً وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ فِي سَائِرِ الْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ ، فَلَفْظُ الصَّلَاةِ عِنْدَهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ الدُّعَاءُ فَإِذَا قِيلَ : لَهُ الدُّعَاءُ لَيْسَ مُجْزِيًا وَحْدَهُ وَيَصِحُّ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ ، يَقُولُ : عَدَمُ الْإِجْزَاءِ لِدَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى ضَمِّ أُمُورٍ أُخَرَ لَا مِنْ لَفْظِ الصَّلَاةِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَنَّ النَّقْلَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ مُنَاسَبَةُ الْمَعْنَى الْمَنْقُولِ إلَيْهِ لِلْمَعْنَى الْمَنْقُولِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْمَجَازِ ، وَعَلَى الثَّانِي فَقِيلَ : إنَّمَا سُمِّيَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هُوَ الدُّعَاءُ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ : وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ قَالَ الْقَرَافِيُّ : وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ، وَقِيلَ : لِلدُّعَاءِ مَعْنَيَانِ دُعَاءُ مَسْأَلَةٍ وَدُعَاءُ عِبَادَةٍ وَخُضُوعٍ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى { اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } فَقِيلَ : الْمَعْنَى أَطِيعُونِي أُثِبْكُمْ ، وَقِيلَ : سَلُونِي أُعْطِكُمْ وَحَالُ الْمُصَلِّي كَحَالِ السَّائِلِ الْخَاضِعِ فَسُمِّيَتْ أَفْعَالُهُ صَلَاةً ، وَقِيلَ : هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي الرِّدْفِ وَأَصْلُهُمَا الصَّلَا وَهُوَ عِرْقٌ فِي الظَّهْرِ يَفْتَرِقُ عِنْدَ عَجْبِ الذَّنَبِ ، وَقِيلَ : هُمَا عَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ كَذَا قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ قَالَ الْقَرَافِيُّ وَلَمَّا كَانَ يَظْهَرَانِ مِنْ الرَّاكِعِ سُمِّيَ مُصَلِّيًا وَفِعْلُهُ صَلَاةً ، وَمِنْهُ الْمُصَلِّي وَهُوَ التَّالِي مِنْ حَلَبَةِ السِّبَاقِ ; لِأَنَّ رَأْسَ فَرَسِهِ يَكُونُ عِنْدَ صَلَوَيْ الْأَوَّلِ قَالُوا : وَلِهَذَا كُتِبَتْ الصَّلَاةُ فِي الْمُصْحَفِ بِالْوَاوِ وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ اُخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِ الصَّلَاةِ فَالْأَظْهَرُ الْأَشْهَرُ أَنَّهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ وَعَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ انْتَهَى . فَجَمَعَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي تَفْسِيرِ الصَّلَوَيْنِ قَالَ فِي التَّنْبِيهَاتِ وَقِيلَ : لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الْإِيمَانِ وَتَالِيَتُهُ كَالْمُصَلِّي مِنْ الْخَيْلِ فِي حَلْبَةِ السِّبَاقِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّ فَاعِلَهَا مُتَّبِعٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يَتَّبِعُ الْفَرَسُ الثَّانِي الْأَوَّلَ ، وَقِيلَ : مَأْخُوذَةٌ مِنْ تَصْلِيَةِ الْعُودِ عَلَى النَّارِ لِيُقَوَّمَ ، وَلَمَّا كَانَتْ الصَّلَاةُ تُقِيمُ الْعَبْدَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَخِدْمَتِهِ وَتَنْهَاهُ عَنْ خِلَافِهِ كَانَتْ مُقَوِّمَةً لِفَاعِلِهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - : { إنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ } ، وَقِيلَ : مَأْخُوذَةٌ مِنْ الصِّلَةِ ; لِأَنَّهَا صِلَةٌ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ بِمَعْنَى أَنَّهَا تُدْنِيهِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَتُوَصِّلُهُ إلَى كَرَامَتِهِ وَجَنَّتِهِ ، وَقِيلَ : إنَّ أَصْلَ الصَّلَاةِ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ وَفِي الصَّلَاةِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَقِيلَ : مَعْنَاهَا اللُّزُومُ فَكَأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَزِمَ هَذِهِ الْعِبَادَةَ ، وَقِيلَ : مِنْ الرَّحْمَةِ وَالصَّلَاةُ رَحْمَةٌ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهَا تُفْضِي إلَى الْمَغْفِرَةِ وَالْمَغْفِرَةُ تُسَمَّى صَلَاةً قَالَ - تَعَالَى - 379 { أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ } .
( تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ ) قَوْلُنَا : وَضْعُ الشَّرْعِ وَنَقْلُ الشَّرْعِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ : صَاحِبِ الشَّرْعِ قَالَ الْقَرَافِيُّ : لِأَنَّ الشَّرْعَ هُوَ الرِّسَالَةُ وَالرِّسَالَةُ لَا تَضَعُ لَفْظًا ، إنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْوَضْعُ مِنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ اللَّهُ - تَعَالَى - انْتَهَى . وَالصَّلَوَانُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَاللَّامِ تَثْنِيَةُ صَلَى بِالْقَصْرِ وَحَلْبَةُ السِّبَاقِ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ : خَيْلٌ تُجْمَعُ لِلسِّبَاقِ مِنْ كُلِّ أَوْبٍ أَيْ : نَاحِيَةٍ لَا تَخْرُجُ مِنْ إصْطَبْلٍ وَاحِدٍ انْتَهَى . وَالسِّبَاقُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُسَابَقَةُ ، وَقَوْلُهُمْ : صَلَّيْتُ الْعُودَ عَلَى النَّارِ بِالتَّشْدِيدِ نَقَلَهُ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ ، قَالَ : وَاعْتَرَضَ النَّوَوِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ صَلَّيْت لَامُهُ يَاءٌ وَلَامُ الصَّلَاةِ وَاوٌ . وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُشَدَّدَ تُقْلَبُ فِيهِ الْوَاوُ يَاءً نَحْوُ زَكَّيْتُ الْمَالَ وَصَلَّيْتُ الظُّهْرَ قَالَ الدَّمِيرِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ صَلَيْتُ اللَّحْمَ بِالتَّخْفِيفِ صَلْيًا كَرَمَيْتُ رَمْيًا إذَا شَوَيْتُهُ . الثَّانِي قَالَ الدَّمِيرِيُّ : وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَعْنِي الْقَوْلَ بِالنَّقْلِ فَهُوَ لَمَّا نَقَلَ الشَّرْعُ هَذَا اللَّفْظَ جَعَلَهُ مُتَوَاطِئًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَوْ جَعَلَهُ مُشْتَرَكًا كَلَفْظِ الْعَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى مَا فِيهِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَعَلَى مَا لَا رُكُوعَ فِيهِ وَلَا سُجُودَ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَعَلَى مَا لَا تَكْبِيرَ فِيهِ وَلَا تَسْلِيمَ كَالطَّوَافِ ، وَعَلَى مَا لَا حَرَكَةَ فِيهِ لِلْجِسْمِ كَصَلَاةِ الْمَرِيضِ الْمَغْلُوبِ ، وَلَيْسَ بَيْنَ هَذِهِ الصُّوَرِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُشْتَرَكًا .
المدونة
اقرأ →
156 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كِتَابُ الصَّلَاةِ الْأَوَّلُ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : قَالَ مَالِكٌ : أَحَبُّ مَا جَاءَ فِي وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَيَّ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ وَالْفَيْءُ ذِرَاعٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكٌ : وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ الظُّهْرَ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَالْفَيْءُ ذِرَاعٌ ، قَالَ : وَإِنَّمَا يُقَاسَ الظِّلُّ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ لِأَنَّهُ مَا دَامَ فِي نُقْصَانٍ فَهُوَ غَدْوَةٌ بَعْدُ فَإِذَا مَدَّ ذَاهِبًا فَمِنْ ثَمَّ يُقَاسُ ذِرَاعٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَإِذَا كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا صَلَّوْا الظُّهْرَ حِينَ بَقِيَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا ، قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رُبَّمَا رَكِبَ فِي السَّفَرِ بَعْدَمَا يَفِيءُ الْفَيْءُ ذِرَاعًا فَيَسِيرُ الْمِيلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الظُّهْرَ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : مَا رَأَيْتُ مَالِكًا يَحُدُّ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ قَامَتَيْنِ وَلَكِنَّهُ فِيمَا رَأَيْتُهُ يَصِفُ كَانَ يَقُولُ : وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ .
قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ : إنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضِيَعُ ، ثُمَّ كَتَبَ : أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذَا كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً .
قَالَ مَالِكٌ : وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ لِلْمُقِيمِينَ وَأَمَّا الْمُسَافِرُونَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمُدُّوا الْمِيلَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يَنْزِلُونَ وَيُصَلُّونَ ، وَقَدْ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَقَامَ لَهُ جِبْرِيلُ الْوَقْتَ فِي الْيَوْمَيْنِ جَمِيعًا الْمَغْرِبَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ } ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَخِّرُهَا فِي السَّفَرِ قَلِيلًا . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الْحَرَسِ فِي الرِّبَاطِ يُؤَخِّرُونَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إنْكَارًا شَدِيدًا وَكَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : يُصَلُّونَ كَمَا تُصَلِّي النَّاسُ وَكَأَنَّهُ يَسْتَحِبُّ وَقْتَ النَّاسِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِيهِ 157 الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ يُؤَخِّرُونَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ قَلِيلًا ، قَالَ : وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ يُؤَخِّرُوا هَذَا التَّأْخِيرَ .
قُلْتُ : فَمَا وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ عِنْدَ مَالِكٍ ؟
قَالَ : الْإِغْلَاسُ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ .
قُلْتُ : فَمَا آخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَهُ ؟
قَالَ : إذَا أَسْفَرَ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ فِي كِتَابِهِ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ صَلِّ الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَمْ أَرَ مَالِكًا يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ : إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَتْهُ وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَقَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى هَذَا أَنَّ النَّاسَ يُصَلُّونَ فِي الْوَقْتِ - بَعْدَمَا يَدْخُلُ وَيَتَمَكَّنُ وَيَمْضِي مِنْهُ بَعْضُهُ - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ فَهَكَذَا رَأَيْتُهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ وَلَمْ أَجْتَرِئْ عَلَى أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ صَلَّى النَّاسُ قَدِيمًا وَعُرِفَ وَقْتُ الصَّلَوَاتِ .
قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : وَيُغَلِّسُ فِي السَّفَرِ فِي الصُّبْحِ ، فَقُلْتُ لَهُ : هَلْ يَقْرَأُ فِيهَا وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَ ( سَبِّحْ ) وَمَا أَشْبَهَهُمَا ؟
قَالَ : إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا وَإِلَّا كَرِيَاءٍ يُعَجِّلُونَ النَّاسَ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : مَا رَأَيْتُ مَالِكًا يَحُدُّ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ قَامَتَيْنِ وَلَكِنَّهُ فِيمَا رَأَيْتُهُ يَصِفُ كَانَ يَقُولُ : وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ .
قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ : إنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضِيَعُ ، ثُمَّ كَتَبَ : أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ إذَا كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً .
قَالَ مَالِكٌ : وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ إذَا غَابَتْ الشَّمْسُ لِلْمُقِيمِينَ وَأَمَّا الْمُسَافِرُونَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمُدُّوا الْمِيلَ وَنَحْوَهُ ثُمَّ يَنْزِلُونَ وَيُصَلُّونَ ، وَقَدْ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَقَامَ لَهُ جِبْرِيلُ الْوَقْتَ فِي الْيَوْمَيْنِ جَمِيعًا الْمَغْرِبَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ } ، وَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَخِّرُهَا فِي السَّفَرِ قَلِيلًا . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الْحَرَسِ فِي الرِّبَاطِ يُؤَخِّرُونَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إنْكَارًا شَدِيدًا وَكَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : يُصَلُّونَ كَمَا تُصَلِّي النَّاسُ وَكَأَنَّهُ يَسْتَحِبُّ وَقْتَ النَّاسِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ فِيهِ 157 الْعِشَاءَ الْأَخِيرَةَ يُؤَخِّرُونَ بَعْدَ مَغِيبِ الشَّفَقِ قَلِيلًا ، قَالَ : وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَلَمْ يُؤَخِّرُوا هَذَا التَّأْخِيرَ .
قُلْتُ : فَمَا وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ عِنْدَ مَالِكٍ ؟
قَالَ : الْإِغْلَاسُ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ .
قُلْتُ : فَمَا آخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَهُ ؟
قَالَ : إذَا أَسْفَرَ ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ فِي كِتَابِهِ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ صَلِّ الصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَمْ أَرَ مَالِكًا يُعْجِبُهُ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ : إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ وَمَا فَاتَتْهُ وَلَمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَعْظَمُ أَوْ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ . وَقَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَى هَذَا أَنَّ النَّاسَ يُصَلُّونَ فِي الْوَقْتِ - بَعْدَمَا يَدْخُلُ وَيَتَمَكَّنُ وَيَمْضِي مِنْهُ بَعْضُهُ - الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ فَهَكَذَا رَأَيْتُهُ يَذْهَبُ إلَيْهِ وَلَمْ أَجْتَرِئْ عَلَى أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ ، قَالَ مَالِكٌ : وَقَدْ صَلَّى النَّاسُ قَدِيمًا وَعُرِفَ وَقْتُ الصَّلَوَاتِ .
قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : وَيُغَلِّسُ فِي السَّفَرِ فِي الصُّبْحِ ، فَقُلْتُ لَهُ : هَلْ يَقْرَأُ فِيهَا وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَ ( سَبِّحْ ) وَمَا أَشْبَهَهُمَا ؟
قَالَ : إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاسِعًا وَإِلَّا كَرِيَاءٍ يُعَجِّلُونَ النَّاسَ .
المدونة
اقرأ →
199 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ كِتَابُ الصَّلَاةِ الثَّانِي مَا جَاءَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ
قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : سُجُودُ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ المص [ الْأَعْرَافُ ] وَالرَّعْدُ وَالنَّحْلُ وَبَنِي إسْرَائِيلَ [ الْإِسْرَاءُ ] وَمَرْيَمُ وَالْحَجُّ أَوَّلُهَا وَالْفُرْقَانُ وَالْهُدْهُدُ [ النَّمْلُ ] وَ الم تَنْزِيلُ [ السَّجْدَةُ ] وَ ( ص ) وَ ( حم تَنْزِيلُ ) [ فُصِّلَتْ ] .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ حم تَنْزِيلُ أَيْنَ يُسْجَدُ فِيهَا { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } أَوْ يَسْأَمُونَ [ فُصِّلَتْ ] لِأَنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا قَالَ : السَّجْدَةُ فِي { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [ فُصِّلَتْ ] قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُهُ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ نَافِعٍ الْقَارِئِ مِثْلَهُ . قَالَ : وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالنَّخَعِيُّ لَيْسَ فِي الْحَجِّ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ .
قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَجْدَةً إلَّا سَجَدَهَا فِي صَلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ إبَّانِ صَلَاةٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا وَلْيَتَعَدَّهَا إذَا قَرَأَهَا ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ فَإِنْ قَرَأَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ بَعْدَ الصُّبْحِ أَيَسْجُدُهَا ؟ قَالَ : إنْ قَرَأَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ يَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ رَأَيْتُ أَنْ يَسْجُدَهَا ، وَإِنْ دَخَلَتْهَا صُفْرَةٌ لَمْ أَرَ أَنْ يَسْجُدَهَا وَإِنْ قَرَأَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَلَمْ يُسْفِرْ فَأَرَى أَنْ يَسْجُدَهَا فَإِنْ أَسْفَرَ فَلَا أَرَى أَنْ يَسْجُدَهَا ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَنَائِزَ يُصَلَّى عَلَيْهَا مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ أَوْ تُسْفِرُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَكَذَلِكَ السَّجْدَةُ عِنْدِي .
قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ السَّجْدَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَيَسْجُدَهَا ، فَإِذَا أَسْفَرَ أَوْ تَغَيَّرَتْ الشَّمْسُ فَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا فَإِذَا قَرَأَهَا إذَا أَسْفَرَ وَإِذَا 200 اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ لَمْ يَسْجُدْهَا .
قَالَ سَحْنُونٌ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : سُجُودُ الْقُرْآنِ إحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِي الْمُفَصَّلِ مِنْهَا شَيْءٌ المص [ الْأَعْرَافُ ] وَالرَّعْدُ وَالنَّحْلُ وَبَنِي إسْرَائِيلَ [ الْإِسْرَاءُ ] وَمَرْيَمُ وَالْحَجُّ أَوَّلُهَا وَالْفُرْقَانُ وَالْهُدْهُدُ [ النَّمْلُ ] وَ الم تَنْزِيلُ [ السَّجْدَةُ ] وَ ( ص ) وَ ( حم تَنْزِيلُ ) [ فُصِّلَتْ ] .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ حم تَنْزِيلُ أَيْنَ يُسْجَدُ فِيهَا { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } أَوْ يَسْأَمُونَ [ فُصِّلَتْ ] لِأَنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا قَالَ : السَّجْدَةُ فِي { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } [ فُصِّلَتْ ] قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَسَمِعْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يَقُولُهُ وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ نَافِعٍ الْقَارِئِ مِثْلَهُ . قَالَ : وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالنَّخَعِيُّ لَيْسَ فِي الْحَجِّ إلَّا سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ .
قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ سَجْدَةً إلَّا سَجَدَهَا فِي صَلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ إبَّانِ صَلَاةٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَمْ أُحِبَّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا وَلْيَتَعَدَّهَا إذَا قَرَأَهَا ، قَالَ فَقُلْتُ لَهُ فَإِنْ قَرَأَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ أَوْ بَعْدَ الصُّبْحِ أَيَسْجُدُهَا ؟ قَالَ : إنْ قَرَأَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ يَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ رَأَيْتُ أَنْ يَسْجُدَهَا ، وَإِنْ دَخَلَتْهَا صُفْرَةٌ لَمْ أَرَ أَنْ يَسْجُدَهَا وَإِنْ قَرَأَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَلَمْ يُسْفِرْ فَأَرَى أَنْ يَسْجُدَهَا فَإِنْ أَسْفَرَ فَلَا أَرَى أَنْ يَسْجُدَهَا ، ثُمَّ قَالَ : أَلَا تَرَى أَنَّ الْجَنَائِزَ يُصَلَّى عَلَيْهَا مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ أَوْ تُسْفِرُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَكَذَلِكَ السَّجْدَةُ عِنْدِي .
قَالَ : وَقَالَ مَالِكٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَ الرَّجُلُ السَّجْدَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ مَا لَمْ يُسْفِرْ وَبَعْدَ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ الشَّمْسُ وَيَسْجُدَهَا ، فَإِذَا أَسْفَرَ أَوْ تَغَيَّرَتْ الشَّمْسُ فَأَكْرَهُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا فَإِذَا قَرَأَهَا إذَا أَسْفَرَ وَإِذَا 200 اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ لَمْ يَسْجُدْهَا .
الذخيرة
اقرأ →
النَّظَرُ الثَّانِي : فِي الْمُذَكَّى ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : الْحَيَوَانُ كُلُّهُ يَقْبَلُ الذَّكَاةَ ، وَتَطْهُرُ بِهَا جَمِيعُ أَجْزَائِهِ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ وَجِلْدِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَالسِّبَاعِ وَالْكِلَابِ وَالْحُمُرِ وَالْبِغَالِ ، إِلَّا الْخِنْزِيرَ ، فَإِنَّ تَذْكِيَتَهُ مَيْتَةٌ لِغِلَظِ تَحْرِيمِهِ ، وَقَالَهُ ( ح ) ، وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَذَلِكَ .
تَنْبِيهٌ : أَلْحَقَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ الْحُمُرَ بِالسِّبَاعِ ، وَفِي الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ : يُصَلَّى عَلَى جِلْدِ السِّبَاعِ إِذَا ذُكِّيَ ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى جِلْدِ حِمَارٍ وَإِنْ ذُكِّيَ ، وَتَوَقَّفَ فِي الْكَيْمَخْتِ ، وَتَرْكُهَا أَحَبُّ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ نَصَّ عَلَى طَهَارَةِ جُلُودِ السِّبَاعِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكِلَابَ ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْحَيَوَانُ ثَلَاثَةٌ : بَرِّيٌّ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ لَا تَحِلُّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ ، وَبَحْرِيٌّ لَا حَيَاةَ لَهُ فِي الْبَرِّ يَحِلُّ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ ، وَبَرِّيٌّ لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، وَبَحْرِيٌّ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ اخْتُلِفَ فِيهِمَا . قَالَ مَالِكٌ : مَا لَا دَمَ لَهُ كَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالزُّنْبُورِ وَالسُّوسِ وَالدُّودِ 126 وَالذُّبَابِ وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ - ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ الْجَرَادِ إِذَا احْتِيجَ إِلَى دَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : هِيَ كَدَوَابِّ الْبَحْرِ لَا تَنْجُسُ فِي نَفْسِهَا وَلَا تُنَجِّسُ ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ : لَا يَحْتَاجُ الْجَرَادُ إِلَى ذَكَاةٍ ; لِأَنَّ عَامَّةَ السَّلَفِ أَجَازُوا أَكْلَ مَيْتَةِ الْجَرَادِ ، وَفِي الْكِتَابِ : لَا يَحْتَاجُ فَرَسُ الْبَحْرِ إِلَى ذَكَاةٍ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَعْيٌ فِي الْبَرِّ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَذْكِيَةِ طَيْرِ الْمَاءِ خِلَافًا لِعَطَاءٍ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : وَهَلْ يَجْرِي فِي ذَكَاةِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مَا عَدَا الْجَرَادَ الْخِلَافُ الَّذِي فِي ذَكَاةِ الْجَرَادِ ، أَوْ يَفْتَقِرُ إِلَى الذَّكَاةِ قَوْلًا وَاحِدًا ؟ طَرِيقَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ .
قَاعِدَةٌ : الذَّكَاةُ شُرِعَتْ لِاسْتِخْرَاجِ الْفَضَلَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْأَجْسَادِ الْحَلَالِ بِأَسْهَلِ الطُّرُقِ عَلَى الْحَيَوَانِ ، فَمَنْ لَاحَظَ عَدَمَ الْفَضَلَاتِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ ، وَجَعَلَهَا أَصْلًا وَإِرَاحَةَ الْحَيَوَانِ تِبَعًا أَجَازَ مَيْتَتَهُ ، وَمَنْ لَاحَظَ شَرْعِيَّةَ زُهُوقِ الرُّوحِ وَجَعَلَهُ أَصْلًا فِي نَفْسِهَا لَمْ يُجِزْهَا .
قَاعِدَةٌ : النَّادِرُ مُلْحَقٌ بِالْغَالِبِ فِي الشَّرْعِ ، فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَسْقَطَ ذَكَاةَ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ نَظَرًا لِغَالِبِهِ ، وَمَنْ لَاحَظَ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى وَأَنَّ مَيْتَةَ الْبَحْرِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لَمْ يُسْقِطْهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) أَوْ يَحْمِلُهُ عَلَى سَبَبِ وُرُودِهِ ، وَهُوَ الْمَيْتَةُ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَهَا مِنَ الْبَرِّ ، وَيَقُولُونَ : تَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَ اللَّهُ ؟ .
فَائِدَةٌ : النَّفْسُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ لِأُمُورٍ : أَحَدُهَا : الدَّمُ لِقَوْلِهِ :
﴿﴾ تَسِيلُ عَلَى حَدِّ الظِّبَاتِ نُفُوسُنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ الظِّبَاتِ تَسِيلُ ﴿﴾ 127 وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي بَابِ النِّفَاسِ ، وَالْحَيْضِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : لَا يُصَلَّى عَلَى جِلْدِ حِمَارٍ وَإِنْ ذُكِّيَ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْهُ ، وَهُوَ خِلَافُ نَقْلِ الْجَوَاهِرِ . فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : تَصِحُّ ذَكَاةُ الْمَرِيضَةِ إِذَا لَمْ تُشَارِفِ الْمَوْتَ ، فَإِنْ شَارَفَتْ صَحَّتْ ذَكَاتُهَا عِنْدَ مَالِكٍ ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ : لَا تَصِحُّ ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَمَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ ، فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ تَمُوتُ فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : ( كُلُوهَا ) وَفِيهِ أَرْبَعُ فَوَائِدَ : ذَكَاةُ النِّسَاءِ ، وَبِالْحَجَرِ ، وَمَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ ، وَذَكَاةُ غَيْرِ الْمَالِكِ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ .
وَإِذَا لَمْ يَتَحَرَّكْ مِنَ الذَّبِيحَةِ شَيْءٌ بَعْدَ الذَّبْحِ أُكِلَتْ إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً . قَالَ مُحَمَّدٌ : إِذَا سُفِحَ دَمُهَا . قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَكَذَلِكَ أَرَى فِي الْمَرِيضَةِ الظَّاهِرَةِ الْحَيَاةِ ، فَإِنْ قَرُبَتْ مِنَ الْمَوْتِ لَمْ تُؤْكَلْ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى الْحَيَاةِ عِنْدَ الذَّبْحِ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَذَلِكَ اضْطِرَابُ عَيْنِهَا أَوْ ضَرْبُ يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا ، أَوِ اسْتِمَاعُ نَفَسِهَا فِي جَوْفِهَا ، وَنَحْوِهَا ، وَإِذَا أُشْكِلَ الْأَمْرُ لَمْ تُؤْكَلْ ، 128 وَالِاخْتِلَاجُ الْخَفِيفُ تَرْكُ الْأَكْلِ مَعَهُ أَحْسَنُ ; لِأَنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِجُ بَعْدَ السَّلْخِ ، وَخُرُوجُ الدَّمِ لَيْسَ دَلِيلًا وَحْدَهُ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْمَيْتَةِ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ بِقُوَّةٍ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِالْحَيَاةِ قَالَ صَاحِبُ ( الْمُقَدَّمَاتِ ) : فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ عَلَامَاتِ الْحَيَاةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : بَعْدَ الذَّبْحِ ، مَعَهُ ، يَكْفِي وُجُودُهَا قَبْلَهُ . فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهِيَ الَّتِي تُضْرَبُ حَتَّى تَمُوتَ ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ ، وَالنَّطِيحَةُ ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ، مَا مَاتَ مِنْهَا فَحَرَامٌ ، وَمَا لَوْ تُرِكَ لَعَاشَ : يُذَكَّى ، وَغَيْرُ الْمَرْجُوِّ وَالَّذِي حَدَثَ بِهِ فِي مَوْضِعِ الذَّكَاةِ لَمْ تُؤْكَلْ ، وَفِي غَيْرِهِ يُذَكَّى وَيُؤْكَلُ عِنْدَ مَالِكٍ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوِ انْتَثَرَتِ الْحَشْوَةُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ) بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ ، وَقِيلَ : لَا يُؤْكَلُ ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ أَيْ مِنْ غَيْرِهِنَّ ; لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) يَعْنِي عَنْهُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : مَنَعَ أَبُو الْوَلِيدِ جَرَيَانَ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ إِذَا كَانَ الْمَقْتَلُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الذَّكَاةِ ، وَقَالَ : الْمَذْهَبُ كُلُّهُ عَلَى الْمَنْعِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إِذَا بَلَغَتِ النَّاسَ بِغَيْرِ إِصَابَةِ مَقْتَلٍ ، وَالْمَقَاتِلُ خَمْسَةٌ : انْقِطَاعُ النُّخَاعِ ، وَنَثْرُ الدِّمَاغِ ، وَفَرْيُ الْأَوْدَاجِ ، وَانْثِقَابُ الْمُصْرَانِ ، وَنَثْرُ الْحَشْوَةِ . وَفِي الْبَيَانِ : اخْتُلِفَ فِي دَقِّ الْعُنُقِ مِنْ غَيْرِ قِطْعِ الْأَوْدَاجِ ، فَلَمْ يَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَقْتَلًا ، وَفِي خَرْقِ الْأَوْدَاجِ مِنْ غَيْرِ قِطْعِ الْأَوْدَاجِ ، فَلَمْ يَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَقِيلَ : مَقْتَلٌ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّ خَرْقَ الْمُصْرَانِ مَقْتَلٌ : إِذَا كَانَ فِي مَجْرَى الطَّعَامِ قَبْلَ كَوْنِهِ رَجِيعًا . أَمَّا حَيْثُ يَكُونُ رَجِيعًا فَلَيْسَ مَقْتَلًا ; لِأَنَّ الْغِذَاءَ مَحْفُوظٌ عَنِ الْجَسَدِ ، وَقَدْ وَجَدْنَا مَنْ يَعِيشُ مِنْ بَنِي آدَمَ وَالدَّوَابِّ مَنْ هُوَ 129 كَذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ سُقِيَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اللَّبَنَ ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ مَجْرَى الطَّعَامِ قِيلَ لَهُ : أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلِذَلِكَ تُؤْكَلُ الْبَهِيمَةُ إِذَا ذُكِّيَتْ ، فَوُجِدَتْ مَثْقُوبَةَ الْكَرِشِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْفَرْثِ ، وَأَمَّا إِذَا شَقَّ الْجَوْفَ فَلَا تُذَكَّى وَلَا تُؤْكَلُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يُنْفِذُ مَقَاتِلَ رَجُلٍ ثُمَّ يُجْهِزُ عَلَيْهِ آخَرُ يُقْتَلُ بِهِ الثَّانِي وَيُعَاقَبُ الْأَوَّلُ . قَالَ فِي الْمُقَدَّمَاتِ : وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ سَحْنُونٍ عَنْهُ أَنَّ الْأَوَّلَ يُقْتَلُ بِهِ ، وَيُعَاقَبُ الثَّانِي . قَالَ فِي الْبَيَانِ : وَفِي الْمُنْخَنِقَةِ وَأَخَوَاتِهَا إِذَا سَلِمَتْ مَقَاتِلُهَا أَقْوَالٌ : ثَالِثُهَا : التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمَيْئُوسِ مِنْهُ فَيَمْتَنِعُ ، وَبَيْنَ الْمَرْجُوِّ فَيَجُوزُ ، وَجَعَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ الْمَيْئُوسَةِ ، وَالْجَوَازُ مُطْلَقًا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَالْمَنْعُ مُطْلَقًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ . فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْجَنِينُ إِذَا لَمْ تَجْرِ فِيهِ حَيَاةٌ لَمْ تَنْفَعْ فِيهِ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَلَا يُؤْكَلُ ، وَإِذَا جَرَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ ، وَعَلَامَتُهُ عِنْدَنَا كَمَالُ الْخَلْقِ وَنَبَاتُ الشَّعَرِ ، فَإِنْ ذُكِّيَتِ الْأُمُّ وَخَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ عَلَى الْفَوْرِ كَرِهَهُ مُحَمَّدٌ ، وَحَرَّمَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَإِنِ اسْتَهَلَّ صَارِخًا انْفَرَدَ بِحُكْمِ نَفْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ تُذَكَّ الْأُمُّ وَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا لَمْ يُؤْكَلْ ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ حَيًّا حَيَاةً لَا يَعِيشُ مَعَهَا ، عُلِمَ ذَلِكَ أَوْ شُكَّ فِيهِ ، وَإِنْ ذُكِّيَتِ الْأُمُّ فَخَرَجَ مَيِّتًا ، فَذَكَاتُهَا ذَكَاتُهُ ، وَقَالَهُ ( ش ) خِلَافًا لِـ ( ح ) وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَبِي دَاوُدَ : ( ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ ) يُرْوَى بِرَفْعِ الذَّكَاتَيْنِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْكَثِيرُ ، وَبِنَصْبِ الثَّانِيَةِ وَرَفْعِ الْأُولَى . فَعَلَى الرَّفْعِ يَحِلُّ بِذَكَاةِ أُمِّهِ ; لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجِبُ انْحِصَارُهُ فِي الْخَبَرِ ، وَمِنْهُ : ( تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ 130 وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ) أَيْ ذَكَاتُهُ مَحْصُورَةٌ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ ، فَلَا يُحْتَاجُ لِغَيْرِهَا ، وَعَلَى النَّصْبِ مَعْنَاهُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ أَنْ يُذَكَّى ذَكَاةً مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ ، ثُمَّ حُذِفَ مِثْلُ وَمَا قَبْلَهُ ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَ الْمُضَافِ ، فَيَفْتَقِرُ الْجَنِينُ إِلَى الذَّكَاةِ ، وَعَلَيْهِ أَسْئِلَةٌ ، أَحَدُهَا : أَنَّهُ شَاذٌّ . الثَّانِي : أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ ، فَنُصِبَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا ) ( الْأَعْرَافِ : 155 ) أَيْ مِنْ قَوْمِهِ ، وَهَذَا أَوْلَى لِقِلَّةِ الْإِضْمَارِ وَاتِّفَاقِهِ مَعَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَإِلَّا نَقَضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْأُخْرَى ، وَالْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ بِمَوْتِ الْأُمِّ ، فَإِنَّمَا مَاتَ خَنْقًا .
فَرْعٌ
قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : الدَّابَّةُ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا بِطُولِ مَرَضِهَا ، أَوْ تَتْعَبُ عَنِ السَّيْرِ فِي أَرْضٍ لَا عَلَفَ فِيهَا - ذَبْحُهَا أَوْلَى مِنْ بَقَائِهَا تَتَعَذَّبُ ، وَقِيلَ : تُعْقَرُ لِيَلَّا يُغَرَّ النَّاسُ بِذَبْحِهَا عَلَى أَكْلِهَا ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا تُذْبَحُ وَلَا تُعْقَرُ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ .
131 تَفْرِيعٌ
قَالَ : لَوْ تَرَكَهَا فَأَعْلَفَهَا غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدَهَا . قَالَ مَالِكٌ : هُوَ أَحَقُّ بِهَا ; لِأَنَّهُ تَرَكَهَا مُضْطَرًّا كَالْمُكْرَهِ ، وَيُعْطِيهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا ، وَقِيلَ : هِيَ لِعَالِفِهَا لِإِعْرَاضِ الْمَالِكِ عَنْهَا .
تَنْبِيهٌ : أَلْحَقَ صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ الْحُمُرَ بِالسِّبَاعِ ، وَفِي الْكِتَابِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ : يُصَلَّى عَلَى جِلْدِ السِّبَاعِ إِذَا ذُكِّيَ ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى جِلْدِ حِمَارٍ وَإِنْ ذُكِّيَ ، وَتَوَقَّفَ فِي الْكَيْمَخْتِ ، وَتَرْكُهَا أَحَبُّ إِلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَضَاحِيِّ نَصَّ عَلَى طَهَارَةِ جُلُودِ السِّبَاعِ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْكِلَابَ ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ . قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْحَيَوَانُ ثَلَاثَةٌ : بَرِّيٌّ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ لَا تَحِلُّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ ، وَبَحْرِيٌّ لَا حَيَاةَ لَهُ فِي الْبَرِّ يَحِلُّ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ ، وَبَرِّيٌّ لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ ، وَبَحْرِيٌّ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ اخْتُلِفَ فِيهِمَا . قَالَ مَالِكٌ : مَا لَا دَمَ لَهُ كَالْعَقْرَبِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالزُّنْبُورِ وَالسُّوسِ وَالدُّودِ 126 وَالذُّبَابِ وَسَائِرِ الْحَشَرَاتِ - ذَكَاتُهُ ذَكَاةُ الْجَرَادِ إِذَا احْتِيجَ إِلَى دَوَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ : هِيَ كَدَوَابِّ الْبَحْرِ لَا تَنْجُسُ فِي نَفْسِهَا وَلَا تُنَجِّسُ ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ : لَا يَحْتَاجُ الْجَرَادُ إِلَى ذَكَاةٍ ; لِأَنَّ عَامَّةَ السَّلَفِ أَجَازُوا أَكْلَ مَيْتَةِ الْجَرَادِ ، وَفِي الْكِتَابِ : لَا يَحْتَاجُ فَرَسُ الْبَحْرِ إِلَى ذَكَاةٍ ، وَإِنْ كَانَ لَهُ رَعْيٌ فِي الْبَرِّ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَذْكِيَةِ طَيْرِ الْمَاءِ خِلَافًا لِعَطَاءٍ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : وَهَلْ يَجْرِي فِي ذَكَاةِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مَا عَدَا الْجَرَادَ الْخِلَافُ الَّذِي فِي ذَكَاةِ الْجَرَادِ ، أَوْ يَفْتَقِرُ إِلَى الذَّكَاةِ قَوْلًا وَاحِدًا ؟ طَرِيقَانِ لِلْمُتَأَخِّرِينَ .
قَاعِدَةٌ : الذَّكَاةُ شُرِعَتْ لِاسْتِخْرَاجِ الْفَضَلَاتِ الْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْأَجْسَادِ الْحَلَالِ بِأَسْهَلِ الطُّرُقِ عَلَى الْحَيَوَانِ ، فَمَنْ لَاحَظَ عَدَمَ الْفَضَلَاتِ مِمَّا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ ، وَجَعَلَهَا أَصْلًا وَإِرَاحَةَ الْحَيَوَانِ تِبَعًا أَجَازَ مَيْتَتَهُ ، وَمَنْ لَاحَظَ شَرْعِيَّةَ زُهُوقِ الرُّوحِ وَجَعَلَهُ أَصْلًا فِي نَفْسِهَا لَمْ يُجِزْهَا .
قَاعِدَةٌ : النَّادِرُ مُلْحَقٌ بِالْغَالِبِ فِي الشَّرْعِ ، فَمَنْ لَاحَظَ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ أَسْقَطَ ذَكَاةَ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ مِنْ دَوَابِّ الْبَحْرِ نَظَرًا لِغَالِبِهِ ، وَمَنْ لَاحَظَ الْقَاعِدَةَ الْأُولَى وَأَنَّ مَيْتَةَ الْبَحْرِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لَمْ يُسْقِطْهَا ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) أَوْ يَحْمِلُهُ عَلَى سَبَبِ وُرُودِهِ ، وَهُوَ الْمَيْتَةُ الَّتِي كَانُوا يَأْكُلُونَهَا مِنَ الْبَرِّ ، وَيَقُولُونَ : تَأْكُلُونَ مَا قَتَلْتُمْ وَلَا تَأْكُلُونَ مَا قَتَلَ اللَّهُ ؟ .
فَائِدَةٌ : النَّفْسُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ لِأُمُورٍ : أَحَدُهَا : الدَّمُ لِقَوْلِهِ :
﴿﴾ تَسِيلُ عَلَى حَدِّ الظِّبَاتِ نُفُوسُنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَيْسَ عَلَى غَيْرِ الظِّبَاتِ تَسِيلُ ﴿﴾ 127 وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي بَابِ النِّفَاسِ ، وَالْحَيْضِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : لَا يُصَلَّى عَلَى جِلْدِ حِمَارٍ وَإِنْ ذُكِّيَ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : لِأَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهِ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْهُ ، وَهُوَ خِلَافُ نَقْلِ الْجَوَاهِرِ . فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : تَصِحُّ ذَكَاةُ الْمَرِيضَةِ إِذَا لَمْ تُشَارِفِ الْمَوْتَ ، فَإِنْ شَارَفَتْ صَحَّتْ ذَكَاتُهَا عِنْدَ مَالِكٍ ، وَفِي مُخْتَصَرِ الْوَقَارِ : لَا تَصِحُّ ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَمَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِسَلْعٍ ، فَأَبْصَرَتْ بِشَاةٍ تَمُوتُ فَأَدْرَكَتْهَا فَذَكَّتْهَا بِحَجَرٍ ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَقَالَ : ( كُلُوهَا ) وَفِيهِ أَرْبَعُ فَوَائِدَ : ذَكَاةُ النِّسَاءِ ، وَبِالْحَجَرِ ، وَمَا أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ ، وَذَكَاةُ غَيْرِ الْمَالِكِ بِغَيْرِ وَكَالَةٍ .
وَإِذَا لَمْ يَتَحَرَّكْ مِنَ الذَّبِيحَةِ شَيْءٌ بَعْدَ الذَّبْحِ أُكِلَتْ إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً . قَالَ مُحَمَّدٌ : إِذَا سُفِحَ دَمُهَا . قَالَ اللَّخْمِيُّ : وَكَذَلِكَ أَرَى فِي الْمَرِيضَةِ الظَّاهِرَةِ الْحَيَاةِ ، فَإِنْ قَرُبَتْ مِنَ الْمَوْتِ لَمْ تُؤْكَلْ إِلَّا بِدَلِيلٍ عَلَى الْحَيَاةِ عِنْدَ الذَّبْحِ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَذَلِكَ اضْطِرَابُ عَيْنِهَا أَوْ ضَرْبُ يَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا ، أَوِ اسْتِمَاعُ نَفَسِهَا فِي جَوْفِهَا ، وَنَحْوِهَا ، وَإِذَا أُشْكِلَ الْأَمْرُ لَمْ تُؤْكَلْ ، 128 وَالِاخْتِلَاجُ الْخَفِيفُ تَرْكُ الْأَكْلِ مَعَهُ أَحْسَنُ ; لِأَنَّ اللَّحْمَ يَخْتَلِجُ بَعْدَ السَّلْخِ ، وَخُرُوجُ الدَّمِ لَيْسَ دَلِيلًا وَحْدَهُ لِخُرُوجِهِ مِنَ الْمَيْتَةِ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ بِقُوَّةٍ لَا تَلِيقُ إِلَّا بِالْحَيَاةِ قَالَ صَاحِبُ ( الْمُقَدَّمَاتِ ) : فِي وَقْتِ اعْتِبَارِ عَلَامَاتِ الْحَيَاةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : بَعْدَ الذَّبْحِ ، مَعَهُ ، يَكْفِي وُجُودُهَا قَبْلَهُ . فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهِيَ الَّتِي تُضْرَبُ حَتَّى تَمُوتَ ، وَالْمُتَرَدِّيَةُ ، وَالنَّطِيحَةُ ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ ، مَا مَاتَ مِنْهَا فَحَرَامٌ ، وَمَا لَوْ تُرِكَ لَعَاشَ : يُذَكَّى ، وَغَيْرُ الْمَرْجُوِّ وَالَّذِي حَدَثَ بِهِ فِي مَوْضِعِ الذَّكَاةِ لَمْ تُؤْكَلْ ، وَفِي غَيْرِهِ يُذَكَّى وَيُؤْكَلُ عِنْدَ مَالِكٍ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوِ انْتَثَرَتِ الْحَشْوَةُ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : ( إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ) بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ ، وَقِيلَ : لَا يُؤْكَلُ ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ أَيْ مِنْ غَيْرِهِنَّ ; لِأَنَّهُ لَوْلَا ذَلِكَ لَكَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ) يَعْنِي عَنْهُ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : مَنَعَ أَبُو الْوَلِيدِ جَرَيَانَ الْخِلَافِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ إِذَا كَانَ الْمَقْتَلُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الذَّكَاةِ ، وَقَالَ : الْمَذْهَبُ كُلُّهُ عَلَى الْمَنْعِ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ إِذَا بَلَغَتِ النَّاسَ بِغَيْرِ إِصَابَةِ مَقْتَلٍ ، وَالْمَقَاتِلُ خَمْسَةٌ : انْقِطَاعُ النُّخَاعِ ، وَنَثْرُ الدِّمَاغِ ، وَفَرْيُ الْأَوْدَاجِ ، وَانْثِقَابُ الْمُصْرَانِ ، وَنَثْرُ الْحَشْوَةِ . وَفِي الْبَيَانِ : اخْتُلِفَ فِي دَقِّ الْعُنُقِ مِنْ غَيْرِ قِطْعِ الْأَوْدَاجِ ، فَلَمْ يَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ مَقْتَلًا ، وَفِي خَرْقِ الْأَوْدَاجِ مِنْ غَيْرِ قِطْعِ الْأَوْدَاجِ ، فَلَمْ يَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَقِيلَ : مَقْتَلٌ ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَنَّ خَرْقَ الْمُصْرَانِ مَقْتَلٌ : إِذَا كَانَ فِي مَجْرَى الطَّعَامِ قَبْلَ كَوْنِهِ رَجِيعًا . أَمَّا حَيْثُ يَكُونُ رَجِيعًا فَلَيْسَ مَقْتَلًا ; لِأَنَّ الْغِذَاءَ مَحْفُوظٌ عَنِ الْجَسَدِ ، وَقَدْ وَجَدْنَا مَنْ يَعِيشُ مِنْ بَنِي آدَمَ وَالدَّوَابِّ مَنْ هُوَ 129 كَذَلِكَ ، وَلِذَلِكَ سُقِيَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اللَّبَنَ ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ مَجْرَى الطَّعَامِ قِيلَ لَهُ : أَوْصِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلِذَلِكَ تُؤْكَلُ الْبَهِيمَةُ إِذَا ذُكِّيَتْ ، فَوُجِدَتْ مَثْقُوبَةَ الْكَرِشِ ; لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْفَرْثِ ، وَأَمَّا إِذَا شَقَّ الْجَوْفَ فَلَا تُذَكَّى وَلَا تُؤْكَلُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ إِلَّا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يُنْفِذُ مَقَاتِلَ رَجُلٍ ثُمَّ يُجْهِزُ عَلَيْهِ آخَرُ يُقْتَلُ بِهِ الثَّانِي وَيُعَاقَبُ الْأَوَّلُ . قَالَ فِي الْمُقَدَّمَاتِ : وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ سَحْنُونٍ عَنْهُ أَنَّ الْأَوَّلَ يُقْتَلُ بِهِ ، وَيُعَاقَبُ الثَّانِي . قَالَ فِي الْبَيَانِ : وَفِي الْمُنْخَنِقَةِ وَأَخَوَاتِهَا إِذَا سَلِمَتْ مَقَاتِلُهَا أَقْوَالٌ : ثَالِثُهَا : التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمَيْئُوسِ مِنْهُ فَيَمْتَنِعُ ، وَبَيْنَ الْمَرْجُوِّ فَيَجُوزُ ، وَجَعَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ بِخِلَافِ الْمَرِيضَةِ الْمَيْئُوسَةِ ، وَالْجَوَازُ مُطْلَقًا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَالْمَنْعُ مُطْلَقًا لِعَبْدِ الْمَلِكِ . فَرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْجَنِينُ إِذَا لَمْ تَجْرِ فِيهِ حَيَاةٌ لَمْ تَنْفَعْ فِيهِ ذَكَاةُ أُمِّهِ وَلَا يُؤْكَلُ ، وَإِذَا جَرَتْ فِيهِ الْحَيَاةُ ، وَعَلَامَتُهُ عِنْدَنَا كَمَالُ الْخَلْقِ وَنَبَاتُ الشَّعَرِ ، فَإِنْ ذُكِّيَتِ الْأُمُّ وَخَرَجَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ عَلَى الْفَوْرِ كَرِهَهُ مُحَمَّدٌ ، وَحَرَّمَهُ ابْنُ الْجَلَّابِ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، وَإِنِ اسْتَهَلَّ صَارِخًا انْفَرَدَ بِحُكْمِ نَفْسِهِ ، وَإِنْ لَمْ تُذَكَّ الْأُمُّ وَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا لَمْ يُؤْكَلْ ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ حَيًّا حَيَاةً لَا يَعِيشُ مَعَهَا ، عُلِمَ ذَلِكَ أَوْ شُكَّ فِيهِ ، وَإِنْ ذُكِّيَتِ الْأُمُّ فَخَرَجَ مَيِّتًا ، فَذَكَاتُهَا ذَكَاتُهُ ، وَقَالَهُ ( ش ) خِلَافًا لِـ ( ح ) وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فِي أَبِي دَاوُدَ : ( ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ ) يُرْوَى بِرَفْعِ الذَّكَاتَيْنِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ الْكَثِيرُ ، وَبِنَصْبِ الثَّانِيَةِ وَرَفْعِ الْأُولَى . فَعَلَى الرَّفْعِ يَحِلُّ بِذَكَاةِ أُمِّهِ ; لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ أَنَّ الْمُبْتَدَأَ يَجِبُ انْحِصَارُهُ فِي الْخَبَرِ ، وَمِنْهُ : ( تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ 130 وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ ) أَيْ ذَكَاتُهُ مَحْصُورَةٌ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ ، فَلَا يُحْتَاجُ لِغَيْرِهَا ، وَعَلَى النَّصْبِ مَعْنَاهُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ أَنْ يُذَكَّى ذَكَاةً مِثْلَ ذَكَاةِ أُمِّهِ ، ثُمَّ حُذِفَ مِثْلُ وَمَا قَبْلَهُ ، وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إِلَيْهِ مَقَامَ الْمُضَافِ ، فَيَفْتَقِرُ الْجَنِينُ إِلَى الذَّكَاةِ ، وَعَلَيْهِ أَسْئِلَةٌ ، أَحَدُهَا : أَنَّهُ شَاذٌّ . الثَّانِي : أَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِضْمَارٍ ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ . الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَاهُ ذَكَاةُ الْجَنِينِ فِي ذَكَاةِ أُمِّهِ ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الْجَرِّ ، فَنُصِبَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا ) ( الْأَعْرَافِ : 155 ) أَيْ مِنْ قَوْمِهِ ، وَهَذَا أَوْلَى لِقِلَّةِ الْإِضْمَارِ وَاتِّفَاقِهِ مَعَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَإِلَّا نَقَضَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا الْأُخْرَى ، وَالْحَدِيثُ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ بِمَوْتِ الْأُمِّ ، فَإِنَّمَا مَاتَ خَنْقًا .
فَرْعٌ
قَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : الدَّابَّةُ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا بِطُولِ مَرَضِهَا ، أَوْ تَتْعَبُ عَنِ السَّيْرِ فِي أَرْضٍ لَا عَلَفَ فِيهَا - ذَبْحُهَا أَوْلَى مِنْ بَقَائِهَا تَتَعَذَّبُ ، وَقِيلَ : تُعْقَرُ لِيَلَّا يُغَرَّ النَّاسُ بِذَبْحِهَا عَلَى أَكْلِهَا ، وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا تُذْبَحُ وَلَا تُعْقَرُ لِنَهْيِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ .
131 تَفْرِيعٌ
قَالَ : لَوْ تَرَكَهَا فَأَعْلَفَهَا غَيْرُهُ ثُمَّ وَجَدَهَا . قَالَ مَالِكٌ : هُوَ أَحَقُّ بِهَا ; لِأَنَّهُ تَرَكَهَا مُضْطَرًّا كَالْمُكْرَهِ ، وَيُعْطِيهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا ، وَقِيلَ : هِيَ لِعَالِفِهَا لِإِعْرَاضِ الْمَالِكِ عَنْهَا .
الشافعية
المجموع شرح المهذب
اقرأ →
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ سَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَقَالَ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ ، وَحَدِيثُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُمَا : 225 { كَانَ بَيْنَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَمَرُّ الشَّاةِ } وَحَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا . وَحَدِيثُ طَلْحَةَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ لَكِنْ وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ : " وَلَا يُبَالِي مَنْ وَرَاءَ ذَلِكَ " وَاَلَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ " مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ " بِزِيَادَةِ لَفْظَةِ ( مَرَّ ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ " مَنْ مَرَّ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ " وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْخَطِّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ . قَالَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ : هُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ تَضْعِيفَهُ ، وَأَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَخَذَ بِهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ وَسُنَنِ حَرْمَلَةَ وَقَالَ فِي الْبُوَيْطِيِّ : وَلَا يَخُطُّ بَيْنَ يَدَيْهِ خَطًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ذَاكَ حَدِيثٌ ثَابِتٌ فَيُتَّبَعُ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ الشَّافِعِيُّ فِي الْحَدِيثِ لِاخْتِلَافِ الرُّوَاةِ عَلَى إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ أَحَدِ رُوَاتِهِ . وَقَالَ غَيْرُ الْبَيْهَقِيّ : هُوَ ضَعِيفٌ لِاضْطِرَابِهِ . وَأَمَّا حَدِيثُ { لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ } فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَمَّا قَوْلُهُ قَالَ عَطَاءٌ " مُؤَخِّرَةُ الرَّحْلِ ذِرَاعٌ " فَرَوَاهُ عَنْهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَهُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ .
وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَفِيهِ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَاسْمُ أَبِي حَثْمَةَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : عَامِرُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ ، كُنْيَتُهُ سَهْلٍ أَبُو يَحْيَى ، وَقِيلَ أَبُو مُحَمَّدٍ ، تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ ، وَحَفِظَ جُمْلَةَ أَحَادِيثَ وَأَمَّا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ فَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ سَهْلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيُّ السَّاعِدِيُّ الْمَدَنِيُّ ، مَنْسُوبٌ إلَى سَاعِدَةَ أَحَدِ أَجْدَادِهِ ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : هُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، لَيْسَ بَيْنَنَا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ وَأَمَّا أَبُو جُحَيْفَةَ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ ، وَطَلْحَةُ سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَعُمُرَ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْمِيَاهِ وَعَطَاءٌ فِي الْحَيْضِ . وَفِي الذِّرَاعِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَهُوَ الْأَفْصَحُ الْأَكْثَرُ .
قَوْلُهُ : " وَمَمَرُّ الْعَنَزِ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ " هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَقَوْلُهُ " فَرَكَزَ عَنَزَةً فَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ ، وَهِيَ عَصًا نَحْوُ نِصْفِ رُمْحٍ 226 فِي أَسْفَلِهَا زُجٌّ كَزُجِّ الرُّمْحِ فِي أَسْفَلِهِ ، وَالْحُلَّةُ ثَوْبَانِ إزَارٌ وَرِدَاءٌ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : لَا تَكُونُ إلَّا ثَوْبَيْنِ ، وَمُؤَخِّرَةُ الرَّحْلِ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي الْبَابِ ، وَالْبَطْحَاءُ بِالْمَدِّ هِيَ بَطْحَاءُ مَكَّةَ وَيُقَالُ فِيهَا الْأَبْطُحُ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ عَلَى بَابِ مَكَّةَ ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ ، أَيْ : ادْفَعُوا ، وَقَوْلُهُ : " يَمُرُّونَ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهَا " كَذَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ ، وَاَلَّذِي فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ يَمُرُّ النَّاسُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْمُهَذَّبِ لُغَةً قَلِيلَةً ضَعِيفَةً ، وَهِيَ لُغَةُ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ .
( أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ ) فَفِيهِ مَسَائِلُ :
( إحْدَاهَا ) السُّنَّةُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ مِنْ جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَيَدْنُوَ مِنْهَا ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِجْمَاعَ فِيهِ ،
وَأَمَّا أَلْفَاظُ الْفَصْلِ فَفِيهِ سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَاسْمُ أَبِي حَثْمَةَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ : عَامِرُ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ ، كُنْيَتُهُ سَهْلٍ أَبُو يَحْيَى ، وَقِيلَ أَبُو مُحَمَّدٍ ، تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ ، وَحَفِظَ جُمْلَةَ أَحَادِيثَ وَأَمَّا سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ فَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ سَهْلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَالِدٍ الْأَنْصَارِيُّ السَّاعِدِيُّ الْمَدَنِيُّ ، مَنْسُوبٌ إلَى سَاعِدَةَ أَحَدِ أَجْدَادِهِ ، تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَهُوَ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : هُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، لَيْسَ بَيْنَنَا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ وَأَمَّا أَبُو جُحَيْفَةَ فَسَبَقَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الْأَذَانِ ، وَطَلْحَةُ سَبَقَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ وَعُمُرَ فِي نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْمِيَاهِ وَعَطَاءٌ فِي الْحَيْضِ . وَفِي الذِّرَاعِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَهُوَ الْأَفْصَحُ الْأَكْثَرُ .
قَوْلُهُ : " وَمَمَرُّ الْعَنَزِ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ " هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ لَا مِنْ الْحَدِيثِ ، وَقَوْلُهُ " فَرَكَزَ عَنَزَةً فَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ ، وَهِيَ عَصًا نَحْوُ نِصْفِ رُمْحٍ 226 فِي أَسْفَلِهَا زُجٌّ كَزُجِّ الرُّمْحِ فِي أَسْفَلِهِ ، وَالْحُلَّةُ ثَوْبَانِ إزَارٌ وَرِدَاءٌ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : لَا تَكُونُ إلَّا ثَوْبَيْنِ ، وَمُؤَخِّرَةُ الرَّحْلِ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي الْبَابِ ، وَالْبَطْحَاءُ بِالْمَدِّ هِيَ بَطْحَاءُ مَكَّةَ وَيُقَالُ فِيهَا الْأَبْطُحُ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ عَلَى بَابِ مَكَّةَ ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ ، أَيْ : ادْفَعُوا ، وَقَوْلُهُ : " يَمُرُّونَ النَّاسُ مِنْ وَرَائِهَا " كَذَا وَقَعَ فِي الْمُهَذَّبِ ، وَاَلَّذِي فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ يَمُرُّ النَّاسُ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي اللُّغَةِ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي الْمُهَذَّبِ لُغَةً قَلِيلَةً ضَعِيفَةً ، وَهِيَ لُغَةُ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ .
( أَمَّا أَحْكَامُ الْفَصْلِ ) فَفِيهِ مَسَائِلُ :
( إحْدَاهَا ) السُّنَّةُ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ مِنْ جِدَارٍ أَوْ سَارِيَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَيَدْنُوَ مِنْهَا ، وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإِجْمَاعَ فِيهِ ،
تحفة المحتاج في شرح المنهاج
اقرأ →
( كِتَابُ الصَّلَاةِ ) هِيَ شَرْعًا 415 أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ غَالِبًا فَلَا تَرِدُ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَصَلَاةُ الْمَرِيضِ الَّتِي يُجْرِيهَا عَلَى قَلْبِهِ ، بَلْ لَا يَرِدَانِ مَعَ حَذْفِ غَالِبًا ؛ لِأَنَّ وَضْعَ الصَّلَاةِ ذَلِكَ فَمَا خَرَجَ عَنْهُ لِعَارِضٍ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الصَّلَاةِ لُغَةً وَهِيَ الدُّعَاءُ 416 وَخَرَجَ بِقَوْلِي مَخْصُوصَةٌ سَجْدَتَا التِّلَاوَةِ ، وَالشُّكْرِ فَإِنَّهُمَا لَيْسَتَا صَلَاةً كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ
( الْمَكْتُوبَاتُ ) أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ الْعَيْنِيَّةُ ( خَمْسٌ ) مَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا تَرِدُ الْجُمُعَةُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْخَمْسِ فِي يَوْمِهَا كَمَا سَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ وَلَمْ تَجْتَمِعْ هَذِهِ الْخَمْسُ لِغَيْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَرَدَ أَنَّ الصُّبْحَ لِآدَمَ ، وَالظُّهْرَ لِدَاوُدَ ، وَالْعَصْرَ لِسُلَيْمَانَ ، وَالْمَغْرِبَ لِيَعْقُوبَ ، وَالْعِشَاءَ لِيُونُسَ
وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ جِبْرِيلَ فِي خَبَرِهِ الْآتِي بَعْدَ صَلَاتِهِ الْخَمْسِ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَك لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ وَقْتُهُمْ عَلَى الْإِجْمَالِ وَإِنْ اخْتَصَّ كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ بِوَقْتٍ وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَلَمْ يَجِبْ صَحِيحُ يَوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهَا 417 فَإِنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا عَلَّمَهَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَلَاتِهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ مِمَّا يَلِي الْحُفْرَةَ ، ثُمَّ إلَى الْحِجْرِ بِالْكَسْرِ الْخَمْسُ فِي أَوْقَاتِهَا مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ ابْتِدَاءً بِالظُّهْرِ إشَارَةً إلَى أَنَّ دِينَهُ سَيَظْهَرُ عَلَى الْأَدْيَانِ ظُهُورَهَا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَمِنْ ثَمَّ تَأَسَّى أَئِمَّتُنَا بِذَلِكَ وَبِآيَةِ { أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } فِي الْبُدَاءَةِ بِهَا فَقَالُوا ( الظُّهْر ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ كَمَا تَقَرَّرَ وَلِفِعْلِهَا وَقْتَ الظَّهِيرَةِ أَيْ الْحَرِّ
( وَأَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ ) أَيْ عَقِبَ وَقْتِ زَوَالِهَا أَيْ مَيْلِهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ الْمُسَمَّى بُلُوغُهَا إلَيْهِ بِحَالَةِ الِاسْتِوَاءِ بِاعْتِبَارِ مَا يَظْهَرُ لَنَا لَا نَفْسَ الْأَمْرِ فَلَوْ ظَهَرَ أَثْنَاءَ التَّحَرُّمِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَكَذَا فِي نَحْوِ الْفَجْرِ وَيُعْلَمُ بِزِيَادَةِ الظِّلِّ عَلَى ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ إنْ كَانَ وَإِلَّا فَبِحُدُوثِهِ ( وَآخِرُهُ مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ ) هُوَ لُغَةً السِّتْرُ وَمِنْهُ أَنَا فِي ظِلِّ فُلَانٍ وَاصْطِلَاحًا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ خَلَقَهُ اللَّهُ لِنَفْعِ الْبَدَنِ وَغَيْرِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّمْسُ 418 كَمَا فِي الْآيَةِ لَكِنْ فِي الدُّنْيَا بِدَلِيلِ { وَظِلٍّ مَمْدُودٍ } وَلَا شَمْسَ ثَمَّ فَلَيْسَ هُوَ عَدَمَهَا خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ ( مِثْلُهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ ) أَيْ الظِّلِّ الْمَوْجُودِ عِنْدَهُ فِي غَالِبِ الْبِلَادِ وَقَدْ يَنْعَدِمُ فِي بَعْضِهَا كَمَكَّةَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ فِيهَا فَقِيلَ يَوْمٌ وَاحِدٌ هُوَ أَطْوَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ وَقِيلَ جَمِيعُ أَيَّامِ الصَّيْفِ وَقِيلَ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَقِيلَ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ قَبْلَ انْتِهَاءِ الطُّولِ وَمِثْلُهَا عَقِبَهُ
وَقِيلَ يَوْمَانِ يَوْمٌ قَبْلَ الْأَطْوَلِ بِسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَيَوْمٌ بَعْدَهُ بِسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ وَمَا عَدَا الْأَخِيرَ ، وَالْأَوَّلَ غَلَطٌ وَاَلَّذِي بَيَّنَهُ أَئِمَّةُ الْفَلَكِ هُوَ الْأَخِيرُ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّ صَنْعَاءَ كَمَكَّةَ فِي ذَلِكَ لَا يُوَافِقُ مَا حَرَّرَهُ أَئِمَّةُ الْفَلَكِ ؛ لِأَنَّ عَرْضَ مَكَّةَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَعَرْضَ صَنْعَاءَ عَلَى مَا فِي زِيجَ ابْنِ الشَّاطِرِ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً تَقْرِيبًا فَلَا يَنْعَدِمُ الظِّلُّ فِيهَا إلَّا قَبْلَ الْأَطْوَلِ بِنَحْوِ خَمْسِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهُ بِنَحْوِهَا أَيْضًا وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيُوَضِّحُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَلَهَا وَقْتُ فَضِيلَةٍ أَوَّلُ الْوَقْتِ ، وَجَوَازٌ إلَى مَا يَسَعُ كُلَّهُ ، ثُمَّ حُرْمَةٌ وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّ الْمُحَرَّمَ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ لَا إيقَاعُهَا فِيهِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ تَسْمِيَتَهُ وَقْتَ حُرْمَةٍ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ ، وَضَرُورَةٌ وَسَيَأْتِي وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ تُجْزِئُ فِي الْبَقِيَّةِ وَعُذْرٌ وَهُوَ وَقْتُ الْعَصْرِ لِمَنْ يَجْمَعُ ، وَاخْتِيَارٌ وَهُوَ وَقْتُ الْجَوَازِ
( الْمَكْتُوبَاتُ ) أَيْ الْمَفْرُوضَاتُ الْعَيْنِيَّةُ ( خَمْسٌ ) مَعْلُومَةٌ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَلَا تَرِدُ الْجُمُعَةُ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْخَمْسِ فِي يَوْمِهَا كَمَا سَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ وَلَمْ تَجْتَمِعْ هَذِهِ الْخَمْسُ لِغَيْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَرَدَ أَنَّ الصُّبْحَ لِآدَمَ ، وَالظُّهْرَ لِدَاوُدَ ، وَالْعَصْرَ لِسُلَيْمَانَ ، وَالْمَغْرِبَ لِيَعْقُوبَ ، وَالْعِشَاءَ لِيُونُسَ
وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ جِبْرِيلَ فِي خَبَرِهِ الْآتِي بَعْدَ صَلَاتِهِ الْخَمْسِ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَك لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ وَقْتُهُمْ عَلَى الْإِجْمَالِ وَإِنْ اخْتَصَّ كُلٌّ مِمَّنْ ذُكِرَ مِنْهُمْ بِوَقْتٍ وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَلَمْ يَجِبْ صَحِيحُ يَوْمِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهَا 417 فَإِنَّ جِبْرِيلَ لَمَّا عَلَّمَهَا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَلَاتِهِ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ مِمَّا يَلِي الْحُفْرَةَ ، ثُمَّ إلَى الْحِجْرِ بِالْكَسْرِ الْخَمْسُ فِي أَوْقَاتِهَا مَرَّتَيْنِ فِي يَوْمَيْنِ ابْتِدَاءً بِالظُّهْرِ إشَارَةً إلَى أَنَّ دِينَهُ سَيَظْهَرُ عَلَى الْأَدْيَانِ ظُهُورَهَا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فَمِنْ ثَمَّ تَأَسَّى أَئِمَّتُنَا بِذَلِكَ وَبِآيَةِ { أَقِمْ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ } فِي الْبُدَاءَةِ بِهَا فَقَالُوا ( الظُّهْر ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ كَمَا تَقَرَّرَ وَلِفِعْلِهَا وَقْتَ الظَّهِيرَةِ أَيْ الْحَرِّ
( وَأَوَّلُ وَقْتِهِ زَوَالُ الشَّمْسِ ) أَيْ عَقِبَ وَقْتِ زَوَالِهَا أَيْ مَيْلِهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ الْمُسَمَّى بُلُوغُهَا إلَيْهِ بِحَالَةِ الِاسْتِوَاءِ بِاعْتِبَارِ مَا يَظْهَرُ لَنَا لَا نَفْسَ الْأَمْرِ فَلَوْ ظَهَرَ أَثْنَاءَ التَّحَرُّمِ لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَكَذَا فِي نَحْوِ الْفَجْرِ وَيُعْلَمُ بِزِيَادَةِ الظِّلِّ عَلَى ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ إنْ كَانَ وَإِلَّا فَبِحُدُوثِهِ ( وَآخِرُهُ مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ ) هُوَ لُغَةً السِّتْرُ وَمِنْهُ أَنَا فِي ظِلِّ فُلَانٍ وَاصْطِلَاحًا أَمْرٌ وُجُودِيٌّ خَلَقَهُ اللَّهُ لِنَفْعِ الْبَدَنِ وَغَيْرِهِ تَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّمْسُ 418 كَمَا فِي الْآيَةِ لَكِنْ فِي الدُّنْيَا بِدَلِيلِ { وَظِلٍّ مَمْدُودٍ } وَلَا شَمْسَ ثَمَّ فَلَيْسَ هُوَ عَدَمَهَا خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَهُ ( مِثْلُهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ ) أَيْ الظِّلِّ الْمَوْجُودِ عِنْدَهُ فِي غَالِبِ الْبِلَادِ وَقَدْ يَنْعَدِمُ فِي بَعْضِهَا كَمَكَّةَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ وَاخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ فِيهَا فَقِيلَ يَوْمٌ وَاحِدٌ هُوَ أَطْوَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ وَقِيلَ جَمِيعُ أَيَّامِ الصَّيْفِ وَقِيلَ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ يَوْمًا وَقِيلَ سِتَّةٌ وَعِشْرُونَ قَبْلَ انْتِهَاءِ الطُّولِ وَمِثْلُهَا عَقِبَهُ
وَقِيلَ يَوْمَانِ يَوْمٌ قَبْلَ الْأَطْوَلِ بِسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَيَوْمٌ بَعْدَهُ بِسِتَّةٍ وَعِشْرِينَ وَمَا عَدَا الْأَخِيرَ ، وَالْأَوَّلَ غَلَطٌ وَاَلَّذِي بَيَّنَهُ أَئِمَّةُ الْفَلَكِ هُوَ الْأَخِيرُ وَقَوْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّ صَنْعَاءَ كَمَكَّةَ فِي ذَلِكَ لَا يُوَافِقُ مَا حَرَّرَهُ أَئِمَّةُ الْفَلَكِ ؛ لِأَنَّ عَرْضَ مَكَّةَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ دَرَجَةً وَعَرْضَ صَنْعَاءَ عَلَى مَا فِي زِيجَ ابْنِ الشَّاطِرِ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً تَقْرِيبًا فَلَا يَنْعَدِمُ الظِّلُّ فِيهَا إلَّا قَبْلَ الْأَطْوَلِ بِنَحْوِ خَمْسِينَ يَوْمًا وَبَعْدَهُ بِنَحْوِهَا أَيْضًا وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ وَيُوَضِّحُهُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَلَهَا وَقْتُ فَضِيلَةٍ أَوَّلُ الْوَقْتِ ، وَجَوَازٌ إلَى مَا يَسَعُ كُلَّهُ ، ثُمَّ حُرْمَةٌ وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّ الْمُحَرَّمَ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ لَا إيقَاعُهَا فِيهِ وَيُرَدُّ بِأَنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ تَسْمِيَتَهُ وَقْتَ حُرْمَةٍ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ ، وَضَرُورَةٌ وَسَيَأْتِي وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ تُجْزِئُ فِي الْبَقِيَّةِ وَعُذْرٌ وَهُوَ وَقْتُ الْعَصْرِ لِمَنْ يَجْمَعُ ، وَاخْتِيَارٌ وَهُوَ وَقْتُ الْجَوَازِ
نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج
اقرأ →
وَرَابِعُهَا دَوَامُ سَفَرِهِ إلَى عَقْدِ الثَّانِيَةِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيمًا فَصَارَ إلَى آخِرِهِ ( وَإِذَا أَخَّرَ ) الصَّلَاةَ ( الْأُولَى ) إلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ ( لَمْ يَجِبْ التَّرْتِيبُ ) بَيْنَهُمَا ( وَ ) لَا ( الْمُوَالَاةُ وَ ) لَا ( نِيَّةَ الْجَمْعِ ) فِي الْأُولَى ( عَلَى الصَّحِيحِ ) ; لِأَنَّ الْوَقْتَ هُنَا لِلثَّانِيَةِ ، وَالْأُولَى هِيَ التَّابِعَةُ فَلَمْ يَحْتَجْ لِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الثَّلَاثَةِ ; لِأَنَّهَا إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ ثَمَّ لِتَحَقُّقِ التَّبَعِيَّةِ لِعَدَمِ صَلَاحِيَّةِ الْوَقْتِ لِلثَّانِيَةِ . نَعَمْ تُسَنُّ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ هُنَا وَالثَّانِي يَجِبُ ذَلِكَ كَمَا فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ ، وَفَرْقُ الْأَوَّلِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّعْلِيلِ ( وَ ) الَّذِي ( يَجِبُ ) هُنَا أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا دَوَامُ سَفَرِهِ إلَى تَمَامِهِمَا وَسَيَذْكُرُهُ ، وَثَانِيهِمَا ( كَوْنُ التَّأْخِيرِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ ) أَيْ يَجِبُ أَنْ يَنْوِيَ 279 قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِ الْأُولَى ; لِأَنَّ التَّأْخِيرَ قَدْ يَكُونُ مَعْصِيَةً كَالتَّأْخِيرِ لِغَيْرِ الْجَمْعِ ، وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا كَالتَّأْخِيرِ لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ نِيَّةٍ تُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا ، وَلَوْ قَدَّمَ النِّيَّةَ عَلَى الْوَقْتِ كَمَا لَوْ نَوَى فِي أَوَّلِ السَّفَرِ أَنَّهُ يَجْمَعُ كُلَّ يَوْمٍ لَمْ تَكْفِهِ عَلَى أَشْبَهِ احْتِمَالَيْنِ ذَكَرَهُمَا الرُّويَانِيُّ عَنْ وَالِدِهِ ; لِأَنَّ الْوَقْتَ لَا يَصْلُحُ لِلْجَمْعِ ، وَالْقِيَاسُ عَلَى نِيَّةِ الصَّوْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِخُرُوجِهَا عَنْ الْقِيَاسِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهَا ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ : الْجَمْعُ اشْتِرَاطُ نِيَّةِ إيقَاعِهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، فَلَوْ نَوَى التَّأْخِيرَ فَقَدْ عَصَى وَصَارَتْ الْأُولَى قَضَاءً ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ النِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي زَمَنٍ لَوْ اُبْتُدِئَتْ الْأُولَى فِيهِ لَوَقَعَتْ أَدَاءً ، كَذَا فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ ، وَفِي الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ عَنْهُمْ ، وَتُشْتَرَطُ هَذِهِ النِّيَّةُ فِي وَقْتِ الْأُولَى بِحَيْثُ يَبْقَى مِنْ وَقْتِهَا مَا يَسَعُهَا أَوْ أَكْثَرُ ، فَإِنْ ضَاقَ وَقْتُهَا بِحَيْثُ لَا يَسَعُهَا عَصَى وَصَارَتْ قَضَاءً ، وَهُوَ مُبَيَّنٌ كَمَا قَالَ الشَّارِحُ : إنَّ مُرَادَهُ بِالْأَدَاءِ فِي الرَّوْضَةِ الْأَدَاءُ الْحَقِيقِيُّ بِأَنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ الصَّلَاةِ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهَا ، بِخِلَافِ الْإِتْيَانِ بِرَكْعَةٍ مِنْهَا فِي الْوَقْتِ وَالْبَاقِي بَعْدَهُ ، فَتَسْمِيَتُهُ أَدَاءً بِتَبَعِيَّةِ مَا بَعْدَ الْوَقْتِ لِمَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ كَلَامَ الرَّوْضَةِ مَحْمُولٌ عَلَى كَلَامِ الْمَجْمُوعِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ ، إذْ كُلٌّ مِنْ التَّعْبِيرَيْنِ مَنْقُولٌ عَنْ الْأَصْحَابِ ، فَالْمُرَادُ بِهِمَا وَاحِدٌ ، وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مَا أَفَادَهُ الشَّارِحُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَوَازِ الْقَصْرِ لِمَنْ سَافَرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً وَاضِحٌ فَإِنَّ الْمُعْتَبَرَ ثَمَّ كَوْنُهَا مُؤَدَّاةً ، وَالْمُعْتَبَرُ هُنَا أَنْ تُمَيِّزَ النِّيَّةُ هَذَا التَّأْخِيرَ عَنْ التَّأْخِيرِ تَعَدِّيًا ، وَلَا يَحْصُلُ إلَّا وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الصَّلَاةَ ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ إنَّهَا صَارَتْ قَضَاءً ; لِأَنَّهَا فُعِلَتْ خَارِجَ وَقْتِهَا الْأَصْلِيِّ وَقَدْ انْتَفَى شَرْطُ التَّبَعِيَّةِ فِي الْوَقْتِ ، كَذَا أَفَادَنِيهِ الْوَالِدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى .
الأم
اقرأ →
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : وَيُصَلِّي عَلَى الْجَنَائِزِ أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَكَذَلِكَ يُدْفَنُ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَقَدْ { دُفِنَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِسْكِينَةٌ لَيْلًا فَلَمْ يُنْكِرْ } ، وَدُفِنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَيْلًا ، وَدُفِنَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدُ لَيْلًا ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : لَا يُصَلَّى عَلَيْهَا مَعَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ ، وَلَا مَعَ طُلُوعِهَا حَتَّى تَبْرُزَ ، وَاحْتُجَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِأَهْلِ جِنَازَةٍ وَضَعُوهَا عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ الصُّبْحِ : " إمَّا إنْ تُصَلُّوا عَلَيْهَا الْآنَ وَإِمَّا أَنْ تَدَعُوهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ " ( قَالَ ) : وَابْنُ عُمَرَ يَرْوِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ بِصَلَاتِهِ طُلُوعَ الشَّمْسِ ، وَلَا غُرُوبَهَا } ، وَقَدْ يَكُونُ ابْنُ عُمَرَ سَمِعَ هَذَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَّةً ، وَلَمْ يَسْمَعْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَرَأَى هَذَا حَمْلَهُ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَمْ يَرَ النَّهْيَ إلَّا فِيمَا سُمِعَ ( قَالَ ) : وَقَدْ جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ نَهْيَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ السَّاعَاتِ إنَّمَا يَعْنِي بِهِ صَلَاةَ النَّافِلَةِ فَأَمَّا كُلُّ صَلَاةٍ كُرِهَتْ فَلَا ، وَأَثْبَتْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَى كُلِّ صَلَاةٍ ، وَكَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَى الْجَنَائِزِ صَلَاةً لَا تَحِلُّ إلَّا فِي وَقْتِ صَلَاةٍ مَا صُلِّيَ عَلَى مَيِّتِ الْعَصْرِ ، وَلَا الصُّبْحِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ عُمَرَ أَرَادَ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَجْلِسَ مَنْ تَبِعَ الْجِنَازَةَ ، وَلَا يَتَفَرَّقَ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَكْثُرَ الْمُصَلِّي عَلَيْهَا فَإِنَّ أَصْحَابَنَا يَتَحَرَّوْنَ بِالْجَنَائِزِ انْصِرَافَ النَّاسِ مِنْ الصَّلَاةِ لِكَثْرَةِ الْمُصَلِّينَ فَيَقُولُ : صَلُّوا مَعَ كَثْرَةِ النَّاسِ أَوْ أَخِّرُوا إلَى أَنْ يَأْتِيَ الْمُصَلُّونَ لِلضُّحَى أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بِإِسْنَادٍ لَا أَحْفَظُهُ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَالشَّمْسُ مُصْفَرَّةٌ قَبْلَ الْمَغِيبِ قَلِيلًا وَلَمْ يَنْتَظِرْ بِهِ مَغِيبَ الشَّمْسِ .
الأم
اقرأ →
باب الصلاة
الأم
اقرأ →
كتاب الصلاة
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام …
اقرأ →
3 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ وَالْعُذْرِ فِيهِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَالْوَقْتُ لِلصَّلَاةِ وَقْتَانِ : وَقْتُ مَقَامٍ وَرَفَاهِيَةٍ ، وَوَقْتُ عُذْرٍ ، وَضَرُورَةٍ "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعًا ، انْعَقَدَ بِهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَهَذَا أَمْرٌ بِمُدَاوَمَةِ فِعْلِهَا فِي أَوْقَاتِهَا ، وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [ الْبَيِّنَةِ : 5 ] ، فَالْحُنَفَاءُ : الْمُسْتَقِيمُونَ عَلَى دِينِهِمْ كَقَوْلِهِ : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا [ الرُّومِ : 30 ] ، فَأَمَرَ بِعِبَادَتِهِ بِالْإِخْلَاصِ مَشْرُوطًا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَقَالَ تَعَالَى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ إِلَى قَوْلِهِ : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [ التَّوْبَةِ : 5 ] ، فَجَعَلَ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَالْإِذْعَانَ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ شَرْطًا فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ بَعْدَ التَّوْحِيدِ
وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّة . فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعَةٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعَةٍ ؛ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟ قَالُوا : اللَهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمْسَ فَكَانَ هَذَا قَبْلَ فَرْضِ الْحَجِّ
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بَابُ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَالْأَذَانِ وَالْعُذْرِ فِيهِ
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَالْوَقْتُ لِلصَّلَاةِ وَقْتَانِ : وَقْتُ مَقَامٍ وَرَفَاهِيَةٍ ، وَوَقْتُ عُذْرٍ ، وَضَرُورَةٍ "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : الْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَعًا ، انْعَقَدَ بِهِ إِجْمَاعُ الْأُمَّةِ
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَهَذَا أَمْرٌ بِمُدَاوَمَةِ فِعْلِهَا فِي أَوْقَاتِهَا ، وَقَالَ تَعَالَى : وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ [ الْبَيِّنَةِ : 5 ] ، فَالْحُنَفَاءُ : الْمُسْتَقِيمُونَ عَلَى دِينِهِمْ كَقَوْلِهِ : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا [ الرُّومِ : 30 ] ، فَأَمَرَ بِعِبَادَتِهِ بِالْإِخْلَاصِ مَشْرُوطًا بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَقَالَ تَعَالَى : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ إِلَى قَوْلِهِ : فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ [ التَّوْبَةِ : 5 ] ، فَجَعَلَ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَالْإِذْعَانَ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ شَرْطًا فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ بَعْدَ التَّوْحِيدِ
وَأَمَّا السُّنَّةُ : فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ : شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ، وَصَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
وَرَوَى شُعْبَةُ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّة . فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعَةٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعَةٍ ؛ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَقَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟ قَالُوا : اللَهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمْسَ فَكَانَ هَذَا قَبْلَ فَرْضِ الْحَجِّ
روضة الطالبين وعمدة المفتين
اقرأ →
180 كِتَابُ الصَّلَاةِ .
فِيهِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ .
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمَوَاقِيتِ .
أَمَّا وَقْتُ الظُّهْرِ ، فَيَدْخُلُ بِالزَّوَالِ . وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الظِّلِّ بَعْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ أَوْ حُدُوثِهِ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ظِلٌّ . وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ ، كَمَكَّةَ ، وَصَنْعَاءَ الْيَمَنِ ، فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ . وَيَخْرُجُ وَقْتُهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّخْصِ مِثْلَهُ سِوَى الظِّلِّ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الزَّوَالِ إِنْ كَانَ ظِلٌّ وَمَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ .
وَأَمَّا الْعَصْرُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ بِلَا خِلَافٍ ، وَيَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ : يَخْرُجُ وَقْتُهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ .
وَعَلَى الصَّحِيحِ : لَهَا أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ ، وَقْتُ فَضِيلَةٍ ، وَهُوَ الْأَوَّلُ ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ ، إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ . وَبَعْدَهُ جَوَازٌ بِلَا كَرَاهَةٍ ، إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ . وَمِنْ الِاصْفِرَارِ ، إِلَى الْغُرُوبِ : وَقْتُ كَرَاهَةٍ ، يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إِلَيْهِ .
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَا خِلَافٍ . وَالِاعْتِبَارُ بِسُقُوطِ قُرْصِهَا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّحَارِي . وَأَمَّا فِي الْعُمْرَانِ ، وَقُلَلِ الْجِبَالِ ، فَالِاعْتِبَارُ ، بِأَنْ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ شُعَاعِهَا عَلَى الْجُدْرَانِ ، وَيُقْبِلُ الظَّلَامُ مِنَ الْمَشْرِقِ . وَفِي آخِرِ 181 وَقْتِهَا قَوْلَانِ .
الْقَدِيمُ : أَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ . وَالْجَدِيدُ : أَنَّهُ إِذَا مَضَى قَدْرَ وَضَوْءٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ انْقَضَى الْوَقْتُ . وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ ، لَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ ، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِقَدْرِ اشْتِغَالِهِ بِهَا . وَالِاعْتِبَارُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ . وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَكْلُ لُقَمٍ يَكْسِرُ بِهَا حِدَّةَ الْجُوعِ .
وَفِي وَجْهٍ : مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ كَالطَّهَارَةِ وَالسِّتْرَةِ ، يَسْقُطُ مِنْ الِاعْتِبَارِ . وَفِي وَجْهٍ : يُعْتَبَرُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَا خَمْسَ . وَهُمَا شَاذَّانِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ .
ثُمَّ عَلَى الْجَدِيدِ : لَوْ شَرَعَ فِي الْمَغْرِبِ فِي الْوَقْتِ الْمَضْبُوطِ ، فَهَلْ لَهُ اسْتَدَامَتُهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْوَقْتِ ؟ إِنْ قُلْنَا : الصَّلَاةُ الَّتِي يَقَعُ بَعْضُهَا فِي الْوَقْتِ ، وَبَعْضُهَا بَعْدَهُ أَدَاءً وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْوَقْتِ بَعْضُهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ قَطْعًا . وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، فَفِي الْمَغْرِبِ وَجْهَانِ :
أَصَحُّهُمَا : يَجُوزُ مَدُّهَا إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ . وَالثَّانِي : مَنْعُهُ كَغَيْرِهَا . ثُمَّ الْأَظْهَرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ .
وَاخْتَارَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ الْقَدِيمَ ، وَرَجَّحُوهُ ، وَعِنْدَهُمُ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُفْتَى فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ .
قُلْتُ : الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، مُصَرِّحَةٌ بِمَا قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ ، وَتَأْوِيلُ بَعْضِهَا مُتَعَذَّرٌ ، فَهُوَ الصَّوَابُ . وَمِمَّنِ اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْخَطَابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي ( الْإِحْيَاءِ ) وَالْبَغَوَيُّ فِي ( التَّهْذِيبِ ) وَغَيْرُهُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْعِشَاءُ ، فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِمَغِيبِ الشَّفَقِ . وَهُوَ الْحُمْرَةُ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : الْبَيَاضُ .
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِزَوَالِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ . قَالَ : وَالشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ ، تَعْقُبُهَا حُمْرَةٌ ، ثُمَّ تَرِقُّ حَتَّى تَنْقَلِبَ صُفْرَةً ، ثُمَّ يَبْقَى الْبَيَاضُ . قَالَ : وَبَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، إِلَى زَوَالِ الصُّفْرَةِ ، كَمَا بَيْنَ الصُّبْحِ الصَّادِقِ ، وَطُلُوعِ قَرْنِ الشَّمْسِ . وَبَيْنَ زَوَالِ الصُّفْرَةِ ، إِلَى انْمِحَاقِ الْبَيَاضِ ، قَرِيبٌ مِمَّا بَيْنُ الصُّبْحِ الصَّادِقِ ، وَالْكَاذِبِ . هَذَا قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ . وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ ، وَيَدُلُّ 182 عَلَيْهِ نَصُّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ الْحُمْرَةُ .
ثُمَّ غُرُوبُ الشَّفَقِ ، ظَاهِرٌ ، فِي مُعْظَمِ النَّوَاحِي . أَمَّا السَّاكِنُونَ بِنَاحِيَةٍ تَقْصُرُ لَيَالِيهِمْ ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُمُ الشَّفَقُ ، فَيُصَلُّونَ الْعِشَاءَ إِذَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ قَدْرَ مَا يَغِيبُ فِيهِ الشَّفَقُ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ .
وَأَمَّا وَقْتُ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ ، فَيَمْتَدُّ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ . وَإِلَى نِصْفِهِ عَلَى الثَّانِي . وَيَبْقَى وَقْتُ الْجَوَازِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي عَلَى الصَّحِيحِ .
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ : يَخْرُجُ الْوَقْتُ بِذَهَابِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ .
وَأَمَّا وَقْتُ الصُّبْحِ فَيَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ . وَيَتَمَادَى وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إِلَى أَنْ يَسْفُرَ . وَالْجَوَازُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ يَخْرُجُ وَقْتُ الْجَوَازِ بِالْإِسْفَارِ . فَعَلَى الصَّحِيحِ ، لِلصُّبْحِ أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ ، فَضِيلَةٌ أَوَّلَهُ ، ثُمَّ اخْتِيَارٌ إِلَى الْإِسْفَارِ ، ثُمَّ جَوَازٌ بِلَا كَرَاهَةٍ إِلَى طُلُوعِ الْحُمْرَةِ ، ثُمَّ كَرَاهَةٌ وَقْتَ طُلُوعِ الْحُمْرَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ .
قُلْتُ : مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنْ صَلَوَاتِ النَّهَارِ . وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ عِشَاءٌ ، وَأَنْ يُقَالَ لِلْعِشَاءِ عَتَمَةٌ . وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُقَالَ لِلصُّبْحِ الْفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ ، وَهُمَا أَوْلَى مِنَ الْغَدَاةِ . وَلَا تَقُولُ : الْغَدَاةُ مَكْرُوهٌ . وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ ، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، إِلَّا فِي خَيْرٍ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى . فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابُ : أَنَّهَا الصُّبْحُ . وَقَالَ صَاحِبُ ( الْحَاوِي ) : نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا الصُّبْحُ . وَصَحَّتِ الْأَحَادِيثُ ، أَنَّهَا الْعَصْرُ . وَمَذْهَبُهُ ، إِتْبَاعُ الْحَدِيثِ ، فَصَارَ مَذْهَبُهُ : أَنَّهَا الْعَصْرُ . قَالَ : وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ . كَمَا وَهَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فِيهِ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ .
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْمَوَاقِيتِ .
أَمَّا وَقْتُ الظُّهْرِ ، فَيَدْخُلُ بِالزَّوَالِ . وَهُوَ زِيَادَةٌ فِي الظِّلِّ بَعْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ أَوْ حُدُوثِهِ ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ ظِلٌّ . وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ ، كَمَكَّةَ ، وَصَنْعَاءَ الْيَمَنِ ، فِي أَطْوَلِ أَيَّامِ السَّنَةِ . وَيَخْرُجُ وَقْتُهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّخْصِ مِثْلَهُ سِوَى الظِّلِّ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الزَّوَالِ إِنْ كَانَ ظِلٌّ وَمَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَقْتُ اخْتِيَارٍ .
وَأَمَّا الْعَصْرُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِخُرُوجِ وَقْتِ الظُّهْرِ بِلَا خِلَافٍ ، وَيَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ قَالَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ : يَخْرُجُ وَقْتُهَا إِذَا صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ .
وَعَلَى الصَّحِيحِ : لَهَا أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ ، وَقْتُ فَضِيلَةٍ ، وَهُوَ الْأَوَّلُ ، وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ ، إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ . وَبَعْدَهُ جَوَازٌ بِلَا كَرَاهَةٍ ، إِلَى اصْفِرَارِ الشَّمْسِ . وَمِنْ الِاصْفِرَارِ ، إِلَى الْغُرُوبِ : وَقْتُ كَرَاهَةٍ ، يُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا إِلَيْهِ .
وَأَمَّا الْمَغْرِبُ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَا خِلَافٍ . وَالِاعْتِبَارُ بِسُقُوطِ قُرْصِهَا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الصَّحَارِي . وَأَمَّا فِي الْعُمْرَانِ ، وَقُلَلِ الْجِبَالِ ، فَالِاعْتِبَارُ ، بِأَنْ لَا يُرَى شَيْءٌ مِنْ شُعَاعِهَا عَلَى الْجُدْرَانِ ، وَيُقْبِلُ الظَّلَامُ مِنَ الْمَشْرِقِ . وَفِي آخِرِ 181 وَقْتِهَا قَوْلَانِ .
الْقَدِيمُ : أَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ . وَالْجَدِيدُ : أَنَّهُ إِذَا مَضَى قَدْرَ وَضَوْءٍ وَسَتْرِ عَوْرَةٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ انْقَضَى الْوَقْتُ . وَمَا لَا بُدَّ مِنْهُ مِنْ شَرَائِطِ الصَّلَاةِ ، لَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ ، فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ بَعْدَ الْغُرُوبِ بِقَدْرِ اشْتِغَالِهِ بِهَا . وَالِاعْتِبَارُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ ، بِالْوَسَطِ الْمُعْتَدِلِ . وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَكْلُ لُقَمٍ يَكْسِرُ بِهَا حِدَّةَ الْجُوعِ .
وَفِي وَجْهٍ : مَا يُمْكِنُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْوَقْتِ كَالطَّهَارَةِ وَالسِّتْرَةِ ، يَسْقُطُ مِنْ الِاعْتِبَارِ . وَفِي وَجْهٍ : يُعْتَبَرُ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ لَا خَمْسَ . وَهُمَا شَاذَّانِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ .
ثُمَّ عَلَى الْجَدِيدِ : لَوْ شَرَعَ فِي الْمَغْرِبِ فِي الْوَقْتِ الْمَضْبُوطِ ، فَهَلْ لَهُ اسْتَدَامَتُهَا إِلَى انْقِضَاءِ الْوَقْتِ ؟ إِنْ قُلْنَا : الصَّلَاةُ الَّتِي يَقَعُ بَعْضُهَا فِي الْوَقْتِ ، وَبَعْضُهَا بَعْدَهُ أَدَاءً وَأَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إِلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْوَقْتِ بَعْضُهَا ، فَلَهُ ذَلِكَ قَطْعًا . وَإِنْ لَمْ نُجَوِّزْ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، فَفِي الْمَغْرِبِ وَجْهَانِ :
أَصَحُّهُمَا : يَجُوزُ مَدُّهَا إِلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ . وَالثَّانِي : مَنْعُهُ كَغَيْرِهَا . ثُمَّ الْأَظْهَرُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدُ .
وَاخْتَارَ طَائِفَةٌ مِنَ الْأَصْحَابِ الْقَدِيمَ ، وَرَجَّحُوهُ ، وَعِنْدَهُمُ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُفْتَى فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ .
قُلْتُ : الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ ، مُصَرِّحَةٌ بِمَا قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ ، وَتَأْوِيلُ بَعْضِهَا مُتَعَذَّرٌ ، فَهُوَ الصَّوَابُ . وَمِمَّنِ اخْتَارَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْخَطَابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْغَزَالِيُّ فِي ( الْإِحْيَاءِ ) وَالْبَغَوَيُّ فِي ( التَّهْذِيبِ ) وَغَيْرُهُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْعِشَاءُ ، فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِمَغِيبِ الشَّفَقِ . وَهُوَ الْحُمْرَةُ . وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : الْبَيَاضُ .
وَقَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِزَوَالِ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ . قَالَ : وَالشَّمْسُ إِذَا غَرَبَتْ ، تَعْقُبُهَا حُمْرَةٌ ، ثُمَّ تَرِقُّ حَتَّى تَنْقَلِبَ صُفْرَةً ، ثُمَّ يَبْقَى الْبَيَاضُ . قَالَ : وَبَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، إِلَى زَوَالِ الصُّفْرَةِ ، كَمَا بَيْنَ الصُّبْحِ الصَّادِقِ ، وَطُلُوعِ قَرْنِ الشَّمْسِ . وَبَيْنَ زَوَالِ الصُّفْرَةِ ، إِلَى انْمِحَاقِ الْبَيَاضِ ، قَرِيبٌ مِمَّا بَيْنُ الصُّبْحِ الصَّادِقِ ، وَالْكَاذِبِ . هَذَا قَوْلُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ . وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُعْظَمُ ، وَيَدُلُّ 182 عَلَيْهِ نَصُّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ الْحُمْرَةُ .
ثُمَّ غُرُوبُ الشَّفَقِ ، ظَاهِرٌ ، فِي مُعْظَمِ النَّوَاحِي . أَمَّا السَّاكِنُونَ بِنَاحِيَةٍ تَقْصُرُ لَيَالِيهِمْ ، وَلَا يَغِيبُ عَنْهُمُ الشَّفَقُ ، فَيُصَلُّونَ الْعِشَاءَ إِذَا مَضَى مِنَ الزَّمَانِ قَدْرَ مَا يَغِيبُ فِيهِ الشَّفَقُ فِي أَقْرَبِ الْبِلَادِ إِلَيْهِمْ .
وَأَمَّا وَقْتُ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ ، فَيَمْتَدُّ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ عَلَى الْأَظْهَرِ . وَإِلَى نِصْفِهِ عَلَى الثَّانِي . وَيَبْقَى وَقْتُ الْجَوَازِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي عَلَى الصَّحِيحِ .
وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ : يَخْرُجُ الْوَقْتُ بِذَهَابِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ .
وَأَمَّا وَقْتُ الصُّبْحِ فَيَدْخُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ الصَّادِقِ . وَيَتَمَادَى وَقْتُ الِاخْتِيَارِ إِلَى أَنْ يَسْفُرَ . وَالْجَوَازُ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى الصَّحِيحِ .
وَعِنْدَ الْإِصْطَخْرِيِّ يَخْرُجُ وَقْتُ الْجَوَازِ بِالْإِسْفَارِ . فَعَلَى الصَّحِيحِ ، لِلصُّبْحِ أَرْبَعَةُ أَوْقَاتٍ ، فَضِيلَةٌ أَوَّلَهُ ، ثُمَّ اخْتِيَارٌ إِلَى الْإِسْفَارِ ، ثُمَّ جَوَازٌ بِلَا كَرَاهَةٍ إِلَى طُلُوعِ الْحُمْرَةِ ، ثُمَّ كَرَاهَةٌ وَقْتَ طُلُوعِ الْحُمْرَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ .
قُلْتُ : مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ مِنْ صَلَوَاتِ النَّهَارِ . وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ لِلْمَغْرِبِ عِشَاءٌ ، وَأَنْ يُقَالَ لِلْعِشَاءِ عَتَمَةٌ . وَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُقَالَ لِلصُّبْحِ الْفَجْرُ أَوِ الصُّبْحُ ، وَهُمَا أَوْلَى مِنَ الْغَدَاةِ . وَلَا تَقُولُ : الْغَدَاةُ مَكْرُوهٌ . وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَ الْعِشَاءِ ، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ ، إِلَّا فِي خَيْرٍ .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى . فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالْأَصْحَابُ : أَنَّهَا الصُّبْحُ . وَقَالَ صَاحِبُ ( الْحَاوِي ) : نَصَّ الشَّافِعِيُّ أَنَّهَا الصُّبْحُ . وَصَحَّتِ الْأَحَادِيثُ ، أَنَّهَا الْعَصْرُ . وَمَذْهَبُهُ ، إِتْبَاعُ الْحَدِيثِ ، فَصَارَ مَذْهَبُهُ : أَنَّهَا الْعَصْرُ . قَالَ : وَلَا يَكُونُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ . كَمَا وَهَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الحنابلة
المغني
اقرأ →
كتاب الصلاة
كشاف القناع عن متن الإقناع
اقرأ →
221 ( كِتَابُ الصَّلَاةِ )
وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ ، وَاحِدُهُمَا صَلًى كَعَصًا ، وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ وَقِيلَ : عَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ مِنْ صَلَّيْت الْعُودَ إذَا لَيَّنْته ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلِينُ وَيَخْشَعُ وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَاوٌ أَوْ مِنْ صَلَّيْت يَاءٌ وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْوَاوَ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَقُلِبَتْ يَاءً ، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ مُرَادَهُ صَلَيْت الْمُخَفَّفُ تَقُولُ صَلَيْت اللَّحْمَ صَلْيًا إذَا شَوَيْته وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ فَارِسٍ الْمُضَعَّفَ .
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : صَلَيْت الْعَصَا تَصْلِيَةً أَدَرْته عَلَى النَّارِ لِتُقَوِّمَهُ ( وَهِيَ ) أَيْ : الصَّلَاةُ لُغَةً الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ قَالَ تَعَالَى { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } أَيْ : اُدْعُ لَهُمْ وَعُدِّيَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ ، أَيْ : أَنْزِلْ رَحْمَتَك عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ } .
وَقَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْت مُرْتَحِلَا ﴿﴾ ﴿﴾ يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْت فَاغْتَمِضِي ﴿﴾ ﴿﴾ نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا ﴿﴾ وَشَرْعًا ( أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ ) وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ ، لِأَنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ ، وَالْمُقَدَّرُ كَالْمَوْجُودِ وَالتَّعْرِيفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ فَلَا يَرِدُ أَيْضًا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ ( وَهِيَ آكَدُ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ( سُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ ) وَقِيلَ لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الشَّهَادَتَيْنِ كَالْمُصَلِّي مِنْ خَيْلِ الْحَلْبَةِ .
( وَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ { فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ خَمْسِينَ ، ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْسًا ، ثُمَّ نُودِيَ : يَا مُحَمَّدُ إنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ، وَإِنَّ لَك بِهَذِهِ الْخَمْسَةِ خَمْسِينَ } صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَانَ 222 الْإِسْرَاءُ ( قَبْلَ الْهِجْرَةِ ) مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ ( بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ ) عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ ، وَهُوَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ سِنِينَ .
وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الصَّلَوَيْنِ ، وَاحِدُهُمَا صَلًى كَعَصًا ، وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ وَقِيلَ : عَظْمَاتُ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ مِنْ صَلَّيْت الْعُودَ إذَا لَيَّنْته ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلِينُ وَيَخْشَعُ وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ مِنْ الصَّلَاةِ وَاوٌ أَوْ مِنْ صَلَّيْت يَاءٌ وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْوَاوَ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَقُلِبَتْ يَاءً ، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ مُرَادَهُ صَلَيْت الْمُخَفَّفُ تَقُولُ صَلَيْت اللَّحْمَ صَلْيًا إذَا شَوَيْته وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ فَارِسٍ الْمُضَعَّفَ .
وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ : صَلَيْت الْعَصَا تَصْلِيَةً أَدَرْته عَلَى النَّارِ لِتُقَوِّمَهُ ( وَهِيَ ) أَيْ : الصَّلَاةُ لُغَةً الدُّعَاءُ بِخَيْرٍ قَالَ تَعَالَى { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } أَيْ : اُدْعُ لَهُمْ وَعُدِّيَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ ، أَيْ : أَنْزِلْ رَحْمَتَك عَلَيْهِمْ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ } .
وَقَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْت مُرْتَحِلَا ﴿﴾ ﴿﴾ يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَيْك مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْت فَاغْتَمِضِي ﴿﴾ ﴿﴾ نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا ﴿﴾ وَشَرْعًا ( أَقْوَالٌ وَأَفْعَالٌ مَخْصُوصَةٌ مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ ) وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ وَنَحْوِهِ ، لِأَنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ ، وَالْمُقَدَّرُ كَالْمَوْجُودِ وَالتَّعْرِيفُ بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ فَلَا يَرِدُ أَيْضًا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ ( وَهِيَ آكَدُ فُرُوضِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ( سُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ ) وَقِيلَ لِأَنَّهَا ثَانِيَةُ الشَّهَادَتَيْنِ كَالْمُصَلِّي مِنْ خَيْلِ الْحَلْبَةِ .
( وَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ { فُرِضَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَوَاتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ خَمْسِينَ ، ثُمَّ نُقِصَتْ حَتَّى جُعِلَتْ خَمْسًا ، ثُمَّ نُودِيَ : يَا مُحَمَّدُ إنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ ، وَإِنَّ لَك بِهَذِهِ الْخَمْسَةِ خَمْسِينَ } صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَانَ 222 الْإِسْرَاءُ ( قَبْلَ الْهِجْرَةِ ) مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ ( بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ ) عَلَى الْمَشْهُورِ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ ، وَهُوَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ سِنِينَ .
شرح منتهى الإرادات
اقرأ →
124 - 125 كِتَابُ الصَّلَاةِ لُغَةً الدُّعَاءُ ، قَالَ تَعَالَى : { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } أَيْ اُدْعُ لَهُمْ ، وَعُدِّيَ بِعَلَى لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ ، أَيْ أَنْزِلْ رَحْمَتَك عَلَيْهِمْ . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَصِلْ } . وَشَرْعًا ( أَقْوَالٌ ) وَلَوْ مُقَدَّرَةً ، كَمَنْ أُخْرِسَ ( وَأَفْعَالٌ ) مَعْلُومَةٌ ( مُفْتَتَحَةٌ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٌ بِالتَّسْلِيمِ ) لِلْخَبَرِ ، سُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ ، مُشْتَقَّةٌ مِنْ الصَّلَوَيْنِ تَثْنِيَةُ صَلَا كَعَصَا . وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبَيْ الذَّنَبِ ، أَوْ عَظْمَانِ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ; لِأَنَّ رَأْسَ الْمَأْمُومِ عِنْدَ صَلَوَى إمَامِهِ . وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ : إنَّهَا مِنْ صَلَيْت الْعُودَ ، إذَا لَيَّنْته ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَلِينُ وَيَخْشَعُ .
وَفَرْضُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَكَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بَعْدَ بَعْثَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ ، وَهِيَ آكَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ ( وَتَجِبُ ) الصَّلَاةُ ( الْخَمْسُ ) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ( عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُبَعَّضٍ ( مُكَلَّفٍ ) أَيْ بَالِغٍ عَاقِلٍ ( غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا .
كَمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا لَأُمِرَتَا بِقَضَائِهَا ( وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ ) أَيْ الْمُسْلِمَ الْمَذْكُورَ ( الشَّرْعُ ) كَمَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ حَرْبٍ وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيَهَا إذَا عَلِمَ ، كَالنَّائِمِ ( أَوْ ) كَانَ ( نَائِمًا ) أَوْ سَاهِيًا لِحَدِيثِ { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( أَوْ ) كَانَ ( مُغَطًّى عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ ) لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عَمَّارًا أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ : هَلْ صَلَّيْتُ ؟ قَالُوا : مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ " وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُهُ .
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ ; وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا . وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ . وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَا يُسْقِطُ الصَّوْمَ . فَكَذَا 126 الصَّلَاةُ ، كَالنَّوْمِ ( أَوْ ) كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ ( بِشُرْبِ ) دَوَاءٍ فَيَقْضِي كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَأَوْلَى أَوْ كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ بِشُرْبِ ( مُحَرَّمٍ ) اخْتِيَارًا ، لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ .
فَلَا يُنَاسِبُهَا إسْقَاطُ الْوَاجِبِ ، أَوْ كُرْهًا ، إلْحَاقًا لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ ( فَيَقْضِي ) السَّكْرَانُ زَمَنَ سُكْرِهِ ( حَتَّى زَمَنَ جُنُونٍ طَرَأَ ) عَلَى السُّكْرِ ( مُتَّصِلًا بِهِ ) تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَقِيَاسُهُ . الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ ( وَيَلْزَمُ ) مُتَيَقِّظًا ( إعْلَامُ نَائِمٍ بِدُخُولِ وَقْتِهَا ) أَيْ الصَّلَاةِ ( مَعَ ضِيقِهِ ) أَيْ الْوَقْتِ .
وَظَاهِرُهُ : وَلَوْ نَامَ قَبْلَ دُخُولِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ } وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ : أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ ، بِمَعْنَى : أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهَا حَالَ كُفْرِهِ وَلَا بِقَضَائِهَا إذَا أَسْلَمَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ . وَإِلَّا فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ كَالتَّوْحِيدِ ( وَلَا تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ ) لِعَدَمِ النِّيَّةِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ أَشْبَهَ الطِّفْلَ ، حَتَّى لَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَجُنَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَلَا عَلَى الْأَبْلَهِ الَّذِي لَا يُفِيقُ .
( وَإِذَا صَلَّى ) كَافِرٌ يَصِحُّ إسْلَامُهُ . حُكِمَ بِهِ ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . فَظَاهِرُهُ : أَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ بِالصَّلَاةِ ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِ أَنَسٍ " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا ، وَصَلَّى صَلَاتَنَا ، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ . لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا .
وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ " وَصَلَّى صَلَاتَنَا " أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا بِدُونِهَا ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَشْرُوعَةِ تَخْتَصُّ بِشَرْعِنَا أَشْبَهَتْ الْأَذَانَ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بِدَارِ إسْلَامٍ أَوْ حَرْبٍ جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا ، بِمَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ ( أَوْ أَذَّنَ وَلَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ ) أَيْ الْأَذَانِ ( كَافِرٌ يَصِحُّ إسْلَامُهُ ) وَهُوَ الْمُمَيِّزُ الَّذِي يَعْقِلُهُ ( حُكِمَ بِهِ ) أَيْ إسْلَامِهِ ، لِإِتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ . وَمَعْنَى الْحُكْمِ بِهِ : أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِنَا ، وَوَرِثَهُ أَقَارِبُهُ الْمُسْلِمُونَ ، دُونَ الْكُفَّارِ .
وَلَوْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ ، وَقَالَ : صَلَّيْت مُسْتَهْزِئًا وَنَحْوَهُ . لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ ( وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ) أَيْ الْكَافِرِ ( ظَاهِرًا ) فَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا : لِفَقْدِ شَرْطِهَا ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ فَهِيَ صَحِيحَةٍ ( وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ . وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي صَلَاةٍ وَفِطْرٍ وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ ، وَلَا 127 حَجِّهِ ، وَلَا صَوْمِهِ قَاصِدًا رَمَضَانَ
وَفَرْضُهَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَكَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ بَعْدَ بَعْثَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ ، وَهِيَ آكَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ ( وَتَجِبُ ) الصَّلَاةُ ( الْخَمْسُ ) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ( عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ) ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُبَعَّضٍ ( مُكَلَّفٍ ) أَيْ بَالِغٍ عَاقِلٍ ( غَيْرِ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا .
كَمَا تَقَدَّمَ وَإِلَّا لَأُمِرَتَا بِقَضَائِهَا ( وَلَوْ لَمْ يَبْلُغْهُ ) أَيْ الْمُسْلِمَ الْمَذْكُورَ ( الشَّرْعُ ) كَمَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ حَرْبٍ وَلَمْ يَبْلُغْهُ أَحْكَامُ الصَّلَاةِ فَيَقْضِيَهَا إذَا عَلِمَ ، كَالنَّائِمِ ( أَوْ ) كَانَ ( نَائِمًا ) أَوْ سَاهِيًا لِحَدِيثِ { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( أَوْ ) كَانَ ( مُغَطًّى عَقْلُهُ بِإِغْمَاءٍ ) لِمَا رُوِيَ " أَنَّ عَمَّارًا أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ : هَلْ صَلَّيْتُ ؟ قَالُوا : مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ " وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُهُ .
وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ ; وَلِأَنَّ الْإِغْمَاءَ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا . وَلَا تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ عَلَى مَنْ تَلَبَّسَ بِهِ . وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَا يُسْقِطُ الصَّوْمَ . فَكَذَا 126 الصَّلَاةُ ، كَالنَّوْمِ ( أَوْ ) كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ ( بِشُرْبِ ) دَوَاءٍ فَيَقْضِي كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَأَوْلَى أَوْ كَانَ مُغَطًّى عَقْلُهُ بِشُرْبِ ( مُحَرَّمٍ ) اخْتِيَارًا ، لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ .
فَلَا يُنَاسِبُهَا إسْقَاطُ الْوَاجِبِ ، أَوْ كُرْهًا ، إلْحَاقًا لَهُ بِمَا تَقَدَّمَ ( فَيَقْضِي ) السَّكْرَانُ زَمَنَ سُكْرِهِ ( حَتَّى زَمَنَ جُنُونٍ طَرَأَ ) عَلَى السُّكْرِ ( مُتَّصِلًا بِهِ ) تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَقِيَاسُهُ . الصَّوْمُ وَغَيْرُهُ ( وَيَلْزَمُ ) مُتَيَقِّظًا ( إعْلَامُ نَائِمٍ بِدُخُولِ وَقْتِهَا ) أَيْ الصَّلَاةِ ( مَعَ ضِيقِهِ ) أَيْ الْوَقْتِ .
وَظَاهِرُهُ : وَلَوْ نَامَ قَبْلَ دُخُولِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ } وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ : أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ ، بِمَعْنَى : أَنَّهُ لَا يُؤْمَرُ بِهَا حَالَ كُفْرِهِ وَلَا بِقَضَائِهَا إذَا أَسْلَمَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ عَنْ الْإِسْلَامِ . وَإِلَّا فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الْإِسْلَامِ كَالتَّوْحِيدِ ( وَلَا تَصِحُّ مِنْ مَجْنُونٍ ) لِعَدَمِ النِّيَّةِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ أَشْبَهَ الطِّفْلَ ، حَتَّى لَوْ ضَرَبَ رَأْسَهُ فَجُنَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ ، وَلَا عَلَى الْأَبْلَهِ الَّذِي لَا يُفِيقُ .
( وَإِذَا صَلَّى ) كَافِرٌ يَصِحُّ إسْلَامُهُ . حُكِمَ بِهِ ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . فَظَاهِرُهُ : أَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ بِالصَّلَاةِ ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ وَلِقَوْلِ أَنَسٍ " مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا ، وَصَلَّى صَلَاتَنَا ، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ . لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مَوْقُوفًا .
وَالظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ " وَصَلَّى صَلَاتَنَا " أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَةً ; لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى مُصَلِّيًا بِدُونِهَا ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْهَيْئَةِ الْمَشْرُوعَةِ تَخْتَصُّ بِشَرْعِنَا أَشْبَهَتْ الْأَذَانَ ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ بِدَارِ إسْلَامٍ أَوْ حَرْبٍ جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا ، بِمَسْجِدٍ أَوْ غَيْرِهِ ( أَوْ أَذَّنَ وَلَوْ فِي غَيْرِ وَقْتِهِ ) أَيْ الْأَذَانِ ( كَافِرٌ يَصِحُّ إسْلَامُهُ ) وَهُوَ الْمُمَيِّزُ الَّذِي يَعْقِلُهُ ( حُكِمَ بِهِ ) أَيْ إسْلَامِهِ ، لِإِتْيَانِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ . وَمَعْنَى الْحُكْمِ بِهِ : أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَقِبَ ذَلِكَ غُسِّلَ وَكُفِّنَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ وَدُفِنَ بِمَقَابِرِنَا ، وَوَرِثَهُ أَقَارِبُهُ الْمُسْلِمُونَ ، دُونَ الْكُفَّارِ .
وَلَوْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ ، وَقَالَ : صَلَّيْت مُسْتَهْزِئًا وَنَحْوَهُ . لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ ( وَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ ) أَيْ الْكَافِرِ ( ظَاهِرًا ) فَيُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهَا : لِفَقْدِ شَرْطِهَا ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَاغْتَسَلَ وَصَلَّى بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ فَهِيَ صَحِيحَةٍ ( وَلَا يُعْتَدُّ بِأَذَانِهِ ) لِفَقْدِ شَرْطِهِ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، فَلَا يَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ . وَلَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي صَلَاةٍ وَفِطْرٍ وَلَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ مَالِهِ ، وَلَا 127 حَجِّهِ ، وَلَا صَوْمِهِ قَاصِدًا رَمَضَانَ
الإنصاف
اقرأ →
تَنْبِيهَانِ . أَحَدُهُمَا : مَفْهُومُ قَوْلِهِ ( وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ ) . أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمُكَلَّفِ . فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمَجْنُونِ ، بِلَا نِزَاعٍ ، وَلَا عَلَى الصَّبِيِّ . لَكِنْ إنَّ لَزِمَتْهُ الْمَكْتُوبَةُ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ . وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ . وَقِيلَ : لَا تَجِبُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْمَكْتُوبَةُ . اخْتَارَهُ الْمَجْدُ ، وَقَالَ : هُوَ كَالْإِجْمَاعِ . وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ ، وَصَاحِبُ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ ، وَالْقَوَاعِدُ الْأُصُولِيَّةُ ، وَالزَّرْكَشِيُّ . وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ .
الفروع
اقرأ →
285 كِتَابُ الصَّلَاةِ وَهِيَ لُغَةً : الدُّعَاءُ ، وَشَرْعًا أَفْعَالٌ وَأَقْوَالٌ مَخْصُوصَةٌ : سُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ ، هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهَا ثَانِيَةٌ لِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ ، كَالْمُصَلِّي مِنْ السَّابِقِ فِي الْخَيْلِ ، وَقِيلَ : لِرَفْعِ الصَّلَا ; وَهُوَ مَغْرَزُ الذَّنَبِ مِنْ الْفَرَسِ ، وَقِيلَ : أَصْلُهَا الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ ، وَقِيلَ مِنْ صَلَّيْت الْعُودَ إذَا لَيَّنْته : وَالْمُصَلِّي يَلِينُ وَيَخْشَعُ . وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ ، وَقِيلَ بِسِتٍّ ، وَقِيلَ : بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِنَحْوِ سَنَةٍ ، وقَوْله تَعَالَى فِي الْ حَمِيم : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَوَاتُ ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : صَلَاتَا الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ، وَعَنْ الْحَسَنِ رَكْعَتَانِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ رَكْعَتَانِ بُكْرَةً ، وَرَكْعَتَانِ عَشِيَّةً ، وَكَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ الْخِرَقِيُّ : كَانَ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا .
وَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ ، يَلْزَمُ كُلَّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ غَيْرَ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ ( ع ) فِي الْكُلِّ ، وَيَقْضِي الْمُرْتَدُّ ( و ش ) وَعَنْهُ لَا ( و هـ م ) كَأَصْلِيٍّ ( ع ) وَالْمَذْهَبُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ ، لَا زَمَنَهَا ، وَفِي خِطَابِهِ بِالْفُرُوعِ رِوَايَتَا أَصْلِيٍّ ، وَإِنْ طَرَأَ جُنُونٌ قَضَى ، لِأَنَّ عَدَمَهُ رُخْصَةٌ تَخْفِيفًا ، وَقِيلَ : لَا ، كَحَيْضٍ ، وَالْخِلَافُ فِي زَكَاةٍ ( ق ) إنْ بَقِيَ مِلْكُهُ ، وَصَوْمٍ وَحَجٍّ ، فَإِنْ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ أَخَذَهَا الْإِمَامُ وَيَنْوِيهَا لِلتَّعَذُّرِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قُرْبَةً كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِ الْإِمَامِ أَجْزَأَتْهُ 286 ظَاهِرًا ، وَفِيهِ بَاطِنًا وَجْهَانِ ( م 1 ) وَقِيلَ : إنْ أَسْلَمَ قَضَاهَا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُهُ زَمَنَ كُفْرِهِ ( ش ) زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقِيلَ وَلَا قَبْلَهُ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُ بِرِدَّتِهِ فِيهِ ، وَإِلَّا انْقَطَعَ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِأَنَّهَا ثَانِيَةٌ لِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ ، كَالْمُصَلِّي مِنْ السَّابِقِ فِي الْخَيْلِ ، وَقِيلَ : لِرَفْعِ الصَّلَا ; وَهُوَ مَغْرَزُ الذَّنَبِ مِنْ الْفَرَسِ ، وَقِيلَ : أَصْلُهَا الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ ، وَقِيلَ مِنْ صَلَّيْت الْعُودَ إذَا لَيَّنْته : وَالْمُصَلِّي يَلِينُ وَيَخْشَعُ . وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَهُوَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ خَمْسِ سِنِينَ ، وَقِيلَ بِسِتٍّ ، وَقِيلَ : بَعْدَ الْبَعْثَةِ بِنَحْوِ سَنَةٍ ، وقَوْله تَعَالَى فِي الْ حَمِيم : { وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلَوَاتُ ، رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ ، وَقِيلَ : صَلَاتَا الْفَجْرِ وَالْعَصْرِ ، وَعَنْ الْحَسَنِ رَكْعَتَانِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّلَوَاتِ رَكْعَتَانِ بُكْرَةً ، وَرَكْعَتَانِ عَشِيَّةً ، وَكَذَا قَالَ إبْرَاهِيمُ الْخِرَقِيُّ : كَانَ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ صَلَاةٌ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ، وَصَلَاةٌ قَبْلَ غُرُوبِهَا .
وَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ ، يَلْزَمُ كُلَّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ غَيْرَ حَائِضٍ وَنُفَسَاءَ ( ع ) فِي الْكُلِّ ، وَيَقْضِي الْمُرْتَدُّ ( و ش ) وَعَنْهُ لَا ( و هـ م ) كَأَصْلِيٍّ ( ع ) وَالْمَذْهَبُ قَضَاءُ مَا تَرَكَهُ قَبْلَ رِدَّتِهِ ، لَا زَمَنَهَا ، وَفِي خِطَابِهِ بِالْفُرُوعِ رِوَايَتَا أَصْلِيٍّ ، وَإِنْ طَرَأَ جُنُونٌ قَضَى ، لِأَنَّ عَدَمَهُ رُخْصَةٌ تَخْفِيفًا ، وَقِيلَ : لَا ، كَحَيْضٍ ، وَالْخِلَافُ فِي زَكَاةٍ ( ق ) إنْ بَقِيَ مِلْكُهُ ، وَصَوْمٍ وَحَجٍّ ، فَإِنْ لَزِمَتْهُ الزَّكَاةُ أَخَذَهَا الْإِمَامُ وَيَنْوِيهَا لِلتَّعَذُّرِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قُرْبَةً كَسَائِرِ الْحُقُوقِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ ، وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ أَخْذِ الْإِمَامِ أَجْزَأَتْهُ 286 ظَاهِرًا ، وَفِيهِ بَاطِنًا وَجْهَانِ ( م 1 ) وَقِيلَ : إنْ أَسْلَمَ قَضَاهَا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُهُ زَمَنَ كُفْرِهِ ( ش ) زَادَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقِيلَ وَلَا قَبْلَهُ ، وَلَمْ يَنْقَطِعْ حَوْلُهُ بِرِدَّتِهِ فِيهِ ، وَإِلَّا انْقَطَعَ .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
298 كِتَابُ الصَّلَاةِ
وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ ، وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ ، وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا ، وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ ، وَعَنْهُ : تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا ، وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ ، فَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا ، لَزِمَ إِعَادَتُهَا ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا ، إِلَّا لِمَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ ، أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا .
وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ ، وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ ، وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا ، وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ ، وَعَنْهُ : تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا ، وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ ، فَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا ، لَزِمَ إِعَادَتُهَا ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا ، إِلَّا لِمَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ ، أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا .
المبدع في شرح المقنع
اقرأ →
كتاب الصلاة
الظاهرية
المحلى بالآثار
اقرأ →
- : قَالَ بَعْضُهُمْ : لَا يَجُوزُ اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ لِمَا رَوَيْتُمُوهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ سَخْبَرَ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ عَبَّاسِ الْقِتْبَانِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الَّتِي أُقِيمَتْ } : قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ رَاوِيَهُ أَبُو صَالِحٍ وَهُوَ سَاقِطٌ .
وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ - : فَهُوَ مَا رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَابْنُ جُرَيْجِ بْنِ سَلَمَةَ وَوَرْقَاءُ بْنُ عَمْرٍو وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } . 148 وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَفْظُ صَالِحٍ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمَالِكِيِّينَ ، وَالْحَنَفِيِّينَ مَعًا مُتَّفِقُونَ - : عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ إذَا أُقِيمَتْ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ ، وَلَا رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ - : يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الَّتِي أُقِيمَتْ فَسُبْحَانَ مَنْ يَسَّرَهُمْ لِلِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي إبْطَالِ مَا صَحَّ مِنْهَا
ثُمَّ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَافِ مَا احْتَجُّوا بِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ؟ وَأَيْضًا : فَهُمْ مُصَفِّقُونَ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِمَا صَحَّحُوهُ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَقُلْنَا بِهِ ، وَلَاسْتَعْمَلْنَا مَعَهُ مَا قَدْ صَحَّ مِنْ سَائِرِ الْأَخْبَارِ ، مِنْ حَدِيثِ : مُعَاذٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَلَمْ نَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا لِشَيْءٍ آخَرَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ خَبَرًا : - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمٌ { أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَظَلُّ فِي أَعْمَالِنَا فَنَأْتِي حِينَ نُمْسِي فَيَأْتِي مُعَاذٌ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مُعَاذُ لَا تَكُنْ فَتَّانًا ؟ إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ لِقَوْمِكَ ، أَوْ تَجْعَلَ صَلَاتَكَ مَعِي } .
فَادَّعَوْا مِنْ هَذَا أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَجْعَلُ الَّتِي يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَافِلَةً ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ ، لِوُجُوهٍ سِتَّةٍ - : أَحَدُهَا - أَنَّهُ كَذِبٌ وَدَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ ، وَهَذَا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ مَنْ لَا يَحْجُزُهُ عَنْهُ تَقْوَى أَوْ حَيَاءٌ ؟ وَالثَّانِي - أَنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ مُعَاذَ بْنَ رِفَاعَةَ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَدْرَكَ هَذَا الَّذِي شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُعَاذٍ ؟ - : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ 149 عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا أَبُو بَكْرٍ هُوَ عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْت مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ : { أَنَّ سُلَيْمًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي رَجُلٌ أَعْمَلُ نَهَارِي حَتَّى إذَا أَمْسَيْتُ أَمْسَيْتُ نَاعِسًا ، فَيَأْتِينَا مُعَاذٌ وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا احْتَبَسَ صَلَّيْتُ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ : أَنَّ سُلَيْمًا صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ وَالثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ . }
وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : { وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ }
ثُمَّ يَكُونُ مُعَاذٌ - وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالدِّينِ - يُضَيِّعُ فَرْضَ صَلَاتِهِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، فَيَتْرُكُ أَدَاءَهُ ، وَيَشْتَغِلُ بِالتَّنَفُّلِ ، وَصَلَاةُ الْفَرْضِ قَدْ أُقِيمَتْ ، حَتَّى لَا يُدْرِكَ مِنْهَا شَيْئًا ، لَا سِيَّمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَلَيْتَ شِعْرِي ، إلَى مَنْ كَانَ يُؤَخِّرُ مُعَاذٌ صَلَاةَ فَرْضِهِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَهُ رَاغِبًا عَنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعًا لِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ؟ أَلَّا إنَّ هَذَا هُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ ، قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَاذًا عَنْهُ عِنْدَ كُلِّ ذِي مُسْكَةِ عَقْلٍ ؟
وَالرَّابِعُ - أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ السَّخِيفَ الَّذِي لَمْ يَسْتَحْيُوا مِنْ أَنْ يَنْسُبُوهُ إلَى مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةُ فَرْضٍ فَيَنْوِيَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى بَعْدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ - أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ لَا يَنْوِي بِهَا إلَّا التَّطَوُّعَ فَفِي كُلِّ حَالٍ قَدْ نَسَبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ ، وَهَذِهِ فِتْنَةُ سُوءٍ مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ ، فَأَيُّ رَاحَةٍ لَهُمْ فِي أَنْ يَنْسُبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ بِلَا مَعْنًى ؟
وَالْخَامِسُ - أَنْ يُقَالَ لَهُمْ : إذْ جَوَّزْتُمْ لِمُعَاذٍ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَكُمْ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٌ لَمْ يُصَلِّ ذَلِكَ الْفَرْضَ بَعْدُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلِّي فَرْضَهُ - : فَأَيُّ فَرْقٍ فِي شَرِيعَةٍ ، أَوْ فِي مَعْقُولٍ بَيْنَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ خَلْفَ مُصَلِّي فَرِيضَةٍ ، وَبَيْنَ مَا مَنَعْتُمْ 150 مِنْهُ مِنْ صَلَاةِ فَرْضٍ خَلْفَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً ، وَكِلَاهُمَا اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ مَعَ الْمَأْمُومِ ، وَلَا فَرْقَ ؟ فَهَلَّا قَاسُوا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ؟ وَهَلَّا قَاسُوا جَوَازَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْحَاجِّ تَطَوُّعًا مِنْ الْأَئِمَّةِ ، يَقِفُ بِوُقُوفِهِ وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ وَيَأْتَمُّ بِهِ فِي حَجِّهِ ؟ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقِيَاسِ وَأَصَحِّهِ ، وَهُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ ، وَلَكِنْ هَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ فِيمَا شَغَلُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَتَرَكُوا السُّنَنَ ؟ فَكَيْفَ بِمَا لَا يَشْتَغِلُونَ بِهِ مِنْ طَلَبِ السُّنَنِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ هُنَا بِكَلَامٍ يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَمْرُورِينَ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ بَعْضَ سَبَبِ التَّطَوُّعِ سَبَبُ الْفَرِيضَةِ ، وَأَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا كَانَ دَاخِلًا فِي نَافِلَةٍ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : هَذَا كَلَامٌ لَا يَفْهَمُهُ قَائِلُهُ فَكَيْفَ سَامِعُهُ وَحَقُّ قَائِلِهِ سُكْنَى الْمَارَسْتَانِ وَمُعَانَاةُ دِمَاغِهِ وَيُقَالُ لَهُ : اجْعَلْ هَذَا الْكَلَامَ حُجَّةً فِي الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ؟ وَأَيْضًا : فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ ، بَلْ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا فَلَيْسَ مُصَلِّيًا وَلَا شَيْءَ لَهُ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى . }
فَنَحْنُ نَدِينُ بِأَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ كَلَامِ هَذَا الْمُمَخْرِقِ بِالْهَذَيَانِ ؟
ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ وَاضِحُ الْمَعْنَى ، وَكَانَ يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَنْ قَوْمِكَ أَوْ اجْعَلْ صَلَاتَكَ مَعِي } أَيْ لَا تُصَلِّ بِهِمْ إذَا لَمْ تُخَفِّفْ بِهِمْ ، وَاقْتَصِرْ عَلَى أَنْ تَكُونَ صَلَاتُك مَعِي فَقَطْ ، هَذَا مُقْتَضَى ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ سِوَاهُ ؟ وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَعَافِرِيِّ قَالَ : { وَكَانَ أَهْلُ الْعَوَالِي يُصَلُّونَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَيُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ . } 151
وَخَبَرٍ آخَرَ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إلَى أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُد بْنُ شَاذِ بْنُ دَاوُد الْمِصْرِيُّ قَالَ : ثنا عَبْدُ الْغَنِيّ بْنُ سَعِيدِ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ ثنا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : سَمِعْت يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ يَقُولُ : أَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ { سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، فَقُلْتُ : أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ ؟ قَالَ : قَدْ صَلَّيْتُ فِي رَحْلِي إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُصَلَّى فَرِيضَةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ }
قَالَ : فَكَانَتْ صَلَاةُ مُعَاذٍ إذْ كَانَ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ فِي الْيَوْمِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : فَصَحِيحٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ : فَسَاقِطٌ ; لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ . ثُمَّ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا - : أَوَّلُ ذَلِكَ : أَنَّ قَائِلَ هَذَا قَدْ كَذَبَ ،
وَمَا كَانَ قَطُّ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَقَطْ ، حَاشَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْوِتْرِ فَقَطْ ، وَصَحَّ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ } }
فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهَ بِهِ هَذَا الْمُمَوِّهُ ؟ وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ حَقٌّ ، وَمَا حَلَّ قَطُّ ، وَلَا قُلْنَا نَحْنُ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ - : وَإِنَّمَا قُلْنَا : أَنْ تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَتُصَلَّى النَّافِلَةُ خَلْفَ مُصَلِّي الْفَرْضِ ، كَمَا أَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَمَا يُجِيزُونَ هُمْ أَيْضًا مَعَنَا .
وَتُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ مُؤَدِّي فَرِيضَةٍ أُخْرَى ، كَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بِأَنَّ { الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } ، وَلَمْ يَنْهَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، حَتَّى حَدَثَ مَا حَدَثَ
وَإِنَّمَا الْمُجِيزُونَ أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ : فَالْمَالِكِيُّونَ الْقَائِلُونَ : بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ ، وَبِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي أُخْرَى : صَلَّى الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ الَّتِي ذَكَرَ ، ثُمَّ 152 يُصَلِّي الَّتِي صَلَّى ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا ؟ وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِابْنِ عُمَرَ ، وَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا يَجْرِي فِي الْقُبْحِ مَجْرَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ وَيُرْبِي عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاذٍ لِعَدَمِ مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ حِينَئِذٍ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : لَوْ اتَّقَى اللَّهَ قَائِلُ هَذَا الْهَوَسِ أَوْ اسْتَحْيَا مِنْ الْكَذِبِ ، لَمْ يَنْصُرْ الْبَاطِلَ بِمَا هُوَ أَبْطَلُ مِنْهُ .
وَلَوْ عَرَفَ قَدْرَ الصَّحَابَةِ وَمَنْزِلَتَهُمْ فِي الْعِلْمِ : لَمْ يَقُلْ هَذَا ; لِأَنَّنَا نَجِدُ ، الزِّنْجِيَّ وَالتُّرْكِيَّ ، وَالصَّقْلَبِيَّ وَالرُّومِيَّ وَالْيَهُودِيَّ : يُسَلِّمُونَ ، فَلَا تَمْضِيَ لَهُمْ جُمُعَةٌ إلَّا وَقَدْ تَعَلَّمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ ( أُمَّ الْقُرْآنِ ) وَ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وَمَا يُقِيمُونَ بِهِ صَلَاتَهُمْ .
وَلَمْ يَسْتَحِ هَذَا الْجَاهِلُ الْوَقَّاحُ أَنْ يَنْسُبَ إلَى حَيٍّ عَظِيمٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْأَنْصَارِ ، وَحَيٍّ آخَرَ صَغِيرٍ مِنْهُمْ ، وَهُمْ بَنُو سَلَمَةَ ، وَبَنُو أَدَى قَدْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ - قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامَيْنِ وَأَشْهُرٍ - ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ، وَأَسْلَمَ جُمْهُورُهُمْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِدَهْرٍ - : أَنَّهُمْ بَقُوا الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ لَمْ يَهْتَبِلُوا بِصَلَاتِهِمْ ، وَلَا تَعَلَّمُوا سُورَةً يُصَلُّونَ بِهَا ، وَهُمْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَصَائِرِ فِي الدِّينِ : اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْمُجَاهَرَةِ بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ الْمَفْضُوحِ ؟
فَلْيَعْلَمْ أَهْلُ الْجَهْلِ : أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ الَّذِي كَانَ يَؤُمُّ فِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - ثَلَاثُونَ عَقَبِيًّا ، وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ بَدْرِيًّا سِوَى غَيْرِهِمْ .
أَفَمَا كَانَ فِي جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الْفُضَلَاءِ أَحَدٌ يُحْسِنُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُصَلِّي بِهِ ؟ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ .
وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَوَالِدُهُ ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَبُو الْيَسْرِ وَالْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، وَمُعَاذٌ ، وَمُعَوِّذٌ ، وَخَلَّادٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ 153
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ أَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : { مَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى حَفِظْتُ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ } ؟ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْجَاهِلُ دَعْوَى افْتَرَاهَا لَمْ يَجِدْهَا قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ السَّقِيمَةِ فَكَيْفَ الصَّحِيحَةِ ؟ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِلشُّغْلِ بِهَا إلَّا فَضِيحَةُ قَائِلِهَا فَقَطْ ، ثُمَّ تَحْذِيرُ الضُّعَفَاءِ مِنْهُ ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ ؟
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُقَالَ لَهُ : هَبْكَ أَنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ كَمَا ذَكَرْتَ ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ ؟ وَهَلْ يَحِلُّ لَدَيْكُمْ أَنْ تُسْلِمَ طَائِفَةٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا وَاحِدٌ فَيُصَلِّي ذَلِكَ الْوَاحِدُ مَعَ غَيْرِهِمْ ثُمَّ يَؤُمُّهُمْ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ : لَا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ كَذِبٍ لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي تَرْقِيعِ فَاسِدِ تَقْلِيدِكُمْ ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : احْمِلُوهُ عَلَى مَا شِئْتُمْ ، أَلَيْسَ قَدْ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَرَّهُ ؟ فَبِأَيِّ وَجْهٍ تُبْطِلُونَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمَهُ ؟ وَقَدْ تَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ بِنَحْوِ هَذِهِ الْفَضَائِحِ فَقَالَ : لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تُقْصَرَ الصَّلَاةُ ، أَوْ فِي سَفَرٍ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مِثْلِهِ ؟ فَقُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ وَكَذِبٌ آخَرُ ، أَبُو بَكْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَشْهَدْ بِالْمَدِينَةِ قَطُّ خَوْفًا ، وَلَا صَلَاةَ خَوْفٍ ، وَلَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - قَالَ جَابِرٌ - : بِنَخْلٍ ، وَبِذَاتِ الرِّقَاعِ ، فَكِلَا الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ الْمَدِينَةِ .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ الصَّلَاةَ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ : رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ؟ فَبَطَلَ كُلُّ عَارٍ أَتَوْا بِهِ فِي إبْطَالِ الْحَقَائِقِ مِنْ السُّنَنِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ؟ ثُمَّ هُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمَّارِ الْعَنَزِيِّ : أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ بِكَسْكَرَ فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ إنِّي رَأَيْتنِي شَاخِصًا عَنْ أَهْلِي وَلَمْ أَرَنِي بِحَضْرَةِ عَدُوٍّ فَرَأَيْت أَنْ أُصَلِّيَ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ثُمَّ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنْ قَدْ أَحْسَنْت ؟ 154 وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ : كُنَّا مَعَ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ - هُوَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَيْشٍ ، وَهُوَ يُصَلِّي بِنَا صَلَاةَ الصُّبْحِ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ ، فَمَرَّ حِمَارٌ بَيْنَ يَدَيْ الصُّفُوفِ فَأَعَادَ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ : قَدْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا يَسْتُرُنِي - يَعْنِي الْعَنَزَةَ - وَلَكِنِّي أَعَدْت لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ : فَهَذَا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَافِلَةً بِمَنْ يُؤَدِّي فَرِيضَةً ؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَى مَسْجِدَ دِمَشْقَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ وَهُوَ يُرِيدُ الْمَغْرِبَ ، فَصَلَّى مَعَهُمْ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً ، فَجَعَلَ ثَلَاثًا لِلْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا .
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ هَذَا الْخَبَرَ ، وَزَادَ فِيهِ : ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ ؟
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : فِيمَنْ أَتَى التَّرَاوِيحَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَقَدْ بَقِيَ لِلنَّاسِ رَكْعَتَانِ قَالَ : اجْعَلْهُمَا مِنْ الْعِشَاءِ ؟
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ : مَنْ صَلَّى مَعَ قَوْمٍ هُوَ يَنْوِي الظُّهْرَ وَهُمْ يُرِيدُونَ الْعَصْرَ ، قَالَ : لَهُ مَا نَوَى ، وَلَهُمْ مَا نَوَوْا ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ ؟ وَعَنْ طَاوُسٍ : مِنْ وَجَدَ النَّاسَ يُصَلُّونَ الْقِيَامَ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ فَلْيُصَلِّهَا مَعَهُمْ ، وَلْيَعْتَدَّهَا الْمَكْتُوبَةَ ؟
وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الثِّقَاتِ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : مَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُخَالِفًا أَصْلًا ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ وَقَوْلُنَا هَذَا : هُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
وَإِنَّمَا الصَّحِيحُ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ - : فَهُوَ مَا رَوَاهُ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَابْنُ جُرَيْجِ بْنِ سَلَمَةَ وَوَرْقَاءُ بْنُ عَمْرٍو وَزَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَالَ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } . 148 وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ فِي صَدْرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ دِيوَانِنَا هَذَا .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَفْظُ صَالِحٍ لَكَانَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ ; لِأَنَّهُمْ مُخَالِفُونَ لَهُ ; لِأَنَّ الْمَالِكِيِّينَ ، وَالْحَنَفِيِّينَ مَعًا مُتَّفِقُونَ - : عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الصُّبْحِ إذَا أُقِيمَتْ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ ، وَلَا رَكَعَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ - : يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الَّتِي أُقِيمَتْ فَسُبْحَانَ مَنْ يَسَّرَهُمْ لِلِاحْتِجَاجِ بِمَا لَا يَصِحُّ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي إبْطَالِ مَا صَحَّ مِنْهَا
ثُمَّ لَا مُؤْنَةَ عَلَيْهِمْ مِنْ خِلَافِ مَا احْتَجُّوا بِهِ حَيْثُ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ ؟ وَأَيْضًا : فَهُمْ مُصَفِّقُونَ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِمَا صَحَّحُوهُ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي صَالِحٍ ؟ وَأَمَّا نَحْنُ فَلَوْ صَحَّ هَذَا الْخَبَرُ لَقُلْنَا بِهِ ، وَلَاسْتَعْمَلْنَا مَعَهُ مَا قَدْ صَحَّ مِنْ سَائِرِ الْأَخْبَارِ ، مِنْ حَدِيثِ : مُعَاذٍ ، وَجَابِرٍ ، وَأَبِي بَكْرَةَ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَلَمْ نَتْرُكْ مِنْهَا شَيْئًا لِشَيْءٍ آخَرَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ خَبَرًا : - رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَالُ لَهُ سُلَيْمٌ { أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّا نَظَلُّ فِي أَعْمَالِنَا فَنَأْتِي حِينَ نُمْسِي فَيَأْتِي مُعَاذٌ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا مُعَاذُ لَا تَكُنْ فَتَّانًا ؟ إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ لِقَوْمِكَ ، أَوْ تَجْعَلَ صَلَاتَكَ مَعِي } .
فَادَّعَوْا مِنْ هَذَا أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَجْعَلُ الَّتِي يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَافِلَةً ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَهَذَا تَأْوِيلٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ ، لِوُجُوهٍ سِتَّةٍ - : أَحَدُهَا - أَنَّهُ كَذِبٌ وَدَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ ، وَهَذَا لَا يَعْجِزُ عَنْهُ مَنْ لَا يَحْجُزُهُ عَنْهُ تَقْوَى أَوْ حَيَاءٌ ؟ وَالثَّانِي - أَنَّ هَذَا خَبَرٌ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ; لِأَنَّ مُعَاذَ بْنَ رِفَاعَةَ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَدْرَكَ هَذَا الَّذِي شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُعَاذٍ ؟ - : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْمَنْكِيُّ ثنا ابْنُ مُفَرِّجٍ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ ثنا أَحْمَدُ بْنُ 149 عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ الْبَزَّارُ ثنا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ ثنا أَبُو بَكْرٍ هُوَ عَبْدُ الْكَبِيرِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ - عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْت مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ قَالَ سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ مُعَاذٌ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ : { أَنَّ سُلَيْمًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي رَجُلٌ أَعْمَلُ نَهَارِي حَتَّى إذَا أَمْسَيْتُ أَمْسَيْتُ نَاعِسًا ، فَيَأْتِينَا مُعَاذٌ وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا احْتَبَسَ صَلَّيْتُ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَفِيهِ : أَنَّ سُلَيْمًا صَاحِبَ هَذِهِ الْقِصَّةِ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ وَالثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ . }
وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : { وَسَارِعُوا إلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ }
ثُمَّ يَكُونُ مُعَاذٌ - وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالدِّينِ - يُضَيِّعُ فَرْضَ صَلَاتِهِ الَّذِي قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ، فَيَتْرُكُ أَدَاءَهُ ، وَيَشْتَغِلُ بِالتَّنَفُّلِ ، وَصَلَاةُ الْفَرْضِ قَدْ أُقِيمَتْ ، حَتَّى لَا يُدْرِكَ مِنْهَا شَيْئًا ، لَا سِيَّمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَلَيْتَ شِعْرِي ، إلَى مَنْ كَانَ يُؤَخِّرُ مُعَاذٌ صَلَاةَ فَرْضِهِ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَهُ رَاغِبًا عَنْ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعًا لِرَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ ؟ أَلَّا إنَّ هَذَا هُوَ الضَّلَالُ الْمُبِينُ ، قَدْ نَزَّهَ اللَّهُ تَعَالَى مُعَاذًا عَنْهُ عِنْدَ كُلِّ ذِي مُسْكَةِ عَقْلٍ ؟
وَالرَّابِعُ - أَنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ السَّخِيفَ الَّذِي لَمْ يَسْتَحْيُوا مِنْ أَنْ يَنْسُبُوهُ إلَى مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنْ تَحْضُرَ صَلَاةُ فَرْضٍ فَيَنْوِيَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى بَعْدُ تِلْكَ الصَّلَاةَ - أَنْ يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ لَا يَنْوِي بِهَا إلَّا التَّطَوُّعَ فَفِي كُلِّ حَالٍ قَدْ نَسَبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ ، وَهَذِهِ فِتْنَةُ سُوءٍ مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ وَالدِّينِ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْخِذْلَانِ ، فَأَيُّ رَاحَةٍ لَهُمْ فِي أَنْ يَنْسُبُوا إلَى مُعَاذٍ مَا لَا يَحِلُّ عِنْدَهُمْ بِلَا مَعْنًى ؟
وَالْخَامِسُ - أَنْ يُقَالَ لَهُمْ : إذْ جَوَّزْتُمْ لِمُعَاذٍ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَكُمْ مِنْ أَنْ يُصَلِّيَ نَافِلَةً خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذٌ لَمْ يُصَلِّ ذَلِكَ الْفَرْضَ بَعْدُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلِّي فَرْضَهُ - : فَأَيُّ فَرْقٍ فِي شَرِيعَةٍ ، أَوْ فِي مَعْقُولٍ بَيْنَ صَلَاةِ نَافِلَةٍ خَلْفَ مُصَلِّي فَرِيضَةٍ ، وَبَيْنَ مَا مَنَعْتُمْ 150 مِنْهُ مِنْ صَلَاةِ فَرْضٍ خَلْفَ الْمُصَلِّي نَافِلَةً ، وَكِلَاهُمَا اخْتِلَافُ نِيَّةِ الْإِمَامِ مَعَ الْمَأْمُومِ ، وَلَا فَرْقَ ؟ فَهَلَّا قَاسُوا أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ ؟ وَهَلَّا قَاسُوا جَوَازَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْفَرِيضَةِ خَلْفَ الْحَاجِّ تَطَوُّعًا مِنْ الْأَئِمَّةِ ، يَقِفُ بِوُقُوفِهِ وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ وَيَأْتَمُّ بِهِ فِي حَجِّهِ ؟ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ الْقِيَاسِ حَقًّا لَكَانَ هَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْقِيَاسِ وَأَصَحِّهِ ، وَهُمْ أَهْلُ قِيَاسٍ بِزَعْمِهِمْ ، وَلَكِنْ هَذَا مِقْدَارُ عِلْمِهِمْ فِيمَا شَغَلُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَتَرَكُوا السُّنَنَ ؟ فَكَيْفَ بِمَا لَا يَشْتَغِلُونَ بِهِ مِنْ طَلَبِ السُّنَنِ وَالِاعْتِنَاءِ بِهَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى عَظِيمِ نِعْمَتِهِ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ هُنَا بِكَلَامٍ يُشْبِهُ كَلَامَ الْمَمْرُورِينَ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ بَعْضَ سَبَبِ التَّطَوُّعِ سَبَبُ الْفَرِيضَةِ ، وَأَنَّ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا كَانَ دَاخِلًا فِي نَافِلَةٍ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : هَذَا كَلَامٌ لَا يَفْهَمُهُ قَائِلُهُ فَكَيْفَ سَامِعُهُ وَحَقُّ قَائِلِهِ سُكْنَى الْمَارَسْتَانِ وَمُعَانَاةُ دِمَاغِهِ وَيُقَالُ لَهُ : اجْعَلْ هَذَا الْكَلَامَ حُجَّةً فِي الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ ؟ وَأَيْضًا : فَقَدْ قَالَ الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ ، بَلْ مَنْ ابْتَدَأَ صَلَاةً لَا يَنْوِي بِهَا شَيْئًا فَلَيْسَ مُصَلِّيًا وَلَا شَيْءَ لَهُ ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى . }
فَنَحْنُ نَدِينُ بِأَنَّ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقُّ بِالِاتِّبَاعِ مِنْ كَلَامِ هَذَا الْمُمَخْرِقِ بِالْهَذَيَانِ ؟
ثُمَّ لَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرُوهُ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ أَصْلًا ، لِأَنَّهُ وَاضِحُ الْمَعْنَى ، وَكَانَ يَكُونُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَنْ قَوْمِكَ أَوْ اجْعَلْ صَلَاتَكَ مَعِي } أَيْ لَا تُصَلِّ بِهِمْ إذَا لَمْ تُخَفِّفْ بِهِمْ ، وَاقْتَصِرْ عَلَى أَنْ تَكُونَ صَلَاتُك مَعِي فَقَطْ ، هَذَا مُقْتَضَى ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ سِوَاهُ ؟ وَمَوَّهَ بَعْضُهُمْ بِخَبَرٍ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ عَنْ عَامِرٍ الْأَحْوَلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ الْمَعَافِرِيِّ قَالَ : { وَكَانَ أَهْلُ الْعَوَالِي يُصَلُّونَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَيُصَلُّونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدُوا الصَّلَاةَ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ . } 151
وَخَبَرٍ آخَرَ فِيمَا كَتَبَ بِهِ إلَى أَبُو سُلَيْمَانَ دَاوُد بْنُ شَاذِ بْنُ دَاوُد الْمِصْرِيُّ قَالَ : ثنا عَبْدُ الْغَنِيّ بْنُ سَعِيدِ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ ثنا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَّةَ الرُّعَيْنِيُّ ثنا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ : ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : سَمِعْت يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ يَقُولُ : أَنَا الْحُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ { سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ : أَتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، فَقُلْتُ : أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ ؟ قَالَ : قَدْ صَلَّيْتُ فِي رَحْلِي إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تُصَلَّى فَرِيضَةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ }
قَالَ : فَكَانَتْ صَلَاةُ مُعَاذٍ إذْ كَانَ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَاةَ مَرَّتَيْنِ فِي الْيَوْمِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : أَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ : فَصَحِيحٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ خَالِدِ بْنِ أَيْمَنَ : فَسَاقِطٌ ; لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ . ثُمَّ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا - : أَوَّلُ ذَلِكَ : أَنَّ قَائِلَ هَذَا قَدْ كَذَبَ ،
وَمَا كَانَ قَطُّ مُبَاحًا أَنْ تُصَلِّيَ صَلَاةً وَاحِدَةً عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ مَرَّتَيْنِ ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فَقَطْ ، حَاشَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْوِتْرِ فَقَطْ ، وَصَحَّ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : هُنَّ خَمْسٌ وَهُنَّ خَمْسُونَ { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ } }
فَبَطَلَ كُلُّ مَا مَوَّهَ بِهِ هَذَا الْمُمَوِّهُ ؟ وَوَجْهٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَاحِدٌ ، وَهُوَ حَقٌّ ، وَمَا حَلَّ قَطُّ ، وَلَا قُلْنَا نَحْنُ - وَمَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ : أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ - : وَإِنَّمَا قُلْنَا : أَنْ تُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ ، كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَتُصَلَّى النَّافِلَةُ خَلْفَ مُصَلِّي الْفَرْضِ ، كَمَا أَمَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَكَمَا يُجِيزُونَ هُمْ أَيْضًا مَعَنَا .
وَتُؤَدَّى الْفَرِيضَةُ خَلْفَ مُؤَدِّي فَرِيضَةٍ أُخْرَى ، كَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بِأَنَّ { الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } ، وَلَمْ يَنْهَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ ذَلِكَ قَطُّ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، حَتَّى حَدَثَ مَا حَدَثَ
وَإِنَّمَا الْمُجِيزُونَ أَنْ تُصَلَّى صَلَاةٌ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ : فَالْمَالِكِيُّونَ الْقَائِلُونَ : بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ ، وَبِأَنَّ مَنْ ذَكَرَ صَلَاةً فِي أُخْرَى : صَلَّى الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ الَّتِي ذَكَرَ ، ثُمَّ 152 يُصَلِّي الَّتِي صَلَّى ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَا ؟ وَالْعَجَبُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِابْنِ عُمَرَ ، وَهُمْ يُخَالِفُونَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا ؟ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلًا يَجْرِي فِي الْقُبْحِ مَجْرَى مَا تَقَدَّمَ لَهُمْ وَيُرْبِي عَلَيْهِ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ مُعَاذٍ لِعَدَمِ مَنْ كَانَ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ حِينَئِذٍ ؟ قَالَ عَلِيٌّ : لَوْ اتَّقَى اللَّهَ قَائِلُ هَذَا الْهَوَسِ أَوْ اسْتَحْيَا مِنْ الْكَذِبِ ، لَمْ يَنْصُرْ الْبَاطِلَ بِمَا هُوَ أَبْطَلُ مِنْهُ .
وَلَوْ عَرَفَ قَدْرَ الصَّحَابَةِ وَمَنْزِلَتَهُمْ فِي الْعِلْمِ : لَمْ يَقُلْ هَذَا ; لِأَنَّنَا نَجِدُ ، الزِّنْجِيَّ وَالتُّرْكِيَّ ، وَالصَّقْلَبِيَّ وَالرُّومِيَّ وَالْيَهُودِيَّ : يُسَلِّمُونَ ، فَلَا تَمْضِيَ لَهُمْ جُمُعَةٌ إلَّا وَقَدْ تَعَلَّمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ ( أُمَّ الْقُرْآنِ ) وَ ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) وَمَا يُقِيمُونَ بِهِ صَلَاتَهُمْ .
وَلَمْ يَسْتَحِ هَذَا الْجَاهِلُ الْوَقَّاحُ أَنْ يَنْسُبَ إلَى حَيٍّ عَظِيمٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْأَنْصَارِ ، وَحَيٍّ آخَرَ صَغِيرٍ مِنْهُمْ ، وَهُمْ بَنُو سَلَمَةَ ، وَبَنُو أَدَى قَدْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ - قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامَيْنِ وَأَشْهُرٍ - ثَلَاثَةُ رِجَالٍ ، وَأَسْلَمَ جُمْهُورُهُمْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِدَهْرٍ - : أَنَّهُمْ بَقُوا الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ الَّتِي ذَكَرْنَا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ لَمْ يَهْتَبِلُوا بِصَلَاتِهِمْ ، وَلَا تَعَلَّمُوا سُورَةً يُصَلُّونَ بِهَا ، وَهُمْ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ وَالْبَصَائِرِ فِي الدِّينِ : اللَّهُمَّ الْعَنْ مَنْ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْمُجَاهَرَةِ بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ الْمَفْضُوحِ ؟
فَلْيَعْلَمْ أَهْلُ الْجَهْلِ : أَنَّهُ كَانَ فِيمَنْ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ الَّذِي كَانَ يَؤُمُّ فِيهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ - ثَلَاثُونَ عَقَبِيًّا ، وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ بَدْرِيًّا سِوَى غَيْرِهِمْ .
أَفَمَا كَانَ فِي جَمِيعِ هَؤُلَاءِ الْفُضَلَاءِ أَحَدٌ يُحْسِنُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا يُصَلِّي بِهِ ؟ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ .
وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ : جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَوَالِدُهُ ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ، وَأَبُو الْيَسْرِ وَالْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، وَمُعَاذٌ ، وَمُعَوِّذٌ ، وَخَلَّادٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِئٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ 153
وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ أَصَحِّ طَرِيقٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : { مَا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى حَفِظْتُ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ } ؟ ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ الَّتِي قَالَهَا هَذَا الْجَاهِلُ دَعْوَى افْتَرَاهَا لَمْ يَجِدْهَا قَطُّ فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ السَّقِيمَةِ فَكَيْفَ الصَّحِيحَةِ ؟ وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِلشُّغْلِ بِهَا إلَّا فَضِيحَةُ قَائِلِهَا فَقَطْ ، ثُمَّ تَحْذِيرُ الضُّعَفَاءِ مِنْهُ ، وَالتَّقَرُّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ ؟
وَالثَّالِثُ : أَنْ يُقَالَ لَهُ : هَبْكَ أَنَّ هَذِهِ الْكِذْبَةَ كَمَا ذَكَرْتَ ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَكُمْ ؟ وَهَلْ يَحِلُّ لَدَيْكُمْ أَنْ تُسْلِمَ طَائِفَةٌ فَلَا يَكُونُ فِيهِمْ مَنْ يَقْرَأُ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إلَّا وَاحِدٌ فَيُصَلِّي ذَلِكَ الْوَاحِدُ مَعَ غَيْرِهِمْ ثُمَّ يَؤُمُّهُمْ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ ؟ فَمِنْ قَوْلِهِمْ : لَا ، فَيُقَالُ لَهُمْ : فَأَيُّ رَاحَةٍ لَكُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ كَذِبٍ لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ فِي تَرْقِيعِ فَاسِدِ تَقْلِيدِكُمْ ؟ ثُمَّ يُقَالُ لَهُمْ : احْمِلُوهُ عَلَى مَا شِئْتُمْ ، أَلَيْسَ قَدْ عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَرَّهُ ؟ فَبِأَيِّ وَجْهٍ تُبْطِلُونَ فِعْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحُكْمَهُ ؟ وَقَدْ تَعَلَّلَ بَعْضُهُمْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ بِنَحْوِ هَذِهِ الْفَضَائِحِ فَقَالَ : لَعَلَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تُقْصَرَ الصَّلَاةُ ، أَوْ فِي سَفَرٍ لَا تُقْصَرُ الصَّلَاةُ فِي مِثْلِهِ ؟ فَقُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ وَكَذِبٌ آخَرُ ، أَبُو بَكْرَةَ مُتَأَخِّرُ الْإِسْلَامِ ، لَمْ يَشْهَدْ بِالْمَدِينَةِ قَطُّ خَوْفًا ، وَلَا صَلَاةَ خَوْفٍ ، وَلَا فِيمَا يَقْرُبُ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ - قَالَ جَابِرٌ - : بِنَخْلٍ ، وَبِذَاتِ الرِّقَاعِ ، فَكِلَا الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى أَزْيَدَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ الْمَدِينَةِ .
وَقَدْ صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : أَنَّ الصَّلَاةَ أُنْزِلَتْ بِمَكَّةَ : رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِمَّتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ ، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ ؟ فَبَطَلَ كُلُّ عَارٍ أَتَوْا بِهِ فِي إبْطَالِ الْحَقَائِقِ مِنْ السُّنَنِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا ؟ ثُمَّ هُوَ فِعْلُ الصَّحَابَةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَمَّارِ الْعَنَزِيِّ : أَنَّ عَامِلًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ كَانَ بِكَسْكَرَ فَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ثُمَّ يُسَلِّمُ ؟ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرُ ، فَكَتَبَ إلَى عُمَرَ إنِّي رَأَيْتنِي شَاخِصًا عَنْ أَهْلِي وَلَمْ أَرَنِي بِحَضْرَةِ عَدُوٍّ فَرَأَيْت أَنْ أُصَلِّيَ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ثُمَّ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أُسَلِّمَ ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : أَنْ قَدْ أَحْسَنْت ؟ 154 وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ قَالَ : كُنَّا مَعَ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ - هُوَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَيْشٍ ، وَهُوَ يُصَلِّي بِنَا صَلَاةَ الصُّبْحِ ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ ، فَمَرَّ حِمَارٌ بَيْنَ يَدَيْ الصُّفُوفِ فَأَعَادَ بِهِمْ الصَّلَاةَ ، وَقَالَ : قَدْ كَانَ بَيْنَ يَدَيَّ مَا يَسْتُرُنِي - يَعْنِي الْعَنَزَةَ - وَلَكِنِّي أَعَدْت لِمَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا يَسْتُرُهُ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ : فَهَذَا صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَافِلَةً بِمَنْ يُؤَدِّي فَرِيضَةً ؟ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ أَتَى مَسْجِدَ دِمَشْقَ وَهُمْ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ وَهُوَ يُرِيدُ الْمَغْرِبَ ، فَصَلَّى مَعَهُمْ فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً ، فَجَعَلَ ثَلَاثًا لِلْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا .
وَمِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ هَذَا الْخَبَرَ ، وَزَادَ فِيهِ : ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ ؟
وَعَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : فِيمَنْ أَتَى التَّرَاوِيحَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَقَدْ بَقِيَ لِلنَّاسِ رَكْعَتَانِ قَالَ : اجْعَلْهُمَا مِنْ الْعِشَاءِ ؟
وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ : مَنْ صَلَّى مَعَ قَوْمٍ هُوَ يَنْوِي الظُّهْرَ وَهُمْ يُرِيدُونَ الْعَصْرَ ، قَالَ : لَهُ مَا نَوَى ، وَلَهُمْ مَا نَوَوْا ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ .
وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ ؟ وَعَنْ طَاوُسٍ : مِنْ وَجَدَ النَّاسَ يُصَلُّونَ الْقِيَامَ وَهُوَ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ فَلْيُصَلِّهَا مَعَهُمْ ، وَلْيَعْتَدَّهَا الْمَكْتُوبَةَ ؟
وَرَوَى ذَلِكَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ ، وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ الثِّقَاتِ ؟
قَالَ عَلِيٌّ : مَا نَعْلَمُ لِمَنْ ذَكَرْنَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُخَالِفًا أَصْلًا ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَ هَذَا إذَا وَافَقَ تَقْلِيدَهُمْ وَقَوْلُنَا هَذَا : هُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَجُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ
المقارن
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كِتَابُ الصَّلَاةِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا .
الصَّلَاةُ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا وَبِالْجُمْلَةِ إِلَى فَرْضٍ وَنَدْبٍ .
وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ يَنْحَصِرُ بِالْجُمْلَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَجْنَاسٍ : ( أَعْنِي أَرْبَعَ جُمَلٍ ) : الْجُمْلَةُ الْأُولَى : فِي مَعْرِفَةِ الْوُجُوبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ .
وَالْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ : ( أَعْنِي شُرُوطَ الْوُجُوبِ وَشُرُوطَ الصِّحَّةِ وَشُرُوطَ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ ) وَالْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مَعْرِفَةِ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ ، وَهِيَ الْأَرْكَانُ .
وَالْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي قَضَائِهَا وَمَعْرِفَةِ إِصْلَاحِ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الْخَلَلِ وَجَبْرِهِ ; لِأَنَّهُ قَضَاءٌ إِذَا كَانَ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ .
الْجُمْلَةُ الْأُولَى
[ فِي مَعْرِفَةِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ ]
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ هِيَ فِي مَعْنَى أُصُولِ هَذَا الْبَابِ .
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى : فِي بَيَانِ وُجُوبِهَا . الثَّانِيَةُ : فِي بَيَانِ عَدَدِ الْوَاجِبَاتِ مِنْهَا . الثَّالِثَةُ : فِي بَيَانِ عَلَى مَنْ تَجِبُ . الرَّابِعَةُ : مَا الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا ؟ .
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى
أَمَّا وُجُوبُهَا ، فَبَيِّنٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَشُهْرَةُ ذَلِكَ تُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ الْقَوْلِ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
وَأَمَّا عَدَدُ الْوَاجِبِ مِنْهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ .
78 أَحَدُهُمَا : قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِ ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ هِيَ الْخَمْسُ صَلَوَاتٍ فَقَطْ لَا غَيْرُ .
وَالثَّانِي : قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ مَعَ الْخَمْسِ ، وَاخْتِلَافُهُمْ هَلْ يُسَمَّى مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاجِبًا أَوْ فَرْضًا لَا مَعْنًى لَهُ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَارِضَةُ ، أَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي مَفْهُومُهَا وُجُوبُ الْخَمْسِ فَقَطْ بَلْ هِيَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ فَمَشْهُورَةٌ وَثَابِتَةٌ ، وَمِنْ أَبْيَنِهَا فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَشْهُورِ " أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ الْفَرْضُ إِلَى خَمْسٍ قَالَ لَهُ مُوسَى : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، قَالَ : فَرَاجَعْتُهُ ، فَقَالَ تَعَالَى : هِيَ خَمْسٌ ، وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ " وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَشْهُورُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ : " خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ " وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي مَفْهُومُهَا وُجُوبُ الْوِتْرِ ، فَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ فَحَافِظُوا عَلَيْهَا " وَحَدِيثُ حَارِثَةَ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ : " خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مَنْ حُمُرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ ، وَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ " وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا " فَمَنْ رَأَى أَنَّ الزِّيَادَةَ هِيَ نَسْخٌ وَلَمْ تَقْوَ عِنْدَهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ قُوَّةً تَبْلُغُ بِهَا أَنْ تَكُونَ نَاسِخَةً لِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ الْمَشْهُورَةِ - رَجَّحَ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ " إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ " وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِيهَا ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي النُّقْصَانِ أَظْهَرَ ، وَالْخَبَرُ لَيْسَ يَدْخُلُهُ النَّسْخُ . وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ قُوَّةُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي اقْتَضَتِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْخَمْسِ إِلَى رُتْبَةٍ تُوجِبُ الْعَمَلَ أَوْجَبَ الْمَصِيرَ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُوجِبُ نَسْخًا ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
[ عَلَى مَنْ تَجِبُ الصَّلَاةُ ]
وَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ فَعَلَى الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا .
الصَّلَاةُ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا وَبِالْجُمْلَةِ إِلَى فَرْضٍ وَنَدْبٍ .
وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ يَنْحَصِرُ بِالْجُمْلَةِ فِي أَرْبَعَةِ أَجْنَاسٍ : ( أَعْنِي أَرْبَعَ جُمَلٍ ) : الْجُمْلَةُ الْأُولَى : فِي مَعْرِفَةِ الْوُجُوبِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ .
وَالْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِهَا الثَّلَاثَةِ : ( أَعْنِي شُرُوطَ الْوُجُوبِ وَشُرُوطَ الصِّحَّةِ وَشُرُوطَ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ ) وَالْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مَعْرِفَةِ مَا تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ ، وَهِيَ الْأَرْكَانُ .
وَالْجُمْلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي قَضَائِهَا وَمَعْرِفَةِ إِصْلَاحِ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الْخَلَلِ وَجَبْرِهِ ; لِأَنَّهُ قَضَاءٌ إِذَا كَانَ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ .
الْجُمْلَةُ الْأُولَى
[ فِي مَعْرِفَةِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ ]
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ هِيَ فِي مَعْنَى أُصُولِ هَذَا الْبَابِ .
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى : فِي بَيَانِ وُجُوبِهَا . الثَّانِيَةُ : فِي بَيَانِ عَدَدِ الْوَاجِبَاتِ مِنْهَا . الثَّالِثَةُ : فِي بَيَانِ عَلَى مَنْ تَجِبُ . الرَّابِعَةُ : مَا الْوَاجِبُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا ؟ .
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى
أَمَّا وُجُوبُهَا ، فَبَيِّنٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ ، وَشُهْرَةُ ذَلِكَ تُغْنِي عَنْ تَكَلُّفِ الْقَوْلِ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ
وَأَمَّا عَدَدُ الْوَاجِبِ مِنْهَا فَفِيهِ قَوْلَانِ .
78 أَحَدُهُمَا : قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِ ، وَهُوَ أَنَّ الْوَاجِبَ هِيَ الْخَمْسُ صَلَوَاتٍ فَقَطْ لَا غَيْرُ .
وَالثَّانِي : قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ، وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ وَاجِبٌ مَعَ الْخَمْسِ ، وَاخْتِلَافُهُمْ هَلْ يُسَمَّى مَا ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَاجِبًا أَوْ فَرْضًا لَا مَعْنًى لَهُ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : الْأَحَادِيثُ الْمُتَعَارِضَةُ ، أَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي مَفْهُومُهَا وُجُوبُ الْخَمْسِ فَقَطْ بَلْ هِيَ نَصٌّ فِي ذَلِكَ فَمَشْهُورَةٌ وَثَابِتَةٌ ، وَمِنْ أَبْيَنِهَا فِي ذَلِكَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ الْمَشْهُورِ " أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَ الْفَرْضُ إِلَى خَمْسٍ قَالَ لَهُ مُوسَى : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ، قَالَ : فَرَاجَعْتُهُ ، فَقَالَ تَعَالَى : هِيَ خَمْسٌ ، وَهِيَ خَمْسُونَ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ " وَحَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَشْهُورُ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ : " خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ، قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ " وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي مَفْهُومُهَا وُجُوبُ الْوِتْرِ ، فَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ قَدْ زَادَكُمْ صَلَاةً وَهِيَ الْوِتْرُ فَحَافِظُوا عَلَيْهَا " وَحَدِيثُ حَارِثَةَ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ : " خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مَنْ حُمُرِ النَّعَمِ وَهِيَ الْوِتْرُ ، وَجَعَلَهَا لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ " وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا " فَمَنْ رَأَى أَنَّ الزِّيَادَةَ هِيَ نَسْخٌ وَلَمْ تَقْوَ عِنْدَهُ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ قُوَّةً تَبْلُغُ بِهَا أَنْ تَكُونَ نَاسِخَةً لِتِلْكَ الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ الْمَشْهُورَةِ - رَجَّحَ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ " إِنَّهُ لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ " وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِيهَا ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي النُّقْصَانِ أَظْهَرَ ، وَالْخَبَرُ لَيْسَ يَدْخُلُهُ النَّسْخُ . وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ قُوَّةُ هَذِهِ الْأَخْبَارِ الَّتِي اقْتَضَتِ الزِّيَادَةَ عَلَى الْخَمْسِ إِلَى رُتْبَةٍ تُوجِبُ الْعَمَلَ أَوْجَبَ الْمَصِيرَ إِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الزِّيَادَةَ لَا تُوجِبُ نَسْخًا ، لَكِنْ لَيْسَ هَذَا مِنْ رَأْيِ أَبِي حَنِيفَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ
[ عَلَى مَنْ تَجِبُ الصَّلَاةُ ]
وَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ فَعَلَى الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ .
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
اقرأ →
كِتَابُ الصَّلَاةِ الثَّانِي
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ عَلَى الْأَعْيَانِ مِنْهَا مَا هِيَ سُنَّةٌ ، وَمِنْهَا مَا هِيَ نَفْلٌ ، وَمِنْهَا مَا هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، رَأَيْنَا أَنْ نُفْرِدَ الْقَوْلَ فِي وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ ، وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ عَشْرٌ : رَكْعَتَا الْفَجْرِ ، وَالْوِتْرُ ، وَالنَّفْلُ ، وَرَكْعَتَا دُخُولِ الْمَسْجِدِ ، وَالْقِيَامُ فِي رَمَضَانَ ، وَالْكُسُوفُ ، وَالِاسْتِسْقَاءُ ، وَالْعِيدَانِ ، وَسُجُودُ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهُ صَلَاةٌ مَا . يَشْتَمِلُ هَذَا الْكِتَابُ عَلَى عَشَرَةِ أَبْوَابٍ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ نَذْكُرُهَا عَلَى حِدَةٍ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمَيِّتِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ الَّذِي يُتَرْجِمُونَهُ بِكِتَابِ الْجَنَائِزِ . الْبَابُ الْأَوَّلُ
الْقَوْلُ فِي الْوِتْرِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوِتْرِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ : مِنْهَا فِي حُكْمِهِ ، وَمِنْهَا فِي صِفَتِهِ ، وَمِنْهَا فِي وَقْتِهِ ، وَمِنْهَا فِي الْقُنُوتِ فِيهِ ، وَمِنْهَا فِي صَلَاتِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ . أَمَّا حُكْمُهُ : فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ عِنْدَ بَيَانِ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ .
وَأَمَّا صِفَتُهُ : فَإِنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْوِتْرُ 169 ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوِتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ . وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ : اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : " أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ " .
وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ " .
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ : " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَيُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا " .
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ : " الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ " .
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ : " أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَتِسْعٍ وَخَمْسٍ " .
وَخَرَّجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : " قُلْتُ لِعَائِشَةَ : بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ ؟ قَالَتْ : " كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ ، وَعَشَرٍ وَثَلَاثٍ ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ " .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : " الْمَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ " .
فَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ .
فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ فَمَصِيرًا إِلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ " ، وَإِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ : " أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ " .
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا ، وَقَصَرَ حُكْمَ الْوِتْرِ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَطْ ، فَلَيْسَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي هَذَا الْبَابِ ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ مَا عَدَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْمَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ " . فَإِنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ : إِنَّهُ إِذَا شُبِّهَ شَيْءٌ بِشَيْءٍ وَجُعِلَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ ، وَلِمَا شُبِّهَتِ الْمَغْرِبُ بِوِتْرِ صَلَاةِ النَّهَارِ وَكَانَتْ ثَلَاثًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وِتْرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ ثَلَاثًا . وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ تَمَسَّكَ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُوتِرْ قَطُّ إِلَّا فِي أَثَرِ شَفْعٍ ، فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْوِتْرِ ، وَأَنَّ أَقَلَّ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ ، فَالْوِتْرُ عِنْدَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَكْعَةً وَاحِدَةً ، وَلَكِنْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ ، وَإِمَّا أَنْ يَرَى أَنَّ الْوِتْرَ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى شَفْعٍ وَوَتْرٍ ، فَإِنَّهُ إِذَا زِيدَ عَلَى الشَّفْعِ وَتْرٌ صَارَ الْكُلُّ وَتْرًا ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَذْهَبِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْمُتَقَدِّمُ ، فَإِنَّهُ سُمِّيَ الْوِتْرُ فِيهِ الْعَدَدَ الْمُرَكَّبَ مَنْ شَفْعٍ وَوَتْرٍ ، وَيَشْهَدُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْوِتْرَ هُوَ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : كَيْفَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ ، وَأَيُّ شَيْءٍ يُوتَرُ لَهُ ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى " . فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْوِتْرَ الشَّرْعِيَّ هُوَ الْعَدَدُ الْوِتْرُ بِنَفْسِهِ - أَعْنِي : غَيْرَ الْمَرْكَبِ مِنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ - وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ وِتْرٌ لِغَيْرِهِ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَيْهِ أَوْلَى .
170 وَالْحَقُّ فِي هَذَا : أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ فِي صِفَةِ الْوِتْرِ مِنَ الْوَاحِدَةِ إِلَى التِّسْعِ عَلَى مَا رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّظَرُ إِنَّمَا هُوَ فِي : هَلْ مِنْ شَرْطِ الْوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ مُنْفَصِلٌ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ ؟ فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ : ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ ، لِأَنَّهُ هَكَذَا كَانَ وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ لِأَنَّ مُسْلِمًا قَدْ خَرَّجَ : " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْوِتْرِ أَيْقَظَ عَائِشَةَ فَأَوْتَرَتْ " . وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تُوتِرُ دُونَ أَنْ تُقَدِّمَ عَلَى وِتْرِهَا شَفْعًا .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ خَرَّجَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ يَجْلِسُ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ ، وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي التَّاسِعَةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَلَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي السَّابِعَةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، فَتِلْكَ تِسْعُ رَكَعَاتٍ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ : فِيهِ الْوِتْرُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الشَّفْعِ ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ ، وَأَنَّ الْوِتْرَ يَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " . وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ ، وَقَالَتْ فِي الثَّالِثَةِ : بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ " .
وَأَمَّا وَقْتُهُ : فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، لِوُرُودِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ، وَمِنْ أَثْبَتِ مَا فِي ذَلِكَ : مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَوْفِيِّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْوِتْرِ فَقَالَ : " الْوِتْرُ قَبْلَ الصُّبْحِ " .
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ صَلَاتِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ ، فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ وَقَوْمٌ أَجَازُوهُ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ ، وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ : قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَبِالثَّانِي : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : مُعَارَضَةُ عَمَلِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ بِالْآثَارِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الصُّبْحِ كَحَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ ، وَحَدِيثُ أَبِي حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيِّ نَصٌّ فِي هَذَا، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ : " وَجَعَلَهَا لَكُمْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ " . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ مَا بَعْدَ ( إِلَى ) بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا إِذَا كَانَتْ غَايَةً ، وَإِنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، فَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ، مِثْلُ قَوْلِهِ : ( أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) وَقَوْلِهِ : ( إِلَى الْمَرَافِقِ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ بِخِلَافِ الْغَايَةِ .
وَأَمَّا الْعَمَلُ الْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ لِلْأَثَرِ : فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَحُذَيْفَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوتِرُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا; وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ دَاخِلٌ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ - أَعْنِي : أَنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى الْإِجْمَاعِ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَوْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ - . وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يُرْوَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَأَيُّ خِلَافِ أَعْظَمُ مِنْ خِلَافِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ - أَعْنِي : خِلَافَهُمْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَجَازُوا صَلَاةَ الْوِتْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ .
وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِهِمْ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، ( أَعْنِي : فِي إِجَازَتِهِمُ الْوِتْرَ 171 بَعْدَ الْفَجْرِ ) ، بَلْ إِجَازَتُهُمْ ذَلِكَ هُوَ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ لَا مِنْ بَابِ الْأَدَاءِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ خِلَافَ الْآثَارِ لَوْ جَعَلُوا صَلَاتَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ بَابِ الْأَدَاءِ ، فَتَأَمَّلْ هَذَا .
وَإِنَّمَا يَتَطَرَّقُ الْخِلَافُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَلِ الْقَضَاءُ فِي الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ أَمْ لَا ؟ - أَعْنِي : غَيْرَ أَمْرِ الْأَدَاءِ - ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ بِهِمْ أَلْيَقُ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ هَذَا الْمَذْهَبُ مِنْ أَنَّهُمْ أُبْصِرُوا يَقْضُونَ الْوِتْرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ قَوْلًا - أَعْنِي : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ وَقْتَ الْوِتْرِ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ - ، فَلَيْسَ يَجِبُ لِمَكَانِ هَذَا أَنْ يُظَنَّ بِجَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أُبْصِرَ يُصَلِّي الْوِتْرَ بَعْدَ الْفَجْرِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَأَمَّلَ صِفَةَ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ .
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي وَقْتِ الْوِتْرِ عَنِ النَّاسِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ :
مِنْهَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْتُهُمَا .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُصَلِّي الْوِتْرَ وَإِنْ صَلَّى الصُّبْحَ ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَإِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ .
وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ يُوتِرُ مِنَ اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إِنَّمَا سَبَبُهُ : اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْكِيدِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ دَرَجَةِ الْفَرْضِ ، فَمَنْ رَآهُ أَقْرَبَ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَبْعَدَ مِنَ الزَّمَانِ الْمُخْتَصِّ بِهِ ، وَمَنْ رَآهُ أَبْعَدَ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَقْرَبَ ، وَمَنْ رَآهُ سُنَّةً كَسَائِرِ السُّنَنِ ضَعُفَ عِنْدَهُ الْقَضَاءُ ، إِذِ الْقَضَاءُ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْوَاجِبَاتِ ، وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ لِمَنْ فَاتَتْهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفَرِّقَ فِي هَذَا بَيْنَ النَّدَبِ وَالْوَاجِبِ - أَعْنِي : أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْوَاجِبِ يَكُونُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ .
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقُنُوتِ فِيهِ : فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَقْنُتُ فِيهِ ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي النِّصْفِ الْآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَقَوْمٌ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ : اخْتِلَافُ الْآثَارِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُنُوتُ مُطْلَقًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ الْقُنُوتُ شَهْرًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ آخِرُ أَمْرِهِ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ .
وَأَمَّا صَلَاةُ الْوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ : فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعْنِي : أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ - وَهُوَ مِمَّا يَعْتَمِدُونَهُ فِي الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ إِذَا كَانَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ " . وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى قَطُّ مَفْرُوضَةً عَلَى الرَّاحِلَةِ . وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلِمَكَانِ اتِّفَاقِهِمْ مَعَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ ؛ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ ، وَجَبَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَرَدُّواَ الْخَبَرَ بِالْقِيَاسِ وَذَلِكَ ضَعِيفٌ .
وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَفْرُوضَةٍ عَلَى الْأَعْيَانِ مِنْهَا مَا هِيَ سُنَّةٌ ، وَمِنْهَا مَا هِيَ نَفْلٌ ، وَمِنْهَا مَا هِيَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، رَأَيْنَا أَنْ نُفْرِدَ الْقَوْلَ فِي وَاحِدَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ ، وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ عَشْرٌ : رَكْعَتَا الْفَجْرِ ، وَالْوِتْرُ ، وَالنَّفْلُ ، وَرَكْعَتَا دُخُولِ الْمَسْجِدِ ، وَالْقِيَامُ فِي رَمَضَانَ ، وَالْكُسُوفُ ، وَالِاسْتِسْقَاءُ ، وَالْعِيدَانِ ، وَسُجُودُ الْقُرْآنِ ، فَإِنَّهُ صَلَاةٌ مَا . يَشْتَمِلُ هَذَا الْكِتَابُ عَلَى عَشَرَةِ أَبْوَابٍ ، وَالصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ نَذْكُرُهَا عَلَى حِدَةٍ فِي بَابِ أَحْكَامِ الْمَيِّتِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ الَّذِي يُتَرْجِمُونَهُ بِكِتَابِ الْجَنَائِزِ . الْبَابُ الْأَوَّلُ
الْقَوْلُ فِي الْوِتْرِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوِتْرِ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ : مِنْهَا فِي حُكْمِهِ ، وَمِنْهَا فِي صِفَتِهِ ، وَمِنْهَا فِي وَقْتِهِ ، وَمِنْهَا فِي الْقُنُوتِ فِيهِ ، وَمِنْهَا فِي صَلَاتِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ . أَمَّا حُكْمُهُ : فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهِ عِنْدَ بَيَانِ عَدَدِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ .
وَأَمَّا صِفَتُهُ : فَإِنَّ مَالِكًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - اسْتَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْوِتْرُ 169 ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا بِسَلَامٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوِتْرُ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ . وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ سَلَفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ : اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : " أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ " .
وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى ، فَإِذَا رَأَيْتَ أَنَّ الصُّبْحَ يُدْرِكُكَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ " .
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ : " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً ، وَيُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إِلَّا فِي آخِرِهَا " .
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ : " الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ " .
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ : " أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِسَبْعٍ وَتِسْعٍ وَخَمْسٍ " .
وَخَرَّجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ : " قُلْتُ لِعَائِشَةَ : بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ ؟ قَالَتْ : " كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ ، وَعَشَرٍ وَثَلَاثٍ ، وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ " .
وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : " الْمَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ " .
فَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ .
فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ رَكْعَةٌ وَاحِدَةٌ فَمَصِيرًا إِلَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ " ، وَإِلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ : " أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ " .
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَهَا ، وَقَصَرَ حُكْمَ الْوِتْرِ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَطْ ، فَلَيْسَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَحْتَجَّ بِشَيْءٍ مِمَّا فِي هَذَا الْبَابِ ، لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَقْتَضِي التَّخْيِيرَ مَا عَدَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْمَغْرِبُ وِتْرُ صَلَاةِ النَّهَارِ " . فَإِنَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَقُولَ : إِنَّهُ إِذَا شُبِّهَ شَيْءٌ بِشَيْءٍ وَجُعِلَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ ، وَلِمَا شُبِّهَتِ الْمَغْرِبُ بِوِتْرِ صَلَاةِ النَّهَارِ وَكَانَتْ ثَلَاثًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ وِتْرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ ثَلَاثًا . وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ تَمَسَّكَ فِي هَذَا الْبَابِ بِأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يُوتِرْ قَطُّ إِلَّا فِي أَثَرِ شَفْعٍ ، فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ الْوِتْرِ ، وَأَنَّ أَقَلَّ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ ، فَالْوِتْرُ عِنْدَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَكْعَةً وَاحِدَةً ، وَلَكِنْ مِنْ شَرْطِهَا أَنْ يَتَقَدَّمَهَا شَفْعٌ ، وَإِمَّا أَنْ يَرَى أَنَّ الْوِتْرَ الْمَأْمُورَ بِهِ هُوَ يَشْتَمِلُ عَلَى شَفْعٍ وَوَتْرٍ ، فَإِنَّهُ إِذَا زِيدَ عَلَى الشَّفْعِ وَتْرٌ صَارَ الْكُلُّ وَتْرًا ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْمَذْهَبِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْمُتَقَدِّمُ ، فَإِنَّهُ سُمِّيَ الْوِتْرُ فِيهِ الْعَدَدَ الْمُرَكَّبَ مَنْ شَفْعٍ وَوَتْرٍ ، وَيَشْهَدُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْوِتْرَ هُوَ الرَّكْعَةُ الْوَاحِدَةُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : كَيْفَ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ ، وَأَيُّ شَيْءٍ يُوتَرُ لَهُ ؟ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى " . فَإِنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ الْوِتْرَ الشَّرْعِيَّ هُوَ الْعَدَدُ الْوِتْرُ بِنَفْسِهِ - أَعْنِي : غَيْرَ الْمَرْكَبِ مِنَ الشَّفْعِ وَالْوِتْرِ - وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا هُوَ وِتْرٌ لِغَيْرِهِ ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ عَلَيْهِ أَوْلَى .
170 وَالْحَقُّ فِي هَذَا : أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ فِي صِفَةِ الْوِتْرِ مِنَ الْوَاحِدَةِ إِلَى التِّسْعِ عَلَى مَا رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالنَّظَرُ إِنَّمَا هُوَ فِي : هَلْ مِنْ شَرْطِ الْوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ مُنْفَصِلٌ أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ ؟ فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ : ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ ، لِأَنَّهُ هَكَذَا كَانَ وِتْرُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهِ لِأَنَّ مُسْلِمًا قَدْ خَرَّجَ : " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْوِتْرِ أَيْقَظَ عَائِشَةَ فَأَوْتَرَتْ " . وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تُوتِرُ دُونَ أَنْ تُقَدِّمَ عَلَى وِتْرِهَا شَفْعًا .
وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ خَرَّجَ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ : " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُوتِرُ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ يَجْلِسُ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ ، وَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا فِي التَّاسِعَةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً ، فَلَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَ اللَّحْمُ أَوْتَرَ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَجْلِسْ إِلَّا فِي السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ ، وَلَمْ يُسَلِّمْ إِلَّا فِي السَّابِعَةِ ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ، فَتِلْكَ تِسْعُ رَكَعَاتٍ " . وَهَذَا الْحَدِيثُ : فِيهِ الْوِتْرُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الشَّفْعِ ، فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوِتْرِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ شَفْعٌ ، وَأَنَّ الْوِتْرَ يَنْطَلِقُ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَمِنَ الْحُجَّةِ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ " . وَعَنْ عَائِشَةَ مِثْلَهُ ، وَقَالَتْ فِي الثَّالِثَةِ : بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ " .
وَأَمَّا وَقْتُهُ : فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ وَقْتَهُ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ ، لِوُرُودِ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ شَتَّى عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ، وَمِنْ أَثْبَتِ مَا فِي ذَلِكَ : مَا خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ الْعَوْفِيِّ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْوِتْرِ فَقَالَ : " الْوِتْرُ قَبْلَ الصُّبْحِ " .
وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ صَلَاتِهِ بَعْدَ الْفَجْرِ ، فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ وَقَوْمٌ أَجَازُوهُ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ ، وَبِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ : قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، وَبِالثَّانِي : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ : مُعَارَضَةُ عَمَلِ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ بِالْآثَارِ ، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الصُّبْحِ كَحَدِيثِ أَبِي نَضْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ ، وَحَدِيثُ أَبِي حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيِّ نَصٌّ فِي هَذَا، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَفِيهِ : " وَجَعَلَهَا لَكُمْ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ " . وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّ مَا بَعْدَ ( إِلَى ) بِخِلَافِ مَا قَبْلَهَا إِذَا كَانَتْ غَايَةً ، وَإِنَّ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، فَهُوَ مِنْ أَنْوَاعِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا ، مِثْلُ قَوْلِهِ : ( أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) وَقَوْلِهِ : ( إِلَى الْمَرَافِقِ ) لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ بِخِلَافِ الْغَايَةِ .
وَأَمَّا الْعَمَلُ الْمُخَالِفُ فِي ذَلِكَ لِلْأَثَرِ : فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَحُذَيْفَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوتِرُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَلَمْ يُرْوَ عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُ هَذَا; وَقَدْ رَأَى قَوْمٌ أَنَّ مِثْلَ هَذَا هُوَ دَاخِلٌ فِي بَابِ الْإِجْمَاعِ ، وَلَا مَعْنَى لِهَذَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلُ قَائِلٍ - أَعْنِي : أَنَّهُ لَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى الْإِجْمَاعِ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ قَوْلٌ فِي الْمَسْأَلَةِ - . وَأَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يُرْوَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنِ الصَّحَابَةِ ، وَأَيُّ خِلَافِ أَعْظَمُ مِنْ خِلَافِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ رَوَوْا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ - أَعْنِي : خِلَافَهُمْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَجَازُوا صَلَاةَ الْوِتْرِ بَعْدَ الْفَجْرِ .
وَالَّذِي عِنْدِي فِي هَذَا أَنَّ هَذَا مِنْ فِعْلِهِمْ لَيْسَ مُخَالِفًا لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، ( أَعْنِي : فِي إِجَازَتِهِمُ الْوِتْرَ 171 بَعْدَ الْفَجْرِ ) ، بَلْ إِجَازَتُهُمْ ذَلِكَ هُوَ مِنْ بَابِ الْقَضَاءِ لَا مِنْ بَابِ الْأَدَاءِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ قَوْلُهُمْ خِلَافَ الْآثَارِ لَوْ جَعَلُوا صَلَاتَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ مِنْ بَابِ الْأَدَاءِ ، فَتَأَمَّلْ هَذَا .
وَإِنَّمَا يَتَطَرَّقُ الْخِلَافُ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ بَابِ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَلِ الْقَضَاءُ فِي الْعِبَادَةِ الْمُؤَقَّتَةِ يَحْتَاجُ إِلَى أَمْرٍ جَدِيدٍ أَمْ لَا ؟ - أَعْنِي : غَيْرَ أَمْرِ الْأَدَاءِ - ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ بِهِمْ أَلْيَقُ ، فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ هَذَا الْمَذْهَبُ مِنْ أَنَّهُمْ أُبْصِرُوا يَقْضُونَ الْوِتْرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي نُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ قَوْلًا - أَعْنِي : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنَّ وَقْتَ الْوِتْرِ مِنْ بَعْدِ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ - ، فَلَيْسَ يَجِبُ لِمَكَانِ هَذَا أَنْ يُظَنَّ بِجَمِيعِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ أُبْصِرَ يُصَلِّي الْوِتْرَ بَعْدَ الْفَجْرِ ، فَيَنْبَغِي أَنْ تَتَأَمَّلَ صِفَةَ النَّقْلِ فِي ذَلِكَ عَنْهُمْ .
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي وَقْتِ الْوِتْرِ عَنِ النَّاسِ خَمْسَةَ أَقْوَالٍ :
مِنْهَا الْقَوْلَانِ الْمَشْهُورَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْتُهُمَا .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُصَلِّي الْوِتْرَ وَإِنْ صَلَّى الصُّبْحَ ، وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ يُصَلِّيهَا وَإِنْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ .
وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ يُوتِرُ مِنَ اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ .
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إِنَّمَا سَبَبُهُ : اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْكِيدِهِ وَقُرْبِهِ مِنْ دَرَجَةِ الْفَرْضِ ، فَمَنْ رَآهُ أَقْرَبَ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَبْعَدَ مِنَ الزَّمَانِ الْمُخْتَصِّ بِهِ ، وَمَنْ رَآهُ أَبْعَدَ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ فِي زَمَانٍ أَقْرَبَ ، وَمَنْ رَآهُ سُنَّةً كَسَائِرِ السُّنَنِ ضَعُفَ عِنْدَهُ الْقَضَاءُ ، إِذِ الْقَضَاءُ إِنَّمَا يَجِبُ فِي الْوَاجِبَاتِ ، وَعَلَى هَذَا يَجِيءُ اخْتِلَافُهُمْ فِي قَضَاءِ صَلَاةِ الْعِيدِ لِمَنْ فَاتَتْهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُفَرِّقَ فِي هَذَا بَيْنَ النَّدَبِ وَالْوَاجِبِ - أَعْنِي : أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الْقَضَاءَ فِي الْوَاجِبِ يَكُونُ بِأَمْرٍ مُتَجَدِّدٍ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَجِبُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ أَنْ يَعْتَقِدَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي النَّدْبِ .
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقُنُوتِ فِيهِ : فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَقْنُتُ فِيهِ ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فِي النِّصْفِ الْآخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ ، وَقَوْمٌ فِي رَمَضَانَ كُلِّهِ .
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ : اخْتِلَافُ الْآثَارِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْقُنُوتُ مُطْلَقًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ الْقُنُوتُ شَهْرًا ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ آخِرُ أَمْرِهِ لَمْ يَكُنْ يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ ، وَأَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ .
وَأَمَّا صَلَاةُ الْوِتْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ : فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعْنِي : أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الرَّاحِلَةِ - وَهُوَ مِمَّا يَعْتَمِدُونَهُ فِي الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرْضٍ إِذَا كَانَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " أَنَّهُ كَانَ يَتَنَفَّلُ عَلَى الرَّاحِلَةِ " . وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى قَطُّ مَفْرُوضَةً عَلَى الرَّاحِلَةِ . وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلِمَكَانِ اتِّفَاقِهِمْ مَعَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ ؛ وَهُوَ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ الْوِتْرَ فَرْضٌ ، وَجَبَ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تُصَلَّى عَلَى الرَّاحِلَةِ ، وَرَدُّواَ الْخَبَرَ بِالْقِيَاسِ وَذَلِكَ ضَعِيفٌ .