قَالَ : وَأَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ أَبُو يَعْقُوبَ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ ° ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُطِيعٍ ° ، قَالا : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو ° ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، أن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ دَعَا جِبْرِيلَ فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهَا ، فَقَالَ : انْظُرْ إِلَيْهَا ، وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلا دَخَلَهَا ، فَحُجِبَتْ بِالْمَكَارِهِ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهَا فَانْظُرْ ، فَرَجَعَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا ، فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّارِ ، فَقَالَ : اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا ، وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لأَهْلِهَا ، فَذَهَبَ وَرَجَعَ ، فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ فَحُجِبَتْ بِالشَّهَوَاتِ ، ثُمَّ قَالَ : عُدْ إِلَيْهَا ، فَعَادَ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا دَخَلَهَا " , فلهذه الأحاديث ، وما كان مثلها ، قَالَ أهل السنة : أن الجنة والنار مخلوقتان ، وأنهما لا تبيدان ، لأنهما إذا كانتا لا تبيدان حتى تبيد الدنيا ، ومعلوم أن الدنيا إذا انقرضت بقيام الساعة جاءت الآخرة والآخرة غير خالية من جهنم ، كما أنها غير خالية من الجنة ، لأن الجنة رحمة اللَّه تعالى ، والنار عذابه يصيب بها من يشاء من عباده
وقد ثبت عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ : " اختصمت النار والجنة ، فقَالَت الجنة : مالي يدخلني الضعفاء والمساكين . وقَالَت النار : ما لي يدخلني الجبارون والمتكبرون . فقَالَ اللَّه للجنة : أنت رحمتي أصيب بك من أشاء . وَقَالَ للنار : أنت عذابي أصيب بك من أشاء . وقد روى هذا المعنى من حديث مالك ، عَنْ أبي الزناد ، عَنِ الأعرج ، عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حدث به ، عَنْ مالك إِسْحَاق بْن مُحَمَّد الفروي ، ومما يدل على أن النار مخلوقة دائمة قول اللَّه عز وجل : وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ { 45 } النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا سورة غافر آية 45-46 الآية . وقول رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار ، فمن أهل النار ، يقَالَ له : هذا مقعدك حتى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة " . وهو الذي عليه جماعة أهل السنة والأثر : أن الجنة والنار مخلوقتان لا تبيدان وبالله التوفيق . وأما قوله في هذا الحديث : " اشتكت النار إلى ربها ، فقَالَت : يا رب ، أكل بعضي بعضا " . الحديث ، فإن قوما حملوه على الحقيقة ، وأنها أنطقها الذي أنطق كل شيء ، واحتجوا بقول اللَّه عز وجل : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ سورة النور آية 24 . وبقوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ سورة الإسراء آية 44 وبقوله : يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ سورة سبأ آية 10 أي سبحي معه . وَقَالَ : يسبحن بالعشي والإشراق وبقوله : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ سورة ق آية 30 وما كان من مثل هذا ، وهو في القرآن كثير . حملوا ذلك كله على الحقيقة لا على المجاز ، وكذلك قَالَوا في قوله عز وجل : إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا سورة الفرقان آية 12 تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ سورة الملك آية 8 ، وما كان مثل هذا كله . وَقَالَ آخرون في قوله عز وجل : سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا سورة الفرقان آية 12 تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ سورة الملك آية 8 ، هذا تعظيم لشأنها ، ومثل ذلك قوله عز وجل : جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ سورة الكهف آية 77 ، فأضاف إليه الإرادة مجازا وجعلوا ذلك من باب المجاز والتمثيل في كل ما تقدم ذكره على معنى أن هذه الأشياء لو كانت مما تنطق أو تعقل ، لكان هذا نطقها وفعلها وذكروا قول حسان بْن ثابت : لو أن اللؤم ينسب كان عبدا قبيح الوجه أعور من ثقيف وسئل المبرد عَنْ قول الملك إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ سورة ص آية 23 وهم الملائكة لا أزواج لهم ، فقَالَ : نحن طول النهار نفعل مثل هذا : نقول ضرب زيد عمرا ، وإنما هو تقدير كأن المعنى إذا وقع هكذا ، فكيف الحكم فيه ؟ وذكروا قول عدي بْن زيد للنعمان : أتدري ما تقول هذه الشجرة أيها الملك . قَالَ : وما تقول ؟ قَالَ : تقول : رب ركب قد أناخوا حولنا يشربون الخمر بالماء الزلال ثم أضحوا لعب الدهر بهم ، وكذاك الدهر حالا بعد حال وقول عنترة : وشكا إلى بعبرة وتحمحم . وقول الآخر : شكا إلي جملي طول السرى صبرا جميلا فكلانا مبتلى ومثل هذا قول الحارثي : يريد الرمح صدر أبي براء ويرغب عَنْ دماء بني عقيل وَقَالَ غيره : رب قوم غبروا من عيشهم في سرور ونعيم وغدق سكت الدهر زمانا عنهم ثم أبكاهم دما حين نطق وقَالَ آخر : وعظتك أجداث صمت ونعتك أزمنة خفت وتكلمت عَنْ أوجه تبلى وعن صور سبت وأرتك قبرك في القبور وأنت حي لم تمت وَقَالَ آخر : فتكلمت تلك الديار ولم تكن تلك الديار تكلم الزوارا قَالَت برغمي بأن أهلي كلهم وبقيت تكسوني الرياح غبارا ولو استطعت لما فجعت بساكني والدهر لا يبقى لنا عمارا والشعر في هذا المعنى كثير جدا ، ومعناه : أن الديار لو كانت ممن يصح لها نطق وقَالَت لكان هذا قولها وكلامها ، وكذلك القبور ، لو كان لها قول في الحقيقة لكان هكذا ، ومثل هذا مما أنشدوا في هذا المعنى قول القائل : قد قَالَت الأنساع للبطن الحقي وقول الآخر : امتلأ الحوض وَقَالَ قطني : وهو كثير ومعناه كله ما ذكرناه ، فمن حمل قول النار وشكواها على هذا احتج بما وصفنا ومن حمل ذلك على الحقيقة ، قَالَ : جائز أن ينطقها اللَّه كما تنطق الأيدي والجلود والأرجل يوم القيامة وهو الظاهر من قول اللَّه عز وجل : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ سورة ق آية 30 ومن قوله : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ سورة الإسراء آية 44 . قَالَتْ نَمْلَةٌ يَأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ سورة النمل آية 18 وَقَالَ قوله عز وجل : تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ سورة الملك آية 8 أي تتقطع عليهم غيظا ، كما تقول : فلان يتقد عليك غيظا ، وَقَالَ عز وجل : إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا سورة الفرقان آية 12 ، فأضاف إليها الرؤية والتغيظ إضافة حقيقية وكذلك كل ما في القرآن من مثل ذلك ، واحتجوا بقول اللَّه عز وجل : يَقُصُّ الْحَقَّ سورة الأنعام آية 57 ومن هذا الباب عندهم قوله : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ سورة الدخان آية 29 و تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا سورة مريم آية 90 قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ سورة فصلت آية 11 و وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ سورة البقرة آية 74 قَالَوا : وجائز أن تكون للجلود إرادة لا تشبه إرادتنا ، كما للجمادات تسبيح وليس كتسبيحنا ، وللجبال والشجر سجود وليس كسجودنا ، والاحتجاج لكلا القولين يطول ، وليس هذا موضع ذكره ، وحمل كلام اللَّه تعالى وكلام نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الحقيقة أولى بذوي الدين والحق ، لأنه يقص الحق وقوله الحق تبارك وتعالى علوا كبيرا .