← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#3338 مقبول 19 : 181 ☰ حديث خامس لعبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سف…
A− A+

أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ نَصْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ وَضَّاحٍ ° ، وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالا : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلا ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلا ، وَعَنْ بَيْعِ الزَّرْعِ بِالْحِنْطَةِ كَيْلا "

وهذا كله نص في موضع الخلاف ، فبطل ما خالفه ، ومعلوم أن المزابنة المنهي عنها بيع الرطب باليابس من جنسه ، والكيل بالجزاف من جنسه . وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ ، وَالْمُزَابَنَةِ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ كَيْلا ، وَبَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ كَيْلا " فأي شيء أبين من هذا لمن لم يحرم التوفيق . وممن ذهب إلى هذا : مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، والأوزاعي ، والثوري ، والليث وأبو يوسف ، ومحمد بن الحسن . وقال أبو حنيفة : لا بأس ببيع الرطب بالتمر مثلا بمثل ، وكذلك الحنطة الرطبة باليابس ، وهو قول داود بن علي في ذلك ، وحجة أبي حنيفة ومن قال بقوله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نهى عن بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل ، دخل في ذلك الرطب والبسر ، لأن ذلك كله يسمى تمرا . قال : ولا يخلو من أن يكون الرطب والتمر جنسا واحدا ، أو جنسين مختلفين ، فإن كانا جنسا واحدا ، فلا بأس ببيع بعضه ببعض مثلا بمثل ، يدا بيد . وإن كانا جنسين ، فذلك أحرى أن يجوز متفاضلا ، ومثلا بمثل ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم " قال : وإنما يراعى الربا في حال العقد ، ولا يراعى في المآل ، والحجة عليه للشافعي ومن قال ، بقوله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد راعى المآل " في حديث سعد بن أبي وقاص ، وقال أينقص الرطب إذا يبس ؟ فهذا نص واضح في مراعاة المآل . وقد نص أيضا على بيع العنب بالزبيب ، أنه لا يجوز أصلا ، فكذلك الرطب بالتمر ، وسنبين معنى قوله : أينقص الرطب في آخر هذا الباب إن شاء الله . واختلف الفقهاء أيضا في بيع الرطب بالرطب : والبسر بالرطب ، فقال : مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : لا بأس ببيع الرطب بالرطب مثلا بمثل ، ولا بأس ببيع البسر بالبسر ، مثلا بمثل ، وقال أبو حنيفة : يجوز بيع البسر بالرطب ، مثلا بمثل ، وهو قول داود . وقال مالك ، وأبو يوسف ، ومحمد : لا يجوز بيع الرطب بالبسر على حال ، وراعى محمد بن الحسن في الرطب بالتمر وما كان مثله المآل ، مراعاة لا يؤمن معها عدم المماثلة ، فقال : إذا أحاط العلم أنهما إذا يبسا تساويا جاز . وقال الشافعي : لا يجوز بيع الرطب بالرطب ، ولا البسر بالبسر ، ولا كل ما ينقص في المتعقب إذا أريد بقاؤه ، وحجته حديث سعد عن النبي عليه السلام أنه قال : أينقص الرطب إذا يبس ؟ فراعى المآل في ذلك كله إذا أريد به البقاء ، فقياس قوله : أنه لا يجوز العنب ، بالعنب ولا التين الأخضر بالتين الأخضر ، إذا أريد تجفيف ذلك ويبسه لا مثلا بمثل ، ولا متفاضلا ، وذلك كله جائز عند مالك مثلا بمثل . وقياس قول أبي حنيفة : أن التين الأخضر باليابس جائز مثلا بمثل كالعنب بالزبيب ، والرطب بالتمر ، والبسر بالرطب . وقال أبو يوسف : يجوز بيع الحنطة باليابسة ، يعني الرطبة بالماء ، فأما الرطبة من الأصل يعني الفريك ، فلا يجوز باليابسة . وقال الشافعي ، ومالك ، وأصحابهما ، ومحمد بن الحسن ، والليث بن سعد : لا يجوز بيع الحنطة المبلولة باليابسة ، كما لا يجوز الفريك بها . وقال أبو حنيفة : يجوز بيع الحنطة الرطبة والمبلولة باليابسة ، وقال محمد : لا يجوز إلا أن يحيط العلم بأنهما إذا يبست المبلول أو الرطبة تساويا . ولم يختلف قول أبي حنيفة وأصحابه في جواز بيع العنب بالزبيب مثلا بمثل ، فهذا خلاف السنة الثابتة ، والله المستعان ، والذي أقول أنهم لو علموا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك نصا ، وثبت عندهم ما خالفوه ، فإنما دخلت عليهم الداخلة من قلة اتساعهم في علم السنن ، وغير جائز أن يظن بهم أحد إلا ذلك ، ولو خالفوا السنة جهارا بغير تأويل لسقطت عدالتهم ، وهذا لا يجوز أن يظن بهم مع اتباعهم ما صح عندهم من السنن ، فهذا شأن العلماء أجمع . ولكن الحجة في السنة وفي قول من قال بها وعلمها ، لا في قول من جهلها وخالفها ، وبالله التوفيق . قال أبو عمر : أجمعوا أنه لا يجوز عندهم العجين بالعجين لا متماثلا ولا متفاضلا ، لا خلاف بينهم في ذلك ، وكذلك العجين بالدقيق ، فإذا طبخ العجين وصار خبزا جاز بيعه عند مالك بالدقيق متفاضلا ومتساويا ، لأن الصناعة قد كملت فيه وأخرجته فيما زعم أصحابه عن جنسه ، واختلف الغرض فيه ، وقول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد في بيع الدقيق بالخبز كقول مالك ، وأما الشافعي فلا يجوز عنده الخبز بالدقيق على حال ، لا متساويا ولا متفاضلا ، ولا يجوز عند الشافعي بيع العسل بالعسل ، إلا ألا يكون في أحدهما شيء من الشمع ، فإذا كان كذلك جاز مثلا بمثل ، ولا يجوز عنده بيع الخل بالخل لجهل ما في واحد منهما من الماء ، وكذلك الشبرق بالشبرق ، ولا يجوز عنده على اختلاف من قوله ، وقياس قوله أنه لا يجوز عنده الخبز الفطير بالخمير ، ولا الخبز بالخبز أصلا ، والله أعلم . واختلف قول الشافعي في بيع الدقيق بالدقيق ، واختلف أصحابه في ذلك ، ولم يختلف قول الشافعي في بيع الحنطة بالدقيق : أنه لا يجوز ، واختلف أصحابه في ذلك ، واختلف قول الشافعي في بيع الشيرج بالشيرج هل يجوز أم لا ؟ فمرة أجازه مثلا بمثل ، وكذلك الدقيق بالدقيق ، ومرة كره ذلك على كل حال . وقال الأوزاعي : لا يجوز السمن بالودك إلا مثلا بمثل ، وكذلك الشحم غير المذاب بالسمن ، إلا أن يريد أكله ساعتئذ فيجوز ، وأما القمح بالدقيق ، فاختلف قول مالك فيه : فمرة أجازه مثلا بمثل ، وهو المشهور من مذهبه الظاهر فيه ، وهو قول الليث ومرة منع منه وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة وأصحابهما ، وقد روي عن عبد العزيز بن أبي سلمة