← تاريخ الإسلام الذهبي
تاريخ الإسلام الذهبي
#28 مقبول 2 : 525 ☰ فتح مكة زادها الله شرفا
A− A+

1192 أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحَرَمِ الْقُرَشِيُّ ° , ، قَالُوا : ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْمَخْزُومِيُّ ° ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رِفَاعَةَ ° ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الشَّافِعِيُّ ° ، أَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ النَّحَّاسِ ° ، أَنْبَأَ عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ ° ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَيبَانَ ° ، ثَنَا سُفْيَانُ ° ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ° ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ° ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وَهُوَ كَاتِبُ عَلِيٍّ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيًّا ° ، يَقُولُ : " بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا , وَالزُّبَيْرَ , وَالْمِقْدَادَ ، قَالَ : انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ , فَخُذُوهُ مِنْهَا , فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَاإِلَى الرَّوْضَةِ , قُلْنَا : أَخْرِجِي الْكِتَابَ , قَالَتْ : مَا مَعِي كِتَابٌ ، قُلْنَا : لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنَقْلَعَنَّ الثِّيَابَ . فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا , فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا فِيهِ : مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا حَاطِبُ مَا هَذَا ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , لَا تَعْجَلْ ، إِنِّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا ، وَكَانَ مَنْ كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَكَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ بِمَكَّةَ ، وَلَمْ يَكُنْ لِي قَرَابَةٌ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي ، وَمَا فَعَلْتُهُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلامِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ . فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , دَعْني أَضْرِبُ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ . قَالَ : إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا ، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ "

أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ , عَنْ قُتَيْبَةَ , وَمُسْلِمٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ , وَأبَوُ دَاوُدَ , عَنْ مُسَدَّدٍ , كُلُّهُمْ عَنْ سُفْيَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ النَّهْدِيُّ : ثنا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي زُمَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : " كَتَبَ حَاطِبٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِكِتَابٍ , فَجِيءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا حَاطِبُ مَا دَعَاكَ إِلَى هَذَا ؟ قَالَ : كَانَ أَهْلِي فِيهِمْ وَخَشِيتُ أَنْ يَصْرِمُوا عَلَيْهِمْ ، فَقُلْتُ أَكْتُبُ كِتَابًا لا يَضُرُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . فَاخْتَرَطْتُ السَّيْفَ , فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَدْ كَفَرَ . فَقَالَ : وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهُ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ , فَقَالَ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ " , هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , نَحْوَهُ ، وَزَادَ : فَنَزَلَتْ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ سورة الممتحنة آية 1 وعن ابن إِسْحَاق ، قَالَ : عَنِ ابن عبّاس ، قَالَ : " ثمّ مضى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لسَفَره ، واستعمل عَلَى المدينة أَبَا رُهْم الغِفَاريّ , وخرج لعشْرٍ مضين من رمضان , فصام وصام النّاس معه ، حتّى إذا كَانَ بالكُدَيْد ، بين عُسْفان وأمَج أفطر . اسم أبي رُهْم : كُلْثوم بْن حُصَيْن " . وقال سَعِيد بْن بشير ، عَنْ قَتَادَة : " إنّ خُزاعة أسلمت فِي دارهم ، فقبل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إسلامَها ، وجعل إسلامها فِي دارها " , وقال سَعِيد بْن عَبْد العزيز ، وغيره : إنّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أدخل فِي عهده يوم الحُدّيبية خُزَاعة " . وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : " كَانَتْ خُزَاعَةُ حِلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَنُفَاثَةُ حِلْفَ أَبِي سُفْيَانَ , فَعَدَتْ نُفَاثَةُ عَلَى خُزَاعَةَ ، فَأَمَدَّتْهَا قُرَيْشٌ , فَلَمْ يَعْزُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا حَتَّى بَعَثَ إِلَيْهِمْ ضَمْرَةَ ، فَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ إِحْدَى ثَلاثٍ : أَنْ يَدُوا قَتْلَى خُزَاعَةَ ، وَبَيْنَ أَنْ يَبْرَءُوا مِنْ حِلْفِ نُفَاثَةَ ، أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ . قَالُوا : نَبْذٌ عَلَى سَوَاءٍ . فَلَمَّا سَارَ نَدَمَتْ قُرَيْشٌ ، وَأَرْسَلَتْ أَبَا سُفْيَانَ يَسْأَلُ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ " وَقَالَ ابْنُ لَهْيعَةَ ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ ، عَنْ عُرْوَةَ ، قَالَ : " كَانَتْ بَيْنَ نُفَاثَةَ مِنْ بَنِي الدِّيلِ ، وَبَيْنَ بَنِي كَعْبٍ حَرْبٌ , فَأَعَانَتْ قُرَيْشٌ وَبَنُو كِنَانَةَ بَنِي نُفَاثَةَ عَلَى بَنِي كَعْبٍ , فَنَكَثُوا الْعَهْدَ إِلَّا بَنُو مُدْلِجٍ ، فَإِنَّهُمْ وَفَوْا بِعَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَذَكَرَ الْقِصَّةَ ، وَشِعْرَ عَمْرِو بْنِ سَالِمٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِي كَعْبٍ مِمَّا أَنْصُرُ مِنْهُ نَفْسِي . فَأَنْشَأَتْ سَحَابَةٌ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ هَذِهِ السَّحَابَةَ تَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ ، أَبْصِرُوا أَبَا سُفْيَانَ , فَإِنَّهُ قَادِمٌ عَلَيْكُمْ يَلْتَمِسُ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ وَالزِّيَادَةَ فِي الْمُدَّةِ . فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ ، فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ وَزِدْنَا فِي الْمُدَّةِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَ لِذَلِكَ قَدِمْتَ ؟ هَلْ كَانَ حَدَثَ قَبْلَكُمْ ؟ قَالَ : مَعَاذَ اللَّهِ . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَنَحْنُ عَلَى عَهْدِنَا وَصُلْحِنَا . ثُمَّ ذَكَرَ ذَهَابَهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَأَنَّهُ قَالَ لَهُ : أَنْتَ أَكْبَرُ قُرَيْشٍ , فَأَجِرْ بَيْنَهَا . قَالَ : صَدَقْتَ إِنِّي كَذَلِكَ . فَصَاحَ : أَلا إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَمَا أَظُنُّ أَنْ يَرْبَدَّ جِوَارِي وَلا يَحْقِرَ بِي . قَالَ : أَنْتَ تَقُولُ ذَاكَ يَا أَبَا حَنْظَلَةَ ؟ ثُمَّ خَرَجَ , فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَدْبَرَ : الَّلهُمَّ سُدَّ عَلَى أَبْصَارِهِمْ وَأَسْمَاعِهِمْ فَلا يَرَوْنِي إِلا بَغْتَةً . فَانْطَلَقَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ , فَحَدَّثَ قَوْمَهُ ، فَقَالُوا : أَرَضِيتَ بِالْبَاطِلِ , وَجِئْتَنَا بِمَا لا يُغْنِي عَنَّا شَيْئًا ، وَإِنَّمَا لَعِبَ بِكَ عَلَيَّ , وَأَغْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجِهَازِ ، مُخْفِيًا لِذَلِكَ , فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ ، فَرَأَى شَيْئًا مِنْ جِهَازِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنَكْرَوُا , وَقَالَ : أَيْنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : تَجَهَّزَ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَازٍ قَوْمَكَ ، قَدْ غَضِبَ لِبَنِي كَعْبٍ . دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَشْفَقَتْ عَائِشَةُ أَنْ يَسْقُطَ أَبُوهَا بِمَا أَخْبَرَتْهُ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً يَتَحَدَّثُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ , ثُمَّ قَالَ : هَلْ تَجَهَّزْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ " . قَالَ : لِمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِغَزْوِ قُرَيْشٍ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ غَدَرُوا وَنَقَضُوا الْعَهْدَ ، وَإِنَّا غَازُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْغَزْوِ ، فَكَتَبَ حَاطِبٌ إِلَى قُرَيْشٍ , فَذَكَرَ حَدِيثَهُ . وَقَالَ : ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، وَالأَنْصَارِ ، وَأَسْلَمَ ، وَغِفَارٍ ، وَمُزَيْنَةَ ، وَجُهَيْنَةَ ، وَبَنِي سُلَيْمٍ , وَقَادُوا الْخُيُولَ حَتَّى نَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، وَلَمْ تَعْلَمْ بِهِمْ قُرَيْشٌ . قَالَ : فَبَعَثُوا حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ , وَأَبَا سُفْيَانَ ، وَقَالُوا : خُذُوا لَنَا جِوَارًا أَوِ آذِنُوا بِالْحَرْبِ . فَخَرَجَا فَلَقِيَا بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ فَاسْتَصْحَبَاهُ ، فَخَرَجَ مَعَهُمَا حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالأَرَاكِ بِمَكَّةَ ، وَذَلِكَ عِشَاءً ، رَأَوُا الْفَسَاطِيطَ وَالْعَسْكَرَ ، وَسَمِعُوا صَهِيلَ الْخَيْلِ فَفَزِعُوا . فَقَالَ : هَؤُلاءِ بَنُو كَعْبٍ جَاشَتْ بِهِمُ الْحَرْبُ . قَالَ بُدَيْلٌ : هَؤُلاءِ مِنْ بَنِي كَعْبٍ ، مَا بَلَغَ تَأْلِيلُهَا هَذَا . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ بَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَيْلا لا يَتْرُكُونَ أَحَدًا يَمْضِي . فَلَمَّا دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ عَسْكَرَ الْمُسْلِمِينَ أَخَذَتْهُمُ الْخَيلُ تَحْتَ اللَّيْلِ وَأَتَوْا بِهِمْ , فَقَامَ عُمَرُ إِلَى أَبِي سُفْيَانَ فَوَجَأَ عُنُقَهُ ، وَالْتَزَمَهُ الْقَوْمُ وَخَرَجُوا بِهِ لِيَدْخُلُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ ، فَحَبَسَهُ الْحَرَسُ أَنْ يَخْلُصَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَافَ الْقَتْلَ ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ خَالِصَةً لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : أَلا تَأْمُرُ بِي عَبَّاسُ ؟ فَأَتَاهُ فَدَفَعَ عَنْهُ ، وَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْبِضَهُ إِلَيْهِ . فَرَكِبَ بِهِ تَحْتَ اللَّيْلِ ، فَسَارَ بِهِ فِي عَسْكَرِ الْقَوْمِ حَتَّى أَبْصَرَهُ أَجْمَعَ . وَكَانَ عُمَرُ ، قَالَ لَهُ حِينَ وَجَأَهُ : لا تَدْنُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَمُوتَ . فَاسْتَغَاثَ بِالْعَبَّاسِ ، وَقَالَ : إِنِّي مَقْتُولٌ . فَمَنَعَهُ مِنَ النَّاسِ , فَلَمَّا رَأَى كَثْرَةَ الْجَيْشِ , قَالَ : لَمْ أَرَ كَاللَّيْلَةِ جَمْعًا لِقَوْمٍ . فَخَلَّصَهُ عَبَّاسٌ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، وَقَالَ : إِنَّكَ مَقْتُولٌ إِنْ لَمْ تُسْلِمْ وَتَشْهَدْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ . فَجَعَلَ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ الَّذِي يَأْمُرُهُ عَبَّاسٌ ، وَلا يَنْطِقَ بِهِ لِسَانُهُ وَبَاتَ مَعَهُ . وَأَمَّا حَكِيمٌ , وَبُدَيْلٌ , فَدَخَلا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَا , وَجَعَلَ يَسْتَخْبِرُهُمَا عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ . فَلَمَّا نُودِيَ بِالْفَجْرِ تَجَسَّسَ الْقَوْمُ ، فَفَزِعَ أَبُو سُفْيَانَ ، وَقَالَ : يَا عَبَّاسُ ، مَا يُرِيدُونَ ؟ قَالَ : سَمِعُوا النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ , فَتَبَشَّرُوا بِحُضُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أَبْصَرَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ يَمُرُّونَ إِلَى الصَّلاةِ ، وَأَبْصَرَهُمْ يَرْكَعُونَ وَيَسْجُدُونَ إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : يَا عَبَّاسُ ، مَا يَأْمُرُهُمْ بِشَيْءٍ إِلا فَعَلُوهُ ؟ ! فَقَالَ : لَوْ نَهَاهُمْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لأَطَاعُوهُ . فَقَالَ : يَا عَبَّاسُ ، فَكَلِّمْهُ فِي قَوْمِكَ ، هَلْ عِنْدَهُ مِنْ عَفْوٍ عَنْهُمْ ؟ فَانْطَلَقَ عَبَّاسٌ بِأَبِي سُفْيَانَ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : يَا مُحَمَّدُ قَدِ اسْتَنْصَرْتَ بِإِلَهِي وَاسْتَنْصَرْتَ بِإِلَهِكَ ، فَوَاللَّهِ مَا لَقِيتُكَ مِنْ مَرَّةٍ إِلا ظَهَرْتَ عَلَيَّ ، فَلَوْ كَانَ إِلَهِي مُحِقًّا وَإِلَهُكَ بَاطِلا ظَهَرْتُ عَلَيْكَ ، فَأَشْهَدُ أَن لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ . وَقَالَ عَبَّاسٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَأْذَنَ لِي إِلَى قَوْمِكَ فَأُرِهِمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ ، وَأَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ . فَأَذِنَ لَهُ , قَالَ : كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ ؟ قَالَ : مَنْ قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَشَهِدَ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَكَفَّ يَدَهُ ، فَهُوَ آمِنٌ , وَمَنْ جَلَسَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ , وَوَضَعَ سِلاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ . وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ . قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَبُو سُفْيَانَ ابْنُ عَمِّنَا ، فَأُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ مَعِي ، وَقَدْ خَصَصْتَهُ بِمَعْرُوفٍ . فَقَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ . فَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَسْتَفْهِمُهُ . وَدَارَ أَبِي سُفْيَانَ بِأَعْلَى مَكَّةَ , وَقَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارَكَ يَا حَكِيمُ فَهُوَ آمِنٌ . وَدَارُ حَكِيمٍ فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ , وَحَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَبَّاسَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ الَّتِي أَهْدَاهَا إِلَيْهِ دِحْيةُ الْكَلْبِيُّ ، فَانْطَلَقَ الْعَبَّاسُ , وَأَبُو سُفْيَانَ قَدْ أَرْدَفَهُ , ثُمَّ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِثْرِهِ ، فَقَالَ : أَدْرِكُوا الْعَبَّاسَ فَرُدُّوهُ عَلَيَّ . وَحَدَّثَهُمْ بِالَّذِي خَافَ عَلَيْهِ , فَأَدْرَكَهُ الرَّسُولُ ، فَكَرِهَ عَبَّاسٌ الرُّجُوعَ ، وَقَالَ : أَتَرْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ يَرْجِعَ أَبُو سُفْيَانَ رَاغِبًا فِي قِلَّةِ النَّاسِ فَيَكْفُرَ بَعْدَ إِسْلامِهِ ؟ فَقَالَ : احْبِسْهُ . فَحَبَسَهُ , فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : غَدْرًا يَا بَنِي هَاشِمٍ ؟ فَقَالَ عَبَّاسٌ : إِنَّا لَسْنَا نَغْدِرُ ، وَلَكِنْ بِي إِلَيْكَ بَعْضُ الْحَاجَةِ . فَقَالَ : وَمَا هِيَ ، فَأَقْضِيهَا لَكَ ؟ قَالَ : إِنَّمَا نَفَاذُهَا حِينَ يَقْدَمُ عَلَيْكَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ . فَوَقَفَ عَبَّاسٌ بِالْمَضِيقِ دُونَ الأَرَاكِ ، وَقَدْ وَعَى مِنْهُ أَبُو سُفْيَانَ حَدِيثَهُ , ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَيْلَ بَعْضَهَا عَلَى إِثْرِ بَعْضٍ ، وَقَسَمَ الْخَيْلَ شَطْرَيْنِ ، فَبَعَثَ الزُّبَيْرَ فِي خَيْلٍ عَظِيمَةٍ , فَلَمَّا مَرُّوا بِأَبِي سُفْيَانَ ، قَالَ الْعَبَّاسُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : الزُّبَيْرُ . وَرِدْفُهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالْجَيْشِ مِنْ : أَسْلَمَ , وَغِفَارٍ , وَقُضَاعَةَ ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا يَا عَبَّاسُ ؟ قَالَ : لا ، وَلَكِنْ هَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ . وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي كَتِيبَةِ الأَنْصَارِ ، فَقَالَ : الْيَوْمَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ ، الْيَوْمَ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ , ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَتِيبَةِ الإِيمَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ . فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ وُجُوهًا كَثِيرَةً لا يَعْرِفُهَا , قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اخْتَرْتَ هَذِهِ الْوُجُوهَ عَلَى قَوْمِكَ ؟ قَالَ : أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ وَقَوْمُكَ . إِنَّ هَؤُلاءِ صَدَّقُونِي إِذْ كَذَّبْتُمُونِي ، وَنَصَرُونِي إِذْ أَخَّرْتُمُونِي ، وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ ، وَعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ ، وَعُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُمْ حَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : مَنْ هَؤُلاءِ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ . قَالَ : امْضِ يَا عَبَّاسُ ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ جُنُودًا قَطُّ وَلا جَمَاعَةً ، وَسَارَ الزُّبَيْرُ بِالنَّاسِ حَتَّى إِذَا وَقَفَ بِالْحَجُونِ ، وَانْدَفَعَ خَالِدٌ حَتَّى دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ . فَلَقِيَتْهُ بَنُو بَكْرٍ , فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ ، وَقَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ ، وَمِنْ هُذَيْلٍ : ثَلاثَةً أَوْ أَرْبَعَةً ، وَهُزِمُوا وَقُتِلُوا بِالْحَزْوَرَةَ ، حَتَّى دَخَلُوا الدُّورَ ، وَارْتَفَعَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُ عَلَى الْجَبَلِ عَلَى الْخَنْدَمَةِ ، وَاتَّبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِالسُّيُوفِ , وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ ، وَنَادَى مُنَادٍ : مَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ دَارَهُ وَكَفَّ يَدَهُ فَهُو آمِنٌ . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَازِلا بِذِي طُوًى ، فَقَالَ : كَيْفَ قَالَ حَسَّانٌ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ : قَالَ : عَدِمْتُ بُنَيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَتِفَيْ كُدَاءِ فَأَمَرَهُمْ , فَأَدْخَلُوا الَخْيَل مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانٌ . فَأُدْخِلَتْ مِنْ ذِي طُوًى مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ , وَاسْتَحَرَّ الْقَتلُ بِبَنِي بَكْرٍ . فَأَحَلَّ اللَّهُ لَهُ مَكَّةَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ { 1 } وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ { 2 } سورة البلد آية 1-2 ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أُحِلَّتِ الْحُرْمَةُ لأَحَدٍ قَبْلِي وَلا بَعْدِي ، وَلا أُحِلَّتْ لِي إِلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ , وَنَادَى أَبُو سُفْيَانَ بِمَكَّةَ : أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا , وَكَفَّهُمُ اللَّهُ عَنْ عَبَّاسٍ . فَأَقْبَلَتْ هِنْدٌ , فَأَخَذَتْ بِلِحْيَةِ أَبِي سُفْيَانَ ، ثُمَّ نَادَتْ : يَا آلَ غَالِبٍ اقْتُلُوا الشَّيْخَ الأَحْمَقَ . قَالَ : أَرْسِلِي لِحْيَتِي ، فَأُقْسِمُ لَئِنْ أَنْتِ لَمْ تُسْلِمِي لَيُضْرَبَنَّ عُنُقُكِ ، وَيْلَكِ جَاءَنَا بِالْحَقِّ ادْخُلِي بَيْتَكِ وَاسْكُنِي . وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَطَافَ سَبْعًا عَلَى رَاحِلَتِهِ . وَفَرَّ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ عَامِدًا لِلْبَحْرِ ، وَفَرَّ عِكْرِمَةُ عَامِدًا لِلْيَمَنِ , وَأَقْبَلَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَمِّنْ صَفْوَانَ فَقَدْ هَرَبَ ، وَقَدْ خَشِيتُ أَنْ تَهْلِكَ نَفْسُهُ , فَأَرْسِلْنِي إِلَيْهِ بِأَمَانٍ قَدْ أمَّنْتَ الأَحْمَرَ وَالأَسْوَدَ ، فَقَالَ : أَدْرِكْهُ فَهُوَ آمِنٌ . فَطَلَبَهُ عُمَيْرٌ , فَأَدْرَكَهُ وَدَعَاهُ , فَقَالَ : قَدْ أمَّنَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ صَفْوَانُ : وَاللَّهِ لا أُوقِنُ لَكَ حَتَّى أَرَى عَلامَةً بِأَمَانِي أَعْرِفُهَا . فَرَجَعَ , فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُرْدَ حَبْرَةٍ كَانَ مُعْتَجِرًا بِهِ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ ، فَأَقْبَلَ عُمَيْرٌ ، فَقَالَ صَفْوَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَعْطَيْتَنِي مَا يَقُولُ هَذَا مِنَ الأَمَانِ ؟ قَالَ : اجْعَلْ لِي شَهْرًا . قَالَ : لَكَ شَهْرَانِ ، لَعَلَّ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَكِ . وَاسْتَأْذَنَتْ أُمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مُسْلِمَةٌ ، وَهِيَ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ , فَاسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِ زَوْجِهَا ، فَأَذِنَ لَهَا وَأَمَّنَهُ ، فَخَرَجَتْ بِعَبْدٍ لَهَا رُومِيٍّ , فَأَرَادَهَا عَنْ نَفْسِهَا ، فَلَمْ تَزَلْ تُمَنِّيهِ وَتُقَرِّبُ لَهُ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَى نَاسٍ مِنْ عَكٍّ , فَاسْتَغَاثَتْهُمْ عَلَيْهِ فَأَوْثَقُوهُ ، فَأَدْرَكَتْ زَوْجَهَا بِبَعْضِ تِهَامَةَ وَقَدْ رَكِبَ فِي السَّفِينَةِ ، فَلَمَّا جَلَسَ فِيهَا نَادَى بِاللاتِ وَالْعُزَّى , فَقَالَ أَصْحَابُ السَّفِينَةِ : لا يَجُوزُ هَهُنَا مِنْ دُعَاءٍ بِشَيْءٍ إِلا اللَّهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا . فَقَالَ عِكْرِمَةُ : وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ الْبَحْرُ ، إِنَّهُ لَفِي الْبَرِّ وَحْدَهُ ، أُقْسِمُ بِاللَّهِ لأَرْجِعَنَّ إِلَى مُحَمَّدٍ . فَرَجَعَ عِكْرِمَةُ مَعَ امْرَأَتِهِ ، فَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعَهُ ، وَقَبِلَ مِنْهُ , وَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ عَلَى امْرَأَتِهِ ، فَلامَتْهُ وَعَيَّرَتْهُ بِالْفِرَارِ ، فَقَالَ : وَأَنْتِ لَوْ رَأَيْتِنَا بِالْخَنْدَمَهْ إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ قَدْ لَحِقَتْهُمُ السُّيُوفُ الْمُسلِمَهْ يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ . وَكَانَ دُخُولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ , وَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ صَفْوَانَ فِيمَا زَعَمُوا مِائَةَ دِرْعٍ وَأَدَاتِهَا ، وَكَانَ أَكْثَرَ شَيْءٍ سِلاحًا , وَأَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً , وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : مَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ فِي عَشَرَةِ آلافٍ . فَسَبَّعَتْ سُلَيْمٌ ، وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ : أَلَّفَتْ سُلَيْمٌ ، وَأَلَّفَتْ مُزَيْنَةُ . وَلَمْ يَتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ . وَقَدْ كَانَ الْعَبَّاسُ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ , قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ : لَقِيَهُ بِالْجُحْفَةِ مُهَاجِرًا بِعِيَالِهِ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَقَدْ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، قَدْ لَقِيَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَبْقِ الْعُقَابِ فِيمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ , فَالْتَمَسَا الدُّخُولَ عَلَيْهِ ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فِيهِمَا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ , ابْنُ عَمِّكَ , وَابْنُ عَمَّتِكَ , وَصِهْرُكَ . قَالَ : لا حَاجَةَ لِي بِهِمَا ، أَمَّا ابْنُ عَمِّي فَتَكَ عِرْضِي ، وَأَمَّا ابْنُ عَمَّتِي فَهُوَ الَّذِي قَالَ لِي بِمَكَّةَ مَا قَالَ . فَلَمَّا بَلَغَهُمَا قَوْلُهُ , قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : وَاللَّهِ لَتَأْذَنَنَّ لِي , أَوْ لآخُذَنَّ بِيَدِ بُنَيَّ هَذَا , ثُمَّ لَنَذْهَبَنَّ فِي الأَرْضِ حَتَّى نَمُوتَ عَطَشًا وَجُوعًا . فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَقَّ لَهُمَا ، وَأَذِنَ لَهُمَا , فَدَخَلا وَأَسْلَمَا , وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : لَعَمْرُكَ إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللاتِ خَيْلَ مُحَمَّدِ لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدِي وَأَهْتَدِي هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَنَالَنِي إِلَى اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ أَصُدُّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُدْعَى وَإِنْ لَمْ أَنْتَسِبْ مِن مُحَمَّدِ فَذَكَرُوا أَنَّهُ حِينَ أَنْشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ ضَرَبَ فِي صَدْرِهِ , وَقَالَ : أَنْتَ طَرَدْتَنِي كُلَّ مُطَرَّدٍ وَقَالَ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : " خَرَجْنَا لِغَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُوَّامًا , فَلَمَّا كُنَّا بِالْكَدِيدِ ، أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْفِطْرِ " . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صَامَ فِي مَخْرَجِهِ ذَلِكَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ , فَأَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ , أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ , حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ ، قَالَ : " دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، وَهُوَ يَتَغَذَّى ، فَقَالَ : الْغَدَاءُ , فَقَالَا : إِنَّا صَائِمَانِ ، فَقَالَ : اعْمَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ ، ارْحَلُوا لِصَاحِبَيْكُمْ ، كُلا ، كُلا , مُرْسَلٌ , وَقَوْلُهُ : هَذَا مُقَدَّرٌ بِالْقَوْلِ , يَعْنِي : يُقَالُ هَذَا لِكَوْنِكُمَا صَائِمَيْنِ " وَقَالَ مَعْمَرٌ : سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ ، يَقُولُ : أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةِ ، فَسَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ ، يَصُومُ وَيَصُومُونَ , حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ ، وَهُوَ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ ، فَأَفْطَرَ ، وَأَفْطَرَ النَّاسُ " , قَالَ الزُّهْرِيّ : " وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الأَمْرَيْنِ , وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " قَالَ الزُّهْرِيُّ : " فَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ " , أَخْرَجَهُ خ وَم دُونَ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ . وَكَذَا وَرَّخَهُ يُونُسُ , عَنِ الزُّهْرِيِّ وقال عَبْد اللَّه بْن إدريس ، عَنِ ابن إِسْحَاق ، عَنِ ابن شهاب ، ومحمد بْن عليَّ بْن الْحُسَيْن ، وعَمْر بْن شُعَيْب ، وعاصم بْن عُمَر , وغيرهم , قَالُوا : " كَانَ فتح مكة فِي عشر بقين من رمضان " , وقال الواقديّ : " خرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الأربعاء لعشر خَلَوْن من رمضان بعد العصر , فما حلّ عقْده حتى انتهى إلى الصُلْصُل , وخرج المسلمون وقادوا الخيلَ , وامتَطُوا الإِبل ، وكانوا عشرة آلاف " , وذكر عُرْوَةُ , وموسى بْن عُقْبة , أنّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خرج فِي اثني عشر ألفًا " وَقَالَ ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " جَاءَهُ الْعَبَّاسُ بِأَبِي سُفْيَانَ ، فَأَسْلَمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ . فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ ، فَلَوْ جَعَلْتَ لَهُ شَيْئًا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، زَادَ فِيهِ الثِّقَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادِهِ : فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : وَمَا تَسَعُ دَارِي ؟ قَالَ : مَنْ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَهُوَ آمِنٌ . قَالَ : وَمَا تَسَعُ الْكَعْبَةُ ؟ قَالَ : مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ . قَالَ : وَمَا يَسَعُ الْمَسْجِدُ ؟ قَالَ : مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ ، فَقَالَ : هَذِهِ وَاسِعَةٌ . " وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، قَالَ : " فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ، قَالَ الْعَبَّاسُ ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ : يَا صَبَاحَ قُرَيْشٍ ، وَاللَّهِ لَئِنْ بَغَتَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَدَخَلَ عَنْوَةً ، إِنَّهُ لَهَلاكُ قُرَيْشٍ آخِرَ الدَّهْرِ . فَجَلَسَ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْضَاءِ ، وَقَالَ أَخْرُجُ إِلَى الأَرَاكِ لَعَلِّي أَرَى حُطَّابًا أَوْ صَاحِبَ لَبَنٍ ، أَوْ دَاخِلا يَدْخُلُ مَكَّةَ . فَيُخْبِرُهُمْ بِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَأْتُوهُ ، فَيَسْتَأْمِنُوهُ ، فَخَرَجْتُ ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَطُوفُ بِالأَرَاكِ ، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ ، وَقَدْ خَرَجُوا يَتَجَسَّسُونَ الْخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَهُوَ يَقُولُ : مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ نِيرَانًا . فَقَالَ بُدَيْلٌ : هَذِهِ نِيرَانُ خُزَاعَةَ حَمَشَتْهَا الْحَرْبُ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : خُزَاعَةُ أَلأَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَذَلُّ . فَعَرَفْتُ صَوْتَهُ ، فَقُلْتُ : يَا أَبَا حَنْظَلَةَ ، فَقَالَ : أَبُو الْفَضْلِ ؟ قُلْتُ : نَعَمْ . فَقَالَ : لَبَّيْكَ ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ، مَا وَرَاءَكَ ؟ قُلْتُ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ فِي النَّاسِ قَدْ دَلَفَ إِلَيْكُمْ بِمَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ فِي عَشَرَةِ آلافٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ . قَالَ : فَكَيْفَ الْحِيلَةُ ؟ فِدَاك أَبِي وَأُمِّي ، فَقُلْتُ : تَرْكَبُ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ ، فَأَسْتَأْمِنُ لَكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِكَ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ . فَرَدَفَنِي ، فَخَرَجْتُ أَرْكُضُ بِهِ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَكُلَّمَا مَرَرْتُ بِنَارٍ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ نَظَرُوا إِلَيَّ ، وَقَالُوا : عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ ، فَقَالَ لأَبِي سُفْيَانَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلا عَقْدٍ . ثُمَّ اشْتَدَّ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَكَضَتِ الْبَغْلَةُ حَتَّى اقْتَحَمَتْ بَابَ الْقُبَّةِ وَسَبَقَتْ عُمَرَ بِمَا تَسْبِقُ بِهِ الدَّابَّةُ الْبَطِيئَةُ الرَّجُلَ الْبَطِيءَ ، وَدَخَلَ عُمَرُ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ عَدُوُّ اللَّهِ ، قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلا عَقْدٍ ، فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي قَدْ أمَّنْتُهُ . ثُمَّ جَلَسْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ ، وَقُلْتُ : وَاللَّهِ لا يُنَاجِيهِ اللَّيْلَةَ أَحَدٌ دُونِي . فَلَمَّا أَكْثَرَ فِيهِ عُمَرُ ، قُلْتُ : مَهْلا يَا عُمَرُ ، فَوَاللَّهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلا لأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ مَا قُلْتَ هَذَا . فَقَالَ : مَهْلا يَا عَبَّاسُ ، فَوَاللَّهِ لإِسْلامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِسْلامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ بِهِ فَقَدْ آمَنَّاهُ ، حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَيَّ الْغَدَاةَ . فَرَجَعَ بِهِ الْعَبَّاسُ إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ : وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ ، أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ؟ فَقَالَ : بِأَبِي وَأُمِّي مَا أَوْصَلَكَ وَأَكْرَمَكَ ، وَاللَّهِ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى شَيْئًا بَعْدُ . فَقَالَ : وَيْحَكَ أَوَ لَمْ يَأْنِ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : بِأَبِي وَأُمِّي مَا أَوْصَلَكَ وَأَكْرَمَكَ ، أَمَّا هَذِهِ فَإِنَّ فِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْئًا . فَقَالَ : الْعَبَّاسُ ، فَقُلْتُ : وَيْلَكَ تَشَهَّدْ شَهَادَةَ الْحَقِّ قَبْلَ ، وَاللَّهِ ، أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُكَ . فَتَشَهَّدَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تَشَهَّدَ : انْصَرِفْ بِهِ يَا عَبَّاسُ ، فَاحْبِسْهُ عِنْدَ حَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي ، حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ جُنُودُ اللَّهِ ، فَقُلْتُ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ ، فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا يَكُونُ لَهُ فِي قَوْمِكَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ . فَخَرَجْتُ بِهِ حَتَّى حَبِسْتُهُ عِنْدَ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي ، فَمَرَّتْ عَلَيْهِ الْقَبَائِلُ ، فَيَقُولُ : مَن هَؤُلاءِ يَا عَبَّاسُ ؟ فَأَقُولُ : سُلَيْمٌ ، فَيَقُولُ : مَا لِي وَلسُلَيْمٍ . وَتَمُرُّ بِهِ الْقَبِيلَةُ ، فَيَقُولُ : مَنْ هَذِهِ ؟ أَسْلَمُ . فَيَقُولُ : مَا لِي وَلأَسْلَمَ . وَتَمُرُّ جُهَيْنَةُ ، حَتَّى مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ ، فِي الْحَدِيدِ ، لا يُرَى مِنْهُمْ إِلا الْحَدَقُ ، فَقَالَ يَا أَبَا الْفَضْلِ ، مَنْ هَؤُلاءِ ؟ فَقُلْتُ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ . فَقَالَ : يَا أَبَا الْفَضْلِ ، لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ عَظِيمًا . فَقُلْتُ : وَيْحَكَ ، إِنَّهَا النُّبُوَّةُ . قَالَ : فَنَعَمْ إِذَنْ . قُلْتُ : الْحَقِ الآنَ بِقَوْمِكَ فَحَذِّرْهُمْ . فَخَرَجَ سَرِيعًا حَتَّى جَاءَ مَكَّةَ ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ . فَقَالُوا : فَمَهْ ؟ قَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ . فَقَالُوا : وَمَا دَارُكَ ، وَمَا تُغْنِي عَنَّا ؟ قَالَ : مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ دَارَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ آمِنٌ " ، هَكَذَا رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْصُولا ، وَأَمَّا أَبُو أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيُّ ، فَأَرْسَلَهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَاهُ . وَقَالَ عُرْوَةُ أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ الْعَبَّاسَ ، يَقُولُ لِلزُّبَيْرِ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، هَهُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " أَنْ تُرَكِّزَ الرَّايَةَ ، قَالَ : وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ ، أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ ، وَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُدًى ، فَقُتِلَ مِنْ خَيْلِ خَالِدٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلانِ : حُبَيْشُ بْنُ الْأَشْعَرِ ، وَكُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، وَغَيْرُهُ : أَخْفَى اللَّهُ تَعَالَى مَسِيرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَهْلِ مَكَّةَ ، حَتَّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ " . وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : " لِمَ قَاتَلْتَ ، وَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنِ الْقِتَالِ ؟ " قَالَ : هُمْ بَدَءُونَا بِالْقِتَالِ ، وَوَضَعُوا فِينَا السِّلَاحَ وَأَشْعَرُونَا بِالنَّبْلِ ، وَقَدْ كَفَفْتُ يَدَيْ مَا اسْتَطَعْتُ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ " . ويقال : قَالَ أَبُو بَكْر يومئذٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أراني فِي المنام وأراك دَنَوْنا من مكة ، فخرجتْ إلينا كلْبةٌ تهرّ . فلمّا دنونا منها استلْقَتْ عَلَى ظهرها ، فإذا هِيَ تشخبُ لَبَنًا . فقال : ذهبَ كلْبُهم وأقبل درُّهُم ، وهم سائلوكم بأرحامكم وإنّكم لاقون بعضَهم ، فإنْ لقيتم أَبَا سُفْيَان فلا تقتلوه . فلقوا أَبَا سُفْيَان وحكيمًا بمرّ . الظَّهْران . وقال حسّان : عدِمْتُ بُنَيَّتي إنْ لم تروها تُثِير النقع موعِدُها كَداءُ يُنازِعْنَ الأعِنَّةَ مُصْحبات يلْطمنّ بالخُمُرِ النّساءُ فإنْ أعرضْتُم عنّا اعْتَمْرنا وكان الفتحُ وانكشفَ الغطاءُ وإلّا فاصْبِروا لجلاد يومٍ يُعِزّ اللَّه فِيهِ مَن يشاءُ وجبريلُ رَسُول اللَّهِ فينا وَرُوحُ القدُسِ ليس لَهُ كفاءُ هجوتَ محمَّدًا فأجبتُ عَنْهُ وعند اللَّه فِي ذاك الجزاءُ فمن يهجو رَسُول اللَّهِ منكم ويمدحهُ وينصرُهُ سَوَاءُ لساني صارمٌ لا عيبَ فِيهِ وبحري ما تُكَدِّرُهُ الدِّلاءُ فذكروا أنّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تبسّم إلى أَبِي بَكْر حين رَأَى النّساء يلطمن الخيل بالخُمُر ، أي : ينفض الغُبار عَنِ الخيل ". وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " اهْجُ قُرَيْشًا فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ " ، وَأَرْسَلَ إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ ، فَقَالَ : اهْجُهُمْ ، فَهَجَاهُمْ فَلَمْ يُرْضِ ، فَأَرْسَلَ إِلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ، ثُمَّ أُرْسِلَ إِلَى حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ، فَلَمَّا دَخَلَ ، قَالَ : قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الْأَسَدِ الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ ، ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ ، فَقَالَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَفْرِيَنَّهُمْ فَرْيَ الْأَدِيمِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَعْجَلْ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا وَإِنَّ لِي فِيهِمْ نَسَبًا ، حَتَّى يُخَلِّصَ لِي نَسَبِي " ، فَأَتَاهُ حَسَّانُ ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَدْ أَخْلَصَ لِي نَسَبُكَ ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ، لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعْرةُ مِنَ الْعَجِينِ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ لِحَسَّانَ : إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَخْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَقَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : هَجَاهُمْ حَسَّانُ فَشَفَى وَاشْتَفَى ، وَذَكَرَ الْأَبْيَاتَ ، وَزَادَ فِيهَا : هَجَوْتَ مُحَمَّدًا بَرًّا حَنِيفًا رَسُولَ اللَّهِ شِيمتُهُ الْوَفَاءُ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَه وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ فإنْ أَعْرَضْتُمُ عَنَّا اعْتَمَرْنا وَكَانَ الْفَتْحُ وانْكَشَفَ الغِطاءُ وَقَالَ اللَّهُ : قَدِ أَرْسَلْتُ عَبْدًا يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ وَقَال اللَّهُ قَدْ سَيَّرْتُ جُنْدًا هُمُ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللِّقَاءُ لَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدٍّ سِبابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ " ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَغَيْرُهُ : نَا ثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، قَالَ : " وَفَدْنا إِلَى مُعَاوِيَةَ وَمَعَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَكَانَ بَعْضُنَا يَصْنَعُ لِبَعْضٍ الطَّعَامَ . وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِمَّنْ يَصْنَعُ لَنَا فَيُكْثِرُ ، فَيَدْعُو إِلَى رَحْلِهِ . قُلْتُ : لَوْ أَمَرْتُ بِطَعَامٍ ، فَصُنِعَ وَدَعَوْتُهُمْ إِلَى رَحْلِي ، فَفَعَلْتُ . وَلَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ بِالْعَشِيِّ ، فَقُلْتُ : الدَّعْوَةُ عِنْدِي اللَّيْلَةَ . فَقَالَ : سَبَقْتَنِي يَا أَخَا الْأَنْصَارِ . قَالَ : فَإِنَّهُمْ لَعِنْدِي إِذْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَلا أُعْلِمُكُمْ بِحَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؟ فَذَكَرَ فَتْحَ مَكَّةَ ، وَقَالَ : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى إِحْدَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ ، وَبَعَثَ الزُّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْأُخْرَى ، وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحَسْرِ ، ثُمَّ رَآنِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ ، وَسَعْدَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ : اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ وَلَا تَأْتِنِي إِلَّا بِأَنْصَارِيٍّ . قَالَ : فَفَعَلْتُهُ . ثُمَّ قَالَ : انْظُرُوا قُرَيْشًا وَأَوْبَاشَهُمْ ، فَاحْصُدُوهْم حَصْدًا ، فَانْطَلَقْنَا فَمَا أَحَدٌ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا ، وَمَا مِنَّا أَحَدٌ يُرِيدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا أَخَذَهُ . وَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ . فَأَلْقَوْا سِلَاحَهُمْ ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَدَأَ بِالْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ ، ثُمَّ طَافَ سَبْعًا ، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ جَاءَ وَمَعَهُ الْقَوْسُ وَهُوَ آخِذٌ بِسِيَتِهَا ، فَجَعَلَ يَطْعَنُ بِهَا فِي عَيْنِ صَنَمٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ ، وَهُوَ يَقُولُ : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا سورة الإسراء آية 81 . ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى الصَّفَا ، فَعَلَا مِنْهُ حَتَّى يَرَى الْبَيْتَ ، وَجَعَلَ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيَدْعُوهُ ، وَالْأَنْصَارُ عِنْدَهُ ، يَقُولُونَ : أَمَّا الرَّجُلُ فَأَدْرَكَتْهُ رَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ وَرَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ . وَجَاءَ الْوَحْيُ ، وَكَانَ الْوَحْيُ إِذَا جَاءَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا ، فَلَمَّا أَنْ رَفَعَ الْوَحْيُ ، قَالَ : يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا ، كَلَّا فَمَا اسْمِي إِذًا ؟ كَلَّا ، إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ . فَأَقْبَلُوا يَبْكُونَ ، وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا قُلْنَا إِلَّا الضِّنَّ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ ، فَقَالَ : إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيُعْذِرَانِكُمْ " ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَعِنْدَهُ : " كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَيْكُمْ " ، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى الْإِذْنِ بِالْقَتْلِ قَبْلَ عَقْدِ الْأَمَانِ . وَقَالَ سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ : حَدَّثَنِي ثَابِتُ الْبُنَانِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : " مَا قُتِلَ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَّا أَرْبَعَةٌ ، ثُمَّ دَخَلَ صَنَادِيدُ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ السَّيْفَ لَا يُرْفَعُ عَنْهُمْ ، ثُمَّ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَلَّى ، ثُمَّ أَتَى الْكَعْبَةَ ، فَأَخَذَ بِعُضَادَتَيِ الْبَابِ ، فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ وَمَا تَصْنَعُونَ ؟ قَالُوا : نَقُولُ : ابْنُ أَخٍ ، وَابْنُ عَمٍّ حَلِيمٌ رَحِيمٌ ، فَقَالَ : أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفَ : لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ سورة يوسف آية 92 ، قَالَ : فَخَرَجُوا كَمَا نُشِرُوا مِنَ الْقُبُورِ ، فَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ " . وقال عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ : " دخل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يوم الفتح من كَداء من أعلى مكَّة " . وقال عَبْد اللَّه بْن عُمَر ، عَنْ نافع ، عَنِ ابن عُمَر ، قَالَ : " لما دخل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عام الفتح رَأَى النّساء يَلْطُمْنَ وجوهَ الخيل بالخُمُر ، فتبسّم رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى أَبِي بَكْر ، وقال : كيف قَالَ حسّان ؟ فأنشدوه أَبُو بَكْر : عدِمْتُ بُنَيَّتِي إنْ لم تروها تُثِير النَّقْعَ من كنفي كَدَاء يُنَازِعْنَ الأعنَّةَ مُسْرجات يَلْطمُهُنّ بالخُمُر النّساء فقال : ادخلوها من حيث قَالَ حسّان " . وَقَالَ الزُّهْرِيُّ ، عَنْ أَنَسٍ : " دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ، فَلَمَّا وَضَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ ، فَقَالَ : هَذَا ابْنُ خَطَلَ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ . فَقَالَ : اقْتُلُوهُ " . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وكان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد أهدر دم ابن خَطَلَ وثلاثة غيره . وَقَالَ مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ : ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ ، قَالَ : " رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ يَوْمَ أَخْرَجُوهُ مِنْ تَحْتَ الْأَسْتَارِ ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ بَيْنَ زَمْزَمَ وَالْمَقَامِ ، ثُمَّ قَالَ : لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ بَعْدَهَا صَبْرًا " . وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمَّارٍ الدُّهْنِيُّ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ " ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَفِي مُسْنَدِ الطيَّالِسيِّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ، أَنّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " دَخَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ " . وَقَالَ مُسَاوِرٌ الْوَرَّاقُ : سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ خُرْقَانِيَّةٌ ، قَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ " ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ عَائِشَةَ ، قَالَتْ : " كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ أَبْيَضَ ، وَرَايَتُهُ سَوْدَاءَ ، قِطْعَةٌ مِنْ مِرْطٍ لِي مُرَجَّلٌ ، وَكَانَتِ الرَّايَةُ تُسَمَّى الْعُقَابُ " . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ : " لَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي طَوَى ، وَرَأَى مَا أكرمه اللَّه بِهِ من الفتح ، يتواضع لله حتّى إنّك لتَقُول قد كاد عُثْنُونُه أنَّ يُصيب واسطةَ الرَّحْلِ " وَقَالَ ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسٍ " دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَذَقْنُهُ عَلَى رَحْلِهِ مُتَخَشِّعًا " . حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ، سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ ، قَالَ : " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ سُورَةَ الْفَتْحِ وَهُوَ عَلَى بَعِيرٍ ، فَرَجَّعَ فِيهَا ، ثُمَّ قَرَأَ مُعَاوِيَةُ يَحْكِي قِرَاءَةَ ابْنِ مُغَفَّلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : " دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا ، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ ، وَيَقُولُ : جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ سورة سبأ آية 49 ، جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا سورة الإسراء آية 81 ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَعَلَى الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةِ صَنَمٍ ، فَأَخَذَ قَضِيبَهُ ، فَجَعَلَ يَهْوِي بِهِ إِلَى صَنَمٍ صَنَمٍ ، وَهُوَ يَهْوِي حَتَّى مَرَّ عَلَيْهَا كُلِّهَا " ، حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعُمَرِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ وَجَدَ بِهَا ثَلَاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ صَنَمًا ، فَأَشَارَ إِلَى كُلِّ صَنَمٍ بِعَصًا مِنْ غَيْرَ أَنْ يَمَسَّهَا ، وَقَالَ : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا سورة الإسراء آية 81 ، فَكَانَ لَا يُشِيرُ إِلَى صَنَمٍ إِلَّا سَقَطَ " . وَقَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ، أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ ، فَأَخْرَجَ صُورَةَ إِبْرَاهِيمَ ، وَإِسْمَاعِيلَ وَفِي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ ، فَقَالَ : قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطُّ ، وَدَخَلَ الْبَيْتَ وَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ " ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ مَعْمَرٌ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمَّا رَأَى الصُّوَرَ فِي الْبَيْتِ لَمْ يَدْخُلْهُ حَتَّى أُمِرَ بِهَا فَمُحِيَتْ ، وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ ، وَإِسْمَاعِيلَ بِأَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ ، فَقَالَ : قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ، وَاللَّهِ مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ " . وَقَالَ الزُّبَيْرُ ، عَنْ جَابِرٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمْ يَدْخُلْ الْبَيْتَ حَتَّى مُحِيَتِ الصُّوَرُ " صَحِيحٌ . وَقَالَ هَوْذَةُ : ثنا عَوْفٌ الأَعْرَابِيُّ ، عَنْ رَجُلٍ ، قَالَ : " دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ ، شَيْبَةَ بْنَ عُثْمَانَ ، فَأَعْطَاهُ الْمِفْتَاحَ ، وَقَالَ لَهُ : دُونَكَ هَذَا ، فَأَنْتَ أَمِينُ اللَّهِ عَلَى بَيْتِهِ " ، قَالَ الْوَاقِدِيُّ : هَذَا غَلَطٌ ، إِنَّمَا أَعْطَى الْمِفْتَاحَ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ ، ابْنَ عَمِّ شَيْبَةَ ، يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَشَيْبَةُ يَوْمَئِذٍ كَافِرٌ ، وَلَمْ يَزَلْ عُثْمَانُ عَلَى الْبَيْتِ حَتَّى مَاتَ ، ثُمَّ وُلِّيَ شَيْبَةُ . قُلْتُ : قَوْلُ الْوَاقِدِيِّ : لَمْ يَزَلْ عُثْمَانُ عَلَى الْبَيْتِ حَتَّى مَاتَ ، فِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنْ أَرَادَ لَمْ يَزَلْ مُنْفَرِدًا بِالْحِجَابَةِ ، فَلا نُسَلِّمُ ، وَإِنْ أَرَادَ مُشَارِكًا لِشَيْبَةَ ، فَقَرِيبٌ ، فَإِنَّ شَيْبَةَ كَانَ حَاجِبًا فِي خِلافَةِ عُمَرَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَّى الْحِجَابَةِ لِشَيْبَةَ لَمَّا أَسْلَمَ ، وَكَانَ إِسْلامُهُ عَامَ الْفَتْحِ ، لا يَوْمَ الْفَتْحِ ." وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ ، أنا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ مُسَافِعِ بْنِ شَيْبَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَةَ فَصلَّى ، فَإِذَا فِيهَا تَصَاوِيرُ ، فَقَالَ : يَا شَيْبَةُ ، اكْفِنِي هَذِهِ . فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : طَيِّنْهَا ثُمَّ الْطَخْهَا بِزَعْفَرَانَ . فَفَعَلَ " . تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدٌ ، وَهُوَ مُقَارِبٌ لِلأَمْرِ . وَقَالَ يُونُسُ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ : أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَقْبَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُرْدِفًا أُسَامَةَ ، وَمَعَهُ بِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ، مِنَ الْحَجَبَةِ ، حَتَّى أَنَاخَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَأَمَرَ عُثْمَانَ أَنْ يَأْتِي بِمِفْتَاحِ الْبَيْتِ ، فَفَتَحَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أُسَامَةَ وَبِلَالٍ وَعُثْمَانَ ، فَمَكَثَ فِيهَا نَهَارًا طَوِيلًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَبَقَ النَّاسُ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ ، فَوَجَدَ بِلَالًا وَرَاءَ الْبَابِ ، فَسَأَلَهُ : أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَأَشَارَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ : فَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ : كَمْ صَلَّى مِنْ سَجْدَةٍ ؟ " ، صَحِيحٌ ، عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ مُحْتَجًّا بِهِ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ ، قَالَتْ : " لَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ ، طَافَ عَلَى بَعِيرِهِ ، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِالْمِحْجَنِ ، ثُمَّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ ، فَوَجَدَ فِيهَا حَمَامَةً مِنْ عِيدَانٍ فَاكْتَسَرَهَا ، ثُمَّ قَامَ بِهَا عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ وَأَنَا أَنْظُرُ فَرَمَى بِهَا " . وَذَكَرَ أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ ، أَمَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ ، إِلا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ ، وَقَالَ : اقْتُلُوهُمْ ، وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ : عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ ، وَمِقْيَسُ بْنُ صُبَابَةَ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ . فَأَمَّا ابْنُ خَطَلٍ ، فَأُدْرِكَ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالأَسْتَارِ ، فَاسْتَبَقَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، فَسَبَقَ سَعِيدٌ عَمَّارًا ، فَقَتَلَهُ . وَأَمَّا مِقْيَسٌ فَقَتَلُوهُ فِي السُّوقِ . وَأَمَّا عِكْرِمَةُ ، فَرَكِبَ الْبَحْرَ ، وَذَكَرَ قِصَّتَهُ ، ثُمَّ أَسْلَمَ . وَأَمَّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَاخْتَبَأَ عِنْدَ عُثْمَانَ ، فَلَمَّا دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ إِلَى الْبَيْعَةِ ، جَاءَ بِهِ عُثْمَانُ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلاثًا ، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى ، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلاثٍ . ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ : أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا ، حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ ، فَيَقْتُلُهُ ؟ قَالُوا : مَا يُدْرِينَا ، يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا فِي نَفْسِكَ ، هَلا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِنَبِيٍّ خَائِنَةُ الأَعْيُنِ " وقال ابن إِسْحَاق : حدثني عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ، قَالَ : " قدِم مِقْيس بْن صُبابة عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينة ، وقد أظهر الإِسلامَ ، يطلُب بِدَمِ أخيه هِشام ، وكان قتله رجلٌ من المسلمين يَوْم بني المُصْطَلِق ولا يحسبه إلّا مُشْرِكًا ، فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنّما قُتِل أخوك خطأ ، وأمرَ لَهُ بديَته . فأخذها ، فمَكَث مَعَ المسلمين شيئًا ، ثمّ عَدَا عَلَى قاتل أخيه فقتله ، ولحِق بمكة كافرًا ، فأمر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عامَ الفتح بقَتْله ، فقتله رجلٌ من قومه ، يقال لَهُ : نُمَيْلَة بْن عَبْد اللَّه ، بين الصَّفَا والمَرْوَة " . وحدّثني عَبْد اللَّه بْن أَبِي بَكْر ، وأبو عُبَيْدة بْن مُحَمَّد بْن عمّار ، أَنّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إنّما أمر بقتل ابن أَبِي سَرْح لأنه كَانَ قد أسلم ، وكتب لرَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الوَحْيَ ، فرجع مُشْرِكًا ولَحِق بمكة ، قَالَ ابن إِسْحَاق : وإنّما أمر بقتل عَبْد اللَّه بْن خَطَلَ ، أحد بني تَيْم بْن غَالب ، لأنه كَانَ مسلمًا ، فبعثه رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا ، وبعث معه رجلًا من الأنصار ، وكان معه مَوْلًى يخدمه وكان مسلمًا ، فنزل منزلًا ، فأمر الموْلى أنَّ يذبح تَيْسًا ويصنع لَهُ طعامًا ، ونام فاستيقظ ولم يصنع لَهُ شيئًا ، فقتله وَارْتَدَّ ، وكان لَهُ قَيْنَة وصاحبتُها تغنّيان بهجاء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأمر بقتلهما معه ، وكان ممّن يؤذي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ : ثنا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى ، قَالَ : " لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، جَاءَتْ عَجُوزٌ حَبَشِيَّةٌ شَمْطَاءُ تَخْمِشُ وَجْهَهَا وَتَدْعُو بِالْوَيْلِ ، فَقِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، رَأَيْنا كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ : تِلْكَ نَائِلَةُ أَيِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا " ، كَأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ . وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ زَكَرِيَّا ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ هُوَ ابْنُ بَرْصَاءَ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، يَقُولُ : " لَا تُغْزَى مَكَّةَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ : ثنا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيْعٍ ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ ، قَالَ : " لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ ، بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى نَخْلَةٍ ، وَكَانَتْ بِهَا الْعُزَّى ، فَأَتَاهَا خَالِدٌ وَكَانَتْ عَلَى ثَلاثِ سَمُرَاتٍ ، فَقَطَعَ السَّمُرَاتِ وَهَدَمَ الْبَيْتَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهَا ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : ارْجِعْ ، فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنَعْ شَيْئًا ، فَرَجَعَ خَالِدٌ ، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهِ السَّدَنَةُ ، وَهُمْ حُجَّابُهَا ، أَمْنَعُوا فِي الْجَبَلِ ، وَهُمْ يَقُولُونَ : يَا عُزَّى خَبِّلِيهِ ، يَا عُزَّى عَوِّرِيهِ ، وَإِلا فَمُوتِي بِرَغْمٍ ، فَأَتَاهَا خَالِدٌ ، فَإِذَا امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ نَاشِرَةٌ شَعْرَهَا تَحْثُو التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهَا ، فَعَمَّمَهَا بِالسَّيْفِ حَتَّى قَتَلَهَا ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخْبَرَهُ ، فَقَالَ : تِلْكَ الْعُزَّى " ، أَبُو الطُّفَيْلِ لَهُ رُؤْيَةٌ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ ، أَمَرَ بِلالا فَعَلا عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ ، فَأَذَّنَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ بَعْضُ بَنِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ : لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ سَعِيدًا إِذْ قَبَضَهُ قَبْلَ أَنْ يَرَى هَذَا الأَسْوَدَ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ ، وَقَالَ عُرْوَةُ : أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلالا يَوْمَ الْفَتْحِ ، فَأَذَّنَ عَلَى الْكَعْبَةِ " . وَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدَ أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ حَدَّثَهُ ، أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ حَدَّثَتْهُ ، " لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ فَرَّ إِلَيْهَا رَجُلَانِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ ، فَأَجَارَتْهُمَا ، قَالَتْ : فَدَخَلَ عَلَيَّ عَلِيٌّ ، فَقَالَ : أَقْتُلُهُمَا ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ ، فَلَمَّا رَآنِي رَحَّبَ ، فَقَالَ : مَا جَاءَ بِكِ يَا أُمِّ هَانِئٍ ؟ قَالَتْ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، كُنْتُ قَدْ أَمَّنْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي فَأَرَادَ عَلِيٌّ قَتْلَهُمَا ، فَقَالَ : قَدْ أَجَرنْا مَنْ أَجَرْتِ ، ثُمَّ قَامَ إِلَى غُسْلِهِ ، فَسَتَرَتْ عَلَيْهِ فَاطِمَةُ ، ثُمَّ أَخَذَ ثَوْبًا ، فَالْتَحَفَ بِهِ ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِي رَكَعَاتٍ ، سُبْحَةَ الضُّحَى " ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَقَالَ اللَّيْثُ ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ ، وَهُوَ يَبْعَث الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ : " ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ ، أُحَدِّثُ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ ؟ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ ، أَنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، وَلَا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا ، وَلَا يَعْضِدُ بِهَا شَجَرَةً ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ، فَقُولُوا لَهُ : إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ ، فَلْيُبَلِّغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ ، فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ : مَاذَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو ؟ قَالَ : قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَاكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ ، إِنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ " ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَهُوَ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ : " الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، أَلا إِنَّ قَتِيلَ الْعَمْدِ الْخَطَإِ بِالسَّوْطِ أَوِ الْعَصَا فِيهِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ ، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خِلْفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا ، أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأَثُرةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَدَمٍ وَمَالٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِدَانَةِ الْبَيْتِ وَسِقَايَةِ الْحَاجِّ ، فَقَدْ أَمْضَيْتُهَا لِأَهْلِهَا " ، ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : " خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ عَامَ الْفَتْحِ ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، أَلَا إِنَّهُ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شِدَّةً ، وَالْمُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ ، يَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافرٍ ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ " وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْزِلُنَا ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ إِذَا فَتَحَ اللَّهُ الْخَيْفُ ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ " ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ أَبُو الأَزْهَرِ النَّيْسَابُورِيُّ : ثنا مُحَمَّدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ الأَنْبارِيُّ ، أنا ابْنُ جُرَيْحٍ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الأَسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ أَخْبَرَهُ ، " أَنَّ أَبَاهُ الأَسْوَدَ حَضَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَايِعُ النَّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَجَلَسَ عِنْدَ قَرْنِ مَسْقَلَةَ ، فَجَاءَهُ الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَالرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الإِسْلامِ وَالشَّهَادَةِ ." وَقَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ : " لَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَا طُوًى ، قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لابْنَةٍ لَهُ كَانَتْ مِنْ أَصْغَرِ وَلَدِهِ : أَيْ بُنَيَّةُ ، أَشْرِفِي بِي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ ، وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ . فَأَشَرَفَتْ بِهِ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَاذَا تَرَيْنَ ؟ قَالَتْ : أَرَى سَوَادًا مُجْتَمِعًا ، وَأَرَى رَجُلا يَشْتَدُّ بَيْنَ ذَلِكَ السَّوَادِ مُقْبِلا وَمُدْبِرًا . فَقَالَ : تِلْكَ الْخَيْلُ يَا بُنَيَّةُ ، وَذَلِكَ الرَّجُلُ الْوَازِعُ . ثُمَّ قَالَ : مَاذَا تَرَيْنَ ؟ قَالَتْ : أَرَى السَّوَادَ انْتَشَرَ . فَقَالَ : فَقَدْ وَاللَّهِ إِذَنْ دُفِعَتِ الْخَيْلُ ، فَأَسْرِعِي بِي إِلَى بَيْتِي . فَخَرَجَتْ سَرِيعًا ، حَتَّى إِذَا هَبَطَتْ بِهِ الأَبْطَحَ ، لَقِيَتْهَا الْخَيْلُ ، وَفِي عُنُقِهَا طَوْقٌ لَهَا مِنْ وَرِقٍ ، فَاقْتَطَعَهُ إِنْسَانٌ مِنْ عُنُقِهَا ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : هَلا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَجِيئَهُ ؟ فَقَالَ : يَمْشِي هُوَ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَقَّ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَيْهِ . فَأَجْلَسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ صَدْرَهُ ، وَقَالَ : أَسْلِمْ تَسْلَمْ . فَأَسْلَمَ ، ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُخْتِهِ ، فَقَالَ : أَنْشُدُ بِاللَّهِ وَالإِسْلامِ طَوْقَ أُخْتِي . فَوَاللَّهِ مَا أَجَابَهُ أَحَدٌ ، ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَةَ ، فَمَا أَجَابَهُ أَحَدٌ ، فَقَالَ : يَا أُخَيَّةُ ، احْتَسِبِي طَوْقَكِ ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الأَمَانَةَ الْيَوْمَ فِي النَّاسِ لَقَلِيلٌ " . وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ ، عَنْ جَابِرٍ ": أَنَّ عُمَرَ أَخَذَ بِيَدِ أَبِي قُحَافَةَ ، فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : غَيِّرُوا هَذَا الشَّيْبَ وَلَا تُقَرِّبُوهُ سَوَادًا " ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : " إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَنَّأَ أَبَا بَكْرٍ بِإِسْلامِ أَبِيهِ " . مُرْسَلٌ . وقال مالك ، عَنِ ابن شهاب : أَنَّهُ بلغه ، أنّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى عهده نساء يُسْلِمْن بأَرْضِهنّ ، منهنّ ابْنَة الوليد بْن المُغِيرة ، وكانت تحت صَفْوان بْن أمية ، فأسلمت يوم الفتح وهرب صفوان ، فبعث إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابن عمّه عُمَيْر بْن وهب برداء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمانًا لصفوان ، ودعاه إلى الإسلام ، وأن يَقْدَم عَلَيْهِ ، فإنْ رَضِي أمرًا قَبِله ، وإلا سَيَّره شهرين ، فقدِم فنادى عَلَى رؤوس النّاس : يا مُحَمَّد ، هذا عُمير بن وهب جاءني بردائك ، وزعم أنّك دعوتني إلى القدوم عليك ، فإنّ رضيتُ أمرًا قبلته ، وإلّا سيَّرتَني شهرين . فقال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انزِلْ أَبَا وهب . فقال : لا والله ، لا أنزل حتّى تبيّن لي . فقال : بل لك تَسْيِير أربعة أشهر . فخرج رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَل هَوازِن ، فأرسل إلى صفوان يستعيره أداةً وسلاحًا . فقال صفوان : أَطَوْعًا أو كَرْهًا ؟ فقال : بلْ طوعًا . فأعاره الأداة والسلاح ، وخرج مَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو كافر بينهما حتّى أسلم ، واستقرّت عنده بذلك النِّكاح ، وكان بين إسلامهما نَحْوٌ من شهر ، وكانت أمّ حكيم بِنْت الحارث بْن هشام تحت عِكْرِمة بْن أَبِي جهل ، فأسلمت يوم الفتح ، وهرب عِكْرِمة حتّى قدِم عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلمّا رآه وثب فرحًا بِهِ ، ورمى عَلَيْهِ رداءه حتّى بايعه ، فثبتا عَلَى نكاحهما ذَلِكَ " . وقال الواقدي : حدّثني عَبْد اللَّه بْن يزيد الهُذَليّ ، عَنْ أَبِي حُصَيْن الهُذليّ ، قَالَ : " اسْتَقْرَض رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من صفوان بْن أمية خمسين ألف درهم ، ومن عَبْد اللَّه بْن أَبِي ربيعة أربعين ألفًا ، ومن حُوَيْطِب بْن عَبْد العُزَّى أربعين ألفًا ، فقسمها بين أصحابه من أهُل الضَّعْف ، ومن ذَلِكَ المال بعث إلى جَدِيمة . وَقَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : إِنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، قَالَتْ : " يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كَانَ مِمَّا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ أَخْباءٍ أَوْ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ ، قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَأَيْضًا ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مُمْسِكٌ ، أَوْ قَالَتْ : مِسِّيكٌ ، فَهَلْ عَلِيَّ مِنْ حَرَجٍ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ ؟ قَالَ : " لَا ، بِالْمَعْروُفِ " ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَخْرَجَاهُ ، مِنْ حَدِيثِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَعِنْدَهُ : " فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالُنَا . قَالَ : لَا عَلَيْكَ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالْمَعْرُوفِ ". وَقَالَ الْفِرْيَابِيُّ : ثنا يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : " رَأَى أَبُو سُفْيَانَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَالنَّاسُ يَطَئُونَ عَقِبَهُ ، فَقَالَ فِي نَفْسِهِ : لَوْ عَاوَدت هَذَا الرَّجُل القتالَ ، فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى ضَرَبَ بِيَدِهِ فِي صَدْرِهِ ، فَقَالَ : إِذًا يُخْزِيكَ اللَّهُ ، قَالَ : أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ "، وَرَوَى نَحْوَهُ ، مُرْسلا ، أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ . وَقَالَ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، قَالَ : " لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ دَخَلَ النَّاسُ مَكَّةَ ، لَمْ يَزَالُوا فِي تَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَطَوَافٍ بِالْبَيْتِ حَتَّى أَصْبَحُوا ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِهِنْدٍ : أَتَرِي هَذَا مِنَ اللَّهِ ؟ ثُمَّ أَصْبَحَ ، فَغَدا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ : قُلْتَ لِهِنْدٍ أَتَرِي هَذَا مِنَ اللَّهِ ، نَعَمْ ، هَذَا مِنَ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ . وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ أَبُو سُفْيَانَ ، مَا سَمِعَ قَوْلِي هَذَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ إِلا اللَّهُ وَهِنْدٌ " . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ ، أَنَا عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : " أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ " ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ : " سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا " ، صَحِيحٌ . وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ ، أَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : " غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ ، يَقُولُ : يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعَةً ، فَإِنَّا سَفْرٌ " ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَلَيٌّ ضَعِيفٌ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : " أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ " ، ثُمَّ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ جَمَاعَةٍ ، مِثْلَ هَذَا ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الأَصَحُّ رِوَايَةً ابْنُ الْمُبَارَكِ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الْبُخَارِيُّ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : " وَفِي رَمَضَانَ بُعِثَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى ، فَهَدَمَهَا ، وَبُعِثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى سُوَاعٍ فِي رَمَضَانَ ، وَهُوَ صَنَمُ هُذَيْلٍ ، فَهَدَمَهُ . وَقَالَ : قُلْتُ لِلسَّادِن : كَيْفَ رَأَيْتَ ؟ قَالَ : أَسْلَمْتُ لِلَّهِ ، قَالَ : وَفِي رَمَضَانَ بُعِثَ سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الأَشْهَلِيُّ إِلَى مَنَاةَ ، وَكَانَتْ بِالْمُشَلَّلِ ، لِلأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَغَسَّانَ . فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الأَشْهَلِيَّ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهَا ، وَتَخْرُجُ إِلَى سَعْدٍ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ عُرْيَانَةٌ ثَائِرَةُ الرَّأْسِ تَدْعُو بِالْوَيْلِ ، فَقَالَ لَهَا السَّادِنُ : مَناةُ ، دُونَكِ بَعْضَ غَضَبَاتِكَ . وَسَعْدٌ يَضْرِبُهَا ، فَقَتَلَهَا ، وَأَقْبَلَ إِلَى الصَّنَمِ ، فَهَدَمُوهُ لِسِتٍّ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ " . وَقَالَ مَنْصُورٌ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِنِ اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا " ، قَالَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ : سَمِعْتُ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ : " لَمَّا نَزَلَتْ : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ سورة النصر آية ، قَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : إِنِّي وَأَصْحَابِي حَيِّزٌ ، وَالنَّاسُ حَيِّزٌ ، لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ ، فَحَدَّثْتُ بِهِ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَكَانَ عَلَى الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ : كَذَبَتْ . وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ ، وَكَانَا مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ ، فَقُلْتُ : إِنَّ هَذَيْنِ لَوْ شَاءَا لَحَدَّثَاكَ ، وَلَكِنَّ هَذَا ، يَعْنِي : زَيْدًا ، يَخَافُ أَنْ تَنْزِعَهُ عَنِ الصَّدَقَةِ ، وَالْآخَرُ يَخَافُ أَنْ تَنْزِعَهُ عَنْ عَرَافَةِ قَوْمِهِ . قَالَ : فَشَدَّ عَلَيْهِ بِالدِّرَّةِ ، فَلَمَّا رَأَيَا ذَلِكَ ، قَالَا : صَدَقَ . وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ حَدَّثَنِي أَبُو قِلابَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ ، ثُمَّ قَالَ : " هُوَ حَيٌّ ، أَلا تَلْقَاهُ فَتَسْمَعُ مِنْهُ ؟ فَلَقِيتُ عَمْرًا ، فَحَدَّثَنِي بِالْحَدِيثِ ، قَالَ : كُنَّا بِمَمَرِّ النَّاسِ ، فَتَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ : مَا هَذَا الأَمْرُ ؟ وَمَا لِلنَّاسِ ؟ فَيَقُولُونَ : نَبِيٌّ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَرْسَلَهُ ، وَأَنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا وَكَذَا . وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلامِهَا الْفَتْحَ ، وَيَقُولُونَ : أَنْظِرُوهُ ، فَإِنْ ظَهَرَ فَهُوَ نَبِيٌّ ، فَصَدِّقُوهُ . فَلَمَّا كَانَ وَقْعَةُ الْفَتْحِ ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلامِهِمْ ، فَانْطَلَقَ أَبِي بِإِسْلامِ حِوَائِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَدِمَ ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا . ثُمَّ جَاءَنَا فَتَلَقَّيْنَاهُ ، فَقَالَ : جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ حَقًّا ، وَإِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ بِكَذَا ، وَصَلاةِ كَذَا وَكَذَا ، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَيُؤَذِّنُ أَحَدُكُمْ ، وَلَيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا . فَنَظَرُوا فِي أَهْلِ حِوَائِنَا ، فَلَمْ يَجْحَدُوا أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي فَقَدَّمُونِي ، وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ ، أَوْ سِتِّ سِنِينَ ، فَكُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ ، فَإِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ بُرْدَةٌ عَلَيَّ ، تَقُولُ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ : غَطُّوا عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ هَذَا . قَالَ : فَكُسِيتُ معقدةً مِنْ معقدِ الْبَحْرَيْنِ بِسِتَّةِ دَرَاهِمَ أَوْ سَبْعَةٍ ، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ كَفَرَحِي بِذَلِكَ " ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ ، عَنْهُ .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناد حسن
شجرة الإسناد