بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · الجزء الثالث
الصفحة 1445 · ص. المطبوع 168
وَلَوْ قَالَ : إنْ قَرِبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَهُوَ مُولٍ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا ; لِأَنَّهُ إذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ فَقَدْ جَعَلَ الطَّلَاقَ جَزَاءً مَانِعًا مِنْ الْقُرْبَانِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ : إنْ قَرِبْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَصَارَ مُولِيًا كَذَا هَذَا ، وَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ فَهُوَ مُولٍ لِلْحَالِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ لَا يَكُونُ مُولِيًا مَا لَمْ يَقْرَبْهَا ( وَجْهُ ) قَوْلِهِمَا أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ إذَا نَوَى بِهِ الْيَمِينَ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ يَكُونُ إيلَاءً بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا كَأَنَّهُ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك فَصَارَ الْإِيلَاءُ مُعَلَّقًا بِالْقُرْبَانِ كَأَنَّهُ قَالَ : إنْ قَرِبْتُك فَوَاَللَّهِ لَا أَقْرَبُك وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مُولِيًا حَتَّى يَقْرَبَهَا كَذَا هَذَا ، ، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ قُرْبَانِ امْرَأَتِهِ فِي الْمُدَّةِ بِمَا لَا يَصْلُحُ مَانِعًا - وَهُوَ التَّحْرِيمُ ، وَهُوَ حَدُّ الْمُولِي - فَيَصِيرُ مُولِيًا كَمَا لَوْ قَالَ إنْ قَرِبْتُك فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَسْأَلَةِ الْحَرَامِ ; أَعْنِي قَوْلَهُ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ غَيْرِ التَّعْلِيقِ بِشَرْطِ الْقُرْبَانِ أَنَّ حُكْمَهَا مَا هُوَ .
وَجُمْلَةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَخْلُو أَمَّا إنْ أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَى شَيْءٍ خَاصٍّ نَحْوِ امْرَأَتِهِ أَوْ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ أَوْ اللِّبَاسِ .
وَأَمَّا إنْ أَضَافَهُ إلَى كُلِّ حَلَالٍ عَلَى الْعُمُومِ فَإِنْ أَضَافَهُ إلَى امْرَأَتِهِ بِأَنْ قَالَ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ قَدْ حَرَّمْتُك عَلَيَّ أَوْ أَنَا عَلَيْك حَرَامٌ أَوْ قَدْ حَرَّمْت نَفْسِي عَلَيْك أَوْ أَنْتِ مُحْرِمَةٌ عَلَيَّ فَإِنْ أَرَادَ بِهِ طَلَاقًا فَهُوَ طَلَاقٌ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ ، وَغَيْرَهُ ، فَإِذَا نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ انْصَرَفَ إلَيْهِ ، وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا يَكُونُ ثَلَاثًا ، وَإِنْ نَوَى وَاحِدَةً يَكُونُ وَاحِدَةً بَائِنَةً ، وَإِنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ يَكُونُ وَاحِدَةً بَائِنَةً عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ; لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ ، وَنَوَى التَّحْرِيمَ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ 168 يَمِينٌ عِنْدَنَا ، وَيَصِيرُ مُولِيًا حَتَّى لَوْ تَرَكَهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ بَانَتْ بِتَطْلِيقَةٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا لِمَا تَبَيَّنَ ، وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت بِهِ الْكَذِبَ ، يُصَدَّقُ فِيمَا بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَكُونُ شَيْئًا وَلَا يُصَدَّقُ فِي نَفْيِ الْيَمِينِ فِي الْقَضَاءِ وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ; رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : الْحَرَامُ يَمِينٌ حَتَّى رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ : إذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا أَمَا كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .
وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنْ نَوَى طَلَاقًا فَطَلَاقٌ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ طَلَاقًا فَيَمِينٌ كَفَّرَهَا ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا ، وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ طَلَاقًا رَجْعِيًّا ، وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مَا أُبَالِي حُرْمَتَهَا أَوْ قِطْعَةً مِنْ ثَرِيدٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَلَقَبُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ هَلْ هُوَ يَمِينٌ ؟ عِنْدَنَا يَمِينٌ ، وَعِنْدَهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ ( وَجْهُ ) قَوْلِهِ أَنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ تَغْيِيرُ الشَّرْعِ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ تَغْيِيرَ الشَّرْعِ ، وَلِهَذَا خَرَجَ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } مَخْرَجَ الْعِتَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَلَّ أَنَّهُ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى - وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْيَمِينَ لَا يُحَرِّمُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَلَى الْحَالِفِ ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُهُ مِنْهُ بِكَوْنِهِ حَلَالًا .
( وَلَنَا ) الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ ; أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ : - عَزَّ وَجَلَّ - { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } إلَى قَوْلِهِ { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } قِيلَ : نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي تَحْرِيمِ جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةِ لَمَّا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ يَمِينًا بِقَوْلِهِ { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } أَيْ : وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَوْ أَبَاحَ لَكُمْ أَنْ تُحِلُّوا مِنْ أَيْمَانِكُمْ بِالْكَفَّارَةِ ، وَفِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ كَفَّارَةَ أَيْمَانِكُمْ وَالْخِطَابُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْحَرَامَ يَمِينًا .
وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَمَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ الْحَرَامَ يَمِينًا ، وَبَعْضُهُمْ نَصَّ عَلَى وُجُوبِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيهِ ، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ - وَلَا يَمِينَ - لَا تُتَصَوَّرُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَمِينٌ وَقَوْلُ مَنْ جَعَلَهُ طَلَاقًا ثَلَاثًا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا نَوَى الثَّلَاثَ ; لِأَنَّ الْحُرْمَةَ نَوْعَانِ غَلِيظَةٌ ، وَخَفِيفَةٌ فَكَانَتْ نِيَّةُ الثَّلَاثِ تَعْيِينَ بَعْضِ مَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ فَيَصِحُّ ، وَإِذَا نَوَى وَاحِدَةً كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً ; لِأَنَّ اللَّفْظَ يُنْبِئُ عَنْ الْحُرْمَةِ وَالطَّلَاقُ الرَّجْعِيُّ لَا يُوجِبُ الْحُرْمَةَ لِلْحَالِ ، وَإِثْبَاتُ حُكْمِ اللَّفْظِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ اللَّفْظُ أَوْلَى ; وَلِأَنَّ الْمُخَالِفَ يُوجِبُ فِيهِ كَفَّارَةَ يَمِينٍ ، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ تَسْتَدْعِي وُجُودَ الْيَمِينِ فَدَلَّ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَمِينٌ فِي الشَّرْعِ فَإِذَا نَوَى بِهِ الْكَذِبَ لَا يُصَدَّقُ فِي إبْطَالِ الْيَمِينِ فِي الْقَضَاءِ بِعُدُولِهِ عَنْ الظَّاهِرِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ تَغْيِيرُ الشَّرْعِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ مِنْ الْحَالِفِ حَقِيقَةً بَلْ مِنْ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى - ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إثْبَاتُ الْحُرْمَةِ كَالتَّحْلِيلِ إثْبَاتُ الْحِلِّ وَالْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ بَلْ الْحُرْمَةُ وَالْحِلُّ ، وَسَائِرُ الْحُكُومَاتِ الشَّرْعِيَّةِ ثَبَتَتْ بِإِثْبَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا صُنْعَ لِلْعَبْدِ فِيهَا أَصْلًا إنَّمَا مِنْ الْعَبْدِ مُبَاشَرَةُ سَبَبِ الثُّبُوتِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ الزَّوْجِ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّهُ - اللَّهُ تَعَالَى - بَلْ مُبَاشَرَةَ سَبَبِ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ أَوْ مَنْعَ النَّفْسِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِالْحَلَالِ ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ الْمَنْعِ وَقَدْ يُمْنَعُ الْمَرْءُ مِنْ تَنَاوُلِ الْحَلَالِ لِغَرَضٍ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ تَحْرِيمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { ، وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } وَالْمُرَادُ مِنْهُ امْتِنَاعُ سَيِّدِنَا مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الِارْتِضَاعِ مِنْ غَيْرِ ثَدْيِ أُمِّهِ لَا التَّحْرِيمُ الشَّرْعِيُّ ، وَعَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ يُحْمَلُ التَّحْرِيمُ الْمُضَافُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرْتُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ حَقِيقَةً فَمَا مَعْنَى إلْحَاقِ الْعِتَابِ بِهِ ؟ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ إنْ كَانَ يُوهِمُ الْعِتَابَ فَلَيْسَ بِعِتَابٍ فِي الْحَقِيقَةِ بَلْ هُوَ تَخْفِيفُ الْمُؤْنَةِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ مَعَ أَزْوَاجِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مَنْدُوبًا إلَى حُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَهُنَّ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ وَالرَّحْمَةِ بِهِنَّ فَبَلَغَ مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ مَبْلَغًا امْتَنَعَ عَنْ الِامْتِنَاعِ بِمَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُ يَبْتَغِي بِهِ حُسْنَ الْعِشْرَةِ فَخَرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ تَخْفِيفِ الْمُؤْنَةِ فِي حُسْنِ 169 الْعِشْرَةِ مَعَهُنَّ لَا مَخْرَجَ النَّهْيِ وَالْعِتَابِ ، وَإِنْ كَانَتْ صِيغَتُهُ صِيغَةَ النَّهْيِ وَالْعِتَابِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { ، فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ } وَالثَّانِي : إنْ كَانَ ذَلِكَ الْخِطَابُ عِتَابًا فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا عُوتِبَ ; لِأَنَّهُ فَعَلَ بِلَا إذْنٍ سَبَقَ مِنْ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَإِنْ كَانَ مَا فَعَلَ مُبَاحًا فِي نَفْسِهِ ، وَهُوَ مَنْعُ النَّفْسِ عَنْ تَنَاوُلِ الْحَلَالِ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُعَاتَبُونَ عَلَى أَدْنَى شَيْءٍ مِنْهُمْ يُوجَدُ مِمَّا لَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ لَعُدَّ مِنْ أَفْضَلِ شَمَائِلِهِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ } وَقَوْلِهِ { عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى } وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالثَّانِي : إنْ كَانَ هَذَا تَحْرِيمَ الْحَلَالِ لَكِنْ لِمَ قُلْت إنَّ كُلَّ تَحْرِيمِ حَلَالٍ مِنْ الْعَبْدِ تَغْيِيرٌ لِلشَّرْعِ بَلْ ذَلِكَ نَوْعَانِ : تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مُطْلَقًا .
وَذَلِكَ تَغْيِيرٌ بَلْ اعْتِقَادُهُ كُفْرٌ ، وَتَحْرِيمُ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ مُؤَقَّتًا إلَى غَايَةٍ لَا يَكُونُ تَغْيِيرًا بَلْ يَكُونُ بَيَانَ نِهَايَةِ الْحَلَالِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الطَّلَاقَ مَشْرُوعٌ ، وَإِنْ كَانَ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْحِلُّ مُؤَقَّتًا إلَى غَايَةِ وُجُودِ الطَّلَاقِ لَمْ يَكُنْ التَّطْلِيقُ مِنْ الزَّوْجِ تَغْيِيرًا لِلشَّرْعِ بَلْ كَانَ بَيَانَ انْتِهَاءِ الْحِلِّ ، ، وَعَلَى هَذَا سَائِرُ الْأَحْكَامِ الَّتِي تَحْتَمِلُ الِارْتِفَاعَ وَالسُّقُوطَ ، وَعَلَى هَذَا سَبِيلُ النَّسْخِ فِيمَا يَحْتَمِلُ التَّنَاسُخَ ، فَكَذَا قَوْلُهُ : لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَإِنْ نَوَى بِقَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ الظِّهَارَ كَانَ ظِهَارًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَبِي يُوسُفَ .
وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَا يَكُونُ ظِهَارًا ( وَجْهُ ) قَوْلِهِ أَنَّ الظِّهَارَ تَشْبِيهُ الْحَلَالِ بِالْحَرَامِ ، وَالتَّشْبِيهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ حَرْفِ التَّشْبِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ ، فَلَا يَكُونُ ظِهَارًا وَلَهُمَا أَنَّهُ وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا مُحَرَّمَةً وَالْمَرْأَةُ تَارَةً تَكُونُ مُحَرَّمَةً بِالطَّلَاقِ ، وَتَارَةً تَكُونُ مُحَرَّمَةً بِالظِّهَارِ فَأَيَّ ذَلِكَ نَوَى فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُهُ فَيُصَدَّقُ فِيهِ هَذَا إذَا أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَى الْمَرْأَةِ .
فَأَمَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ أَوْ اللِّبَاسِ بِأَنْ قَالَ : هَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ أَوْ هَذَا الشَّرَابُ أَوْ هَذَا اللِّبَاسُ فَهُوَ يَمِينٌ عِنْدَنَا ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا فَعَلَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا قَالَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ لَا يَجِبُ شَيْءٌ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ تَحْرِيمِ الْحَلَالِ أَنَّهُ يَمِينٌ أَمْ لَا ؟ وَجْهُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى .
( وَلَنَا ) قَوْلُهُ - عَزَّ وَجَلَّ - { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ } قِيلَ : نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي تَحْرِيمِ الْعَسَلِ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى يَمِينًا بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ ، وَتَعَالَى { قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ } فَدَلَّ أَنَّ تَحْرِيمَ غَيْرِ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ يَمِينٌ مُوجِبٌ لِلْكَفَّارَةِ ; لِأَنَّ تَحِلَّةَ الْيَمِينِ هِيَ الْكَفَّارَةُ ، فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي تَحْرِيمِ جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ نَزَلَتْ فِيهِمَا لِعَدَمِ التَّنَافِي ; وَلِأَنَّهُ لَوْ أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَى الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ لَكَانَ يَمِينًا ، فَكَذَا إذَا أُضِيفَ إلَى غَيْرِهِمَا كَانَ يَمِينًا ; كَلَفْظِ الْقَسَمِ إذَا أُضِيفَ إلَى الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ كَانَ يَمِينًا ، وَإِذَا أُضِيفَ إلَى غَيْرِهِمَا كَانَ يَمِينًا أَيْضًا ، كَذَا هَذَا ، فَإِنْ فَعَلَ كَانَ يَمِينًا مِمَّا حَرَّمَهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا حَنِثَ وَانْحَلَّتْ الْيَمِينُ ; لِأَنَّ التَّحْرِيمَ الْمُضَافَ إلَى الْمُعَيَّنِ يُوجِبُ تَحْرِيمَ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمُعَيَّنِ كَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ فَإِذَا تَنَاوَلَ شَيْئًا مِنْهُ فَقَدْ فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَيَحْنَثُ ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذَا الطَّعَامَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ ; لِأَنَّ الْحِنْثَ هُنَاكَ مُعَلَّقٌ بِالشَّرْطِ - وَهُوَ أَكْلُ كُلِّ الطَّعَامِ - وَالْمُعَلَّقُ بِشَرْطٍ لَا يَنْزِلُ عِنْدَ وُجُودِ بَعْضِ الشَّرْطِ .
وَلَوْ قَالَ : نِسَائِي عَلَيَّ حَرَامٌ وَلَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ فَقَرِبَ إحْدَاهُنَّ كَفَّرَ ، وَسَقَطَتْ الْيَمِينُ فِيهِنَّ جَمِيعًا ; لِأَنَّهُ أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَى جَمْعٍ فَيُوجِبُ تَحْرِيمَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجَمْعِ فَصَارَ كُلُّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْجَمْعِ مُحَرَّمًا عَلَى الِانْفِرَادِ فَإِذَا قَرِبَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ فَقَدْ فَعَلَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَحْنَثُ ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ ، وَتَنْحَلُّ الْيَمِينُ ، وَإِنْ لَمْ يَقْرُبْ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ بِنَّ جَمِيعًا ; لِأَنَّ حُكْمَ الْإِيلَاءِ لَا يَثْبُتُ فِي حَقِّ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى انْفِرَادِهَا وَالْإِيلَاءُ يُوجِبُ الْبَيْنُونَةَ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ مِنْ غَيْرِ فَيْءٍ ، هَذَا إذَا أَضَافَ التَّحْرِيمَ إلَى نَوْعٍ خَاصٍّ ، .
فَأَمَّا إذَا أَضَافَهُ إلَى الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا بِأَنْ قَالَ : كُلُّ حَلَالٍ عَلَيَّ حَرَامٌ ; فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ خَاصَّةً اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ أَنْ يَحْنَثَ عَقِيبَ كَلَامِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ .
وَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ اللَّفْظَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّ حَلَالٍ ، وَكَمَا فَرَغَ عَنْ يَمِينِهِ لَا يَخْلُو عَنْ نَوْعِ حَلَالٍ يُوجَدُ مِنْهُ فَيَحْنَثُ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ هَذَا عَامٌّ لَا يُمْكِنُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى كُلِّ مُبَاحٍ مِنْ فَتْحِ عَيْنِهِ ، وَغَضِّ بَصَرِهِ ، وَتَنَفُّسِهِ ، وَغَيْرِهَا مِنْ حَرَكَاتِهِ ، وَسَكَنَاتِهِ الْمُبَاحَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ وَالْعَاقِلُ لَا يَقْصِدُ بِيَمِينِهِ مَنْعَ نَفْسِهِ عَمَّا لَا يُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ عَنْهُ فَلَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِعُمُومِ هَذَا اللَّفْظِ فَيُحْمَلُ عَلَى الْخُصُوصِ - وَهُوَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ - بِاعْتِبَارِ الْعُرْفِ وَالْعَادَةِ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُسْتَعْمَلٌ فِيهِمَا فِي الْعُرْفِ ، وَنَظِيرُهُ 170 قَوْله تَعَالَى { لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ ، وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ } أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ لِثُبُوتِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ حُمِلَ عَلَى الْخُصُوصِ ، وَهُوَ نَفْيُ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِي الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ ، كَذَا هَذَا فَإِنْ نَوَى مَعَ ذَلِكَ اللِّبَاسَ أَوْ امْرَأَتَهُ فَالتَّحْرِيمُ وَاقِعٌ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ .
وَأَيَّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَ ، وَحْدَهُ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ صَالِحٌ لِتَنَاوُلِ كُلِّ الْمُبَاحَاتِ ، وَإِنَّمَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بِدَلِيلِ الْعُرْفِ فَإِذَا نَوَى شَيْئًا زَائِدًا عَلَى الْمُتَعَارَفِ فَقَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُهُ ، وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ ، فَإِذَا نَوَى شَيْئًا بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ ; بِأَنْ نَوَى الطَّعَامَ خَاصَّةً أَوْ الشَّرَابَ خَاصَّةً أَوْ اللِّبَاسَ خَاصَّةً أَوْ امْرَأَتَهُ خَاصَّةً فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى فِيمَا بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي الْقَضَاءِ ; لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مَتْرُوكُ الْعَمَلِ بِظَاهِرِ عُمُومِهِ ، وَمِثْلُهُ يُحْمَلُ عَلَى الْخُصُوصِ ، فَإِذَا قَالَ أَرَدْت وَاحِدًا بِعَيْنِهِ دُونَ غَيْرِهِ فَقَدْ تَرَكَ ظَاهِرَ لَفْظٍ هُوَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْعُدُولُ فَيُصَدَّقُ ، وَإِنْ قَالَ كُلُّ حِلٍّ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَنَوَى امْرَأَتَهُ كَانَ عَلَيْهَا ، وَعَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ; لِأَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ دَخَلَا تَحْتَ ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ وَلَمْ يَنْفِهِمَا بِنِيَّتِهِ فَبَقِيَا دَاخِلَيْنِ تَحْتَ اللَّفْظِ بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ ; لِأَنَّهُ هُنَاكَ نَوَى امْرَأَتَهُ خَاصَّةً ، وَنَفَى الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ بِنِيَّتِهِ فَلَمْ يَدْخُلَا وَهَهُنَا لَمْ يَنْفِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ نِيَّتَهُ وَقَدْ دَخَلَا تَحْتَ اللَّفْظِ فَبَقِيَا كَذَلِكَ مَا لَمْ يُنْفَيَا بِالنِّيَّةِ ، وَإِنْ نَوَى فِي امْرَأَتِهِ الطَّلَاقَ لَزِمَهُ الطَّعَامُ فِيهَا فَإِنْ أَكْلَ أَوْ شَرِبَ لَمْ تَلْزَمْهُ الْكَفَّارَةُ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الطَّلَاقِ وَالْيَمِينِ لِاخْتِلَافِ مَعْنَيَيْهِمَا ، وَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ لَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِذَا أَرَادَ بِهِ فِي الزَّوْجَةِ الطَّلَاقَ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ الْأَمْرَيْنِ ، وَأَغْلَظُهُمَا لَا يَبْقَى الْآخَرُ مُرَادًا .
وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتَيْنِ لَهُ : أَنْتُمَا عَلَيَّ حَرَامٌ ، يَعْنِي فِي إحْدَاهُمَا الطَّلَاقَ ، وَفِي الْأُخْرَى الْإِيلَاءَ فَهُمَا طَالِقَانِ جَمِيعًا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّفْظَ الْوَاحِدَ لَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فَإِذَا أَرَادَهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ يُحْمَلُ عَلَى أَغْلَظِهِمَا ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهِمَا .
وَلَوْ قَالَ : هَذِهِ عَلَيَّ حَرَامٌ - يَنْوِي الطَّلَاقَ - وَهَذِهِ عَلَيَّ حَرَامٌ - يَنْوِي الْإِيلَاءَ - كَانَ كَمَا نَوَى ; ; لِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِأَحَدِهِمَا خِلَافُ مَا يُرَادُ بِالْآخَرِ .
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ : أَنْتُمَا عَلَيَّ حَرَامٌ يَنْوِي فِي إحْدَاهُمَا ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَفِي الْأُخْرَى وَاحِدَةً أَنَّهُمَا جَمِيعًا طَالِقَانِ ثَلَاثًا ; لِأَنَّ حُكْمَ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ خِلَافُ حُكْمِ الثَّلَاثِ ; لِأَنَّ الثَّلَاثَ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ الْغَلِيظَةَ وَاللَّفْظُ الْوَاحِدُ لَا يَتَنَاوَلُ مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِذَا نَوَاهُمَا يُحْمَلُ عَلَى أَغْلَظِهِمَا ، وَأَشَدِّهِمَا .
وَقَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ فِي نَوَادِرِهِ : سَمِعْت أَبَا يُوسُفَ يَقُولُ فِي رَجُلٍ قَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَيَّ حَرَامٌ مِنْ مَالٍ وَأَهْلٍ وَنَوَى الطَّلَاقَ فِي أَهْلِهِ قَالَ : وَلَا نِيَّةَ لَهُ فِي الطَّعَامِ فَإِنْ أَكْلَ لَمْ يَحْنَثْ لِمَا قُلْنَا .
قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ : هَذَا الطَّعَامُ عَلَيَّ حَرَامٌ ، وَهَذِهِ - يَنْوِي الطَّلَاقَ - ; لِأَنَّ اللَّفْظَةَ وَاحِدَةٌ وَقَدْ تَنَاوَلَتْ الطَّلَاقَ ، فَلَا تَتَنَاوَلُ تَحْرِيمَ الطَّعَامِ .
وَقَالُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَالدَّمِ أَوْ الْمَيْتَةِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ كَالْخَمْرِ أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ نِيَّتِهِ ; فَإِنْ نَوَى كَذِبًا فَهُوَ كَذِبٌ ; لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي التَّحْرِيمِ لِيُجْعَلَ يَمِينًا فَيُصَدَّقُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْكَذِبَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّحْرِيمِ فَكَانَ يَمِينًا ، وَإِنْ نَوَى التَّحْرِيمَ فَهُوَ إيلَاءٌ ; لِأَنَّهُ شَبَّهَهَا بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَنْتِ حَرَامٌ .
وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ فَالْقَوْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ يَنْوِي الطَّلَاقَ وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ أُمِّي - يُرِيدُ التَّحْرِيمَ - قَالَ : هُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهَا مِثْلَ أُمِّهِ لِيَكُونَ تَحْرِيمًا ، وَإِنَّمَا جَعَلَهَا أُمَّهُ فَيَكُونُ كَذِبًا .
قَالَ مُحَمَّدٌ : وَلَوْ ثَبَتَ التَّحْرِيمُ بِهَذَا لَثَبَتَ إذَا قَالَ أَنْتِ حَوَّاءُ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ .
وَقَالَ ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ مَعِي حَرَامٌ فَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ يُقَامُ بَعْضُهَا مَقَامَ بَعْضٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث