أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِئُ ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، أنبا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبَرَاءِ ، أنبا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ إِدْرِيسَ ، حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، قَالَ : " إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ ، وَقَضَى اللَّهُ بَيْنَ أَهْلِ الدَّارَيْنِ ، أَمَرَ بِالْفَلَقِ ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَقرَ ، وَهُوَ غِطَاؤُهَا ، فَيَخْرُجُ مِنْهُ نَارٌ ، فَتَحْرِقُ جَهَنَّمَ ، وَتَأْكُلُهَا ، كَمَا تَأْكُلُ النَّارَ فِي الدُّنْيَا الْقُطْنَ الْمَنْدُوفَ ، فَإِذَا وَصَلَتِ الْبَحْرَ الْمُطْبَقَ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ ، وَهُوَ بَحْرُ الْبُحُورِ ، نَسَفَتْهُ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ نَسْفًا فَنَضَبَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ مَكَانَهُ مَاءٌ قَطُّ ، وَهُوَ حَاجِزٌ بَيْنَ جَهَنَّمَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعِ ، فَإِذَا انْشَقَّتْ مَاءُ ذَلِكَ الْبَحْرِ اشْتَعَلَتْ فِي الأَرَضِينَ السَّبْعِ فَتَدَعَهَا جَمْرَةً وَاحِدَةً " ، وَقَدْ رُوِّينَا ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " أَنَّهُ قَالَ لِيَهُودِيٍّ : أَيْنَ جَهَنَّمُ ؟ قَالَ : تَحْتَ الْبَحْرِ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : صَدَقَ ، ثُمَّ قَرَأَ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ سورة الطور آية 6 " ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَيُحْتَمَلُ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، مَعْنَى مَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ سورة إبراهيم آية 48 ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ رُكُوبِ النَّاسِ الصِّرَاطَ
كَمَا رُوِّينَا ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَتْ : فَأَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ : " عَلَى الصِّرَاطِ " ، ثُمَّ قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ الْكُفَّارَ لا يُجَاوِزُونَ عَلَى الصِّرَاطِ ، لأَنَّهُمْ فِي مَعْدِنِ النَّارِ ، فَإِذْ خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ وَخَلصُوا عَلَى الصِّرَاطِ انْفَرَدَ الْكُفَّارُ بِمَوَاقِفِهِمْ ، وَصَارَ مَوَاقِفُهُمْ مِنَ النَّارِ ، قَالَ غَيْرُهُمْ : إِنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الصِّرَاطَ ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ فُرُوجًا فِي الْحَشْرِ كَأَبْوَابِ السُّطُوحِ فَهُمْ يُقْذَفُونَ مِنْهَا فِي جَهَنَّمَ ، لِيَكُونَ غَمُّهُمْ أَشَدَّ وَأَفْظَعَ ، وَإِلْقَاؤُهُمْ مِنَ الْجِسْرِ أَخْوَفُ وَأَهْوَلُ ، وَفَرَحُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْخَلاصِ أَكْثَرُ وَأعْظَمُ ، وَلَعَلَّ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ سورة يس آية 59 ، يَكُونُ فِي هَذَا الْوَقْتِ ، وَمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ سورة الملك آية 8 ، وَقَوْلِهِ : أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ سورة ق آية 24 ، كَالدَّلِيلِ عَلَى هَذَا ، لأَنَّ الإِلْقَاءَ فِي الشَّيْءِ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّرْحِ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِكَيْفِيَّةِ ذَلِكَ ، وَأَمَّا الْمُنَافِقُونَ فَالأَشْبَهُ أَنَّهُمْ يَرْكَبُونَ الْجِسْرَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ لِيَمْشُوا فِي نُورِهِمْ فَيُظْلِمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، فَيَقُولُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ : انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا سورة الحديد آية 13 ، فَيَرْجِعُونَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قُسِمَ فِيهِ النُّورُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِمْ ، وَأَعْمَالِهِمْ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا فَيَنْصَرِفُونَ إِلَيْهِمْ ، وَقَدْ : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ { 13 } يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ سورة الحديد آية 13-14 ، نُصَلِّي بِصَلاتِكُمْ وَنَغْزُو مَغَازِيَكُمْ ، قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ سورة الحديد آية 14 سورة الحديد آية 13 ، 14 ، فَيُحْتَمَلُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، أَنَّ هَذَا السُّوَرَ إِنَّمَا يُضْرَبُ عِنْدَ انْتِهَاءِ الصِّرَاطِ ، وَيُتْرَكُ لَهُ بَابٌ يَخْلُصُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ إِلَى طَرِيقِ الْجَنَّةِ ، فَذَلِكَ هُوَ الرَّحْمَةُ الَّتِي فِي بَاطِنِهِ ، وَأَمَّا ظَاهِرُهُ فَإِنَّهُ يَلِي النَّارَ ، وَإِنْ كَانَتِ النَّارَ سَافِلَةً عَنْهُ لا مُحَاذِيَه إِيَّاهُ ، مَا دَامَ لَمْ يَجِدِ الْمُنَافِقُونَ إِلَى بَاطِنِ السُّوَرِ سَبِيلا ، فَلَيْسَ إِلا أَنْ يُقْذَفُوا مِنْ أَعْلَى الصِّرَاطِ ، يَهْوُونَ إِلَى الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ، هَذَا بِاسْتِهْزَائِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَمَا شَرَحْنَا فِي كِتَابِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ .