قَالَ الشَّيْخُ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ : أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ الْخَوَارِزْمِيُّ ° ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الثَّعْلَبِيُّ ° ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ° ، نا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ° ، نا أَبُو مُعَاوِيَةَ ° ، أنا الأَعْمَشُ ° ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ° ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ ° ، عَنْ أَبِي مُوسَى ° ، قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ ، فَقَالَ : " إِنَّ اللَّهَ لا يَنَامُ ، وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، وَلَكِنَّهُ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ " هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَرَوَاهُ الْمَسْعُودِيُّ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، وَقَالَ : " يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ " ، وَقَالَ : " حِجَابُهُ النَّارُ " ، وَزَادَ : ثُمَّ قَرَأَ أَبُو عُبَيْدَةَ : بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سورة النمل آية 8
وَعَمْرُو بْنُ مُرَّةَ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَمَلِيُّ ، كُوفِيٌّ مُرَادِيٌّ ، وَكَانَ أَعْمَى . وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، يُقَالُ : اسْمُهُ عَامِرٌ ، وَيُقَالُ : لا اسْمَ لَهُ " . قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ " ، قِيلَ : أَرَادَ بِهِ الْمِيزَانَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ سورة الأنبياء آية 47 أَيْ : ذَوَاتِ الْقِسْطِ وَهُوَ الْعَدْلُ ، وَسُمِّيَ الْمِيزَانُ قِسْطًا ، لأَنَّ الْعَدْلَ فِي الْقِسْمَةِ يَقَعُ بِهِ ، وَأَرَادَ أَنَّ اللَّهَ يَخْفِضُ الْمِيزَانَ وَيَرْفَعُهُ بِمَا يُوزَنُ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ الْمَرْفُوعَةِ إِلَيْهِ ، وَبِمَا يُوزَنُ مِنْ أَرْزَاقِهِمُ النَّازِلَةِ مِنْ عِنْدِهِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ سورة الحجر آية 21 وَهَذَا مَثَلٌ فِيمَا يُدَبِّرُهُ مِنْ أَمْرِ الْخَلْقِ ، وَيُنْشِئُهُ مِنْ حُكْمِهِ فِيهِمْ ، يَرْفَعُ قَوْمًا ، وَيَضَعُ آخَرِينَ ، وَهُوَ الْخَافِضُ الرَّافِعُ ، الْحَكَمُ الْعَدْلُ ، تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِالْقِسْطِ : الرِّزْقَ الَّذِي هُوَ قِسْطُ كُلِّ مَخْلُوقٍ ، يَخْفِضُهُ مَرَّةً فَيُقْتِرُهُ ، وَيَرْفَعُهُ مَرَّةً فَيَبْسُطُهُ ، يُرِيدُ أَنَّهُ مُقَدِّرُ الرِّزْقِ وَقَاسِمُهُ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ سورة الرعد آية 26 . وَقَوْلُهُ : " سُبُحَاتِ وَجْهِهِ " ، أَيْ : نُورُ وَجْهِهِ ، وَيُقَالُ : جَلالُ وَجْهِهِ ، وَمِنْهَا قِيلَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ " ، إِنَّمَا هُوَ تَعْظِيمٌ لَهُ وَتَنْزِيهٌ ، وَقَوْلُ : " سُبْحَانَكَ " ، أَيْ : أُنَزِّهُكَ يَا رَبِّ مِنْ كُلِّ سُوءٍ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَمَعْنَى الْكَلامِ أَنَّهُ لَمْ يُطْلِعِ الْخَلْقَ مِنْ جَلالِ عَظَمَتِهِ إِلا عَلَى مِقْدَارِ مَا تُطِيقُهُ قُلُوبُهُمْ ، وَتَحْتَمِلُهُ قُوَاهُمْ ، وَلَوْ أَطْلَعَهُمْ عَلَى كُنْهِ عَظَمَتِهِ ، لانْخَلَعَتْ أَفْئِدَتُهُمْ ، وَزَهَقَتْ أَنْفُسُهُمْ ، وَلَوْ سَلَّطَ نُورَهُ عَلَى الأَرْضِ وَالْجِبَالِ ، لاحْتَرَقَتْ وَذَابَتْ ، كَمَا قَالَ فِي قِصَّةِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا سورة الأعراف آية 143 .