231 أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، أنا أَبُو الْيَمَانِ ° ، أنا شُعَيْبٌ ° ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ° ، عَنِ الأَعْرَجِ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبِهِ بِأَصْبُعِهِ حِينَ يُولَدُ ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ " .

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ سورة آل عمران آية 37 قوله : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ سورة آل عمران آية 37 أي : تقبل اللَّه مريم من حنة مكان المحرر ، وتقبل بمعنى قبل ورضي ، والقبول مصدر قبل يقبل قبولا ، مثل : الولوع والوزوع ، وَلَمْ يأت غَيْر هذه الثلاثة . وقيل : معنى التقبل : التكفل فِي التريبة والقيام بشأنها ، وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا سورة آل عمران آية 37 معناه : وأنبتها فنبتت نباتًا حسنًا ، وقيل : هَذَا مصدر عَلَى غَيْر اللفظ ، وَكَذَلِكَ قَوْله : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ سورة آل عمران آية 37 ومثله شائع كقولك : تكلمت كلامًا . وَقَالَ جويبر ، عَنِ الضحاك ، عَنِ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ سورة آل عمران آية 37 أي : سلك بِهَا طريق السعداء . وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا سورة آل عمران آية 37 يَعْنِي : سَوَّى خلقها من غَيْر زيادة ولا نقصان ، فكانت تنبت فِي اليوم مَا ينبت المولود فِي العام ، وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا سورة آل عمران آية 37 قَالَ أهل الأخبار : أخذت حنة مريم حِينَ ولدتها فلفتها فِي خرقة وحملتها إِلَى الْمَسْجِد فوضعتها عِنْدَ الأحبار : أبناء هَارُون ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ يلون من بَيْت المقدس مَا يلي الحجبة من الْكَعْبَة ، فَقَالَتْ لَهُمْ : دونكم هذه النذيرة . فتنافس فِيهَا الأحبار ، لأنها كانت بِنْت إمامهم وصاحب قربانهم ، فَقَالَ لَهُمْ زَكَرِيَّا : أنا أحقكم بِهَا ، عندي خالتها . فَقَالَتْ لَهُ الأحبار : لا نفعل ذَلِكَ ، فإنها لو تركت لأحق النَّاس بهَا لتركت لأمها الَّتِي ولدتها ، لكنا نقترع عَلَيْهَا فتكون عِنْدَ من خرج سهمه . فانطلقوا وكانوا تسعة وعشرين رجلا إِلَى نهر جار ، قَالَ السدي : هُوَ نهر الأردن . فألقوا أقلامهم فِي الماء ، عَلَى أَن من ثبت قلمه فِي الماء فصعد فَهُوَ أولى بِهَا . وقيل : كَانَ عَلَى كُل قلم اسم واحد مِنْهُم . وقيل : كَانُوا يكتبون التَّوْرَاة فألقوا أقلامهم الَّتِي كانت بأيديهم فِي الماء ، فارتزّ قلم زَكَرِيَّا فارتفع فَوْقَ الماء ، وانحدرت أقلامهم ورسبت فِي النهر ، قاله مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وجماعة . وَقَالَ السدي وجماعة : بَل ثبت قلم زَكَرِيَّا وقام فَوْقَ الماء كَأَنَّهُ فِي طين ، وجرت أقلامهم مع جرية الماء ، فذهب بها الماء ، فسهمهم وقرعهم زَكَرِيَّا ، وَكَانَ زَكَرِيَّا رأس الأحبار ونبيهم ، فذلك قَوْله تَعَالَى : وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا سورة آل عمران آية 37 قرأ حمزة ، والكسائي ، وعَاصِم بتشديد الفاء ، فيكون زَكَرِيَّا فِي محل النصب ، أي : ضمنها اللَّه زَكَرِيَّا ، وضمها إِلَيْهِ بالقرعة ، وقرأ الآخرون بالتخفيف فيكون زَكَرِيَّا فِي محل الرفع ، أي : ضمها زَكَرِيَّا إِلَى نَفْسه وقام بأمرها ، وَهُوَ زَكَرِيَّا بْن آذن بْن مُسْلِم بْن صدوق ، من أولاد سُلَيْمَان بْن دَاوُد عليهما السَّلام . وقرأ حمزة والكسائي وحفص عَنْ عَاصِم : زَكَرِيَّا سورة آل عمران آية 37 مقصورًا ، والآخرون يمدونه . فلما ضم زَكَرِيَّا مريم إِلَى نَفْسه ، بنى لَهَا بيتًا واسترضع لَهَا ، وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : ضمها إِلَى خالتها أم يَحْيَى ، حَتَّى إِذَا شبت وبلغت مبلغ النِّسَاء بنى لَهَا محرابا فِي الْمَسْجِد ، وجعل بابه فِي وسطها لا يرقى إِلَيْهَا إلا بالسلم ، مثل بَاب الْكَعْبَة لا يصعد إِلَيْهَا غيره ، وَكَانَ يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كُل يَوْم ، كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ سورة آل عمران آية 37 وأراد بالمحراب الغرفة ، والمحراب أشرف المجالس ومقدمها ، وَكَذَلِكَ هُوَ من الْمَسْجِد ، ويقال للمسجد أيضًا : محراب ، وَقَالَ المبرد : لا يَكُون المحراب إلا أَن يرتقى إِلَيْهِ بدرجة . وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : كَانَ زَكَرِيَّا إِذَا خرج يغلق عَلَيْهَا سبعة أبواب فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا غرفتها ، وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا سورة آل عمران آية 37 أي : فاكهة فِي غَيْر حينها ، فاكهة الصيف فِي الشتاء وفاكهة الشتاء فِي الصيف ، قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا سورة آل عمران آية 37 قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : معناه : من أين لَك هَذَا ؟ وأنكر بَعْضهم عَلَيْهِ ، وَقَالَ : معناه : من أي جهة لَك هَذَا ؟ لأن أنى للسؤال عَنِ الجهة ، وأين للسؤال عَنِ المكان ، قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ سورة آل عمران آية 37 أي : من قطف الْجَنَّة ، قَالَ الْحَسَن : حِينَ ولدت مريم لَمْ تلقم ثديًا قط ، كَانَ يأتيها رزقها من الْجَنَّة ، فَيَقُول لَهَا زَكَرِيَّا : أنى لَك هَذَا ؟ قالت : هُوَ من عِنْدَ اللَّه ، تكلمت وَهِيَ صغيرة ، إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ سورة آل عمران آية 37 . وقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : ثُمَّ أصابت بَنِي إسرائيل أزمة ، وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ من حالها حَتَّى ضعف زَكَرِيَّا عَنْ حملها ، فخرج عَلَى بَنِي إسرائيل ، فَقَالَ : يا بَنِي إسرائيل ، تعلمون والله لَقَدْ كبرت سني ، وضعفت عَنْ حمل مريم بِنْت عمران ، فأيكم يكفلها بعدي ؟ قَالُوا : والله لَقَدْ جهدنا وأصابنا من السنة مَا ترى . فتدافعوها بينهم ثُمَّ لَمْ يجدوا من حملها بدًا ، فتقارعوا عَلَيْهَا بالأقلام فخرج السهم عَلَى رجل نجار من بَنِي إسرائيل يقال لَهُ : يُوسُف بْن يَعْقُوب ، وَكَانَ ابْن عم مريم فحملها ، فعرفت مريم فِي وجهه شدة مؤنة ذَلِكَ عَلَيْهِ ، فَقَالَتْ لَهُ : يا يُوسُف ، أَحْسَن بالله الظن ، فَإِن اللَّه سيرزقنا . فجعل يُوسُف يرزق بمكانها منه ، فيأتيها كُل يَوْم من كسبه بِمَا يصلحها ، فَإِذَا أدخله عَلَيْهَا فِي الكنيسة أنماه اللَّه ، فيدخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا فيرى عندها فضلا من الرزق ، لَيْسَ بقدر مَا يأتيها بِهِ يُوسُف ، فَيَقُول : يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ سورة آل عمران آية 37 . قَالَ أهل الأخبار : فلما رأى ذَلِكَ زَكَرِيَّا ، قَالَ : إِن الَّذِي قدر عَلَى أَن يَأْتِي مريم بالفاكهة فِي غَيْر حينها من غَيْر سبب ، لقادر عَلَى أَن يصلح زوجتي ، ويهب لي ولدا فِي غَيْر حينه على الكبر فطمع فِي الولد ، وَذَلِكَ أَن أهل بيته كَانُوا قَدِ انقرضوا ، وَكَانَ زَكَرِيَّا قَدْ شاخ وآيس من الولد . هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ { 38 } فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ { 39 } سورة آل عمران آية 38-39 قَالَ اللَّه تَعَالَى : هُنَالِكَ سورة آل عمران آية 38 أي : عِنْدَ ذَلِكَ ، دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ سورة آل عمران آية 38 فدخل المحراب وأغلق الباب وناجى ربه ، قَالَ رَبِّ سورة آل عمران آية 38 أي : يا رب ، هَبْ لِي سورة آل عمران آية 38 أعطني ، مِنْ لَدُنْكَ سورة آل عمران آية 38 أي : من عندك ، ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً سورة آل عمران آية 38 أي : ولدًا مباركًا تقيًا صالحًا رضيًا ، والذرية تكون واحدًا وجمعًا ، ذكرا وأنثى ، وَهُوَ ههنا واحد ، بدليل قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا سورة مريم آية 5 وإنما قَالَ : طيبة لتأنيث لفظ الذرية ، إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ سورة آل عمران آية 38 أي : سامعه ، وقيل : مجيبه ، كقوله تَعَالَى : إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ سورة يس آية 25 أي : فأجيبوني . فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ سورة آل عمران آية 39 قرأ حمزة والكسائي : فناداه بالياء ، والآخرون بالتاء ، فمن قرأ بالتاء فلتأنيث لفظ الْمَلائِكَة وللجمع مَعَ أَن الذكور إِذَا تقدم فعلهم وَهُمْ جَمَاعَة كَانَ التأنيث فيها أَحْسَن ، كقوله تَعَالَى : قَالَتِ الأَعْرَابُ سورة الحجرات آية 14 . وعن إِبْرَاهِيم قَالَ : كَانَ عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، يذكر الْمَلائِكَة فِي الْقُرْآن . قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : إِنَّمَا نرى عَبْد اللَّهِ اختار ذَلِكَ خلافًا للمشركين فِي قولهم : الْمَلائِكَة بنات اللَّه تَعَالَى . وَرَوَى الشَّعْبِي أَن ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : إِذَا اختلفتم فِي التاء والياء فاجعلوها ياء وذكروا الْقُرْآن . وأراد بالملائكة ههنا : جبريل عَلَيْهِ السَّلام وحده ، كقوله تَعَالَى فِي سورة النحل : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ سورة النحل آية 2 يَعْنِي جبريل ، بالروح بالوحي ، ويجوز فِي العربية أَن يخبر عَنِ الْوَاحِد بلفظ الجمع كقولهم : سمعت هَذَا الْخَبَر من النَّاس ، وإنما سمع من واحد ، نظيره قَوْله تَعَالَى : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ سورة آل عمران آية 173 يَعْنِي نعيم بْن مَسْعُود ، إِنَّ النَّاسَ سورة آل عمران آية 173 يَعْنِي أبا سُفْيَان بْن حرب . وَقَالَ المفضل بْن سلمة : إِذَا كَانَ القائل رئيسًا يَجُوز الإخبار عَنْهُ بالجمع ، لاجتماع أَصْحَابه مَعَهُ ، وَكَانَ جبريل عَلَيْهِ السَّلام رئيس الْمَلائِكَة ، وقل مَا يبعث إلا ومعه جمع ، فجرى عَلَى ذَلِكَ . قوله تعالى : وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ سورة آل عمران آية 39 أي : فِي الْمَسْجِد ، وَذَلِكَ أَن زَكَرِيَّا كَانَ الحبر الكبير الَّذِي يقرب القربان ، فيفتح بَاب المذبح فلا يدخلون حَتَّى يأذن لَهُمْ فِي الدخول ، فبينما هُوَ قائم يصلي فِي المحراب ، يَعْنِي : فِي الْمَسْجِد عِنْدَ المذبح يصلي ، والناس ينتظرون أَن يأذن لَهُمْ فِي الدخول فَإِذَا هُوَ برجل شاب عَلَيْهِ ثياب بيض ففزع منه فناداه ، وَهُوَ جبريل عَلَيْهِ السَّلام : يا زَكَرِيَّا ، أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ سورة آل عمران آية 39 قرأ ابْن عامر ، وحمزة : إِنَّ اللَّه بكسر الألف عَلَى إضمار القول ، تقديره : فنادته الْمَلائِكَة ، فَقَالَتْ : إِن اللَّه يبشرك . وقرأ الآخرون بالفتح بإيقاع النداء عَلَيْهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ : فنادته الْمَلائِكَة بأن اللَّه يبشرك . قرأ حمزة : يبشرك وبابه بالتخفيف في كُل الْقُرْآن إلا قَوْله : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ سورة الحجر آية 54 فإنهم اتفقوا عَلَى تشديدها ، ووافقه الْكِسَائِي ههنا فِي الموضعين ، وَفِي سبحان و الكهف و عسق ووافق ابْن كثير ، وَأَبُو عَمْرو فِي عسق والباقون بالتشديد ، فمن قرأ بالتشديد فَهُوَ من بشر يبشر تبشيرًا وَهُوَ أعرب اللغات وأفصحها ، دليل التشديد قَوْله تَعَالَى : فَبَشِّرْ عِبَادِ سورة الزمر آية 17 ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ سورة الصافات آية 112 ، قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ سورة الحجر آية 55 وغيرها من الآيات ، ومن خفف فَهُوَ من بشر يبشر وَهِيَ لغة تهامة ، وقرأه ابْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، بِيَحْيَى سورة آل عمران آية 39 هُوَ اسم لا يجر لمعرفته وللزائد فِي أوله ، مثل : يَزِيد ويعمر ، وجمعه يحيون ، مثل : موسون وعيسون ، واختلفوا في أنه لَم سمي يَحْيَى ؟ قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : لأن اللَّه أحيا بِهِ عقر أمه . قَالَ قَتَادَة : لأن اللَّه تَعَالَى أحيا قلبه بالإيمان . وقيل : لأن اللَّه تَعَالَى أحياه بالطاعة حَتَّى لَمْ يعص وَلَمْ يهم بمعصية ، مُصَدِّقًا سورة آل عمران آية 39 نصب عَلَى الحال ، بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ سورة آل عمران آية 39 يَعْنِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلام ، سمي عِيسَى كلمة اللَّه ، لأن اللَّه تَعَالَى قَالَ لَهُ : كن من غَيْر أب فكان ، فوقع عَلَيْهِ اسم الكلمة ، لأنه بها كان . وقيل : سمي كلمة ، لأنه يهتدى بِهِ كَمَا يهتدى بكلام اللَّه تَعَالَى . وقيل : هِيَ بشارة اللَّه تَعَالَى مريم بعيسى عَلَيْهِ السَّلام بكلامه عَلَى لسان جبريل عَلَيْهِ السَّلام ، وقيل : لأن اللَّه تَعَالَى أخبر الأنبياء بكلامه فِي كتبه أَنَّهُ يخلق نبيًا بلا أب ، فسماه كلمة لحصوله بِذَلِكَ الوعد . وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلام أول من آمن بعيسى عَلَيْهِ السَّلام وصدقه ، وَكَانَ يَحْيَى عَلَيْهِ السَّلام أكبر من عِيسَى بستة أشهر ، وكانا ابني الخالة ، ثُمَّ قتل يَحْيَى قبل أَن يرفع عِيسَى عَلَيْهِ السَّلام ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ سورة آل عمران آية 39 أي : بكتاب من اللَّه وآياته ، تقول العرب : أنشدني كلمة فُلان ، أي : قصيدته . قوله تعالى : وَسَيِّدًا سورة آل عمران آية 39 هُوَ فعيل ، من ساد يسود ، وَهُوَ الرئيس الَّذِي يتبع وينتهى إِلَى قَوْله . قَالَ المفضل : أراد سيدًا فِي الدين . قَالَ الضحاك : السيد : الْحَسَن الخلق . قَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : السيد الَّذِي يطيع ربه عَزَّ وَجَلَّ . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : السيد : الْفَقِيه العالم . وَقَالَ قَتَادَة : سيد فِي العلم والعبادة والورع . وقيل : الحليم الَّذِي لا يغضبه شَيْء . قَالَ مجاهد : الكريم عَلَى اللَّه تَعَالَى . وقال الضحاك : السيد : التقي . قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِي : الَّذِي لا يحسد . وقيل : الَّذِي يفوق قومه فِي جَمِيع خصال الخير . وقيل : هُوَ القانع بِمَا قسم اللَّه لَهُ . وقيل : هو السخي . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " من سيدكم يا بَنِي سلمة " ؟ قَالُوا : جد بْن قَيْس ، عَلَى أنا نبخله . قَالَ : " وأي داء أدوأ من البخل ، لكن سيدكم عَمْرو بْن الجموح " . قوله تعالى : وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ سورة آل عمران آية 39 الحصور : أصله من الحصر وَهُوَ الحبس ، والحصور فِي قَوْل ابْن مَسْعُود رضي الله عنه ، وابن عَبَّاس ، وسعيد بْن جُبَيْر ، وَقَتَادَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم ، وعطاء ، والحسن : الَّذِي لا يَأْتِي النِّسَاء ولا يقربهن . وَهُوَ عَلَى هَذَا القول فعول بمعنى فاعل ، يَعْنِي أَنَّهُ يحصر نَفْسه عَنِ الشهوات ، وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : هُوَ العنين الَّذِي لا ماء لَهُ ، فيكون الحصور بمعنى المحصور ، يَعْنِي : الممنوع من النِّسَاء . قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : كَانَ لَهُ مثل هدبة الثوب ، وَقَدْ تزوج مَعَ ذَلِكَ ليكون أغض لبصره . وفيه قَوْل آخر : أَن الحصور هو الممتنع من الوطء مَعَ القدرة عَلَيْهِ . واختار قوم هَذَا القول لوجهين ، أحدهما : لأن الْكَلام خرج مخرج الثناء ، وَهَذَا أقرب إِلَى استحقاق الثناء . وَالثَّانِي : أَنَّهُ أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء . قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ سورة آل عمران آية 40 . قوله تعالى : قَالَ رَبِّ سورة آل عمران آية 40 أي : يا سيدي ، قَالَ لجبريل عَلَيْهِ السَّلام ، هَذَا قَوْل الكلبي وجماعة . وقيل : قاله لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، أَنَّى يَكُونُ سورة آل عمران آية 40 من أين يَكُون ، لِي غُلامٌ سورة آل عمران آية 40 أي : ابن ، وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ سورة آل عمران آية 40 هَذَا من المقلوب ، أي : وَقَدْ بلغت الكبر وشخت ، كَمَا يقال : بلغني الجهد ، أي : أنا فِي الجهد ، وقيل : معناه : وَقَدْ نالني الكبر وأدركني وأضعفني . قَالَ الكلبي : كَانَ زَكَرِيَّا يَوْم بشر بالولد ابْن ثنتين وتسعين سنة ، وقيل : ابْن تسع وتسعين سنة . وَقَالَ الضحاك عَنِ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : كَانَ ابْن عشرين ومائة سنة ، وكانت امرأته بِنْت ثمان وتسعين سنة ، فذلك قوله تعالى : وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ سورة آل عمران آية 40 أي : عقيم لا تلد ، ويقال : رجل عاقر وامرأة عاقر ، وَقَدْ عقر بضم القاف يعقر عقرا وعقارة ، قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ سورة آل عمران آية 40 فَإِن قيل : لِمَ قَالَ زَكَرِيَّا بعدما وعده اللَّه تَعَالَى : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ سورة آل عمران آية 40 أكان شاكًا فِي وعد اللَّه وَفِي قدرته ؟ قيل : إِن زَكَرِيَّا لما سمع نداء الْمَلائِكَة جاءه الشَّيْطَان ، فَقَالَ : يا زَكَرِيَّا ، إِن الصوت الَّذِي سمعت لَيْسَ هو من اللَّه ، إِنَّمَا هُوَ من الشَّيْطَان ، ولو كَانَ من اللَّه لأوحاه إليك كَمَا يوحي إليك فِي سائر الأمور . فَقَالَ ذَلِكَ دفعًا للوسوسة ، قَالَه عكرمة والسدي . وجواب آخر : وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يشك فِي وعد اللَّه إِنَّمَا شك فِي كيفيته ، أي : كَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ { 41 } وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ { 42 } سورة آل عمران آية 41-42 قوله تعالى : قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً سورة آل عمران آية 41 أي : علامة أعلم بِهَا وقت حمل امرأتي ، فأزيد فِي العبادة شكرا لَك ، قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ سورة آل عمران آية 41 تكف عَنِ الْكَلام ، ثَلاثَةَ أَيَّامٍ سورة آل عمران آية 41 وتقبل بكليتك عَلَى عبادتي ، لا أَنَّهُ حبس لسانه عَنِ الْكَلام ، ولكنه نهي عَنِ الْكَلام وَهُوَ صحيح سوي ، كَمَا قَالَ فِي سورة مريم الآية 10 : قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا سورة مريم آية 10 يدل عَلَيه قَوْله تَعَالَى : وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ سورة آل عمران آية 41 فأمره بالذكر ، ونهاه عَنْ كَلام النَّاس . وَقَالَ أَكْثَر المفسرين : عقل لسانه عَنِ الْكَلام مَعَ النَّاس ثلاثة أَيَّام . وَقَالَ قَتَادَة : أمسك لسانه عَنِ الْكَلام عقوبة له ، لسؤاله الآية بَعْد مشافهة الْمَلائِكَة إياه ، فلم يقدر عَلَى الْكَلام ثلاثة أَيَّام . وقوله : إِلا رَمْزًا سورة آل عمران آية 41 أي : إشارة ، والإشارة قَدْ تكون باللسان وبالعين واليد ، وكانت إشارته بالإصبع المسبحة ، وقَالَ الفراء : قَدْ يَكُون الرمز باللسان من غَيْر أَن يبين ، وَهُوَ الصوت الخفي أشبه الهمس . وَقَالَ عَطَاء : أراد بِهِ صوم ثلاثة أَيَّام ، لأنهم كَانُوا إذا صاموا لَمْ يتكلموا إلا رمزًا ، وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ سورة آل عمران آية 41 قيل : المراد بالتسبيح الصلاة ، والعشي : مَا بَيْنَ زوال الشَّمْس إِلَى غروب الشَّمْس ، ومنه سمي صلاة الظهر والعصر صلاتي العشي ، والإبكار : مَا بَيْنَ صلاة الفجر إِلَى الضحى . قوله تعالى : وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ سورة آل عمران آية 42 يَعْنِي جبريل ، يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ سورة آل عمران آية 42 اختارك ، وَطَهَّرَكِ سورة آل عمران آية 42 قيل : من مسيس الرجال . وقيل : من الحيض والنفاس . قَالَ السدي : كانت مريم لا تحيض . وقيل : من الذنوب . وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ سورة آل عمران آية 42 قيل : عَلَى عالمي زمانها . وقيل : عَلَى جَمِيع نساء العالمين فِي أَنَّهَا ولدت بلا أب ، وَلَمْ يكن ذَلِكَ لأحد من النِّسَاء . وقيل : بالتحرير فِي الْمَسْجِد وَلَمْ تحرر أنثى .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد