حاشية الدسوقي على الشرح الكبير
حاشية الدسوقي على الشرح الكبير · الجزء الثاني
page 2003 · printed p. 175 · commentary
( قَوْلُهُ : وَإِنْ تَوَجَّهَ الدَّفْعُ عَلَى امْرَأَةٍ وَرَقِيقٍ ) فِيهِ إنْ تَوَجَّهَ الدَّفْعُ هُوَ عَيْنُ فَرْضِيَّةِ الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَتَوَجَّهَ الدَّفْعُ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ ، وَإِنْ كَانَ التَّوَجُّهُ عَلَى امْرَأَةٍ وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ فَالْأَحْسَنُ أَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ : وَإِنْ عَلَى امْرَأَةٍ مُبَالَغَةً فِي مَحْذُوفٍ ، وَالْمَعْنَى : وَتَعَيَّنَ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَحَدُ امْرَأَةً ، كَذَا قَرَّرَ شَيْخُنَا قَالَ الْجُزُولِيُّ : وَيُسْهَمْ إذْ ذَاكَ لِلْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ 175 لِأَنَّ الْجِهَادَ صَارَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ ، وَأَمَّا حَيْثُ لَمْ يَفْجَأْهُمْ الْعَدُوُّ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلِذَا لَا يُسْهَمُ لَهُمْ . ا هـ . بْن ( قَوْلُهُ : وَرَقِيقٍ ) ، وَكَذَا صَبِيٌّ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْقِتَالِ ( قَوْلُهُ : وَعَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ ) أَيْ وَتَعَيَّنَ عَلَى مَنْ بِمَكَانٍ مُقَارِبٍ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُمْ إنْ عَجَزَ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ عَنْ الدَّفْعِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، وَمَحَلُّ التَّعْيِينِ عَلَى مَنْ بِقُرْبِهِمْ إنْ لَمْ يَخْشَوْا عَلَى نِسَائِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ مِنْ عَدُوٍّ بِتَشَاغُلِهِمْ بِمُعَاوَنَةِ مَنْ فَجَأَهُمْ الْعَدُوُّ ، وَإِلَّا تَرَكُوا إعَانَتَهُمْ .
( قَوْلُهُ : وَبِتَعْيِينِ الْإِمَامِ ) أَيْ أَنَّ كُلَّ مَنْ عَيَّنَهُ الْإِمَامُ لِلْجِهَادِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا مُطِيقًا لِلْقِتَالِ أَوْ امْرَأَةً أَوْ عَبْدًا أَوْ وَلَدًا أَوْ مَدِينًا ، وَيَخْرُجُونَ وَلَوْ مَنَعَهُمْ الْوَلِيُّ وَالزَّوْجُ وَالسَّيِّدُ وَرَبُّ الدَّيْنِ وَالْمُرَادُ بِتَعْيِينِهِ عَلَى الصَّبِيِّ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ وَبِتَعْيِينِ الْإِمَامِ إلْجَاؤُهُ عَلَيْهِ وَجَبْرُهُ عَلَيْهِ كَمَا يَلْزَمُ بِمَا فِيهِ إصْلَاحُ حَالِهِ لَا بِمَعْنَى عِقَابِهِ عَلَى تَرْكِهِ كَذَا ذَكَرَ طفى فَلَا يُقَالُ إنَّ تَوَجُّهَ الْوُجُوبِ لِلصَّبِيِّ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ . ا هـ . شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ ( قَوْلُهُ : وَلَوْ امْرَأَةً ، وَعَبْدًا ) أَيْ أَوْ صَبِيًّا مُطِيقًا لِلْقِتَالِ كَمَا فِي النَّوَادِرِ كَذَا فِي عبق ( قَوْلُهُ : بَعْدَ التَّعْيِينِ ) أَيْ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّةَ قَوْمٍ ، وَهَذَا خَارِجٌ مَخْرَجَ الْمُبَالَغَةِ ، وَكَأَنَّهُ قَالَ وَسَقَطَ بِمَرَضٍ وَجُنُونٍ إلَخْ ، وَلَوْ طَرَأَ ذَلِكَ بَعْدَ التَّعْيِينِ ، وَالسُّقُوطُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَتِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَانِعِ الطَّارِئِ كَالْمَرَضِ وَالْجُنُونِ وَالْعَمَى وَالْعَرَجِ وَالْعَجْزِ عَمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَفِي مَجَازِهِ إذَا كَانَ الْمَانِعُ غَيْرَ طَارِئٍ كَالصِّبَا وَالْأُنُوثَةِ ; لِأَنَّ الْجِهَادَ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِمَا أَوَّلًا حَتَّى يَسْقُطَ فَالسُّقُوطُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمَا بِمَعْنَى عَدَمِ اللُّزُومِ فَالْمَعْنَى حِينَئِذٍ ، وَلَا يَلْزَمُ الصَّبِيَّ وَالْأُنْثَى ، وَهَذَا إذَا لَمْ يُعَيَّنَا أَوْ عُيِّنَا غَيْرَ مُطِيقَيْنِ ، وَإِلَّا لَزِمَهُمَا كَمَا مَرَّ ( قَوْلُهُ : وَعَجَزَ عَنْ تَحْصِيلِ إلَخْ ) أَيْ ، وَمِنْ بَابِ أَوْلَى اخْتِلَافُ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ فَإِذَا اخْتَلَفَ سَقَطَ الْوُجُوبُ وَسَوَاءٌ كَانَ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ أَوْ بِفَجْءِ الْعَدُوِّ مَحَلَّهُ كَمَا فِي النَّفْرَاوِيِّ عَلَى الرِّسَالَةِ .
( قَوْلُهُ : مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ ) أَيْ بِبَيْعِ مَا عِنْدَهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا فِي زَمَانٍ يَلْزَمُ عَلَى انْقِضَائِهِ فَوَاتُ الْجَيْشِ لَهُ ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إدْرَاكِهِ بَعْدَ سَفَرِهِ ( قَوْلُهُ : وَإِلَّا خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ ) أَيْ : وَإِلَّا يَقْدِرُ عَلَى وَفَائِهِ أَوْ كَانَ غَيْرَ حَالٍّ وَلَا يَحِلُّ فِي غَيْبَتِهِ خَرَجَ بِغَيْرِ إذْنِ رَبِّهِ ، فَإِنْ حَلَّ فِي غَيْبَتِهِ وَعِنْدَهُ مَا يُوَفِّي مِنْهُ وَكُلُّ مَنْ يَقْضِيهِ عَنْهُ .
( قَوْلُهُ : كَوَالِدَيْنِ إلَخْ ) هَذَا تَشْبِيهٌ فِي السُّقُوطِ ، وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ كَمَنْعِ وَالِدَيْنِ دَنِيَّةً أَيْ وَسَقَطَ الْجِهَادُ بِسَبَبِ مَرَضٍ وَنَحْوِهِ كَمَا يَسْقُطُ كُلُّ فَرْضِ كِفَايَةٍ بِمَنْعِ الْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَعَ سُكُوتِ الْآخَرِ أَوْ إجَازَتِهِ عَلَى الظَّاهِرِ ( قَوْلُهُ : بِبَحْرٍ إلَخْ ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ فَرْضُ كِفَايَةٍ أَيْ كَوَالِدَيْنِ فِي كُلِّ فَرْضٍ إذَا كَانَ السَّفَرُ لِتَحْصِيلِهِ فِي بَحْرٍ أَوْ بَرٍّ خَطِرٍ .
وَحَاصِلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ كُلَّ فَرْضِ كِفَايَةٍ لِلْوَالِدَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا الْمَنْعُ مِنْهُ إذَا كَانَ السَّفَرُ لِتَحْصِيلِهِ فِي الْبَحْرِ أَوْ الْبَرِّ الْخَطِرِ لَا إنْ كَانَ فِي بَرٍّ آمِنٍ قَالَ الشَّارِحُ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْجِهَادُ فَإِنَّ لَهَا مَنْعَ الْوَلَدِ مِنْهُ مُطْلَقًا ، وَلَوْ كَانَ السَّفَرُ لَهُ فِي بَرٍّ آمِنٍ وَيُسْتَثْنَى أَيْضًا طَلَبُ الْعِلْمِ الْكِفَائِيِّ إذَا خَلَا مَحَلُّهُمَا عَمَّنْ يُفِيدُهُ فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ لَهُ مُطْلَقًا كَانَ فِي بَحْرٍ أَوْ بَرٍّ خَطِرٍ أَوْ آمِنٍ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ مَنْ يُفِيدُهُ فَلَهُمَا الْمَنْعُ مِنْ السَّفَرِ لَهُ مُطْلَقًا وَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ مِنْ أَنَّ لِلْأَبَوَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا الْمَنْعَ مِنْ السَّفَرِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ الْكِفَائِيِّ إنْ كَانَ فِي بَلَدِهِمَا مَنْ يُفِيدُهُ ، وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ طَرِيقَةٌ لِلطُّرْطُوشِيِّ وَنَصُّهُ : وَلَوْ مَنَعَهُ أَبَوَاهُ مِنْ الْخُرُوجِ لِلْفِقْهِ وَالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَمَرَاتِبِهِ وَمَرَاتِبِ الْقِيَاسِ فَإِنْ كَانَ مَنْ يُفِيدُ ذَلِكَ مَوْجُودًا بِبَلَدِهِ لَمْ يَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِهِمَا ، وَإِلَّا خَرَجَ ، وَلَا طَاعَةَ لَهُمَا فِي مَنْعِهِ ; لِأَنَّ تَحْصِيلَ دَرَجَةِ الْمُجْتَهِدِينَ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَاعْتَرَضَ هَذَا الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ طَاعَةَ الْأَبَوَيْنِ فَرْضُ عَيْنٍ فَلَا يَسْقُطُ لِأَجْلِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَلِذَا قَالَ فِي التَّوْضِيحِ إنَّ لِلْأَبَوَيْنِ أَنْ يَمْنَعَا مِنْ فَرْضِ الْكِفَايَةِ مُطْلَقًا جِهَادًا أَوْ عِلْمًا كِفَائِيًّا أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ السَّفَرُ لِذَلِكَ فِي الْبَحْرِ أَوْ فِي الْبَرِّ الْخَطِرِ أَوْ الْمَأْمُونِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ غَازِيٍّ ، وَقَالَ صَوَابُ قَوْلِهِ : بِبَحْرٍ كَتِجَارَةِ بَحْرِ أَوْ بَرٍّ خَطَرٍ لِيَصِيرَ تَشْبِيهًا فِي الْمَنْعِ ، وَلَيْسَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْجِهَادِ ، وَأُورِدَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا وَبَيْنَ التِّجَارَةِ لِمَعَاشِهِ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهَا إذَا كَانَ السَّفَرُ لَهُمَا بِبَحْرٍ أَوْ بَرٍّ خَطِرٍ لَا بِبَرٍّ آمِنٍ .
وَأُجِيبَ بِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ لَمَّا كَانَ يَقُومُ بِهِ 176 الْغَيْرُ كَانَ لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا بِخِلَافِ التِّجَارَةِ ، وَلَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ الَّذِي لَهُمَا مَنْعُهُ مِنْهُ مُطْلَقًا حَتَّى فِي الْبَرِّ الْمَأْمُونِ خُصُوصُ الْجِهَادِ ، وَإِنْ غَيْرَهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ كَالْعِلْمِ الزَّائِدِ عَلَى الْحَاجَةِ فَهُوَ كَالتِّجَارَةِ فَلَهُمَا مَنْعُهُ مِنْ السَّفَرِ لِتَحْصِيلِهِ إذَا كَانَ لَيْسَ فِي بَلَدِهِمَا مَنْ يُفِيدُهُ حَيْثُ كَانَ السَّفَرُ فِي الْبَحْرِ أَوْ الْبَرِّ الْخَطَرِ وَإِلَّا فَلَا مَنْعَ . ا هـ . شَيْخُنَا عَدَوِيٌّ .
( قَوْلُهُ : لَا جَدٍّ ) عَطْفٌ عَلَى وَالِدَيْنِ أَيْ يَسْقُطُ فَرْضُ الْجِهَادِ بِمَنْعِ وَالِدَيْنِ لَا بِمَنْعِ جَدٍّ أَوْ جَدَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ بِرُّهُمَا وَاجِبًا فَيَسْتَرْضِيهِمَا لِيَأْذَنَا لَهُ فَإِنْ أَبَيَا خَرَجَ بِلَا إذْنٍ ( قَوْلُهُ : كَغَيْرِهِ ) أَيْ كَالْأَبِ الْمُسْلِمِ ، وَقَوْلُهُ : فَلَهُ الْمَنْعُ فِي غَيْرِهِ أَيْ فِي كُلِّ فَرْضِ كِفَايَةٍ غَيْرِهِ ( قَوْلُهُ : إلَّا لِقَرِينَةٍ تُفِيدُ الشَّفَقَةَ ) أَيْ وَإِلَّا كَانَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ الْجِهَادِ ، وَهَذَا التَّفْصِيلُ لِسَحْنُونٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمَوَّاقُ وَارْتَضَاهُ اللَّقَانِيِّ وَاَلَّذِي فِي التَّوْضِيحِ أَنَّ الْوَالِدَ الْكَافِرَ لَيْسَ لَهُ مَنْعُ وَلَدِهِ مِنْ الْجِهَادِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَلِمَ أَنَّ مَنْعَهُ كَرَاهَةُ إعَانَةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ شَفَقَةٌ عَلَيْهِ ، وَفِي كَبِيرِ خش لَوْ طَلَبَتْ أُمُّ الْمُسْلِمِ الْكَافِرَةُ حَمْلَهَا لِلْكَنِيسَةِ هَلْ يَحْمِلُهَا أَوْ لَا قَوْلَا ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ فَإِنْ طَلَبَتْ دَرَاهِمَ لِلْقِسِّيسِ فَلَا يُعْطِيهَا اتِّفَاقًا ( قَوْلُهُ : ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ) أَيْ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً فَإِذَا دُعُوا أَوَّلَ الثَّالِثِ قُوتِلُوا فِي أَوَّلِ الرَّابِعِ بَعْدَ دَعْوَتِهِمْ فِيهِ لِأَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَامْتِنَاعِهِمْ وَلَا يُدْعَوْنَ لِلْإِسْلَامِ لَا فِي بَقِيَّةِ الثَّالِثِ ، وَلَا فِي أَوَّلِ الرَّابِعِ .
( قَوْلُهُ : بَلَغَتْهُمْ الدَّعْوَةُ ) أَيْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقِيلَ إنَّهُمْ لَا يُدْعَوْنَ لِلْإِسْلَامِ أَوَّلًا إلَّا إذَا لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا مَنْ بَلَغَتْهُمْ فَلَا يُدْعَوْنَ إلَى الْإِسْلَامِ ( قَوْلُهُ : مَا لَمْ يُعَاجِلُونَا بِالْقِتَالِ ) أَيْ أَوْ يَكُونُ الْجَيْشُ قَلِيلًا ، وَمِنْ هَذَا كَانَتْ إغَارَةُ سَرَايَاهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( قَوْلُهُ : ثَمَّ جِزْيَةٌ ) أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي أَوَّلِ الْيَوْمِ الرَّابِعِ .
( قَوْلُهُ : مُتَعَلِّقٌ بِالْإِسْلَامِ وَالْجِزْيَةِ ) أَيْ أَنَّهُ مُرْتَبِطٌ بِهِمَا مَعْنًى فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ اصْطِلَاحًا بِمَحْذُوفٍ أَيْ فَإِنْ أَجَابُوا لِذَلِكَ اكْتَفَى بِهِ مِنْهُمْ إذَا كَانُوا بِمَحَلٍّ يُؤْمَنُ غَدْرُهُمْ فِيهِ لِكَوْنِهِمْ تَنَالُهُمْ فِيهِ أَحْكَامُنَا .
( قَوْلُهُ : وَإِلَّا بِأَنْ لَمْ يُجِيبُوا ) أَيْ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ ( قَوْلُهُ : قُوتِلُوا ) أَيْ أَخَذَ فِي قِتَالِهِمْ وَجَازَ قَتْلُهُمْ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ ( قَوْلُهُ : إلَّا الْمَرْأَةَ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا ) الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ مِنْ الْوَاوِ مِنْ قُوتِلُوا وَالثَّانِي مِنْ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْنَاءُ الْأَوَّلُ أَيْ فَلَا تُقْتَلُ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا ، وَفِي سَبَبِهِ أَيْ إلَّا بِسَبَبِ مُقَاتَلَتِهَا فَتُقْتَلُ حَالَ مُقَاتَلَتِهَا وَبَعْدَهُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُقْتَلُ إلَّا فِي حَالِ مُقَاتَلَتِهَا فَقَطْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ ثَمَانِيَةَ أَحْوَالٍ ; لِأَنَّهَا إمَّا أَنْ تَقْتُلَ أَحَدًا أَوْ لَا ، وَفِي كُلٍّ إمَّا أَنْ تُقَاتِلَ بِسِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَفِي كُلٍّ إمَّا إنْ تُؤْسَرَ أَوْ لَا فَإِنْ قَتَلَتْ أَحَدًا بِالْفِعْلِ جَازَ قَتْلُهَا سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَاتَلَتُهَا بِسِلَاحٍ أَوْ بِغَيْرِهِ كَالْحِجَارَةِ ، سَوَاءٌ أُسِرَتْ أَمْ لَا ، وَإِنْ لَمْ تَقْتُلْ أَحَدًا فَإِنْ قَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ كَالرِّجَالِ جَازَ قَتْلُهَا أَيْضًا أُسِرَتْ أَمْ لَا ، وَإِنْ قَاتَلَتْ بِرَمْيِ الْحِجَارَةِ فَلَا تُقْتَلُ بَعْدَ الْأَسْرِ اتِّفَاقًا ، وَلَا فِي حَالَةِ الْمُقَاتَلَةِ عَلَى الرَّاجِحِ ، وَهَاتَانِ الْحَالَتَانِ مُسْتَثْنَاتَانِ مِنْ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا فِي مُقَاتَلَتِهَا ( قَوْلُهُ : وَلَوْ بَعْدَ أَسْرِهَا ) مَا ذَكَرَهُ مِنْ جَوَازِ قَتْلِهَا بَعْدَ الْأَسْرِ إذَا قَتَلَتْ أَحَدًا ، وَقَاتَلَتْ بِالسِّلَاحِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ كَمَا قَالَ الْفَاكِهَانِيُّ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ إذَا أُسِرَتْ مُطْلَقًا وَصَحَّحَهُ ابْنُ نَاجِيٍّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ وَقِيلَ إنْ قَتَلَتْ أَحَدًا جَازَ قَتْلُهَا ، وَإِلَّا فَلَا ، اُنْظُرْ بْن .