مثل ذلك ، وروى عنه أن ذلك جائز على كل حال ، ولا خلاف عن أبي حنيفة وأصحابه أنه لا يجوز بيع الدقيق بالحنطة ، ولا بيع قفيز من حنطة بقفيز من سويق ، وهو قول الشافعي . قال أبو عمر : قول أبي حنيفة وأصحابه في كراهية بيع الحنطة بالدقيق متساويا ، نقض لقولهم في جواز بيع العنب بالزبيب ، ونقض لقول أبي حنيفة في جواز بيع الرطب بالتمر ، والله أعلم ، إلا أنهم يعتلون بأن الطحين لا يخرج البر عن جنسه ، وأن المماثلة لا يمكن فيهما مع الأمر في ذلك ، ولذلك لم يجيزوا بيع بعضهما ببعض أصلا . وقال مالك : لا بأس بالحنطة بالدقيق مثلا بمثل ، ولا بأس بالسويق بالقمح متفاضلا ، وهو قول الليث في السويق بالقمح أيضا . وقال الأوزاعي : لا تصلح القلية بالقمح مثلا بمثل ، ولا بأس به وزنا . قال الطحاوي : منع الأوزاعي من المماثلة في الكيل ، وأجازها في الوزن ، ولم نجد ذلك عن أحد من أهل العلم سواه . وقال شعبة : سألت الحكم وحمادا عن الدقيق بالبر فكرهاه . وعن شعبة أيضا ، قَالَ : سألت ابن شبرمة عن الدقيق بالبر ، فقال : شيء لا بأس به ، وأما السويق بالدقيق وبالحنطة ، فأجازه مالك ، متفاضلا ومتساويا ، وهو قول أبي يوسف وأبي ثور . وقال أبو حنيفة : لا يجوز مثلا بمثل ولا متفاضلا . وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة ، أنه لا يجوز إلا مثلا بمثل وهو قول الثوري . وقال مالك والليث : لا تباع الجديدة بالسويق إلا مثلا بمثل ، لأنه سويق كله إلا أن بعضه دون بعض . وقال الأوزاعي : لا تباع الجديدة بالسويق ولا بالدقيق إلا وزنا . وعند الشافعي : لا يباع شيء من ذلك كله بعضه ببعض على حال ، وأما الخبز بالدقيق ، فلا بأس بذلك متفاضلا ، وعلى كل حال عند مالك ، والليث ، والثوري ، وأبي ثور ، وإسحاق . وقال الشافعي : لا يجوز بيع الدقيق بالخبز على حال من الأحوال لا متفاضلا ولا متساويا ، وهذا قول عبيد الله بن الحسن . وقال أحمد بن حنبل : لا يعجبني الخبز بالدقيق ، وكذلك لا يجوز عند الشافعي ، وعبد الله بن الحسن بيع الخبز بالخبز أيضا ، لا متساويا ولا متفاضلا ، وقال مالك في الخبز إذا تحرى أن تكون مثلا بمثل فلا بأس به وإن لم يوزن ، وهو قول الأوزاعي ، وأبي ثور ، وقد روى عنهم أن ذلك لا يجوز إلا وزنا ، وقال الشافعي : كل ما داخله الربا في التفاضل فلا يجوز فيه التحري . وروي عن أبي حنيفة ، أنه قال : لا بأس بالخبز قرصا بقرصين . قال أبو عمر : هذا خطأ عندي ، وغلط فاحش ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الطعام إلا مثلا بمثل ، هذا عند الجميع في الجنس الواحد ، ومعلوم أن خبز البر كله طعام جنس واحد ، وكذلك خبز الشعير كله جنس واحد ، وكل واحد منهما تبع لأصله عند العلماء ، فمن جعل البر والشعير صنفا واحدا فخبر ذلك كله عنده جنس واحد على أصل قوله ، ومن جعل كل واحد منهما غير صاحبه وجعله جنسا على حدة ، فخبز كل واحد منهما صنف وجنس غير صاحبه إلا الشافعي ، وعبيد الله بن الحسن ، فإنهما لا يجيزان شيئا من الخبز بعضه ببعض ، لما يدخله من الماء والنار ، والأصل عندهما فيه أنه دقيق بدقيق لا يوصل إلى المماثلة فيه . وعند الليث بن سعد : كل ما يخبز صنف واحد من الحبوب كلها ، وقد روي عن مالك مثل ذلك . قال أبو عمر : إنما أجاز أبو حنيفة الخبز قرصا بقرصين ، لأنه لم يدخل عنده ذلك في الكيل الذي هو أصله ، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا عنده ، لأن الربا عنده وعند أصحابه لا يدخل إلا فيما يكال أو يوزن ، وأصل الدقيق عنده والبر والكيل لا الوزن ، وأظن الخبز عندهم ليس من الموزونات ، لأنه يجب عنده على مستهلكه القيمة لا المثل ، على أصلهم في ذلك ، والله أعلم . وأجمع العلماء على أن التمر بالتمر لا يجوز إلا مثلا بمثل ، واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين ، والحبة الواحدة بالحبتين ، فقال الثوري ، والشافعي : لا يجوز ذلك ، وهو قول أحمد ، وإسحاق ، وهو عندي قياس قول مالك . وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَيْدُونَ ، عَنِ الْفِرْيَابِيِّ ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، قَالَ " لا يَجُوزُ تَمْرَةٌ بِتَمْرَتَيْنِ وَلا تَمْرَةٌ بِتَمْرَةٍ " . قال أبو حازم : ما أحسن معناه في هذا ، ذهب إلى أن ذلك كله أصل الكيل ، وإلى أن التمرة بالتمرتين وبالتمرة غير مدرك بالكيل . قال أبو عمر : أما تمرة بتمرة فلا أدري ما في ذلك عند مالك ، والشافعي ، ومن تابعهما على القول بأن التمرة بالتمرتين لا يجوز ؟ والذي أقوله في ذلك على أصلهما أن المماثلة إن أمكنت في التمرة بالتمرة بالوزن جاز ذلك ، والله أعلم ، وقول الثوري حسن جدا لعدم المماثلة في التمرة بالتمرة ، وعدم الكيل الذي هو أصلها ، ولأن ما كان أصله الكيل ، فلا يرد إلى الوزن عندهم ، إلا مع الاضطرار . قال أبو عمر : لا حاجة بأحد إلى بيع تمرة بتمرة ، فلا وجه للتعرض إلى مثل هذه الشبهة فيما لا ضرورة ولا حاجة بالناس إليه ، وقد احتج من أجاز التمرة بالتمرتين بأن مستهلك التمرة والتمرتين تجب عليه القيمة ، فقال : إنه لا مكيل ولا موزون ، فجاز فيه التفاضل ، وهذا ، عندي ، غير لازم ، لأن ما جرى فيه الربا في التفاضل ، دخل قليله وكثيره في ذلك قياسا ونظرا ، والله الموفق للصواب . وقال مالك : لا يجوز البيض بالبيض متفاضلا ، لأنه يدخر ، ويجوز عنده مثلا بمثل ، قَالَ : ويجوز بيع الصغير منه بالكبير ، وبيض الدجاج وبيض الأوز وبيض النعام ، إذا تحرى ذلك أن يكون مثلا بمثل جاز . وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : جائز بيضة ببيضتين وبأكثر ، وجائز التفاضل في البيض ، لأنه ليس مما يدخر . وقال الأوزاعي : لا بأس ببيضة ببيضتين يدا بيد وجوزة بجوزتين ، ولا يجوز عند الشافعي بيضة ببيضتين ، ولا رمانة برمانتين ، ولا بطيخة ببطيختين ، لا يدا بيد ولا نسيئة ، لأن ذلك كله طعام مأكول ، وقد قدمت لك أصله وأصل غيره من الفقهاء فيما يدخله الربا ، وعلة كل واحد منهم في ذلك في غير موضع من كتابنا هذا ، فلا معنى لأعادة ذلك هاهنا . وقال مالك : لا يباع اللحم الرطب بالقديد ، ولا مثلا بمثل ، ولا متفاضلا ، قَالَ : وكذلك اللحم المشوي بالنيء لا يجوز متساويا ولا متفاضلا ، ولا بأس عند مالك بالطري بالمطبوخ ، مثلا بمثل متفاضلا ، إذا أثرت فيه الصنعة وخالفت الغرض منه ومن غيره ، قال الشافعي : لا يجوز بيع اللحم من الجنس الواحد مطبوخا منه بنيء بحال إذا كان إنما يدخر مطبوخا ، وكذلك المطبوخ بالمطبوخ لا يجوز إلا أن يكون لا مرق فيه ، ويكون جنسا واحدا ، فيجوز مثلا بمثل ، وإن كان جنسين ، جاز فيه التفاضل والتساوي يدا بيد . وذكر المزني ، عن الشافعي ، قَالَ : اللحم كله صنف واحد ، وحشيه وإنسيه ، وطائره ، لا يجوز بيعه إلا مثلا بمثل وزنا بوزن ، وجعله في موضع آخر على قولين : قال المزني : وقد قطع بأن ألبان البقر والغنم والابل أصناف مختلفة ، فلحومها التي هي أصول الألبان أولى بالاختلاف . وقال الشافعي : في الإملاء على مسائل مالك المجموعة : إذا اختلفت أجناس الحيتان ، فلا بأس ببعضها ببعض متفاضلا ، وكذلك لحوم الطير إذا اختلفت أجناسها ؟ قال المزني : وفي هذا كفاية ، يعني من قوله ومذهبه . وقال الطحاوي : قياس قول أبي حنيفة وأصحابه أن لا يباع اللحم النيء بالمشوي ، إلا يدا بيد ، مثلا بمثل ، إلا أن يكون في أحدهما شيء من التوابل فيكون الفضل لآخذ التوابل . وذكر ابن خواز بنداد قال : قال أصحاب أبي حنيفة : يجيء على قول أبي حنيفة ألا يجوز النيء بالمشوي ، كما قال في المقلوة بالبر ، ويبقى على قوله أيضا أنه يجوز ، كما قال في الحنطة المبلولة باليابسة ، قال ابن خواز بنداد : اختلط المذهب على أصحاب أبي حنيفة في هذه المسألة وليس له فيها نص . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والحسن بن حي : يجوز بيع شاتين مذبوحتين إحداهما بالأخرى ، ولو لم يكن معهما جلد لم يجز ، لأن اللحم باللحم لا يجوز إلا وزنا بوزن ، ولا يجوز فيه التحري . وقال الشافعي : لا يجوز التحري فيما بعضه ببعض متفاضلا ربا . وقال مالك ، والليث : لا يشترى اللحم بعضه ببعض إلا مثلا بمثل ، ويتحرى ذلك وإن لم يوزن ، ولا يباع المذبوح بالمذبوح إلا مثلا بمثل على التحري ، وكذلك الرأس بالرأسين . وقال ابن خواز بنداد في باب بيع الرطب بالتمر ، فإن قيل قد اتفق الجميع أن شاة بشاتين جائز ، وإن كانت احداهما أكثر لحما من الأخرى ، قيل له : إن كان يراد بهما اللحم ، فلا يجوز بيع شاة بشاتين . وقال مالك : لا يجوز خل التمر بخل العنب إلا مثلا بمثل ، وهو عنده جنس واحد ، لأن الغرض فيه واحد ، قَالَ : وكذلك نبيذ التمر ونبيذ الزبيب ونبيذ العسل لا يجوز إلا مثلا بمثل ، إذا كان لا يسكر كثيره ، قال مالك : وليس هذا مثل زيت الزيتون ، وزيت الفجل ، وزيت الجلجلان ، لأن هذه مختلفة ومنافعها شتى ، والغرض فيها مختلف . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا بأس بخل التمر بخل العنب : اثنان بواحد ، ولا يجوز عند الشافعي بيع الخل بالخل أصلا ، إذا كان الأصل فيه واحدا . وذكر ابن خواز بنداد ، عن الشافعي بيع الخل ، أنه قال في الزيوت : كل زيت منها جنس بنفسه ، فزيت الزيتون غير زيت الفجل ، وغير زيت الجلجلان . وقال الليث بن سعد : كله صنف واحد لا يجوز إلا مثلا بمثل ، زيت الزيتون ، وزيت الجلجلان ، وزيت الفجل ، قَالَ : ولا بأس بزيت الكتان بغيره من الزيت متفاضلا يدا بيد . قال أبو عمر : قد ذكرنا في هذا الباب أصوله مستوعبة ، وذكرنا من فروعها كثيرا ليوقف بذلك على أصول مذاهب العلماء به ، ويوقف بذلك على المعنى الجاري فيه منها الربا في الزيادة . وأما باب المزابنة في بيع الزيت بالزيتون ، واللحم بالحيوان ، والزبد باللبن ، والعنب بالعصير الحلو ، وما أشبه ذلك كله ، فقد مضت منه أصول عند ذكر المزابنة في مواضع من كتابنا هذا ، منها ، حديث داود بن الحصين ، وحديث ابن شهاب ، عن سعيد ، وحديث نافع ، عن ابن عمر ، وذكرنا هنالك من معنى المزابنة ما يوقف به على المراد من مذاهب العلماء في ذلك ، إن شاء الله . وأما قوله صلى الله عليه وسلم أينقص الرطب ، إذا يبس ؟ على ما في حديث هذا الباب فللعلماء فيه قولان : أحدهما ، وهو أضعفهما : أنه استفهام استفهم عنه أهل النخيل ، والمعرفة بالتمور والرطب ورد الأمر إليهم في علم نقصان الرطب إذا يبس ، ومن زعم ذلك ، قَالَ : إن هذا أصل في رد المعرفة بالعيوب وقيم المتلفات إلى أرباب الصناعات ، والقول الآخر ، وهو أصحهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستفهم عن ذلك ، ولكنه قرر أصحابه على صحة نقصان الرطب ، إذا يبس ، ليبين لهم المعنى الذي منه منع ، فقال لهم : أينقص الرطب ؟ أي : أليس ينقص الرطب ، إذا يبس وقد نهيتكم عن بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل ، فهذا تقرير منه وتوبيخ ، وليس باستفهام في الحقيقة ، لأن مثل هذا لا يجوز جهله على النبي صلى الله عليه وسلم ، والاستفهام في كلام العرب قد يأتي بمعنى التقرير كثيرا ، وبمعنى التوبيخ ، كما قال الله عز وجل : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ سورة المائدة آية 116 ، فهذا استفهام معناه التقرير ، وليس معناه أنه استفهام عما جهل جل الله وتعالى عن ذلك ، ومن التقرير أيضا بلفظ الاستفهام قوله عز وجل : آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ سورة يونس آية 59 ، وقوله : آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ سورة النمل آية 59 ، وقوله : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى { 17 } قَالَ هِيَ عَصَايَ سورة طه آية 17-18 ، وهذا كثير . وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث : أينقص الرطب إذا يبس نحو قوله : أرأيت إن منع الله الثمرة ، فيم يأخذ أحدكم مال أخيه ؟ فإنه قد قال : أليس الرطب ، إذا يبس نقص ؟ فكيف تبيعونه بالتمر ، والتمر لا يجوز بالتمر إلا مثلا بمثل ، والمماثلة معروفة في مثل هذا ، فلا تبيعوا التمر بالرطب بحال ، فهذا أصل في مراعاة المآل في ذلك ، وهذا تقرير قوله صلى الله عليه وسلم عند من نزهه ونفى عنه أن يكون جهل أن الرطب ينقص إذا يبس ، وهذا هو الحق ، إن شاء الله تعالى ، وبه التوفيق . مالك عن عبد الله بن عبد الله بن جابر ابن عتيك الأنصاري المعاوي حديثان وعبد الله هذا مدني تابعي ثقة ، روى عنه مالك ، وعبيد الله بن عمر ، وقد ذكرنا نسبه عند ذكر جده جابر بن عتيك في كتاب الصحابة .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد الله بن محمد القرطبي وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد — 3 الطرق
◈ المدار: عبد الله بن محمد بن عبد المؤم… · ×2 ↗ افتح شجرة الإسناد كاملة