المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الأول
( الشَّرْحُ ) : ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الْخُرَاسَانِيُّونَ فِي الْقُلَّتَيْنِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ، الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَجَمَاعَاتٌ غَيْرُهُمْ : أَنَّهُمَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ ( وَالثَّانِي ) : سِتُّمِائَةِ رِطْلٍ ، حَكَاهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ صَاحِبِ الْكَافِي ، قَالَ الْإِمَامُ : وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ ، قَالَ صَاحِبُ الْإِبَانَةِ : وَهُوَ الْأَصَحُّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ، وَكَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ هُوَ الْأَقْصَدُ ، وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَاهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ شَاذٌّ مَرْدُودٌ ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْغَزَالِيُّ بِأَبْطَلَ مِنْهُ وَأَكْثَرَ فَسَادًا فَزَعَمَ : أَنَّ الْقُلَّةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ اسْتِقْلَالِ الْبَعِيرِ ، وَذَكَرَ كَلَامًا طَوِيلًا لَا حَاصِلَ لَهُ وَلَا أَصْلَ وَلَا وَجْهَ .
( الثَّالِثُ ) : أَنَّهُمَا أَلْفُ رِطْلٍ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّيْخِ الصَّالِحِ أَبِي زَيْدٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَهُوَ شَيْخُ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : عُلِمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَرَ قِلَالَ هَجَرَ وَلَا 171 أَهْلَ عَصْرِهِ لِنَفَادِهَا ، فَاحْتَاجَ إلَى بَيَانِهَا بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ وَمُشَاهَدٌ لَهُمْ ، فَقَدَّرَهَا بِقِرَبِ الْحِجَازِ ; لِأَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ وَالْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الِاحْتِيَاطُ أَنْ تَكُونَ الْقُلَّتَانِ خَمْسَ قِرَبٍ ، ، وَهَذَا لَيْسَ تَقْلِيدًا لِابْنِ جُرَيْجٍ ، بَلْ قَبُولَ أَخْبَارِهِ ، قَالَ : وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّافِعِيُّ لِتَقْدِيرِ الْقِرَبِ بِالْأَرْطَالِ ; لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي بَلَدِهِ بِالْقِرَبِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ كَمَا اكْتَفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِلَالِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ عَنْ تَقْدِيرِهَا .
قَالَ : ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا بَعْدَ الشَّافِعِيِّ بَعُدُوا عَنْ الْحِجَازِ وَغَابَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْقِرَبُ ، وَجَهِلَ الْعَوَامُّ مِقْدَارَهَا فَاضْطُرُّوا إلَى تَقْدِيرِهَا بِالْأَرْطَالِ ، فَاخْتَبَرُوا قِرَبَ الْحِجَازِ ، ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ كُلِّ قِرْبَةٍ بِمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ .
قَالَ : وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ جَابِرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبَوَيْهِ ثُمَّ تَابَعَهُمَا سَائِرُ أَصْحَابِنَا ، فَصَارَتْ الْقُلَّتَانِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَرْطَالِ لَيْسَ هُوَ لِلشَّافِعِيِّ ، بَلْ لِأَصْحَابِهِ هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ : الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ خَمْسُ قِرَبٍ بِقِرَبِ الْحِجَازِ ، قَالَ : وَرَأَيْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَحْكِي عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : خَمْسُ قِرَبٍ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ ، وَكَذَا نَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ : حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ : أَنَّهُ شَاهَدَ الْقِرَبَ ، وَأَنَّ الْقِرْبَةَ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقِرْبَةَ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ .
هَذَا حَدُّ الْقُلَّةِ فِي الشَّرْعِ ، وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هِيَ شِبْهُ جُبٍّ يَسَعُ جِرَارًا ، سُمِّيَتْ قُلَّةً ; لِأَنَّ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ يُقِلُّهَا أَيْ يَحْمِلُهَا ، وَكُلُّ شَيْءٍ حَمَلْتَهُ فَقَدْ أَقْلَلْتَهُ ، قَالَ : وَالْقِلَالُ مُخْتَلِفَةٌ بِالْقُرَى الْعَرَبِيَّةِ ، وَقِلَالُ هَجَرَ مِنْ أَكْبَرِهَا . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : رُوِيَ فِي الْخَبَرِ بِقِلَالِ هَجَرَ ، يَعْنِي : الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ { إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا } ، هَكَذَا رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الشَّافِعِيُّ ، فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ ، وَهَجَرُ هَذِهِ 172 بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ ، وَلَيْسَتْ هَجَرَ الْبَحْرَيْنِ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ حَالَ هَجَرَ هَذِهِ ، وَتِلْكَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : كَانَ ابْتِدَاءُ عَمَلِ هَذِهِ الْقِلَالِ بِهَجَرَ ، فَنُسِبَتْ إلَيْهَا ثُمَّ عُمِلَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَبَقِيَتْ النِّسْبَةُ عَلَى مَا كَانَتْ ، كَمَا يُقَالُ : ثِيَابٌ مَرْوَزِيَّةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ تُعْمَلُ بِبَغْدَادَ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قِلَالُ هَجَرَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ ، لَا تَخْتَلِفُ كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الْمَكَايِيلُ وَالصِّيعَانُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى الْبُلْدَانِ ، قَالَ : وَقِلَالُ هَجَرَ أَكْبَرُهَا وَأَشْهَرُهَا ; لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقَعُ بِالْمَجْهُولِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ : قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ صَاحِبُ الْخِلَافِ : سَأَلْتُ قَوْمًا مِنْ ثِقَاتِ هَجَرَ فَذَكَرُوا : أَنَّ الْقِلَالَ بِهَا لَا تَخْتَلِفُ ، وَقَالُوا : قَايَسْنَا قُلَّتَيْنِ فَوَجَدْنَاهُمَا خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ ، أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا ، فَهُوَ شَكٌّ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَدْرِ كُلِّ قُلَّةٍ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا التَّقْسِيمَ ، وَيَحْتَمِلُ الشَّكَّ ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْقُلَّةِ مَجْهُولَةَ الْقَدْرِ لِاخْتِلَافِهَا ، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ تَقْدِيرٌ ، فَالصَّوَابُ : أَنَّهُ لِلشَّكِّ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ ، مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَخَلَائِقُ ، وَهُوَ مُوَافِقُ لِمَا سَبَقَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ وَعَنْ نَقْلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ : أَنَّ هَذِهِ الْقِلَالَ مُتَسَاوِيَةٌ ، وَكَذَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجَعَلُوا هَذَا جَوَابًا عَنْ اعْتِرَاضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَوْلُهُمْ الْقِلَالُ تَخْتَلِفُ فَقَالُوا : بَلْ هِيَ مُتَّفِقَةٌ كَمَا سَبَقَ ، وَبِالضَّرُورَةِ نَقْطَعُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَضْبِطُ بِمُبْهَمٍ مَجْهُولٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ ضَبْطٌ بَلْ شَكٌّ وَنِزَاعٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الرِّطْلُ فَيُقَالُ : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ الْكَسْرُ أَفْصَحُ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَيَكُونُ الرِّطْلُ كَيْلًا وَوَزْنًا ، وَاخْتَلَفُوا فِي رِطْلِ بَغْدَادَ ، فَقِيلَ : مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ 173 دِرْهَمًا بِدَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ ، وَقِيلَ : مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَقِيلَ : مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَهِيَ تِسْعُونَ مِثْقَالًا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَوْسُقِ ، وَمُخْتَصَرُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ . وَفِي بَغْدَادَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ : إحْدَاهَا بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ . وَالثَّانِيَةُ : بِإِهْمَالِ الْأُولَى وَإِعْجَامِ الثَّانِيَةِ ، وَالثَّالِثَةُ : بَغْدَانُ بِالنُّونِ وَالرَّابِعَةُ مَغْدَانُ أَوَّلُهَا مِيمٌ ، ذَكَرَهُنَّ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَآخَرُونَ ، وَحَكَوْهَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَتُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ فَيُقَالُ : هَذَا بَغْدَادُ وَهَذِهِ بَغْدَادُ ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ : وَمَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ الصَّنَمِ ، وَقِيلَ : بُسْتَانُ الصَّنَمِ .
قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ : الْفُقَهَاءُ يَكْرَهُونَ تَسْمِيَتَهَا بَغْدَادَ مِنْ أَجْلِ هَذَا ، وَسَمَّاهَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ مَدِينَةُ السَّلَامِ ; لِأَنَّ دِجْلَةَ كَانَ يُقَالُ لَهَا : وَادِي السَّلَامِ وَيُقَالُ : لَهَا الزَّوْرَاءُ أَيْضًا ، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا ، وَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى هَذِهِ الْأَحْرُفِ هُنَا لِتَكَرُّرِهَا فِي الْكِتَابِ وَسَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : هَلْ ذَلِكَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، فَالْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَصَحِّهِمَا ، فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْأَصْحَابُ : الْأَصَحُّ التَّحْدِيدُ ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ وَالرُّويَانِيُّ وَابْنُ كَجٍّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَصَحَّحَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ ، وَمِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي : هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ غَيْرَ أَبِي إِسْحَاقَ وَدَلِيلُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ ، وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ : التَّقْرِيبُ .
فَإِنْ قُلْنَا : تَحْدِيدٌ . فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ نَقَصَ مَا نَقَصَ نَجِسَ الْمَاءُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ قُلْنَا : تَقْرِيبٌ لَمْ يَضُرَّ النَّقْصُ الْقَلِيلُ ، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِيهِ وَيَجْمَعُهَا أَوْجُهٌ : أَحَدُهَا : لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ وَيَضُرُّ مَا زَادَ ، وَهَذَا ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي التَّجْرِيدِ وَآخَرِينَ ، وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ، وَالثَّانِي : لَا يَضُرُّ نَقْصُ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ وَيَضُرُّ مَا زَادَ ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ . وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ .
وَالثَّالِثُ : لَا يَضُرُّ نَقْصُ ثَلَاثَةٍ وَمَا قَارَبَهَا ، قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ . وَالرَّابِعُ : لَا يَضُرُّ 174 نَقْصُ مِائَةِ رِطْلٍ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي شَكَّ فِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَهَذَا قَوْلُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ حَكَاهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي ، وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي . قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ بَعِيدٌ جِدًّا وَلَيْسَ بَيَانًا لِلتَّقْرِيبِ ، وَكَأَنَّهُ رَدَّ الْقُلَّتَيْنِ إلَى أَرْبَعِمِائَةِ رِطْلٍ وَطَرَحَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَلَسْتُ أَعُدُّ كَلَامَهُ هَذَا مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ . وَالْخَامِسُ : اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ : أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ قَدْرٍ لَا يَظْهَرُ بِنَقْصِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِمِقْدَارٍ مُغَيِّرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : التَّقْدِيرُ بِالْأَرْطَالِ رُجُوعٌ إلَى التَّحْدِيدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ تَحْدِيدًا ، فَهُوَ غَيْرُ التَّحْدِيدِ الَّذِي قَالَهُ الْقَائِلُ بِالتَّحْدِيدِ وَنَفَاهُ الْقَائِلُ بِالتَّقْرِيبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ التَّحْدِيدَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ هُوَ التَّحْدِيدُ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ وَهَذَا غَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِهِ : لِأَنَّ الشَّيْءَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ فِي الْعَادَةِ ، فَمَعْنَاهُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ : أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِيمَا إذَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ دُونَ النِّصْفِ وَاحِدٌ وَشَيْءٌ ، فَإِنْ كَانَ الزَّائِدُ نِصْفًا قَالُوا : وَاحِدٌ وَنِصْفٌ فَإِنْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ قَالُوا : اثْنَانِ إلَّا شَيْئًا فَيَسْتَعْمِلُونَ الشَّيْءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي دُونِ النِّصْفِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَمَّا وَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ نِصْفًا احْتِيَاطًا وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ احْتِيَاطًا لِغَسْلِ الْوَجْهِ صَارَ فَرْضًا ، فَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَذَكَرُوا مِثْلَهُ وُجُوبَ إمْسَاكِ لَحْظَةٍ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى الصَّائِمِ لِتَيَقُّنِ اسْتِيفَاءِ النَّهَارِ .
وَالْفَرْقُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالتَّقْرِيبِ : أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَجْهِ مُحَقَّقٌ وُجُوبُهُ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ .
وَهُنَا لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ الشَّيْءَ نِصْفٌ لِيَتَعَيَّنَ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَجَعَلْنَاهُ نِصْفًا احْتِيَاطًا ، وَالِاحْتِيَاطُ لَا يَجِبُ .
( فَرْعٌ ) ابْنُ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورُ بِجِيمَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى جَدِّهِ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَكِّيُّ أَبُو الْوَلِيدِ ، وَيُقَالُ أَبُو خَالِدٍ مِنْ كِبَارِ تَابِعِ التَّابِعِينَ ، وَمِنْ جُلَّةِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَفُضَلَاءِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي سِلْسِلَةِ الْفِقْهِ 175 وَسِلْسِلَتِي مُتَّصِلَةٌ بِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي أَوَّلِ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي خَالِدٍ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزِّنْجِيِّ إمَامِ أَهْلِ مَكَّةَ وَمُفْتِيهِمْ ، وَتَفَقَّهَ الزِّنْجِيُّ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَطَاءٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَى جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا كُلَّهُ فِي التَّهْذِيبِ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْكُتُبَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : ابْنُ جُرَيْجٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : إحْدَى وَخَمْسِينَ ، وَقِيلَ : تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَقِيلَ : سِتِّينَ ، وَقَدْ جَاوَزَ مِائَةَ سَنَةٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ بَسَطْتُ وَفَضْلَهُ فِي التَّهْذِيبِ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ : قَدْرُ الْقُلَّتَيْنِ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ فِي ذِرَاعٍ وَرُبُعٍ طُولًا وَعَرْضًا فِي عُمْقِ ذِرَاعٍ وَرُبُعٍ ، وَهَذَا حَسَنٌ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَتِهِ .
( فَرْعٌ ) لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ أَمْ لَا ؟ فَقَدْ قَطَعَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْحُسَيْنِ الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ ، قَالُوا : لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْقُلَّةُ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَظْهَرُهُمَا عِنْدَهُمَا : هَذَا ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ طَاهِرٌ ، قُلْتُ : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ : وَلَا يَصِحُّ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ أَصْلَ الْمَاءِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَشَكَكْنَا فِي الْمُنَجِّسِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } فَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلَّا مَا تَحَقَّقْنَاهُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا : لَوْ رَأَى كَلْبًا وَضَعَ رَأْسَهُ فِي مَاءٍ هُوَ قُلَّتَانِ فَقَطْ وَشَكَّ هَلْ شَرِبَ مِنْهُ فَنَقَصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ أَمْ لَا ، فَهُوَ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) أَمَّا غَيْرُ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرَّطَبَاتِ فَيَنْجَسُ بِمُلَاقَاةِ 176 النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ بَلَغَتْ قِلَالًا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَسَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَحَاصِلُهُ : أَنَّهُ لَا يَشُقُّ حِفْظُ الْمَائِعِ مِنْ النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ كَثُرَ بِخِلَافِ كَثِيرِ الْمَاءِ .
( فَرْعٌ ) قَدْ سَبَقَ وَجْهَانِ فِي أَنَّ تَقْدِيرَ الْقُلَّتَيْنِ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ هَلْ هُوَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ ؟ وَلَهُمَا نَظَائِرُ مِنْهَا سِنُّ الْحَيْضِ تِسْعُ سِنِينَ وَالْمَسَافَةُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَمَسَافَةُ الْقَصْرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا ، وَنِصَابُ الْمُعْشِرَاتِ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ ، فَفِي كُلِّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا : تَقْرِيبٌ ، وَالثَّانِي : تَحْدِيدٌ ، وَسَتَأْتِي مَبْسُوطَةً فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاعْلَمْ : أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ ، ( ضَرْبٌ ) : تَقْدِيرُهُ لِلتَّحْدِيدِ بِلَا خِلَافٍ ( وَضَرْبٌ ) : لِلتَّقْرِيبِ بِلَا خِلَافٍ ( وَضَرْبٌ ) : فِيهِ خِلَافٌ ، فَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ هَذِهِ الصُّورَةُ السَّابِقَةُ ، وَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ تَقْرِيبٌ فَسِنُّ الرَّقِيقِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِأَنْ أَسْلَمَ فِي عَبْدٍ سِنُّهُ عَشْرُ سِنِينَ فَيَسْتَحِقُّ ابْنَ عَشْرٍ تَقْرِيبًا ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي سِنِّ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ ; لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَحْصِيلُ ابْنِ عَشْرٍ بِالْأَوْصَافِ الْمَشْرُوطَةِ ، حَتَّى لَوْ شَرَطَ أَلَّا يَزِيدَ عَلَى عَشْرٍ وَلَا يَنْقُصَ ، لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ تَحْدِيدٌ فَكَثِيرٌ جِدًّا ، فَمِنْهُ تَقْدِيرُ مُدَّةِ مَسْحِ الْخُفِّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَضَرًا وَثَلَاثَةٍ سَفَرًا ، وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثٍ ، وَغَسْلِ وُلُوغِ الْكَلْبِ بِسَبْعٍ ، وَانْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِأَرْبَعِينَ ، وَنُصُبِ زَكَاةِ النَّعَمِ وَالنَّقْدِ وَالْعُرُوضِ وَالْمُعْشِرَاتِ ، وَتَقْدِيرُ الْأَسْنَانِ الْمَأْخُوذَةِ فِي الزَّكَاةِ كَبِنْتِ مَخَاضٍ بِسَنَةٍ وَنَظَائِرِهَا وَسِنِّ الْأُضْحِيَّةِ ، وَالْأَوْسُقِ الْخَمْسَةِ فِي الْعَرَايَا إذَا جَوَّزْنَاهَا فِي خَمْسَةٍ ، وَالْآجَالِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ وَتَغْرِيبِ الزَّانِي وَانْتِظَارِ الْمَوْلَى وَالْعِنِّينِ ، وَمُدَّةِ الرَّضَاعِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ كَحَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَنِصَابِ السَّرِقَةِ رُبُعَ دِينَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا تَحْدِيدٌ .
وَسَبَبُهُ : أَنَّ هَذِهِ الْمُقَدَّرَاتِ مَنْصُوصَةٌ وَلِتَقْدِيرِهَا حِكْمَةٌ ، فَلَا يَسُوغُ مُخَالَفَتُهَا ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَسَبَبُهُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِالِاجْتِهَادِ إذْ لَمْ يَجِئْ نَصٌّ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ ، وَمَا قَارَبَ الْمُقَدَّرَ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى مِثْلُهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الثَّالِثُ ) : أَنَّهُمَا أَلْفُ رِطْلٍ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّيْخِ الصَّالِحِ أَبِي زَيْدٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَهُوَ شَيْخُ الْقَفَّالِ الْمَرْوَزِيِّ ، قَالَ صَاحِبُ الْحَاوِي : عُلِمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَرَ قِلَالَ هَجَرَ وَلَا 171 أَهْلَ عَصْرِهِ لِنَفَادِهَا ، فَاحْتَاجَ إلَى بَيَانِهَا بِمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ وَمُشَاهَدٌ لَهُمْ ، فَقَدَّرَهَا بِقِرَبِ الْحِجَازِ ; لِأَنَّهَا مُتَمَاثِلَةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ وَالْقُلَّةُ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الِاحْتِيَاطُ أَنْ تَكُونَ الْقُلَّتَانِ خَمْسَ قِرَبٍ ، ، وَهَذَا لَيْسَ تَقْلِيدًا لِابْنِ جُرَيْجٍ ، بَلْ قَبُولَ أَخْبَارِهِ ، قَالَ : وَلَمْ يَتَعَرَّضْ الشَّافِعِيُّ لِتَقْدِيرِ الْقِرَبِ بِالْأَرْطَالِ ; لِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِمَعْرِفَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ فِي بَلَدِهِ بِالْقِرَبِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ كَمَا اكْتَفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِلَالِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَهُمْ عَنْ تَقْدِيرِهَا .
قَالَ : ثُمَّ إنَّ أَصْحَابَنَا بَعْدَ الشَّافِعِيِّ بَعُدُوا عَنْ الْحِجَازِ وَغَابَتْ عَنْهُمْ تِلْكَ الْقِرَبُ ، وَجَهِلَ الْعَوَامُّ مِقْدَارَهَا فَاضْطُرُّوا إلَى تَقْدِيرِهَا بِالْأَرْطَالِ ، فَاخْتَبَرُوا قِرَبَ الْحِجَازِ ، ثُمَّ اتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ كُلِّ قِرْبَةٍ بِمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ .
قَالَ : وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ قَدَّرَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا إبْرَاهِيمَ بْنَ جَابِرٍ ، وَأَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبَوَيْهِ ثُمَّ تَابَعَهُمَا سَائِرُ أَصْحَابِنَا ، فَصَارَتْ الْقُلَّتَانِ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ عِنْدَ جَمِيعِ أَصْحَابِنَا ، هَذَا كَلَامُ صَاحِبِ الْحَاوِي ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ التَّقْدِيرَ بِالْأَرْطَالِ لَيْسَ هُوَ لِلشَّافِعِيِّ ، بَلْ لِأَصْحَابِهِ هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الْجُمْهُورُ .
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ : الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ، فِي جَمِيعِ كُتُبِهِ خَمْسُ قِرَبٍ بِقِرَبِ الْحِجَازِ ، قَالَ : وَرَأَيْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَحْكِي عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : خَمْسُ قِرَبٍ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ ، وَكَذَا نَقَلَ الْبَنْدَنِيجِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا خَمْسُمِائَةِ رِطْلٍ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ : حَكَى أَبُو إِسْحَاقَ : أَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ : أَنَّهُ شَاهَدَ الْقِرَبَ ، وَأَنَّ الْقِرْبَةَ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْقِرْبَةَ تَسَعُ مِائَةَ رِطْلٍ .
هَذَا حَدُّ الْقُلَّةِ فِي الشَّرْعِ ، وَأَمَّا فِي اللُّغَةِ فَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : هِيَ شِبْهُ جُبٍّ يَسَعُ جِرَارًا ، سُمِّيَتْ قُلَّةً ; لِأَنَّ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ يُقِلُّهَا أَيْ يَحْمِلُهَا ، وَكُلُّ شَيْءٍ حَمَلْتَهُ فَقَدْ أَقْلَلْتَهُ ، قَالَ : وَالْقِلَالُ مُخْتَلِفَةٌ بِالْقُرَى الْعَرَبِيَّةِ ، وَقِلَالُ هَجَرَ مِنْ أَكْبَرِهَا . وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ : رُوِيَ فِي الْخَبَرِ بِقِلَالِ هَجَرَ ، يَعْنِي : الْخَبَرَ الْمَذْكُورَ { إذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا } ، هَكَذَا رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الشَّافِعِيُّ ، فِي الْأُمِّ وَمُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكَبِيرِ ، وَهَجَرُ هَذِهِ 172 بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالْجِيمِ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ ، وَلَيْسَتْ هَجَرَ الْبَحْرَيْنِ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ حَالَ هَجَرَ هَذِهِ ، وَتِلْكَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا : كَانَ ابْتِدَاءُ عَمَلِ هَذِهِ الْقِلَالِ بِهَجَرَ ، فَنُسِبَتْ إلَيْهَا ثُمَّ عُمِلَتْ فِي الْمَدِينَةِ فَبَقِيَتْ النِّسْبَةُ عَلَى مَا كَانَتْ ، كَمَا يُقَالُ : ثِيَابٌ مَرْوَزِيَّةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ تُعْمَلُ بِبَغْدَادَ .
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : قِلَالُ هَجَرَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ ، لَا تَخْتَلِفُ كَمَا لَا تَخْتَلِفُ الْمَكَايِيلُ وَالصِّيعَانُ الْمَنْسُوبَةُ إلَى الْبُلْدَانِ ، قَالَ : وَقِلَالُ هَجَرَ أَكْبَرُهَا وَأَشْهَرُهَا ; لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَقَعُ بِالْمَجْهُولِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي تَعْلِيقِهِ : قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ صَاحِبُ الْخِلَافِ : سَأَلْتُ قَوْمًا مِنْ ثِقَاتِ هَجَرَ فَذَكَرُوا : أَنَّ الْقِلَالَ بِهَا لَا تَخْتَلِفُ ، وَقَالُوا : قَايَسْنَا قُلَّتَيْنِ فَوَجَدْنَاهُمَا خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَرَأَيْتُ الْقُلَّةَ تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ ، أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا ، فَهُوَ شَكٌّ مِنْ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَدْرِ كُلِّ قُلَّةٍ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَأَمَّا قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي عَمْرِو بْنِ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ : أَوْ قِرْبَتَيْنِ وَشَيْئًا التَّقْسِيمَ ، وَيَحْتَمِلُ الشَّكَّ ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي كَوْنَ الْقُلَّةِ مَجْهُولَةَ الْقَدْرِ لِاخْتِلَافِهَا ، وَحِينَئِذٍ لَا يَحْصُلُ تَقْدِيرٌ ، فَالصَّوَابُ : أَنَّهُ لِلشَّكِّ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ ، مِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَخَلَائِقُ ، وَهُوَ مُوَافِقُ لِمَا سَبَقَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ وَعَنْ نَقْلِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ : أَنَّ هَذِهِ الْقِلَالَ مُتَسَاوِيَةٌ ، وَكَذَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا وَجَعَلُوا هَذَا جَوَابًا عَنْ اعْتِرَاضِ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَوْلُهُمْ الْقِلَالُ تَخْتَلِفُ فَقَالُوا : بَلْ هِيَ مُتَّفِقَةٌ كَمَا سَبَقَ ، وَبِالضَّرُورَةِ نَقْطَعُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَضْبِطُ بِمُبْهَمٍ مَجْهُولٍ لَا يَحْصُلُ بِهِ ضَبْطٌ بَلْ شَكٌّ وَنِزَاعٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الرِّطْلُ فَيُقَالُ : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ الْكَسْرُ أَفْصَحُ ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : وَيَكُونُ الرِّطْلُ كَيْلًا وَوَزْنًا ، وَاخْتَلَفُوا فِي رِطْلِ بَغْدَادَ ، فَقِيلَ : مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ 173 دِرْهَمًا بِدَرَاهِمِ الْإِسْلَامِ ، وَقِيلَ : مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ ، وَقِيلَ : مِائَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ دِرْهَمٍ ، وَهِيَ تِسْعُونَ مِثْقَالًا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي زَكَاةِ النَّبَاتِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَوْسُقِ ، وَمُخْتَصَرُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ . وَفِي بَغْدَادَ أَرْبَعُ لُغَاتٍ : إحْدَاهَا بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ . وَالثَّانِيَةُ : بِإِهْمَالِ الْأُولَى وَإِعْجَامِ الثَّانِيَةِ ، وَالثَّالِثَةُ : بَغْدَانُ بِالنُّونِ وَالرَّابِعَةُ مَغْدَانُ أَوَّلُهَا مِيمٌ ، ذَكَرَهُنَّ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ الْفَصِيحِ وَابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَآخَرُونَ ، وَحَكَوْهَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَبِي زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ اللُّغَوِيِّ وَهُوَ مِنْ تَلَامِيذِ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : وَتُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ فَيُقَالُ : هَذَا بَغْدَادُ وَهَذِهِ بَغْدَادُ ، وَقَالُوا كُلُّهُمْ : وَمَعْنَاهَا بِالْعَرَبِيَّةِ عَطِيَّةُ الصَّنَمِ ، وَقِيلَ : بُسْتَانُ الصَّنَمِ .
قَالَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَأَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ : الْفُقَهَاءُ يَكْرَهُونَ تَسْمِيَتَهَا بَغْدَادَ مِنْ أَجْلِ هَذَا ، وَسَمَّاهَا أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ مَدِينَةُ السَّلَامِ ; لِأَنَّ دِجْلَةَ كَانَ يُقَالُ لَهَا : وَادِي السَّلَامِ وَيُقَالُ : لَهَا الزَّوْرَاءُ أَيْضًا ، وَقَدْ ذَكَرْتُهَا فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ أَبْسَطَ مِنْ هَذَا ، وَدَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى هَذِهِ الْأَحْرُفِ هُنَا لِتَكَرُّرِهَا فِي الْكِتَابِ وَسَائِرِ كُتُبِ الْعِلْمِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : هَلْ ذَلِكَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، فَالْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَصَحِّهِمَا ، فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ الْأَصْحَابُ : الْأَصَحُّ التَّحْدِيدُ ، وَصَحَّحَهُ أَيْضًا الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبُ وَالرُّويَانِيُّ وَابْنُ كَجٍّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَصَحَّحَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ تَقْرِيبٌ ، وَمِنْهُمْ الْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ قَالَ الْمُتَوَلِّي : هُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ غَيْرَ أَبِي إِسْحَاقَ وَدَلِيلُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْكِتَابِ ، وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ : التَّقْرِيبُ .
فَإِنْ قُلْنَا : تَحْدِيدٌ . فَقَالَ أَصْحَابُنَا : لَوْ نَقَصَ مَا نَقَصَ نَجِسَ الْمَاءُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ قُلْنَا : تَقْرِيبٌ لَمْ يَضُرَّ النَّقْصُ الْقَلِيلُ ، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِيهِ وَيَجْمَعُهَا أَوْجُهٌ : أَحَدُهَا : لَا يَضُرُّ نَقْصُ رِطْلَيْنِ وَيَضُرُّ مَا زَادَ ، وَهَذَا ظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ وَالْمَحَامِلِيِّ فِي التَّجْرِيدِ وَآخَرِينَ ، وَنَقَلَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ ، وَالثَّانِي : لَا يَضُرُّ نَقْصُ ثَلَاثَةِ أَرْطَالٍ وَيَضُرُّ مَا زَادَ ، حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُ . وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيّ .
وَالثَّالِثُ : لَا يَضُرُّ نَقْصُ ثَلَاثَةٍ وَمَا قَارَبَهَا ، قَالَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمَجْمُوعِ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَآخَرُونَ . وَالرَّابِعُ : لَا يَضُرُّ 174 نَقْصُ مِائَةِ رِطْلٍ وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي شَكَّ فِيهِ ابْنُ جُرَيْجٍ ، وَهَذَا قَوْلُ صَاحِبِ التَّقْرِيبِ حَكَاهُ عَنْهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْمُتَوَلِّي ، وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي . قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ بَعِيدٌ جِدًّا وَلَيْسَ بَيَانًا لِلتَّقْرِيبِ ، وَكَأَنَّهُ رَدَّ الْقُلَّتَيْنِ إلَى أَرْبَعِمِائَةِ رِطْلٍ وَطَرَحَ الْمَشْكُوكَ فِيهِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَلَسْتُ أَعُدُّ كَلَامَهُ هَذَا مِنْ الْمَذْهَبِ وَإِنَّمَا هُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ . وَالْخَامِسُ : اخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَجَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ : أَنَّهُ لَا يَضُرُّ نَقْصُ قَدْرٍ لَا يَظْهَرُ بِنَقْصِهِ تَفَاوُتٌ فِي التَّغَيُّرِ بِمِقْدَارٍ مُغَيِّرٍ مُعَيَّنٍ مِنْ زَعْفَرَانٍ أَوْ نَحْوِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : التَّقْدِيرُ بِالْأَرْطَالِ رُجُوعٌ إلَى التَّحْدِيدِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْغَزَالِيُّ ، فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ تَحْدِيدًا ، فَهُوَ غَيْرُ التَّحْدِيدِ الَّذِي قَالَهُ الْقَائِلُ بِالتَّحْدِيدِ وَنَفَاهُ الْقَائِلُ بِالتَّقْرِيبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ التَّحْدِيدَ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ هُوَ التَّحْدِيدُ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ وَهَذَا غَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي تَعْلِيلِهِ : لِأَنَّ الشَّيْءَ يُسْتَعْمَلُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ فِي الْعَادَةِ ، فَمَعْنَاهُ مَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ : أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِيمَا إذَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ دُونَ النِّصْفِ وَاحِدٌ وَشَيْءٌ ، فَإِنْ كَانَ الزَّائِدُ نِصْفًا قَالُوا : وَاحِدٌ وَنِصْفٌ فَإِنْ زَادَ عَلَى النِّصْفِ قَالُوا : اثْنَانِ إلَّا شَيْئًا فَيَسْتَعْمِلُونَ الشَّيْءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي دُونِ النِّصْفِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَمَّا وَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ نِصْفًا احْتِيَاطًا وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ غَسْلُ شَيْءٍ مِنْ الرَّأْسِ احْتِيَاطًا لِغَسْلِ الْوَجْهِ صَارَ فَرْضًا ، فَكَذَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا وَذَكَرُوا مِثْلَهُ وُجُوبَ إمْسَاكِ لَحْظَةٍ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى الصَّائِمِ لِتَيَقُّنِ اسْتِيفَاءِ النَّهَارِ .
وَالْفَرْقُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِالتَّقْرِيبِ : أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْوَجْهِ مُحَقَّقٌ وُجُوبُهُ ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِجُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ ، وَمَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ .
وَهُنَا لَمْ يَتَيَقَّنْ أَنَّ الشَّيْءَ نِصْفٌ لِيَتَعَيَّنَ اسْتِيفَاؤُهُ ، وَجَعَلْنَاهُ نِصْفًا احْتِيَاطًا ، وَالِاحْتِيَاطُ لَا يَجِبُ .
( فَرْعٌ ) ابْنُ جُرَيْجٍ الْمَذْكُورُ بِجِيمَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى جَدِّهِ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَكِّيُّ أَبُو الْوَلِيدِ ، وَيُقَالُ أَبُو خَالِدٍ مِنْ كِبَارِ تَابِعِ التَّابِعِينَ ، وَمِنْ جُلَّةِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَفُضَلَاءِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي سِلْسِلَةِ الْفِقْهِ 175 وَسِلْسِلَتِي مُتَّصِلَةٌ بِهِ بِحَمْدِ اللَّهِ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُهَا فِي أَوَّلِ تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَفَقَّهَ عَلَى أَبِي خَالِدٍ مُسْلِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزِّنْجِيِّ إمَامِ أَهْلِ مَكَّةَ وَمُفْتِيهِمْ ، وَتَفَقَّهَ الزِّنْجِيُّ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَطَاءٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَعَلَى جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَوْضَحْتُ هَذَا كُلَّهُ فِي التَّهْذِيبِ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ الْكُتُبَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : ابْنُ جُرَيْجٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْحِجَازِ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ : إحْدَى وَخَمْسِينَ ، وَقِيلَ : تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَقِيلَ : سِتِّينَ ، وَقَدْ جَاوَزَ مِائَةَ سَنَةٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ بَسَطْتُ وَفَضْلَهُ فِي التَّهْذِيبِ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ : قَدْرُ الْقُلَّتَيْنِ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ ذِرَاعٌ وَرُبُعٌ فِي ذِرَاعٍ وَرُبُعٍ طُولًا وَعَرْضًا فِي عُمْقِ ذِرَاعٍ وَرُبُعٍ ، وَهَذَا حَسَنٌ تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَى مَعْرِفَتِهِ .
( فَرْعٌ ) لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ نَجَاسَةٌ وَشَكَّ هَلْ هُوَ قُلَّتَانِ أَمْ لَا ؟ فَقَدْ قَطَعَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ الْحُسَيْنِ الصَّيْمَرِيُّ وَصَاحِبُهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ بِأَنَّهُ يُحْكَمُ بِنَجَاسَتِهِ ، قَالُوا : لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْقُلَّةُ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ فِيهِ احْتِمَالَانِ أَظْهَرُهُمَا عِنْدَهُمَا : هَذَا ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ طَاهِرٌ ، قُلْتُ : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الصَّوَابُ : وَلَا يَصِحُّ غَيْرُهُ ; لِأَنَّ أَصْلَ الْمَاءِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَشَكَكْنَا فِي الْمُنَجِّسِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ النَّجَاسَةِ التَّنْجِيسُ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } فَلَا يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْعُمُومِ إلَّا مَا تَحَقَّقْنَاهُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا : لَوْ رَأَى كَلْبًا وَضَعَ رَأْسَهُ فِي مَاءٍ هُوَ قُلَّتَانِ فَقَطْ وَشَكَّ هَلْ شَرِبَ مِنْهُ فَنَقَصَ عَنْ قُلَّتَيْنِ أَمْ لَا ، فَهُوَ طَاهِرٌ بِلَا خِلَافٍ عَمَلًا بِالْأَصْلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) أَمَّا غَيْرُ الْمَاءِ مِنْ الْمَائِعَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الرَّطَبَاتِ فَيَنْجَسُ بِمُلَاقَاةِ 176 النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ بَلَغَتْ قِلَالًا ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِأَحَدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَسَبَقَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَحَاصِلُهُ : أَنَّهُ لَا يَشُقُّ حِفْظُ الْمَائِعِ مِنْ النَّجَاسَةِ ، وَإِنْ كَثُرَ بِخِلَافِ كَثِيرِ الْمَاءِ .
( فَرْعٌ ) قَدْ سَبَقَ وَجْهَانِ فِي أَنَّ تَقْدِيرَ الْقُلَّتَيْنِ بِخَمْسِمِائَةِ رِطْلٍ هَلْ هُوَ تَحْدِيدٌ أَوْ تَقْرِيبٌ ؟ وَلَهُمَا نَظَائِرُ مِنْهَا سِنُّ الْحَيْضِ تِسْعُ سِنِينَ وَالْمَسَافَةُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ ثَلَثُمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَمَسَافَةُ الْقَصْرِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا ، وَنِصَابُ الْمُعْشِرَاتِ أَلْفٌ وَسِتُّمِائَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ ، فَفِي كُلِّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا : تَقْرِيبٌ ، وَالثَّانِي : تَحْدِيدٌ ، وَسَتَأْتِي مَبْسُوطَةً فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَاعْلَمْ : أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ ، ( ضَرْبٌ ) : تَقْدِيرُهُ لِلتَّحْدِيدِ بِلَا خِلَافٍ ( وَضَرْبٌ ) : لِلتَّقْرِيبِ بِلَا خِلَافٍ ( وَضَرْبٌ ) : فِيهِ خِلَافٌ ، فَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ هَذِهِ الصُّورَةُ السَّابِقَةُ ، وَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ تَقْرِيبٌ فَسِنُّ الرَّقِيقِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِأَنْ أَسْلَمَ فِي عَبْدٍ سِنُّهُ عَشْرُ سِنِينَ فَيَسْتَحِقُّ ابْنَ عَشْرٍ تَقْرِيبًا ، وَكَذَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي سِنِّ ابْنِ عَشْرِ سِنِينَ ; لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ تَحْصِيلُ ابْنِ عَشْرٍ بِالْأَوْصَافِ الْمَشْرُوطَةِ ، حَتَّى لَوْ شَرَطَ أَلَّا يَزِيدَ عَلَى عَشْرٍ وَلَا يَنْقُصَ ، لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ ، ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ ، وَأَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى أَنَّهُ تَحْدِيدٌ فَكَثِيرٌ جِدًّا ، فَمِنْهُ تَقْدِيرُ مُدَّةِ مَسْحِ الْخُفِّ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ حَضَرًا وَثَلَاثَةٍ سَفَرًا ، وَأَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ بِثَلَاثٍ ، وَغَسْلِ وُلُوغِ الْكَلْبِ بِسَبْعٍ ، وَانْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِأَرْبَعِينَ ، وَنُصُبِ زَكَاةِ النَّعَمِ وَالنَّقْدِ وَالْعُرُوضِ وَالْمُعْشِرَاتِ ، وَتَقْدِيرُ الْأَسْنَانِ الْمَأْخُوذَةِ فِي الزَّكَاةِ كَبِنْتِ مَخَاضٍ بِسَنَةٍ وَنَظَائِرِهَا وَسِنِّ الْأُضْحِيَّةِ ، وَالْأَوْسُقِ الْخَمْسَةِ فِي الْعَرَايَا إذَا جَوَّزْنَاهَا فِي خَمْسَةٍ ، وَالْآجَالِ فِي حَوْلِ الزَّكَاةِ وَالْجِزْيَةِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ وَتَغْرِيبِ الزَّانِي وَانْتِظَارِ الْمَوْلَى وَالْعِنِّينِ ، وَمُدَّةِ الرَّضَاعِ وَمَقَادِيرِ الْحُدُودِ كَحَدِّ الزِّنَا وَالْقَذْفِ فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَنِصَابِ السَّرِقَةِ رُبُعَ دِينَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا تَحْدِيدٌ .
وَسَبَبُهُ : أَنَّ هَذِهِ الْمُقَدَّرَاتِ مَنْصُوصَةٌ وَلِتَقْدِيرِهَا حِكْمَةٌ ، فَلَا يَسُوغُ مُخَالَفَتُهَا ، وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَسَبَبُهُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِالِاجْتِهَادِ إذْ لَمْ يَجِئْ نَصٌّ صَحِيحٌ فِي ذَلِكَ ، وَمَا قَارَبَ الْمُقَدَّرَ فَهُوَ فِي الْمَعْنَى مِثْلُهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith