← الاستذكار
الاستذكار
#18 ☰ باب وقوت الصلاة
A− A+

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ ، عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَبْدٍ ، قَالَ : " وَلَّى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بَعْدَ صَلاةِ الْجُمُعَةِ ، فَأَنْكَرْتُ حَالَهُ فِي الْعَصْرِ "

وَقَدْ أَوْضَحْنَا جَهْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لِنُزُولِ جِبْرِيلَ ، بِمَوَاقِيتِ الصَّلاةِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ ، وَأَنَّهُمَا إِنَّمَا جَهِلا مِنْ ذَلِكَ نُزُولَ جِبْرِيلَ بِفَرْضِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ ، وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ آيَةٌ مُفْصِحَةٌ بِذَلِكَ تَرْفَعُ الإِشْكَالَ ، وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ آيَةٌ تُتْلَى مَا جَهِلَهَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَلا مِثْلُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ . وَقَدْ جَازَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهُمْ جَهْلُ كَثِيرٍ مِنَ السُّنَنِ الْوَارِدَةِ ، عَلَى أَلْسِنَةِ خَاصَّةِ الْعُلَمَاءِ . وَلا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ ، إِلا وَقَدْ شَذَّ عَنْهُ بَيْنَ علم الخاصة واردة بنقل الآحاد أشياء حفظها غيره ، وذلك على من بعدهم أجوز , والإحاطة ممتنعة على كل أحد . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الصَّلاةِ مِنْ فَرَائِضِهَا ، وَأَنَّهَا لا تُجْزِئُ قَبْلَ وَقْتِهَا ، وَهَذَا لا خِلافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ، وَعَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ ، وَقَدِ انْعَقَدَ الإِجْمَاعُ عَلَى خِلافِهِ ، فَلَمْ نَرَ لِذِكْرِهِ وَجْهًا ، لأَنَّهُ لا يَصِحُّ عِنْدِي عَنْهُمْ ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى خِلافُهُ بِمَا يُوَافِقُ الْجَمَاعَةَ ، فَصَارَ اتِّفَاقًا صَحِيحًا . وَالْوَقْتُ أَوَّلُ فَرَائِضِ الصَّلاةِ ، لأَنَّهُ لا يَلْزَمُ الْوُضُوءُ لَهَا إِلا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا ، وَالْمُتَوَضِّئُ قَبْلَ الْوَقْتِ مُتَبَرِّعٌ مُبَادِرٌ إِلَى فَضْلٍ ، وَمُتَأَهِّبٌ لِفَرْضٍ ، وَمِنَ الدَّلِيلِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الأَوْقَاتِ أَيْضًا مِنْ فَرَائِضِ الصَّلَوَاتِ ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ وَالإِجْمَاعِ ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا سورة الإسراء آية 78 قَالَ مَالِكٌ : أَوْقَاتُ الصَّلاةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ سورة الإسراء آية 78 يَعْنِي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ ، إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ سورة الإسراء آية 78 يَعْنِي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ ، وَقُرْءَانَ الْفَجْرِ سورة الإسراء آية 78 يَعْنِي صَلاةَ الْفَجْرِ ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ، مِنْهُمُ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَغَيْرُهُمْ . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَطَائِفَةٍ أَنَّهُمْ ، قَالُوا : أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَوْلُهُ : فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ سورة الروم آية 17 فَ حِينَ تُمْسُونَ سورة الروم آية 17 : الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ ، وَحِينَ تُصْبِحُونَ سورة الروم آية 17 : الصُّبْحُ ، وَعَشِيًّا سورة الروم آية 18 الْعَصْرَ ، وَحِينَ تُظْهِرُونَ سورة الروم آية 18 الظُّهْرَ ، ثُمَّ قَالَ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ سورة النور آية 58 . وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ جَاءَ عَنِ السَّلَفِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُقْطَعُ بِهِ ، وَلا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، لأَنَّ التَّسْبِيحَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الذِّكْرُ : قَوْلُ سُبْحَانَ اللَّهِ ، وَهِيَ كَلِمَةُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَبَارَكَ اسْمُهُ ، عَنْ كُلِّ مَا نَزَّهَ عَنْهُ نَفْسَهُ . وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ سورة