← تهذيب الآثار للطبري
تهذيب الآثار للطبري
#389 مقبول 439 ☰ ذكر من أنكر القصر في حال الأمن ولم يره إلا في…
A− A+

389 حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ ° ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ° ، عَنْ مَنْصُورٍ ° ، عَنْ مُجَاهِدٍ ° ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ ° ، قَالَ : " كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ ، وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ . قَالَ : فَصَلَّيْنَا الظُّهْرَ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : لَقَدْ كَانُوا عَلَى حَالٍ ، لَوْ أَرَدْنَا لأَصَبْنَا غَفْلَةً ، فَأُنْزِلَتْ آيَةُ الْقَصْرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ ، فَأَخَذَ النَّاسُ السِّلاحَ ، وَصَفُّوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ ، وَالْمُشْرِكُونَ مُسْتَقْبِلُوهُمْ ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَبَّرُوا جَمِيعًا ، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعُوا جَمِيعًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَرَفَعُوا جَمِيعًا ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ ، وَقَامَ الآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ ، فَلَمَّا فَرَغَ هَؤُلاءِ مِنْ سُجُودِهِمْ سَجَدَ هَؤُلاءِ ، ثُمَّ نَكَصَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَتَقَدَّمَ الآخَرُونَ ، فَقَامُوا فِي مَقَامِهِمْ ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَرَفَعُوا جَمِيعًا ، ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ وَقَامَ الآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ ، فَلَمَّا فَرَغَ هَؤُلاءِ مِنْ سُجُودِهِمْ ، سَجَدَ هَؤُلاءِ الآخَرُونَ ، ثُمَّ اسْتَوَوْا مَعَهُ ، فَقَعَدُوا جَمِيعًا ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا ، فَصَلَّى بِعُسْفَانَ ، وَصَلاهَا يَوْمَ بَنِي سُلَيْمٍ " ، حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ ° ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ° ، عَنْ شَيْبَانَ النَّحْوِيِّ ° ، عَنْ مَنْصُورٍ ° ، عَنْ مُجَاهِدٍ ° ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ ° ، وَعَنْ إِسْرَائِيلَ ° ، عَنْ مَنْصُورٍ ° ، عَنْ مُجَاهِدٍ ° ، عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ ° ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ

فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الأَخْبَارُ عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سورة النساء آية 101 ، بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ صِفَةِ فَرْضِهِ عَلَى الْخَائِفِ مِنْ عَدُوِّهِ فِي سَفَرِهِ ، فِي حَالِ دُخُولِهِ فِي صَلاتِهِ ، لا دِلالَةٌ عَلَى تَرْخِيصِهِ لِلْمُسَافِرِ فِي قَصْرِ الصَّلاةِ فِي حَالِ ضَرْبِهِ فِي الأَرْضِ بِكُلِّ حَالٍ وَبَعْدُ ، فَإِنَّ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلّ : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ سورة النساء آية 103 بَيَانًا وَاضِحًا عَنْ صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سورة النساء آية 101 مَعْنِيٌّ بِهِ الْقَصْرُ عَنْ حُدُودِهَا الْوَاجِبِ عَلَى الآمِنِ الْمُطْمَئِنِّ إِقَامَتُهَا عَلَيْهِ ، لأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ إِذْنًا بِالْقَصْرِ عَلَى مَبْلَغِ عَدَدِهَا لَقِيلَ : فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَتِمُّوا الصَّلاةَ ، وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا سورة النساء آية 101 ، وَبِالَّذِي عَلَيْهِ اسْتَشْهَدْنَا ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الإِذْنَ لِلْمُسَافِرِ الآمِنِ فِي سَفَرِهِ مِنْ عَدُوٍّ يَفْتِنُهُ ، الْمُطْمَئِنِّ فِيهِ مِنْ كَافِرٍ يَغْتَالُهُ مِنَ اللَّهِ لَهُ بِغَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ ، إِذْ كَانَتْ هَذِهِ الآيَةُ إِنَّمَا تَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ صِفَةِ صَلاةِ الْخَائِفِ مِنْ عَدُوِّهِ ، دُونَ الآمِنِ مِنْهُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ الإِذْنَ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَوْجُودًا بِنَصٍّ يُتْلَى ، فَإِنَّمَا ثَبَتَ بِوَحْيٍ كَانَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَيَّنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأُمَّتِهِ قَوْلا وَعَمَلا ، كَمَا قَالَ مَنْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَصْرُ الصَّلاةِ فِي السَّفَرِ إِذًا رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ ، لِمَنْ سَافَرَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ فِي حَالِ ضَرْبِهِ فِي الأَرْضِ ، بِتَرْخِيصِهِ ذَلِكَ لَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَالِ الأَمِنِ وَالطُّمَأْنِينَةِ ، لَيْسَ لَهُ قَصْرُ شَيْءٍ مِنْ حُدُودِهَا مَا كَانَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا ، فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ فَلَهُ قَصْرُهَا مِنْ حُدُودِهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِرَاسَةِ بَعْضٍ بَعْضًا فِيهَا ، وَتَقَدُّمٍ وَتَأَخُّرٍ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ ، وَفِي بَعْضِ الأَحْوَالِ بِالاجْتِزَاءِ فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالإِيمَاءِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، دُونَ التَّمَكُّنِ فِيهَا مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ تَمَكُّنَ الآمِنِ الْمُطْمَئِنِّ فِيهَا الْقَوْلُ فِي الْبَيَانِ عَمَّا فِي هَذِهِ الأَخْبَارِ مِنَ الْغَرِيبِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الَّذِي سَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ : " إِنَّمَا قَدِمْنَا الْبَلَدَ وَنَحْنُ آمِنُونَ خَافِضُونَ " ، يَعْنِى بِقَوْلِهِ : خَافِضُونَ ، سَاكِنُونَ وَادِعُونَ لا نُحَارِبُ أَحَدًا ، وَأَصْلُهُ مِنْ خَفْضِ الصَّوْتِ ، وَهُوَ سُكُونُهُ وَتَرْكُ رَفْعِهِ ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ : أَخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ ، يُرَادُ بِهِ أَخْفِهِ وَسَكِّنْهُ ، وَاتْرُكِ الضِّجَاجَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الطِّرْمَاحِ بْنِ حَكِيمٍ : فَاذْهَبُوا مَا إِلَيْكُمُ خَفَضَ الْحِلْمُ عِنَانِي وَعُرِّيَتْ أَنْقَاضِي يَعْنِى بِقَوْلِهِ : خَفَضَ الْحِلْمُ عِنَانِي : سَكَّنَ الْحِلْمُ جَهْلِي ، وَأَخْفَاهُ ، فَذَهَبَ بِهِ ، وَغَلَبَ الْحِلْمُ عَلَيَّ ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ : الظَّاعِنُونَ عَلَى الْعَمَى لِجَمِيعِهِمْ وَالخَافِضُونَ بِغَيْرِ دَارِ مُقَامِ يَعْنِى بِقَوْلِهِ : وَالْخَافِضُونَ بِغَيْرِ دَارِ مُقَامٍ ، وَالْمُسْتَقِرُّونَ بِغَيْرِ دَارِ قَرَارٍ ، وَالسَّاكِنُونَ بِهَا . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي جُحَيْفَةَ إِذَا قِيلَ لَهُ ، مِثُلُ مَنْ كُنْتَ يَوْمَئِذٍ ؟ : كُنْتُ أَبْرِي وَأَرِيشُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِى بِقَوْلِهِ أَبْرِي ، كُنْتُ أَنْحِتُ الْقِدَاحَ ، يُقَالُ مِنْهُ : بَرَيْتُ السَّهْمَ وَالْقَلَمَ ، فَأَنَا أَبْرِيهِ بَرْيًا ، وَذَلِكَ إِذَا نَحَتُّهُ ، وَيُقَالُ لِمَا تَسَاقَطَ مِنَ الْعُودِ بِالنَّحْتِ البُرَايَةُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ نَابِغَةِ بَنِي ذُبْيَانَ : يَرِيشُ قَوْمًا وَيَبْرِي الآخَرِينَ بِهِ لِلَّهِ مِنْ رَائِشٍ عَمْرٌو وَمِنْ بَارٍ وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَنْضَى بَعِيرَهُ بِطُولِ السَّيْرِ حَتَّى صَارَ حَسِيرًا : قَدْ بَرَى فُلانٌ مَطِيَّهُ فَهُوَ يَبْرِيهِ بَرْيًا ، وَذَلِكَ إِذَا ذَهَبَ لَحْمُهُ وَشَحْمُهُ ، يُشَبَّهُ بِبَرْيِ الْقَلَمِ وَالْقِدَاحِ إِذَا نُحِتَا ، وَيُقَالُ لِلْبَعِيرِ إِذَا كَانَ بَاقِيًا فِي السَّيْرِ : إِنَّهُ لَذُو بُرَايَةٍ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو الْكَلْبِ فِي صِفَةِ حِمَارٍ وَحْشٍ : عَلَى حَتِّ الْبُرَايَةِ زَمْخَرِيُّ السَّواعِدِ ظَلَّ فِي شَرْيٍ طِوَالِ وَأَمَا قَوْلُهُمْ : " بَرَى فُلانٌ لِفُلانٍ " فَهُوَ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَعْنَى الْمُعَانَّةِ وَالْمُعَارَضَةِ ، يُقَالُ مِنْهُ : بَرَى فُلانٌ لِفُلانٍ ، فَهُوَ يَبْرِي لَهُ بَرْيًا ، وَذَلِكَ إِذَا عَارَضَهُ يَصْنَعُ مِثْلَ صَنِيعِهِ ، وَ التَّبَرِّي لَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : بَرَتْ لَكَ حَمَّاءُ الْعِلاطِ سَجُوعُ ودَاعٍ دَعَا مِنْ خُلَّتَيْكَ نَزِيعُ وَيُقَالُ : فُلانٌ وَفُلانٌ يَتَبَارَيَانِ ، إِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُعَارِضُ صَاحِبَهُ ، فَيَصْنَعُ مِثْلَ صَنِيعِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : فُلانٌ يُبَارِي الرِّيحَ سَمَاحَةً وَجُودًا ، فَهُو يُبَارِيهَا مُبَارَةً ، وَذَلِكَ إِذَا أَطْعَمَ وَحَمَلَ وَكَسَا كُلَّمَا هَبَّتْ ، فَعَارَضَ هُبُوبَهَا بِنَائِلٍ وَإِفْضَالٍ . وَأَمَّا الْبَرْءُ فَهُوَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَعَانِي ، وَهُوَ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : بَرَأَ اللَّهُ الْخَلَفَ ، فَهُوَ يَبْرَؤُهُمْ بَرْءًا " ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا سورة الحديد آية 22 يَعْنِى : مِنْ قَبْلِ أَنْ نَخْلُقَهَا . وَكَذَلِكْ ذَرَأَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَهُوَ يَذْرَؤُهُمْ ذَرْءًا ، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ سورة الشورى آية 11 ، وَاللَّهُ ذَارِئُ الْخَلْقِ وَ يَذْرَئْهُمْ ، بِتَسْكِينِ الْهَمْزَةِ . وَأَمَّا الْبُرْءُ ، بِضَمِّ الْبَاءِ ، فَإِنَّهُ فِي لُغَةِ تَمِيمٍ وَأَهْلِ نَجْدٍ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِكَ : بَرِئْتُ مِنَ الْمَرَضِ ، فَأَنَا أَبْرَأُ مِنْهُ بُرْءًا ، وَفِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ مِنْ قَوْلِكَ : بَرَأْتُ مِنَ الْمَرَضِ ، فَأَنَا أَبْرَأُ مِنْهُ بُرْءًا . وَأَمَّا " الْبَرَاءُ " بِالْمَدِّ ، فَإِنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : بَرِئْتُ مِنْ كَذَا وَكَذَا ، فَأَنَا أَبْرَأُ مِنْهُ بَرَاءً ، وَلِذَلِكَ لا يُثَنَّى وَلا يُجْمَعُ ، فَيُقَالُ : هُوَ بَرَاءٌ مِنْ هَذَا الأَمْرِ ، وَلِلاثْنَيْنِ ، هُمَّا بَرَاءُ مِنْهُ ، وَلِلْجَمِيعِ : هُمْ بَرَاءٌ مِنْهُ ، الْوَاحِدُ وَالاثْنَانِ وَالْجَمْعُ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ ، كَمَا يُقَالُ : هُوَ عَدْلٌ ، وَهُمَا عَدْلٌ ، وَهُمْ عَدْلٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ سورة الزخرف آية 26 ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْكَ ، فَإِنَّهُ يُثَنَّى فِي التَّثْنِيَةِ ، وَيُجْمَعُ فِي الْجَمْعِ ، فَيَقُولُ : هُمَا بَرِيئَانِ مِنْكَ ، وَهُمْ بُرَاءٌ مِنْكَ ، وَبَرِيئُونَ ، وَأَبْرِيَاءٌ وَبُرَآءٌ . وَأَمَّا " الإِبْرَاءُ " فَإِنَّهُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَعَانِي كُلِّهَا ، وَهُوَ مَصْدَرٌ ، إِمَّا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَبْرَيْتُ النَّاقَةَ ، فَأَنَا أَبْرِيهَا إِبْرَاءً ، وَهِي نَاقَةٌ مُبْرَاةٌ ، وَذَلِكَ إِذَا جَعَلْتَ لَهَا بُرَّةً ، وَ الْبُرَّةُ ، الْحَلْقَةُ تُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ ، وَإِمَّا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَبْرَأَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَرَضِ إِبْرَاءً . وَأَمَّا " البُرْأَةُ " فَقُتْرَةُ الصَّائِدُ ، وَهِيَ الْحُفْرَةُ الَّتِي يَكْمُنُ فِيهَا لِلصَّيْدِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَأَرِيشُ ، فَإِنَّهُ يَعْنِى أَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ لِلسَّهْمِ رِيشًا ، وَأَصْلُ الرِّيِشِ الْكِسْوَةُ وَمَا يُلْبَسُ ، يُقَالُ : أَعْطَى فُلانٌ فُلانًا رَجْلا بِرِيشِهِ ، يُرَادُ بِكِسْوَتِهِ وَجَهَازِهِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ لَحَسُنُ رِيشِ الثِّيَابِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِرِيشِ الطَّائِرِ رِيشٌ ؛ لأَنَّهُ لَهُ كَهَيْئَةِ الْكُسْوَةِ وَاللِّبَاسِ لِبَنِي آدَمَ ، يُقَالُ مِنْهُ : رَاشَ فُلانٌ فُلانًا ، إِذَا أَعْطَاهُ أَثَاثًا وَكُسْوَةً ، فَهُوَ يَرِيشُهُ رَيْشًا وَرِيشًا وَرِيَاشًا ، كَمَا يُقَالُ : لَبِسَهُ فَهُوَ يَلْبَسُهُ لِبَاسًا وَلِبْسًا ، وَقَدْ أُنْشِدَ فِي اللِّبْسِ بِكَسْرِ اللامِ : فَلَمَّا كَسَفْنَ اللِّبْسَ عَنْهُ مَسَحْنَهُ بِأَطْرَافِ طَفْلٍ زَانَ غَيْلا مُوَشَّمَا وَمِنْهُ الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَّهُ لَعَنَ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ الَّذِي يَرِيشُ بَيْنَهُمْا " ، يَعْنِى بِذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الَّذِي يَسْفِرُ بَيْنَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي لِيُحَسِّنَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِعْلَهُ الَّذِي يَفْعَلُهُ مِنَ الإِعْطَاءِ وَالأَخْذِ ، كَرَائِشِ السَّهْمِ يُحَسِّنُ السَّهْمَ بِمَا يَرِيشُهُ مِنَ الرِّيشِ . وَأَمَّا قَوْلُ نَافِعٍ : " كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْصُرُ الصَّلاةَ فِي السَّفَرِ مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً " ، فَإِنَّهُ يَعْنِى بِقَوْلِهِ : مَا لَمْ يُجْمِعْ إِقَامَةً ، مَا لَمْ يَعْزِمْ عَلَى إِقَامَةٍ ، يُقَالُ مِنْهُ : قَدْ أَجْمَعَ فُلانٌ عَلَى الإِقَامَةِ بِمَوْضِعِ كَذَا ، وَأَزْمَعَ عَلَيْهِ ، يُرَادُ بِهِ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ سورة يونس آية 71 يَعْنِى بِذَلِكَ أَحْكِمُوا أَمْرَكُمْ وَأَعِدُّوا ، وَاعْزِمُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ عَازِمُونَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : يَالَيْتَ شِعْرِي وَالْمُنَى لا تَنْفَعُ هَلْ أُغْدُوَنْ يَوْمًا وَأَمْرِي مُجْمَعُ وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ لأَهْلِ مَكَّةَ : " أَتِمُّوا صَلاتَكُمْ ، فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ " ، فَإِنَّهُ يَعْنِى بِقَوْلِهِ : قَوْمٌ سَفْرٌ ، قَوْمٌ مُسَافِرُونَ ، وَهُوَ مَصْدَرٌ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ : قَوْمٌ زَوْرٌ ، وَقَوْمٌ صَوْمٌ ، وَفِطْرٌ ، وَجُنُبٌ ، وَعَدْلٌ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَادِرِ ، لَفْظُ الْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالْجَمِيعِ ، وَالْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ ، فِيهِ وَاحِدٌ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناد ضعيف لأن به موضع تعليق ، وباقي رجاله ثقات
إسناده متصل ، رجاله ثقات
إسناد شديد الضعف فيه محمد بن حميد التميمي وهو متروك الحديث
شجرة الإسناد — 4 الطرق
◈ المدار: منصور بن المعتمر بن عبد الله … · ×3 ↗ افتح شجرة الإسناد كاملة