قَالَ الشَّيْخُ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ : أَخْبَرَنَا الإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي ° ، أنا أَبُو نُعَيْمٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْحَسَنِ الإِسْفَرَايِينِيُّ ° ، أنا خَالُ وَالِدِي أَبُو عَوَانَةَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْحَافِظُ ° ، أنا أَبُو الأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ ° ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ ° ، نا أَبِي ° ، قَالَ : سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ ° ، يُحَدِّثُ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ ° ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، عَنْ جَدِّهِ ° ، قَالَ : جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، نُهِكَتِ الأَنْفُسُ ، وَجَاعَ الْعِيَالُ ، وَهَلَكَتِ الأَمْوَالُ ، فَاسْتَسْقِ لَنَا رَبَّكَ ، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ ، وَبِكَ عَلَى اللَّهِ . فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " سُبْحَانَ اللَّهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ " . فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِكَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ ، ثُمَّ قَالَ : " وَيْحَكَ ! أَتَدْرِي مَا اللَّهُ ؟ ، إِنَّ شَأْنَهُ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ ، إِنَّهُ لا يُسْتَشْفَعُ بِهِ عَلَى أَحَدٍ ، إِنَّهُ لَفَوْقَ سَمَوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ ، وَإِنَّهُ عَلَيْهِ لَهَكَذَا " . وَأَشَارَ وَهْبٌ بِيَدِهِ ، مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ " وَأَشَارَ أَبُو الأَزْهَرِ أَيْضًا " ، إِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ
وَجُبَيْرٌ هُوَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ ، وَابْنُهُ أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدٌ ، وَابْنُهُ جُبَيْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حِجَازِيُّونَ . قَالَ الشَّيْخُ : هَذَا حَدِيثٌ أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ فِي بَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ عَنْ عَبْدِ الأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى ، وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ ، وَأَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيِّ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ جَرِيرٍ ، بِإِسْنَادِ أَبِي الأَزْهَرِ وَمَعْنَاهُ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَوَاتِهِ لَهَكَذَا " أَوْ قَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ ، " وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ " . قَالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ : " وَإِنَّهُ عَلَيْهِ لَهَكَذَا " فِي رِوَايَةِ أَبِي الأَزْهَرِ . وَذَكَرَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ الْكَيْفِيَّةَ عَنِ اللَّهِ ، وَعَنْ صِفَاتِهِ مَنْفِيَّةٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلامُ تَقْرِيبٍ أُرِيدَ بِهِ تَقْرِيرُ عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلالِهِ مِنْ حَيْثُ يُدْرِكُهُ فَهْمُ السَّائِلِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : " أَتَدْرِي مَا اللَّهُ ؟ " مَعْنَاهُ : أَتَدْرِي مَا عَظَمَةُ اللَّهِ وَجَلالُهُ ؟ . وَقَوْلُهُ : " إِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ " مَعْنَاهُ : لَيَعْجَزُ عَنْ جَلالِهِ وَعَظَمَتِهِ حَتَّى يَئِطَّ بِهِ إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ إِنَّمَا يَكُونُ لِقُوَّةِ مَا فَوْقَهُ ، وَلِعَجْزِهِ عَنِ احْتِمَالِهِ " ، وَمَنْ " بِهَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّمْثِيلِ عِنْدَهُ مَعْنَى عَظَمَةِ اللَّهِ وَجَلالِهِ ، وَارْتِفَاعِ عَرْشِهِ ، لِيَعْلَمَ أَنَّ الْمَوْصُوفَ بِعُلُوِّ الشَّأْنِ ، وَجَلالَةِ الْقَدْرِ لا يُجْعَلُ شَفِيعًا إِلَى مَا هُوَ دُونَهُ ، تَعَالَى اللَّهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مُشَبَّهًا بِشَيْءٍ ، أَوْ مُكَيَّفًا بِصُورَةِ خَلْقٍ ، أَوْ مُدْرَكًا بِحَدٍّ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ سورة الشورى آية 11 . قَالَ الشَّيْخُ ، رَحِمَهُ اللَّهُ : وَالْوَاجِبُ فِيهِ وَفِي أَمْثَالِه الإِيمَانُ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَالتَّسْلِيمُ ، وَتَرْكُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالْعَقْلِ ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَظِيمٌ لَهُ عَظَمَةٌ ، كَبِيرٌ لَهُ كِبْرِيَاءُ ، عَزِيزٌ لَهُ عِزَّةٌ ، حَيٌّ لَهُ حَيَاةٌ ، بَاقٍ لَهُ بَقَاءٌ ، عَالِمٌ وَلَهُ عِلْمٌ ، وَمُتَكَلِّمٌ وَلَهُ كَلامٌ ، قَوِيٌّ لَهُ قُوَّةٌ ، وَقَادِرٌ وَلَهُ قُدْرَةٌ ، وَسَمِيعٌ وَلَهُ سَمْعٌ ، بَصِيرٌ لَهُ بَصَرٌ . قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ سورة الواقعة آية 74 ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ سورة الحج آية 62 ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ سورة الجاثية آية 37 ، وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا سورة النساء آية 158 ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا سورة فاطر آية 10 . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَعِزَّتِي وَجَلالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ " . وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ سورة غافر آية 65 ، وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ سورة طه آية 111 . وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ سورة الرحمن آية 27 ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ سورة القصص آية 88 ، وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ سورة سبأ آية 3 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا سورة النساء آية 17 ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ سورة النساء آية 166 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلا بِعِلْمِهِ سورة فاطر آية 11 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلا بِمَا شَاءَ سورة البقرة آية 255 ، وَقَالَ تَعَالَى : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا سورة النساء آية 164 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ سورة الفتح آية 15 ، وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ : إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ سورة الحج آية 40 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ سورة الذاريات آية 58 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ سورة الأنعام آية 65 ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة البقرة آية 20 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ سورة القمر آية 55 ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا سورة النساء آية 134 ، وَقَالَ تَعَالَى : قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا سورة المجادلة آية 1 ، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى سورة طه آية 46 . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ " . وَيَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ اسْمُهُ قَدِيمٌ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، لا يَجُوزُ لَهُ اسْمٌ حَادِثٌ ، وَلا صِفَةٌ حَادِثَةٌ ، كَانَ اللَّهُ خَالِقًا وَلا مَخْلُوقَ ، وَرَبًّا وَلا مَرْبُوبَ ، وَمَالِكًا وَلا مَمْلُوكَ ، كَمَا هُوَ الآخِرُ قَبْلَ فَنَاءِ الْعَالَمِ ، وَالْوَارِثُ قَبْلَ فَنَاءِ الْخَلْقِ ، وَالْبَاعِثُ قَبْلَ مَجِيءِ الْبَعْثِ ، وَمَالِكُ يَوْمِ الدِّينِ قَبْلَ مَجِيءِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى لا تُشْبِهُ أَسْمَاءَ الْعِبَادِ ، لأَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَسْمَائِهِ ، وَأَسْمَاءَ الْعِبَادِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَفْعَالِهِمْ ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : " أَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ ، وَشَقَقْتُ لَهَا مِنَ اسْمِي " : فَبَيَّنَ أَنَّ أَفْعَالَهُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ أَسْمَائِهِ ، فَلا يَجُوزُ أَنْ يُحْدَثَ لَهُ اسْمٌ بِحُدُوثِ فِعْلِهِ ، وَلا يُعْتَقَدُ فِي صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهَا هُوَ وَلا غَيْرُهُ ، بَلْ هِيَ صِفَاتٌ لَهُ أَزَلِيَّةٌ ، لَمْ يَزَلْ جَلَّ ذِكْرُهُ ، وَلا يَزَالُ مَوْصُوفًا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ ، وَلا يَبْلُغُ الْوَاصِفُونَ كُنْهَ عَظَمَتِهِ ، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ ، وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .