أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ ° , أَخَبْرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ ° , أنا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ ° , أنا الرَّبِيعُ ° , أنا الشَّافِعِيُّ ° , أنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ° , عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ° , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ° , عَنْ أَبِيهِ ° , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ , قَالَ : " نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي ، فَحَفِظَهَا ، وَوَعَاهَا , وَأَدَّاهَا ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ , وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ , ثَلاثٌ لا يَغُلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ : إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ , وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ , فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ
. قال مقاتل : من بلغه القرآن من الجن ، والإنس ، فهو نذير له . وقال محمد بن كعب القرظي : من بلغه القرآن , فكأنما رأى محمد صلى الله عليه وسلم ، وسمع منه . أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى سورة الأنعام آية 19 ولم يقل : أُخر ، لأن الجمع يلحقه التأنيث , كقوله عز وجل : وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا سورة الأعراف آية 180 . وقال : فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى سورة طه آية 51 . قُلْ سورة الأنعام آية 19 يا محمد ، إن شهدتم أنتم . ف لا أَشْهَدُ سورة الأنعام آية 19 أنا أن معه إلها ، قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ سورة الأنعام آية 19 . الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ { 20 } وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ { 21 } وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ { 22 } ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ { 23 } سورة الأنعام آية 20-23 قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ سورة الأنعام آية 20 يعني : التوراة ، والإنجيل ، يَعْرِفُونَهُ سورة الأنعام آية 20 يعني : محمد صلى الله عليه وسلم بنعته ، وصفته ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ سورة الأنعام آية 20 من بين الصبيان ، الَّذِينَ خَسِرُوا سورة الأنعام آية 20 غبنوا أنفسهم ، أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ سورة الأنعام آية 20 وذلك أن الله جعل لكل آدمي منزلا في الجنة , ومنزلا في النار , وإذا كان يوم القيامة ، جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة , ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار , وذلك الخسران . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَنْ أَظْلَمُ سورة الأنعام آية 21 أكفر ، مِمَّنِ افْتَرَى سورة الأنعام آية 21 اختلف ، عَلَى اللَّهِ كَذِبًا سورة الأنعام آية 21 فأشرك به غيره ، أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ سورة الأنعام آية 21 يعني : القرآن ، إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ سورة الأنعام آية 21 الكافرون . وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا سورة الأنعام آية 22 أي : العابدون ، والمعبودين , يعني : يوم القيامة , قرأ يعقوب يحشرهم ههنا ، وفى سبأ بالياء ، ووافق حفص في سبأ ، وقرأ الآخرون بالنون ، ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ سورة الأنعام آية 22 أنها تشفع لكم عند ربكم . ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ سورة الأنعام آية 23 قرأ حمزة , والكسائي , ويعقوب يكن بالياء , لأن الفتنة بمعنى الافتتان , فجاز تذكيره , وقرأ الآخرون بالتاء لتأنيث الفتنة , وقرأ ابن كثير , وابن عامر , وحفص , عن عاصم فتنتهم بالرفع ، جعلوه اسم كان , وقرأ الآخرون بالنصب , فجعلوا الاسم قوله : أَنْ قَالُوا سورة الأنعام آية 23 , و فِتْنَتُهُمْ سورة الأنعام آية 23 الخبر , ومعنى قوله : فِتْنَتُهُمْ سورة الأنعام آية 23 أي : قولهم ، وجوابهم , وقال ابن عباس , وقتادة : معذرتهم ، والفتنة : تجربة ، فلما كان سؤالهم تجربة لإظهار ما في قلوبهم قيل له فتنة . قال الزجاج في قوله : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ سورة الأنعام آية 23 معنى لطيف , وذلك مثل الرجل يفتتن بمحبوب , ثم يصيبه فيه محنة , فيتبرأ من محبوبه , فيقال : لم تكن فتنت إلا هذا . كذلك الكفار فتنوا بمحبة الأصنام , ولما رأوا العذاب تبرءوا منها , يقول الله عز وجل : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ سورة الأنعام آية 23 في محبتهم الأصنام ، إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ سورة الأنعام آية 23 قرأ حمزة , والكسائي رَبَّنَا بالنصب على نداء المضاف , وقرأ الآخرون بالخفض على نعت وَاللَّهِ سورة الأنعام آية 23 ، وقيل : إنهم إذا رأوا يوم القيامة مغفرة الله تعالى , وتجاوزه عن أهل التوحيد , فيقولون : والله ربنا ما كنا مشركين . فيختم على أفواههم ، وتشهد عليهم جوارحهم بالكفر . انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ { 24 } وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ { 25 } سورة الأنعام آية 24-25 قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ سورة الأنعام آية 24 باعتذارهم بالباطل ، وتبريهم عن الشرك ، وَضَلَّ عَنْهُمْ سورة الأنعام آية 24 : زال ، وذهب عنهم ، مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ سورة الأنعام آية 24 من الأصنام , وذلك أنهم كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها , فبطل كله في ذلك اليوم . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ سورة الأنعام آية 25 الآية . قال الكلبي : اجتمع أبو سفيان بن حرب , وأبو جهل بن هشام , والوليد بن المغيرة , والنضر بن الحارث , وعتبه , وشيبة ابنا ربيعة , وأمية , وأبي ابنا خلف , والحارث بن عامر ، يستمعون القرآن , فقالوا : للنضر يا أبا قتيلة , ما يقول محمد ؟ قال : ما أدري ما يقول ، إلا أني أراه يحرك لسانه , ويقول : أساطير الأولين ، مثل ما كنت أحدثكم عن القرون الماضية . وكان النضر كثير الحديث عن القرون ، وأخبارها , فقال أبو سفيان : إني أرى بعض ما يقول حقا . فقال أبو جهل : كلا ، لا نقر بشيء من هذا . وفي رواية : للموت أهون علينا من هذا , فأنزل الله عز وجل : وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ سورة الأنعام آية 25 وإلى كلامك ، وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً سورة الأنعام آية 25 أغطية ، جمع كنان ، كالأعنة جمع عنان ، أَنْ يَفْقَهُوهُ سورة الأنعام آية 25 أن يعلموه ، قيل : معناه : أن لا يفقهوه . وقيل : كراهة أن يفقهوه . وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا سورة الأنعام آية 25 صمما ، وثقلا , هذا دليل على أن الله تعالى يقلب القلوب , فيشرح بعضها للهدى , ويجعل بعضها في أكنة , فلا تفقه كلام الله ، ولا تؤمن . وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ سورة الأنعام آية 25 من المعجزات ، والدلالات ، لا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ سورة الأنعام آية 25 يعني : أحاديثهم ، وأقاصيصهم ، والأساطير : جمع أسطورة ، وإسطارة , وقيل : هي الترهات , والأباطيل . وأصلها من سطرت , أي : كتبت . وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ { 26 } وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ { 27 } سورة الأنعام آية 26-27 وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ سورة الأنعام آية 26 أي : ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ سورة الأنعام آية 26 أي : يتباعدون عنه بأنفسهم , نزلت في كفار مكة , قاله محمد ابن الحنفية , والسُّدِّيُّ , والضحاك , وقال قتادة : ينهون عن القرآن ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم , ويتباعدون عنه . وقال ابن عباس , ومقاتل : نزلت في أبي طالب ، كان ينهى الناس عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم ، ويمنعهم , وينأى عن الإيمان به , أي : يبعد ، حتى روي أنه اجتمع إليه رءوس المشركين ، وقالوا : خذ شابا من أصبحنا وجها , وادفع إلينا محمدا . فقال أبو طالب : ما أنصفتموني ! أدفع إليكم ولدي لتقتلوه ، وأربي ولدكم ؟ وروي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دعاه إلى الإيمان , فقال : لولا أن تعيرني قريش , لأقررت بها عينك , ولكن أذب عنك ما حييت . وقال فيه أبياتا : والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا فاصدع بأمرك ما عليك غضاغة وابشر بذاك وقر منك عيونا ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ولقد صدقت وكنت ثم أمينا وعرضت دينا قد علمت بأنه من خير أديان البرية دينا لولا الملامة أو حذار سبة لوجدتني سمحا بذاك مبينا . وَإِنْ يُهْلِكُونَ سورة الأنعام آية 26 ما يهلكون ، إِلا أَنْفُسَهُمْ سورة الأنعام آية 26 أي : لا يرجع وبال فعلهم إلا إليهم ، وأوزار الذين يصدونهم عليهم ، وَمَا يَشْعُرُونَ سورة الأنعام آية 26 . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ سورة الأنعام آية 27 يعني : في النار , ك عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ سورة البقرة آية 102 أي : في ملك سليمان , وقيل : عرضوا على النار . وجواب لو محذوف , معناه : لو تراهم في تلك الحالة ، لرأيت عجبا ، فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ سورة الأنعام آية 27 يعني : إلى الدنيا ، وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ سورة الأنعام آية 27 قراءة العامة كلها بالرفع على معنى : يا ليتنا نرد ونحن لا نكذب ، ونكون من المؤمنين , وقرأ حمزة , وحفص , ويعقوب : وَلا نُكَذِّبَ ونكونَ بنصب الباء ، والنون على جواب التمني , أي : ليت ردنا وقع ، وأن لا نكذب , وأن لا نكذب ولا نكون ، والعرب تنصب جواب التمني بالواو كما تنصب بالواو كما تنصب بالفاء , وقرأ ابن عامر نكذب بالرفع ، وَنَكُونَ بالنصب ، لأنهم تمنوا أن يكونوا من المؤمنين , وأخبروا عن أنفسهم أنهم لا يكذبون بآيات ربهم إن ردوا إلى الدنيا . بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ { 28 } وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ { 29 } وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ { 30 } قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ { 31 } سورة الأنعام آية 28-31 بَلْ بَدَا لَهُمْ سورة الأنعام آية 28 قوله : بل تحته رد لقولهم ، أي : ليس الأمر على ما قالوا : إنهم لو ردوا لآمنوا , بَلْ بَدَا لَهُمْ بل سورة الأنعام آية 28 ظهر لهم ، مَا كَانُوا يُخْفُونَ سورة الأنعام آية 28 يسرون ، مِنْ قَبْلُ سورة الأنعام آية 28 في الدنيا من كفرهم , ومعاصيهم , وقيل : ما كانوا يخفون , وهو قولهم : وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ سورة الأنعام آية 23 , فأخفوا شركهم , وكتموا ، حتى شهدت عليهم جوارحهم بما كتموا , وستروا ، لأنهم كانوا لا يخفون كفرهم في الدنيا ، إلا أن تجعل الآية في المنافقين , وقال المبرد : بل بدا لهم جزاء ما كانوا يخف , وقال النضر بن شميل : بل بدا عنهم . ثم قال : وَلَوْ رُدُّوا سورة الأنعام آية 28 إلى الدنيا ، لَعَادُوا لِمَا سورة الأنعام آية 28 يعني : إلى ما ، نُهُوا عَنْهُ سورة الأنعام آية 28 من الكفر ، وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ سورة الأنعام آية 28 في قولهم , لو رددنا إلى الدنيا لم نكذب بآيات ربنا , ونكون من المؤمنين . وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ سورة الأنعام آية 29 هذا إخبار عن إنكارهم البعث , وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هذا من قولهم : لو ردوا لقالوه . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ سورة الأنعام آية 30 أي : على حكمه ، وقضائه , ومسألته , وقيل : عرضوا على ربهم . قَالَ سورة الأنعام آية 30 لهم , وقيل : تقول لهم الخزنة بأمر الله . أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ سورة الأنعام آية 30 يعني : أليس هذا البعث ، والعذاب بالحق ؟ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا سورة الأنعام آية 30 إنه حق , قال ابن عباس : هذا في موقف , وقولهم : والله ربنا ما كنا مشركين في موقف آخر , وللقيامة مواقف ، ففي موقف يقرون , وفي موقف ينكرون . قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ سورة الأنعام آية 30 . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ سورة الأنعام آية 31 أي : خسروا أنفسهم بتكذيبهم المصير إلى الله بالبعث بعد الموت ، حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ سورة الأنعام آية 31 أي : القيامة ، بَغْتَةً سورة الأنعام آية 31 أي : فجأة ، قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا سورة الأنعام آية 31 ندامتنا ، ذكر على وجه النداء للمبالغة , وقال سيبويه : كأنه يقول : أيتها الحسرة ، هذا أوانك . عَلَى مَا فَرَّطْنَا سورة الأنعام آية 31 أي : قصرنا ، فِيهَا سورة الأنعام آية 31 أي : في الطاعة , وقيل : تركنا في الدنيا من عمل الآخرة . قال محمد بن جرير : الهاء راجعة إلى الصفقة , وذلك أنه لما تبين لهم خسران صفقتهم ببيعهم الآخرة بالدنيا , قالوا : قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا سورة الأنعام آية 31 , أي : في الصفقة , فترك ذكر الصفقة اكتفاء بقوله : قَدْ خَسِرَ سورة الأنعام آية 31 لأن الخسران إنما يكون في صفقة بيع ، والحسرة : شدة الندم , حتى يتحسر النادم ، كما يتحسر الذي تقوم به دابته في السفر البعيد ، وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ سورة الأنعام آية 31 أثقالهم ، وآثامهم ، عَلَى ظُهُورِهِمْ سورة الأنعام آية 31 قال السُّدِّيُّ , وغيره : إن المؤمن إذا أخرج من قبره ، استقبله أحسن شيء صورة , وأطيبه ريحا , فيقول له : هل عرفتني ؟ فيقول : لا . فيقول : أنا عملك الصالح , فاركبني ، فقد طالما ركبتك في الدنيا , فذلك قوله عز وجل : يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا سورة مريم آية 85 أي : ركبانا ، وأما الكافر , فيستقبله أقبح شيء صورة , وأنتنه ريحا , فيقول : هل تعرفني ؟ فيقول : لا . فيقول : أنا عملك الخبيث ، طالما ركبتني في الدنيا , فأنا اليوم أركبك , فهذا معنى قوله : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ سورة الأنعام آية 31 . أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ سورة الأنعام آية 31 يحملون , قال ابن عباس : بئس الحمل حملوا . وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ { 32 } قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ { 33 } سورة الأنعام آية 32-33 قوله تعالى : وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا لَعِبٌ وَلَهْوٌ سورة الأنعام آية 32 باطل وغرور ، لا بقاء لها ، وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ سورة الأنعام آية 32 , قرأ ابن عامر ولدار الآخرة مضافا , أضاف الدار إلى الآخرة , ويضاف الشيء إلى نفسه عند اختلاف اللفظين ، كقوله : وَحَبَّ الْحَصِيدِ سورة ق آية 9 . وقولهم : ربيع الأول , ومسجد الجامع , سميت الدنيا لدنوها . وقيل : لدناءتها . وسميت الآخرة لأنها بعد الدنيا ، خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ سورة الأنعام آية 32 الشرك ، أَفَلا تَعْقِلُونَ سورة الأنعام آية 32 ، أن الآخرة أفضل من الدنيا ، قرأ أهل المدينة , وابن عامر , ويعقوب أَفَلا تَعْقِلُونَ بالتاء ههنا , وفي الأعراف , وسورة يوسف , و يس , ووافق أبو بكر في سورة يوسف , ووافق حفص إلا في سورة يس , وقرأ الآخرون بالياء فيهن . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ سورة الأنعام آية 33 . قال السُّدِّيُّ : التقى الأخنس بن شريق , وأبو جهل بن هشام , فقال الأخنس لأبي جهل : يا أبا الحكم , أخبرني عن محمد بن , أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس ههنا أحد يسمع كلامك غيري . قال أبو جهل : والله ، إن محمدا لصادق , وما كذب محمد قط , ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء , والسقاية , والحجابة , والندوة , والنبوة , فماذا يكون لسائر قريش ؟ فأنزل الله عز وجل هذه الآية . وقال ناجية بن كعب : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : لا نتهمك , ولا نكذبك , ولكنا نكذب الذي جئت به . فأنزل الله تعالى : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ سورة الأنعام آية 33 بأنك كاذب ، فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ سورة الأنعام آية 33 ، قرأ نافع , والكسائي , بالتخفيف , وقرأ الآخرون بالتشديد من التكذيب , والتكذيب : هو أن تنسبه إلى الكذب , وتقول له : كذبت , والإكذاب : هو أن تجده كاذبا . تقول العرب : أجدبت الأرض , وأخصبتها . إذا وجدتها جدبة ، ومخصبة ، وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ سورة الأنعام آية 33 يقول : إنهم لا يكذبونك في السر , لأنهم عرفوا صدقك فيما مضى , وإنما يكذبون وحيي , ويجحدون آياتي , كما قال : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ سورة النمل آية 14 . وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ { 34 } وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ { 35 } سورة الأنعام آية 34-35 وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ سورة الأنعام آية 34 كذبهم قومهم ، كما كذبتك قريش ، فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا سورة الأنعام آية 34 بتعذيب من كذبهم ، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ سورة الأنعام آية 34 لا ناقض لما حكم به , وقد حكم في كتابه بنصر أنبيائه عليهم السلام , فقال : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ { 171 } إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ { 172 } وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ { 173 } سورة الصافات آية 171-173 . وقال : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا سورة غافر آية 51 , وقال : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي سورة المجادلة آية 21 . وقال الحسن بن الفضل : لا خلف لعداته . وَلَقدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ سورة الأنعام آية 34 ومن صلة , كما تقول : أصابنا من مطر . وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ سورة الأنعام آية 35 أي : عظم عليك , وشق أن أعرضوا عن الإيمان بك , وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرص على إيمان قومه أشد الحرص , وكانوا إذ سألوا آية أحب ، يريهم الله تعالى ذلك طمعا في إيمانهم , فقال الله عز وجل : فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا سورة الأنعام آية 35 تطلب , وتتخد نفقا : سربا ، فِي الأَرْضِ سورة الأنعام آية 35 ومنه نافقاء اليربوع , وهو أحد جحريه ، فيذهب فيه ، أَوْ سُلَّمًا سورة الأنعام آية 35 أي : درجا ، ومصعدا ، فِي السَّمَاءِ سورة الأنعام آية 35 فتصعد فيه ، فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ سورة الأنعام آية 35 فافعل ، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى سورة الأنعام آية 35 فآمنوا كلهم ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ سورة الأنعام آية 35 أي : بهذا الحرف , وهو قوله : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى سورة الأنعام آية 35 وأن من يكفر لسابق علم الله فيه . إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ { 36 } وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ { 37 } وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ { 38 } سورة الأنعام آية 36-38 إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ سورة الأنعام آية 36 يعني : المؤمنين الذين يسمعون الذكر , فيتبعونه , وينتفعون به دون من ختم الله على سمعه ، وَالْمَوْتَى سورة الأنعام آية 36 يعني : الكفار ، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ سورة الأنعام آية 36 فيخزيهم بأعمالهم . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَقَالُوا سورة الأنعام آية 37 : يعني : رؤساء قريش ، لَوْلا سورة الأنعام آية 37 هلا ، نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ سورة الأنعام آية 37 ما عليهم في إنزالها . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ سورة الأنعام آية 38 قيد الطيران بالجناح تأكيدا ، كما يقال : نظرت بعيني , وأخذت بيدي . إِلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ سورة الأنعام آية 38 , قال مجاهد : أصناف مصنفة ، تعرف بأسمائها , يريد : أن كل جنس من الحيوان أمة , فالطير أمة , والدواب أمة , والسباع أمة , تعرف بأسمائها ، مثل بني آدم ، يعرفون بأسمائهم ، يقال : الإنس والناس .