الإسراء آية 78 لَوْ تركْنَا وَظَاهِرُ هَذَا الْقَوْلِ لَوَجَبَتِ الصَّلاةُ مِنَ الزَّوَالِ ، عِنْدَ مَنْ جَعَلَ دُلُوكَهَا زَوَالَهَا إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ ، فَلَيْسَ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ شَيْءٌ وَاضِحٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ . وَأَصْبَحَ ذَلِكَ نُزُولُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِأَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ مُفَسّرَة ، وَهِيَ فِي الْكِتَابِ مُجْمَلَةٌ ، وَكَذَلِكَ الصَّلاةُ وَالزَّكَاةُ مُجْمَلاتٌ أَوْضَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَّنَهَا ، كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ سورة النحل آية 44 فَبَيَّنَهَا عَلَيْهِ السَّلامُ ، بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، فَمِنْ بَيَانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ، مَا نَقَلَهُ الآحَادُ الْعُدُولُ ، وَمِنْهَا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ ، فَقَطَع الْعُذْرَ ، وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ، وَنَحْنُ ذَاكِرُونَ مَا وَصَلَ إِلَيْنَا عِلْمُهُ مِنْ إِجْمَاعِهِمْ فِي مَوَاقِيتِ الصَّلاةِ ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ ذَلِكَ بِعَوْنِ اللَّهِ ، لا شَرِيكَ لَهُ . أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ ، أَنَّ أَوَّلُ وَقْتِ صَلاةِ الظُّهْرِ زَوَالَ الشَّمْسِ عَنْ كَبِدِ السَّمَاءِ وَوَسَطِ الْقِبْلَةِ ، إِذَا اسْتُوقِنَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ بِالتَّفَقُّدِ وَالتَّأَمُّلِ ، وَذَلِكَ ابْتِدَاءُ زِيَادَةِ الظِّلِّ بَعْدَ تَنَاهِي نُقْصَانِهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ، وَإِنْ كَانَ الظِّلُّ مُخَالِفًا فِي الصَّيْفِ لَهُ فِي الشِّتَاءِ ، فَإِذَا تَبَيَّنَ زَوَالُ الشَّمْسِ بِمَا ذَكَرْنَا ، أَوْ بِغَيْرِهِ ، فَقَدْ دَخَلَ وَقْتُ الظُّهْرِ . هَذَا مَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ الْعُلَمَاءُ , أَنَّ زَوَالَ الشَّمْسِ أَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ سورة الإسراء آية 78 وَدُلُوكُهَا مَيْلُهَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : دُلُوكُهَا : غُرُوبُهَا ، وَاللُّغَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْقَوْلَيْنِ ، وَالأَوَّلُ أَكْثَرُ . وَكَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ أَنْ يُؤَخِّرُوهَا بَعْدَ الزَّوَالِ حَتَّى يَكُونَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا ، عَلَى مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ إِلَى عُمَّالِهِ ، وَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ صَيْفًا وَشِتَاءً . وَرَوَى غَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ ، أَنَّ أَحَبَّ الأَمْرِ إِلَيْهِ فِي أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ الْبِدَارُ إِلَيْهَا فِي أَوَائِلِ أَوْقَاتِهَا ، إِلا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، فَإِنَّهُ يُبْرِدُ بِهَا . قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : قَالَ مَالِكٌ : أَوَّلُ الْوَقْتِ أَفْضَلُ فِي كُلِّ صَلاةٍ ، إِلا الظُّهْرَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ . وَفِي كِتَابِ عُمَرَ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنْ صَلِّ الظُّهْرَ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ . وَسُنَبَيِّنُ مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ عَنْ عُمَرَ بَعْدُ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ بَعْدَ الْغُدُوِّ ، الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ . وَبِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَجَمَاعَةٌ . وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ لِمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ ، أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعَصْرَ بَعْدَ هَذَا الْمِقْدَارِ قَلِيلا . وَهَذَا كُلُّهُ آخِرُ الْوَقْتِ الْمُخْتَارِ ، وَكَذَلِكَ هُوَ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لأَهْلِ الرَّفَاهِيَةِ ، وَأَمَّا أَهْلُ الضَّرُورَاتِ ، وَمَنْ لَهُمُ الاشْتِرَاكُ فِي الأَوْقَاتِ ، فَسَيَأْتِي ذِكْرُ حُكْمِهِمْ فِي مَوْضِعِهِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَفِي الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ بِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ، مَا يُوَضِّحُ لَكَ أَنَّ آخِرَ وَقْتِ الظُّهْرِ هُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ، لأَنَّهُ صَلَّى بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِمَا السَّلامُ الظُّهْرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ بِالأَمْسِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَدَاوُدُ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ ، إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، إِلا أَنَّ بَيْنَ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَأَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَاصِلَة ، وَهِيَ أَنْ يَزِيدَ الظِّلُّ أَدْنَى زِيَادَةٍ عَلَى الْمِثْلِ . وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ، أَنَّهُ قَالَ : " لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلاةَ ، حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الأُخْرَى " . وَهَذَا عِنْدَهُمْ فِيمَا عَدَا الصُّبْحِ ، لِلإِجْمَاعِ فِي الصُّبْحِ أَنَّهَا يَخْرُجُ وَقْتُهَا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ ، فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الأُخْرَى فَلا . وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ، أَنَّهُ قَالَ : " وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ " . وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ أَبِي قَتَادَةَ ، وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، مِنْ طُرُقٍ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ ، وَأَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهُوَيْهِ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ . وَلَمْ يَذْكُرُوا فَاصِلَةً ، إِلا أَنَّ قَوْلَهُمْ : ثُمَّ يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ يَقْتَضِي الْفَاصِلَةَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ ، إِذَا كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، فَخَالَفَ الآثَارَ وَالنَّاسَ ، لِقَوْلِهِ بِالْمِثْلَيْنِ فِي آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ . وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ رِوَايَةً أُخْرَى ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ حِينَ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ ، مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ ، وَلا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ حَتَّى يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ . فَتَرَكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَقْتًا مُفْرَدًا لا يَصْلُحُ لأَحَدِهِمَا ، وَهَذَا لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ أَيْضًا . وَأَمَّا أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ مَا ذَكَرْنَا فِيهِ ، وَمِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى مَا وَصَفْنَاهُ ، وَمِنْ قَوْلِ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا فِي مُرَاعَاةِ الْمَيْلِ مِنَ الظِّلِّ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ ، وَهُوَ كُلُّهُ مَعْنَى مُتَقَارِبٌ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ مِنْ حِينَ يَصِيرُ الظِّلُّ مِثْلَيْنِ . وَهَذَا خِلافُ الآثَارِ ، وَخِلافُ الْجُمْهُورِ ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ مَهْجُورٌ . وَاخْتَلَفُوا فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ ، فَقَالَ مَالِكٌ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتِ الشَّمْسُ عَلَيْهِ . وَهَذَا عِنْدَنَا مَحْمُولٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الاخْتِيَارِ ، وَمَا دَامَتِ الشَّمْسُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً فَهُوَ وَقْتٌ مُخْتَارٌ أَيْضًا لِصَلاةِ الْعَصْرِ عِنْدَهُ ، وَعِنْدَ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ لَمْ تَدْخُلْهَا صُفْرَةٌ ، فَقَدْ صَلاهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُرَاعَاةَ الْمِثْلَيْنِ ، عِنْدَهُمُ اسْتِحْبَابٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، فِي آخِرِ وَقْتِ الْعَصْرِ أَنْ يَكُونَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ ، بَعْدَ الْقَدْرِ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ ابْنُهُ : الْقَامَتَانِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ مَذْكُورَتَانِ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ، وَعَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ . قَالَ : وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ، وَبِهِ نَأْخُذُ . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يَذْكُرُ الْقَامَتَيْنِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَقُولُ : وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ : آخِرُ وَقْتِ الْعَصْرِ اصْفِرَارُ الشَّمْسِ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ : الظُّهْرُ ، وَالْعَصْرُ ، آخِرُ وَقْتِهِمَا غُرُوبُ الشَّمْسِ . وَهَذَا كُلُّهُ لأَهْلِ الضَّرُورَاتِ : كَالْحَائِضِ ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَمَنْ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : إِنْ صَلاهَا وَلَمْ تَتَغَيَّرِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَجْزَأَهُ ، وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَهَا ، إِذَا كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : أَوَّلُ وَقْتِهَا فِي الصَّيْفِ إِذَا جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بِشَيْءٍ مَا كَانَ ، وَمَنْ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى يُجَاوِزَ ظِلُّ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ فِي الصَّيْفِ ، أَوْ قَدْرَ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ فَقَدْ فَاتَهُ وَقْتُ الاخْتِيَارِ ، وَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ : فَاتَهُ وَقْتُ الْعَصْرِ مُطْلَقًا كَمَا جَازَ عَلَى الَّذِي أَخَّرَ الظُّهْرَ ، إِلَى أَنْ جَاوَزَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ . قَالَ : وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ ، أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ " . وَحُجَّةٌ مِنْ ذَهَبٍ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى الأَحَادِيثُ فِي إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ، مَعَ حَدِيثِ الْعَلاءِ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ تُسْتَعْمَلُ الأَحَادِيثُ كُلُّهَا ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ . وقال أبو يوسف ، ومحمد : وقت العصر إذا كان ظل كل شيء قامته ، فيزيد على القامة إلى أن تتغير الشمس . وقال أبو ثور : أول وقتها إذا صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال ، وزاد على الظل زيادة تتبين إلى أن تصفر الشمس . وقول أحمد بن حنبل : آخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس . وقال إسحاق بن راهويه : آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة ، قبل الغروب . وهو قول داود لكل الناس : معذور وغير معذور ، صاحب ضرورة وصاحب رفاهية ، إلا أن الأفضل غيره . وعند إسحاق بن راهويه أيضا : أول الوقت . وقال الأوزاعي : إن ركع ركعة قبل غروبها ، وركعة بعد غروبها فقد أدركها . وحجته حديث أبي هريرة ، عن النبي عليه السلام : " من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ، فقد أدرك العصر " . واختلفوا في آخر وقت المغرب ، بعد إجماعهم على أن وقتها غروب الشمس . فالظاهر من قول مالك أن وقتها وقت واحد عند مغيب الشمس ، وبهذا تواترت الروايات عنه ، إلا أنه قال في الموطأ : فإذا غاب الشفق ، فقد خرج وقت المغرب ودخل وقت العشاء . وبهذا قال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن ، وابن حي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وداود ، والطبري ، كل هؤلاء يقولون : آخر وقت المغرب مغيب الشفق ، والشفق عندهم الحمرة . وحجتهم في ذلك حديث أبي موسى الأشعري ، ومثله حديث بريدة الأسلمي ، أن رسول الله عليه السلام صلاها عند سؤال السائل عن مواقيت الصلوات ، فلم يرد عليه شيئا ، وأمر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر ، والناس لا يعرف بعضهم بعضا ، ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس ، ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة ، ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس ، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ، ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها ، والقائل يقول : طلعت الشمس ، أو كادت ، ثم أخر الظهر حتى كان قريبا من العصر ، ثم أخر العصر حتى خرج منها والقائل يقول : احمرت الشمس ، ثم أخر المغرب حتى كان سقوط الشفق ، ثم أخر العشاء حتى كان ثلث الليل ، ثم أصبح فدعا السائل ، فقال له : الوقت فيما بين هذين . وقد ذكرنا إسناد الحديث ، وحديث بريدة وغيرهما بهذا المعنى في التمهيد . قالوا : وهذه الآثار أولى من آثار إمامة جبريل ، لأنها متأخرة بالمدينة ، وإمامة جبريل كانت بمكة ، والآخر من فعله أولى ، لأنه زيادة على الأولى . واحتجوا بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، وفيه : " ووقت المغرب ، ما لم يسقط الشفق " . وحديث أبي بصرة الغفاري ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صلى العصر ، قال : " لا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد " . والشاهد : النجم . وحديث عائشة ، وأنس بن مالك ، عن النبي عليه السلام : " إذا حضرت العَشاء وأقيمت الصلاة ، فابدءوا بالعَشاء " . وكل ذلك يدل على سعة الوقت ، وقد قرأ فيها بالطور وبالصافات والأعراف . وقد ذكرنا الآثار بها كلها في التمهيد . وقال الشافعي في وقت المغرب قولين : أحدهما : أنه ممدود إلى مغيب الشفق كما نزع إليه مالك في الموطأ . والآخر : وهو المشهور عنه ، أن وقتها واحد لا وقت لها غيره في الاختيار ، وذلك حين تجب الشمس . قال : وذلك بيّن في إمامة جبريل . قال : ولو جاز أن تقاس المواقيت لقيل : لا تفوت حتى يدخل أول وقت العشاء ، قبل أن يصلي منها ركعة كما قال في العصر ، ولكن المواقيت لا تؤخذ قياسا . وقال الثوري : وقت المغرب إذا غربت الشمس ، فإن حبسك عذر فأخرتها إلى أن يغيب الشفق في السفر ، فلا بأس بها ، وكانوا يكرهون تأخيرها . قال أبو عمر : المشهور من مذهب مالك ، ما ذهب إليه الشافعي ، والثوري في وقت المغرب . والحجة لهم أن كل حديث ذكرناه في التمهيد في إمامة جبريل ، على تواترها ، لم تختلف في أن للمغرب وقتا واحدا . وقد روي مثل ذلك عن النبي عليه السلام ، من حديث أبي هريرة ، وجابر بن عبد الله ، وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وكلهم صحبة بالمدينة ، وحكي عنه صلاته بها ، وأنه لم يصل المغرب في الوقتين ، لكن في وقت واحد ، وسائر الصلوات في وقتين . على أن مثل هذا يؤخذ عملا ، لأنه لا يغفل عنه ، ولا يجوز جهله ولا نسيانه . وقد حكى محمد بن خويز منداد البصري المالكي , في كتابه في الخلاف ، أن الأمصار كلها بأسرها لم يزل المسلمون فيها على تعجيل المغرب والمبادرة إليها في حين غروب الشمس ، ولا نعلم أحدا من المسلمين أخر إقامة المغرب في مسجد جماعة عن وقت غروب الشمس . وفي هذا ما يكفي مع العمل بالمدينة في تعجيلها ، ولو كان وقتها واسعا لعمل المسلمون فيها كعملهم في العشاء الآخرة ، وسائر الصلوات من أذان واحد من المؤذنين بعد ذلك , وغير ذلك مما يحملهم عليه اتساع الوقت . وفي هذا كله دليل على أن النبي عليه السلام ، لم يزل يصليها وقتا واحدا إلى أن مات عليه السلام . ولو وسع لهم لاتسعوا ، لأن شأن العلماء الأخذ بالتوسعة . وهذا كله على وقت الاختيار والترغيب في هذه الصلاة ، فالبدار إلى الوقت المختار . وقد زدنا هذا المعنى بيانا في التمهيد ، وذكرنا الآثار المسندة بهذا المعنى هناك أيضا ، والحمد لله . وأجمعوا على أن وقت العشاء الآخرة للمقيم ، مغيب الشفق الذي هو الحمرة ، هذا قول مالك ، والشافعي ، والثوري ، والأوزاعي ، وأكثر العلماء في الشفق . وقال أحمد بن حنبل : أما في الحضر ، فأحب إلي ألا يصلي حتى يذهب البياض ، وأما في السفر ، فيجزئه أن يصلي إذا ذهبت الحمرة . واختلفوا في آخر وقتها ، فالمشهور من مذهب مالك في آخر وقت العشاء في السفر والحضر ، لغير أصحاب الضرورات ثلث الليل ، ويستحب لأهل مساجد الجماعات ، ألا يعجلوا بها في أول وقتها ، إذا كان ذلك غير مضر بالناس ، وتأخيرها قليلا أفضل عنده . وقد روي عنه ما قدمناه ، أن أوائل الأوقات أحب إليه في كل صلاة ، إلا في الظهر في شدة الحر ، فإنها يبرد بها . وأما رواية ابن وهب ، عن مالك ، قال : وقتها من حين يغيب الشفق إلى أن يطلع الفجر ، فإنما ذلك لمن له الاشتراك من أهل الضرورات . وقال أبو حنيفة وأصحابه : المستحب في وقتها إلى ثلث الليل ، ويكره تأخيرها إلى بعد نصف الليل ، ولا تفوت إلا بطلوع الفجر . وقال الشافعي : آخر وقتها أن يمضي ثلث الليل ، فإذا مضى ثلث الليل ، فلا أراها إلا فائتة ، يعني وقتها المختار ، لأنه ممن يقول بالاشتراك لأهل الضرورات . وقال أبو ثور : وقتها من مغيب الشفق إلى ثلث الليل . وقال داود : وقتها من مغيب الشفق إلى طلوع الفجر . قال أبو عمر : في أحاديث إمامة جبريل من رواية بن عباس , وجابر ، ثلث الليل . وكذلك في حديث أبي موسى بالمدينة للسائل . وفي حديث أبي مسعود الأنصاري ، وحديث أبي هريرة : ساعة من الليل . وفي حديث عبد الله بن عمر : ونصف الليل . وحديث علي مثله ، وحديث ابن عمر مثله ، وكلها مسندة . وقد ذكرتها في كتاب التمهيد بأسانيدها . وروى أبو سعيد الخدري ، وأبو هريرة ، عن النبي عليه السلام قال : " لولا أن أشق على أمتي ، لأخرت العشاء إلى نصف الليل " . وفي حديث أبي هريرة : إلى ثلث الليل . وهذا يحتمل الوجهين ، لأنه يدل على أن الاختيار التعجيل , خوف المشقة . وأجمعوا على أن أول وقت صلاة الصبح ، طلوع الفجر وانصداعه ، وهو البياض المعترض في الأفق الشرقي في آخر الليل ، وهو الفجر الثاني الذي ينتشر ويظهر ، وأن آخر وقتها طلوع الشمس . إلا أن ابن القاسم روى عن مالك آخر وقتها الإسفار . وكذلك حكى عنه ابن عبد الحكم أن آخر وقتها ، الإسفار الأعلى . وقال ابن وهب : آخر وقتها طلوع الشمس . وهو قول الثوري والجماعة ، إلا أن منهم من شرط إدراك ركعة منها قبل الطلوع ، على حسب ما مضى في العصر . قال الشافعي : لا تفوت صلاة الصبح حتى تطلع الشمس ، قبل أن يدرك منها ركعة بسجودها ، فمن لم تكمل له ركعة قبل طلوع الشمس ، فقد فاتته . وهو قول أبي ثور ، وأحمد ، وإسحاق ، وداود ، والطبري ، وأبي عبيد . وأما أبو حنيفة وأصحابه ، فإنهم يفسدون صلاة من طلعت عليه الشمس وهو يصليها ، وسيأتي ذكر حجتهم ، والحجة عليهم في حديث زيد بن أسلم . وأما قول عروة : ولقد حدثتني عائشة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها ، قبل أن تظهر " ، فمعناه عندهم , قبل أن يظهر الظل على الجدار ، يريد قبل أن يرتفع ظل حجرتها على جدرها . وكل شيء علا شيئا فقد ظهر عليه ، قال الله تعالى : فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ سورة الكهف آية 97 . أي يعلوا عليه . وقال النابغة الجعدي : بلغنا السماء مجدنا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا أي مرتقى وعلوا . وقيل : معناه أن يخرج الظل من قاعة حجرتها . وكل شيء خرج أيضا فقد ظهر ، والحجرة : الدار ، وكل ما أحاط به حائط فهو حجرة . وفي الحديث دليل على قصر بنيانهم وحيطانهم ، لأن الحديث إنما قصد به تعجيل العصر ، وذلك إنما يكون مع قصر الحيطان . وإنما أراد عروة بذلك ليُعلم عمر بن عبد العزيز ، عن عائشة ، أن النبي كان يصلي العصر ، قبل الوقت الذي أخرها إليه عمر . وقد ذكرنا في كتاب التمهيد ، عن الحسن البصري ، قال : كنت أدخل بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنا محتلم فأنال سقفها بيدي ، وذلك في خلافة عثمان . وقال الأوزاعي : كان عمر بن عبد العزيز يصلي الظهر في الساعة الثامنة ، والعصر في الساعة العاشرة حين يدخل ، حدثني بذلك عاصم بن رجاء بن حيوة . قال أبو عمر : هذه حاله إذ صار خليفة ، وحسبك به اجتهادا في خلافته . روى الليث بن سعد ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة ، أنها قالت : " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها ، لم يظهر الفيء من حجرتها " . ورواه ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس في حجرتي بيضاء نقية ، لم يظهر الفيء بعد " . . وفي رواية معمر لهذا الحديث , عن ابن شهاب ، قال : قال عمر , لعروة : " انظر ما تقول يا عروة ، أو أن جبريل هو سن وقت الصلاة ، فقال له عروة : كذلك حدثني بشير بن أبي مسعود الأنصاري ، فما زال عمر يعتلم وقت الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا . وقد روي أنه ولى بعد الجمعة ، فأنكرت حاله في العصر . وفيه دليل على قبول خبر الواحد ، لأن عمر قبل خبر عروة وحده فيما جهل من أمر دينه ، وهذا منا على التنبيه ، فإن قبول خبر الواحد مستفيض عند الناس ، مستعمل لا على سبيل الحجة ، لأنا لا نقول : إن خبر الواحد حجة في قبول خبر الواحد على من أنكره . وقد أفردنا للحجة في خبر الواحد كتابا ، والحمد لله ، وفيه ما كان عليه العلماء من صحبة الأمراء . وكان عمر بن عبد العزيز يصحبه جماعة من العلماء ، منهم : رجاء بن حيوة ، وابن شهاب ، وعروة ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، وأخلق بالأمير إذا صحب العلماء ، أن يكون عدلا فاضلا . وروى حماد بن زيد ، عن محمد بن الزبير ، قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز ، فسألني عن الحسن كما يسأل الرجل عن ولده ، فقال : كيف طعمته ؟ وهل رأيته يدخل على عدي بن أرطاة ؟ وأين مجلسه منه ؟ وهل رأيته يطعم عند عدي ؟ قلت : نعم . وقد أوضحنا هذا المعنى في كتاب جامع العلم وفضله ، وما ينبغي في روايته وحمله . كانوا يقولون : خير الأمراء من صحب العلماء ، وشر العلماء من صحب الأمراء ، إلا من قال بالحق ، وأمر بالمعروف ، وأعان الضعيف . حديث ثان مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، أنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسأله عن وقت صلاة الصبح ، قال : فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إذا كان من الغد ، صلى الصبح حين طلع الفجر ، ثم صلى الصبح من الغد بعد أن أسفر ، ثم قال : " أين السائل عن وقت الصلاة ؟ " قال : ها أنذا يا رسول الله ، فقال : " ما بين هذين وقت " . لم يختلف الرواة عن مالك في إرسال هذا الحديث ، وقد يتصل معناه من وجوه شتى , من حديث جابر ، وحديث أبي موسى ، وحديث عبد الله بن عمر ، وحديث بريدة الأسلمي ، إلا أن فيها سؤال السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن مواقيت الصلاة جملة ، وإجابته فيها كلها على حسب ما ذكرناه من ذلك في التمهيد ، وفيها كلها في الصبح معنى حديث مالك هذا . وقد روى حميد الطويل ، عن أنس بن مالك ، أن رجلا سأل النبي عليه السلام ، عن صلاة الصبح ، فذكر مثل مرسل عطاء بن يسار هذا سواء ، وقد ذكرنا حديث حميد من وجوه في التمهيد . وبلغني أن سفيان بن عيينة حدث بهذا الحديث عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أنس بن مالك ، عن النبي عليه السلام . والصحيح في حديث عطاء الإرسال ، كما رواه مالك ، وحديث حميد عن أنس متصل صحيح . في هذا الحديث من الفقه : تأخير البيان عن وقت السؤال وقت آخر يجب فيه فعل ذلك . فأما تأخير البيان عن حين تكليف الفعل والعمل ، حتى ينقضي وقته ، فغير جائز عند الجميع . وهذا باب طال فيه الكلام بين أهل النظر من أهل الفقه ، وقد أوضحناه في التمهيد . وقد يكون البيان بالفعل فيما سبيله العمل ، أثبت في النفوس من القول ، دليل ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس الخبر كالمعاينة " . رواه ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يروه غيره . وفي هذا الحديث أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر ، وأن آخر وقتها ممدود إلى آخر الإسفار على ما مضى في الحديث الذي قبل هذا . ولا خلاف بين علماء المسلمين في أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر ، على ما في هذا الحديث وظهوره للعين . والفجر : هو أول بياض النهار الظاهر في الأفق الشرقي ، المستطير المنير المنتشر ، تسميه العرب : الخيط الأبيض . قال الله عز وجل : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ سورة البقرة آية 187 . يريد بياض النهار من سواد الليل . وقال أبو دؤاد الإيادي : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا وقال آخر : قد كاد يبدو، أو بدت تباشره وسدف الليل البهيم ساتره وسمته أيضا : الصديع ، ومنه قولهم : انصدع الفجر . قال بشر بن أبي خازم ، أو عمرو بن معد يكرب : به السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبته الصديع وشبهه الشماخ بمفرق الرأس لمن فرق شعره ، فقال : إذا ما الليل كان الصبح فيه أشق كمفرق الرأس الدهين ويقولون للأمر الواضح : هذا كفلق الصبح ، وتباشير الصبح ، وكانبلاج الفجر . وقد زدنا هذا بيانا في التمهيد . وفي قوله صلى الله عليه وسلم : " ما بين هذين وقت " ، دليل على سعة الوقت في صبح وفي غيرها من الصلوات ، على ما قد أوضحنا فيما مضى من الأوقات . ونزع بقوله : " ما بين هذين وقت "، إلى جعل أول الوقت كآخره في الفضل . ومال إلى ذلك بعض أصحاب مالك ، وقال به أهل الظاهر ، وخالفهم جمهور العلماء ، ونزعوا بأشياء قد ذكرتها في التمهيد ، وعمدتها أن المبادر إلى أداء فرضه في أول الوقت ، أفضل من المتأني به ، وطالب الرخصة في السعة فيه ، بدليل قوله عز وجل : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ سورة البقرة آية 148 ، وقوله : سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ سورة الحديد آية 21 . وقال عليه السلام : " أول الوقت رضوان الله ، وآخره عفو الله " . وقال عليه السلام : " أفضل الأعمال ، الصلاة لأول وقتها " . وقد ذكرنا الحديث في التمهيد . واختلف الفقهاء في الأفضل من صلاة الصبح ، فذهب الكوفيون ، وأبو حنيفة وأصحابه ، والثوري ، والحسن بن حي ، وأكثر العراقيين ، إلى أن الإسفار بها أفضل من التغليس في الأزمنة كلها : الشتاء ، والصيف . واحتجوا بحديث رافع بن خديج ، عن النبي عليه السلام : " أسفروا بالصبح ، فكلما أسفرتم فهو أعظم للأجر " . وقد ذكرنا هذا الحديث ، وبينا علته على مذهب من علله في التمهيد . وذكروا عن علي ، وابن مسعود ، أنهما كانا يسفران بالصبح جدا . وكان مالك ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، والشافعي ، يذهبون إلى أن التغليس بصلاة الصبح أفضل ، وهو قول أحمد بن حنبل ، وأبي ثور ، وداود بن علي ، وأبي جعفر الطبري . ومن حجتهم حديث عائشة : " أن رسول الله عليه السلام كان يصلي فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ، ما يعرفن من الغلس " . وذكروا عن أبي بكر ، وعمر ، أنهما كانا يغلسان ، وأنه لما قتل عمر ، أسفر بها عثمان . ولم يختلف المسلمون في فضل البدار إلى المغرب ، وكذلك سائر الصلوات في القياس ، عند تعارض الآثار . وقد أوضحنا معنى الإسفار في قوله : أسفروا بالفجر في التمهيد ، واختصار ذلك أن الإسفار : التبين ، والتبين بالفجر إذا انكشف واتضح ليلا , يصلي في مثله من دخول الوقت ، ومن ذلك قول العرب : أسفرت المرأة عن وجهها : إذا كشفت عنه . حديث ثالث مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أنها قالت : " إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح ، فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ، ما يعرفن من الغلس " . روى يحيى بن يحيى : " متلففات " : بالفاء ، وتابعه طائفة من رواة الموطإ ، وأكثر الرواة على " ، متلفعات " ، بالعين ، والمعنى واحد ، والمروط : أكسية الصوف ، وقد قيل : المرط : كساء صوف سداه شعر . وفي هذا الحديث : التغليس بصلاة الصبح ، وهو الأفضل عندنا ، لأنها كانت صلاة رسول الله ، وأبي بكر ، وعمر ، ولفظ حديث عائشة هذا يدل على أنه كان الأغلب من فعله ، والذي كان يداوم عليه ، لقولها : كان رسول الله يصلي الصبح في وقت كذا ، أو على صفة كذا ، يدل على أن ذلك فعله دهره ، أو أكثر دهره ، والله أعلم . وإلى التغليس بها ذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وعامة فقهاء الحجاز ، وهو الأفضل عندهم ، وبه قال داود . وذهب الكوفيون إلى الإسفار بها ، على ما قدمنا ذكره عنهم ، وهو أفضل عندهم من قول طاوس ، وإبراهيم ، وجماعة . وقال الطحاوي : إنما تتفق معاني آثار هذا الباب بأن يكون دخوله عليه السلام ، مغلسا ، ثم يطيل القراءة حتى ينصرف عنها مسفرا . وهذا خلاف قول عائشة ، لأنها حكت أن انصراف النساء ، كان وهن لا يعرفن من الغلس . ولو قرأ عليه السلام ، بالسور الطوال ما انصرف الناس ، إلا وهم قد أسفروا ، بل دخلوا في الإسفار جدا . ألا ترى إلى أبي بكر حين قرأ بالبقرة في ركعتي صلاة الصبح فانصرف ، فقيل له : كادت الشمس أن تطلع ، فقال : " لو طلعت لما وجدتنا غافلين ؟ " . ورواه ابن عيينة ، وغيره ، عن ابن شهاب ، عن أنس ، أنه صلى خلف أبي بكر ، فذكره . وذكر عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : أي حين أحب إليك ، أن أصلي الصبح إماما وخلوا ؟ قال : حين ينفجر الفجر الآخر ، ثم تطول القراءة ، والركوع ، والسجود ، حتى تنصرف منها ، وقد تبلج النهار وتتام الناس . ولقد بلغني أن عمر بن الخطاب ، كان يصليها حين ينفجر الفجر الآخر ، وكان يقرأ في إحدى الركعتين بسورة يوسف . وأما قول عطاء الفجر الآخر فهو مأخوذ والله أعلم من حديث مرسل ذكره ابن وهب ، عن ابن أبي ذئب ، عن الحارث بن عبد الرحمن ، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، أن رسول الله عليه السلام ، قال : " هما فجران ، فأما الذي كأنه ذنب السرحان ، فإنه لا يحل شيئا ولا يحرم ، وأما المستطير الذي يأخذ الأفق فبه تحل الصلاة ويحرم الطعام على الصائم " . وقد غلط بعض من ألف في شرح الموطإ ، فزعم أن هذا الحديث رواه ثوبان ، عن النبي عليه السلام ، وهذا غلط بين ، أرسله محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ، وليس بينه وبين ثوبان مولى رسول الله نسب . وروي الإسفار والتنوير بالفجر عن علي ، وابن مسعود وأصحابهما ، وسعيد بن جبير ، وعمر بن عبد العزيز . وذكر ابن أبي شيبة ، عن ابن مهدي ، عن معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير ، قال : صلى بنا معاوية بغلس ، فقال أبو الدرداء : " أسفروا بهذه الصلاة ، فإنه أفقه لكم " .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
أحمد بن محمد←أحمد بن الفضل←محمد بن جرير←محمد بن سعيد←محمد بن عمر←ابن أبي سبرة←المنذر بن عبد