( قَوْلُهُ : وَيَجْرِي فِيهِ مَا جَرَى فِي الْمَرْأَةِ مِنْ التَّفْصِيلِ ) أَيْ فَيَجُوزُ قَتْلُهُ فِي سِتَّةِ أَحْوَالٍ كَالْمَرْأَةِ ، وَيَمْتَنِعُ قَتْلُهُ فِي حَالَتَيْنِ ، وَهَذَا بِخِلَافِ الرَّجُلِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَتْلُهُ حَالَ الْمُقَاتَلَةِ ، وَبَعْدَ أَسْرِهِ يَتَعَيَّنُ مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ فِيهِ أَصْلَحَ كَمَا يَأْتِي . ( قَوْلُهُ : فَالْمَجْنُونُ أَوْلَى ) أَيْ إذَا كَانَ مُطْبَقًا فَإِنْ كَانَ يُفِيقُ أَحْيَانَا قُتِلَ ( قَوْلُهُ : أَيْ عَاجِزٍ ) يَعْنِي عَنْ الْقِتَالِ لِكَوْنِهِ مَرِيضًا بِإِقْعَادٍ أَوْ شَلَلٍ أَوْ فَلْجٍ أَوْ جُذَامٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ ( قَوْلُهُ : لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالنِّسَاءِ ) أَيْ ، وَأَمَّا رُهْبَانُ الْكَنَائِسِ الْمُخَالِطُونَ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ يُقْتَلُونَ ، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُمْ صَارُوا كَالنِّسَاءِ عِبَارَةُ ابْنِ عَرَفَةَ إنَّمَا نَهَى عَنْ قَتْلِهِمْ لِاعْتِزَالِهِمْ أَهْلَ دِينِهِمْ وَتَبَاعُدِهِمْ عَنْ مُحَارَبَةِ الْمُسْلِمِينَ لَا لِفَضْلِ تَرَهُّبِهِمْ بَلْ هُمْ أَبْعَدُ مِنْ اللَّهِ مِنْ غَيْرِهِمْ لِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَرَاهِبٍ ، وَأَوْلَى فِي عَدَمِ الْقَتْلِ الرَّاهِبَةُ ; لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُقْتَلُ سَوَاءٌ اُعْتُبِرَ تَرَهُّبُهَا أَوْ أُلْغِيَ 177 وَإِنَّمَا فَائِدَةُ الْخِلَافِ بَيْنَ سَحْنُونٍ وَسَمَاعِ الْقَرِينَيْنِ فِي لَغْوِ تَرَهُّبِهَا وَاعْتِبَارِهِ صَيْرُورَتَهَا حُرَّةً بِالتَّرَهُّبِ فَلَا تُسْتَرَقُّ ، وَعَدَمُ ذَلِكَ ثُمَّ إنَّ اقْتِصَارَ الْمُصَنِّفِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ السَّبْعَةِ الْمَذْكُورَةِ يُفِيدُ قَتْلَ الْأُجَرَاءِ وَالْحَرَّاثِينَ وَأَرْبَابِ الصَّنَائِعِ مِنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُ سَحْنُونٍ ، وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ بَلْ يُؤْسَرُونَ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ الْمَاجِشَونِ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ حَبِيبٍ وَحَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مَالِكٍ قَائِلًا وَهُوَ الْأَحْسَنُ ; لِأَنَّ هَؤُلَاءِ فِي أَهْلِ دِينِهِمْ كَالْمُسْتَضْعَفِينَ كَذَا فِي بْن وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ خِلَافٌ لَفْظِيٌّ فِي حَالٍ ، وَأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْمَصْلَحَةِ بِنَظَرِ الْإِمَامِ ( قَوْلُهُ : قَيَّدَ إلَخْ ) أَيْ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الشَّيْخِ الْفَانِي ، وَمَا بَعْدَهُ لَا يُقْتَلُونَ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ رَأْيٌ وَتَدْبِيرٌ فِي الْحُرُوبِ لِقَوْمِهِمْ ، وَإِلَّا قُتِلُوا وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرُ رَأْيُ الْمَرْأَةِ ; لِأَنَّ الرَّأْيَ فِي تَرْكِ رَأْيِهَا ( قَوْلُهُ : وَإِذَا لَمْ يُقْتَلُوا تُرِكَ لَهُمْ الْكِفَايَةُ ) أَيْ ، وَإِذَا لَمْ يُقْتَلُوا ، وَلَمْ يُؤْسَرُوا تَرَكَ إلَخْ ; لِأَنَّ تَرْكَ الْكِفَايَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَا يُقْتَلُ ، وَلَا يُؤْسَرُ سَوَاءٌ كَانَ لَا يَجُوزُ أَسْرُهُ كَالرَّاهِبِ أَوْ كَانَ أَسْرُهُ جَائِزًا ، وَلَكِنْ تُرِكَ مِنْ غَيْرِ أَسْرٍ كَالْبَاقِي ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ يَتْرُكُ لَهُمْ الْكِفَايَةَ فَقَطْ أَيْ لَا كُلَّ مَا لَهُمْ هُوَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُقْتَلُونَ ، وَلَا يُؤْسَرُونَ يُتْرَكُ لَهُمْ مَا يَتَمَعْيَشُونَ مِنْهُ كَالْبَقَرَةِ وَالْغُنَيْمَاتِ وَالْبَغْلَةِ وَالنُّخَيْلَاتِ وَمَا يَقُومُ بِمَعَاشِهِمْ ، وَيُؤْخَذُ الْبَاقِي أَوْ يُخَرَّبُ أَوْ يُحْرَقُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ ، وَقِيلَ يُتْرَكُ لَهُمْ أَمْوَالُهُمْ كُلُّهَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ( قَوْلُهُ : وَقُدِّمَ مَالُهُمْ ) أَيْ إنْ كَانَ لَهُمْ مَالٌ ( قَوْلُهُ : مُوَاسَاتُهُمْ ) أَيْ مِنْ مَالِهِمْ ( قَوْلُهُ : وَاسْتَغْفَرَ قَاتِلُهُمْ ) وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ كَفَّارَةٍ وَلَا دِيَةٍ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّاهِبِ وَالرَّاهِبَةِ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَا يُقْتَلُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الشَّارِحِ وَهُوَ مُفَادُ النَّقْلِ عَنْ الْبَاجِيَّ كَمَا فِي طفى وَمَا فِي خش مِنْ أَنَّ الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ يَلْزَمُ قَاتِلَهُمَا دِيَتُهُمَا لِأَهْلِ دِينِهِمَا ; لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ فَهُوَ خِلَافُ النَّقْلِ ، اُنْظُرْ حَاشِيَةَ شَيْخِنَا الْعَدَوِيِّ .
( قَوْلُهُ : إلَّا الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَسْرُهُمَا ; لِأَنَّهُمَا حُرَّانِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الْمَعْتُوهِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى فَإِنَّهُمْ وَإِنْ حَرُمَ قَتْلُهُمْ يَجُوزُ أَسْرُهُمْ ، وَيَجُوزُ تَرْكُهُمْ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ ، وَمِنْ غَيْرِ أَسْرٍ وَحِينَئِذٍ يُتْرَكُ لَهُمْ الْكِفَايَةُ كَمَا مَرَّ ( قَوْلُهُ : فَلَيْسَ عَلَى قَاتِلِهِ سِوَى الِاسْتِغْفَارِ ) أَيْ سَوَاءٌ قَتَلَهُ فِي غَيْرِ جِهَادٍ أَوْ فِي جِهَادٍ قَبْلَ أَنْ يُدْعَوْا لِلْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَقْتُولُ الْمَذْكُورُ غَيْرَ مُتَمَسِّكٍ بِكِتَابٍ أَوْ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِكِتَابٍ مُؤْمِنًا بِنَبِيِّهِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِلُزُومِ الدِّيَةِ لِقَاتِلِ هَذَا الْأَخِيرِ .
■narrator ■prophet ■place / term ■āya / ḥadīth-no ۝matn → hadith