المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء السادس
95 فَرْعٌ ) قَالَ أَصْحَابُنَا : فِي الْوَاجِبِ مِنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْمُجْزِئَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ، أَصَحُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ : غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ ، مِمَّنْ صَحَّحَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي " التَّحْرِيرِ " وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ ، وَقَطَعَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمُخْتَصَرَاتِ ، وَنَقَلَهُ الْمَحَامِلِيُّ فِي " الْمَجْمُوعِ " وَصَاحِبُ " الْبَيَانِ " عَنْ جُمْهُورِ الْأَصْحَابِ ، وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ تَصْحِيحَهُ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) : أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ قُوتُ نَفْسِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي " الْمُخْتَصَرِ " وَ " الْأُمِّ " ; لِأَنَّهُ قَالَ : أَدَّى مِمَّا يَقْتَاتُهُ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبَوَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْهُ ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْهُ ، وَعَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَصْحِيحِ الْأَوَّلِ ، وَتَأَوَّلُوا النَّصَّ عَلَى مَا إذَا كَانَ قُوتُهُ قُوتَ الْبَلَدِ ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْعَادَةِ .
( وَالثَّالِثُ ) : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَقْوَاتِ فَيُخْرِجُ مَا شَاءَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قُوتِهِ وَغَيْرَ قُوتِ أَهْلِ بَلَدِهِ ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَهَذَا الثَّالِثُ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَجْهًا ، وَحَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " الْمُجَرَّدِ " اخْتِيَارًا لِنَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ أَنَّ الْمَذْهَبَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا : ( فَإِنْ قُلْنَا ) : يُعْتَبَرُ قُوتُ الْبَلَدِ أَوْ قُوتُ نَفْسِهِ ، فَعَدَلَ إلَى مَا دُونَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ بِالِاتِّفَاقِ ، وَوَقَعَ فِي " التَّنْبِيهِ " وَ " الْحَاوِي " وَ " الْمُجَرَّدِ " لِلْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهَا : أَنَّهُ إذَا عَدَلَ إلَى مَا دُونَهُ فَفِي إجْزَائِهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَهَذَا النَّقْلُ مُؤَوَّلٌ وَاَلَّذِينَ أَطْلَقُوهُ لَمْ يَذْكُرُوا فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ إلَّا وَجْهَيْنِ .
( أَحَدُهُمَا ) : يَجِبُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِهِ .
( وَالثَّانِي ) : يَجِبُ مِنْ قُوتِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالُوا : فَإِنْ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَى أَدْنَى مِنْهُ ، فَفِي إجْزَائِهِ قَوْلَانِ ، وَمُرَادُهُمْ : 96 الْقَوْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يَقُولُ : هُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَاتِ ، فَكَأَنَّهُمْ تَرَكُوا ذِكْرَ هَذَا الْقَوْلِ أَوَّلًا ثُمَّ نَبَّهُوا عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الَّذِينَ ذَكَرُوا فِي الْوَاجِبِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا التَّخْيِيرُ ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا قُلْنَا : الْوَاجِبُ قُوتُهُ أَوْ قُوتُ الْبَلَدِ ، فَعَدَلَ إلَى دُونِهِ لَا يُجْزِئُهُ قَوْلًا وَاحِدًا ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ ، وَأَنَّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ بَعْضُهَا مَنْصُوصٌ لِلشَّافِعِيِّ ( أَصَحُّهَا ) : الْوَاجِبُ غَالِبُ قُوتِ بَلَدِهِ .
( وَالثَّانِي ) : قُوتُ نَفْسِهِ .
( وَالثَّالِثُ ) : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَقْوَاتِ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ لَمْ يُتَصَوَّرْ الْعُدُولُ إلَى مَا دُونَ الْوَاجِبِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَعَيُّنِ قُوتِهِ أَوْ قُوتِ بَلَدِهِ ، فَعَدَلَ إلَى مَا دُونَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلَا خِلَافٍ ، أَمَّا إذَا عَدَلَ إلَى أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ فَيُجْزِئُهُ وَهُوَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا .
هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إلَّا صَاحِبَ " الْحَاوِي " ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي إجْزَاءِ الْأَعْلَى وَجْهَيْنِ .
( أَحَدُهُمَا ) : قَالَ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ : يُجْزِئُهُ ، كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنٌّ مِنْ الْمَاشِيَةِ فَأَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا .
( وَالثَّانِي ) : لَا يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ غَيَّرَ الْوَاجِبَ ، كَمَنْ أَخْرَجَ حِنْطَةً عَنْ شَعِيرٍ اسْتَغَلَّهُ أَوْ دَنَانِيرَ عَنْ دَرَاهِمَ أَوْ بَقَرَةً عَنْ شَاةٍ وَنَظَائِرَهُ ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الْحِنْطَةَ لَا تُجْزِئُ عَنْ الشَّعِيرِ وَلَا الدَّنَانِيرَ عَنْ الدَّرَاهِمِ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الزَّكَاةِ ، بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ فَإِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ فِي وَقْتٍ قُوتُهُ أَوْ قُوتُ بَلَدِهِ جِنْسًا ثُمَّ يَصِيرُ غَيْرَهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِيمَا يُعْتَبَرُ بِهِ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ .
( أَصَحُّهُمَا ) : الِاعْتِبَارُ بِزِيَادَةِ صَلَاحِيَتِهِ لِلِاقْتِيَاتِ .
( وَالثَّانِي ) : زِيَادَةُ الْقِيمَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَقْوَاتِ وَالْبِلَادِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : إلَّا أَنْ يُعْتَبَرَ زِيَادَةُ الْقِيمَةِ فِي الْأَكْثَرِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ أَصْحَابُنَا : الْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ الشَّعِيرِ بِلَا خِلَافٍ ، قَالَ الْجُمْهُورُ : وَالْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ .
وَقَالَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " فِي الْبُرِّ وَالتَّمْرِ 97 وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا .
( أَحَدُهُمَا ) : التَّمْرُ أَفْضَلُ وَخَيْرٌ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخْرِجُ مِنْهُ ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ : وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ ، ( وَالثَّانِي ) : قَالَ : وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ الْبُرُّ أَفْضَلُ ، قَالَ : وَلَوْ قِيلَ : إنَّ أَفْضَلَهُمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ ، لَكَانَ مُتَّجَهًا ، هَذَا كَلَامُهُ ، وَالْمَشْهُورُ : تَرْجِيحُ الْبُرِّ مُطْلَقًا ، وَالْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ الْأُرْزِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَفِي التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَجْهَانِ .
( أَحَدُهُمَا ) : وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ تَرْجِيحُ التَّمْرِ ، ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْبَغَوِيِّ : تَرْجِيحُ الشَّعِيرِ ، وَهَذَا أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاقْتِيَاتِ ، وَتَرَدَّدَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَفِي الزَّبِيبِ وَالشَّعِيرِ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ ؟ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَالْأَشْبَهُ تَقْدِيمُ التَّمْرِ عَلَى الزَّبِيبِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ هُوَ الصَّوَابُ الْمُتَعَيَّنُ ، وَالصَّوَابُ : تَقْدِيمُ الشَّعِيرِ عَلَى الزَّبِيبِ ، وَإِذَا قُلْنَا : الْمُعْتَبَرُ قُوتُ نَفْسِهِ كَانَ يَلِيقُ بِهِ الْبُرُّ ، وَهُوَ يَقْتَاتُ الشَّعِيرَ بُخْلًا لَزِمَهُ الْبُرُّ بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنْ كَانَ يَلِيقُ بِهِ الشَّعِيرُ وَهُوَ يَقْتَاتُ الْبُرَّ ( تَنَعُّمًا ) فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ ، هَكَذَا وَجْهَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَحَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلَيْنِ : ( أَصَحُّهُمَا ) : يُجْزِئُهُ الشَّعِيرُ .
( وَالثَّانِي ) : تَتَعَيَّنُ الْحِنْطَةُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا أَوْجَبْنَا غَالِبَ قُوتِ الْبَلَدِ فَكَانُوا يَقْتَاتُونَ أَجْنَاسًا لَا غَالِبَ فِيهَا ، أَخْرَجَ مَا شَاءَ مِنْهَا ، وَالْأَفْضَلُ : أَعْلَاهَا ، هَكَذَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَجَزَمُوا بِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا قُلْنَا : الْمُعْتَبَرُ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ : قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْوَسِيطِ " : الْمُعْتَبَرُ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ وَقْتَ وُجُوبِ الْفِطْرِ لَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَقَالَ فِي " الْوَجِيزِ " : غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ يَوْمَ الْعِيدِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ( قُلْتُ ) : هَذَا النَّقْلُ غَرِيبٌ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَالصَّوَابُ : أَنَّ الْمُرَادَ قُوتُ السَّنَةِ ، كَمَا سَنُوضِحُهُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( فَرْعٌ ) إذَا اعْتَبَرْنَا قُوتَ الْبَلَدِ وَقُوتَ نَفْسِهِ ، فَكَانَ الْقُوتُ 98 مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الْأَقْوَاتِ ، فَفِي بَعْضِهَا يَقْتَاتُونَ أَوْ يَقْتَاتُ جِنْسًا ، وَفِي بَعْضِهَا جِنْسًا آخَرَ ، قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي " الْأَمَالِي " : إنْ أَخْرَجَ مِنْ عَلَى الْأَعْلَى أَجْزَأَهُ وَكَانَ أَفْضَلَ ، وَإِنْ اقْتَصَدَ وَأَخْرَجَ مِنْ الْأَدْنَى فَقَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : لَا يُجْزِئُهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ . وَأَصَحُّهُمَا : يُجْزِئُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ ; وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى مُخْرَجًا مِنْ قُوتِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ قُوتِهِ .
( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) : أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ قُوتُ نَفْسِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي " الْمُخْتَصَرِ " وَ " الْأُمِّ " ; لِأَنَّهُ قَالَ : أَدَّى مِمَّا يَقْتَاتُهُ وَبِهَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدِ بْنُ حَرْبَوَيْهِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ عَنْهُ ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْهُ ، وَعَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَطَائِفَةٌ قَلِيلَةٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَصْحِيحِ الْأَوَّلِ ، وَتَأَوَّلُوا النَّصَّ عَلَى مَا إذَا كَانَ قُوتُهُ قُوتَ الْبَلَدِ ، كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِي الْعَادَةِ .
( وَالثَّالِثُ ) : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَقْوَاتِ فَيُخْرِجُ مَا شَاءَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ قُوتِهِ وَغَيْرَ قُوتِ أَهْلِ بَلَدِهِ ، لِظَاهِرِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَهَذَا الثَّالِثُ حَكَاهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ وَجْهًا ، وَحَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : نَصَّ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي " الْمُجَرَّدِ " اخْتِيَارًا لِنَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ أَنَّ الْمَذْهَبَ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ .
قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا : ( فَإِنْ قُلْنَا ) : يُعْتَبَرُ قُوتُ الْبَلَدِ أَوْ قُوتُ نَفْسِهِ ، فَعَدَلَ إلَى مَا دُونَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ بِالِاتِّفَاقِ ، وَوَقَعَ فِي " التَّنْبِيهِ " وَ " الْحَاوِي " وَ " الْمُجَرَّدِ " لِلْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَغَيْرِهَا : أَنَّهُ إذَا عَدَلَ إلَى مَا دُونَهُ فَفِي إجْزَائِهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ ، وَهَذَا النَّقْلُ مُؤَوَّلٌ وَاَلَّذِينَ أَطْلَقُوهُ لَمْ يَذْكُرُوا فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ إلَّا وَجْهَيْنِ .
( أَحَدُهُمَا ) : يَجِبُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ بَلَدِهِ .
( وَالثَّانِي ) : يَجِبُ مِنْ قُوتِ نَفْسِهِ ، ثُمَّ قَالُوا : فَإِنْ عَدَلَ عَنْ الْوَاجِبِ إلَى أَدْنَى مِنْهُ ، فَفِي إجْزَائِهِ قَوْلَانِ ، وَمُرَادُهُمْ : 96 الْقَوْلُ الثَّالِثُ الَّذِي يَقُولُ : هُوَ مُخَيَّرٌ فِي جَمِيعِ الْأَقْوَاتِ ، فَكَأَنَّهُمْ تَرَكُوا ذِكْرَ هَذَا الْقَوْلِ أَوَّلًا ثُمَّ نَبَّهُوا عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الَّذِينَ ذَكَرُوا فِي الْوَاجِبِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا التَّخْيِيرُ ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إذَا قُلْنَا : الْوَاجِبُ قُوتُهُ أَوْ قُوتُ الْبَلَدِ ، فَعَدَلَ إلَى دُونِهِ لَا يُجْزِئُهُ قَوْلًا وَاحِدًا ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَصْحَابِ ، وَأَنَّ فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ بَعْضُهَا مَنْصُوصٌ لِلشَّافِعِيِّ ( أَصَحُّهَا ) : الْوَاجِبُ غَالِبُ قُوتِ بَلَدِهِ .
( وَالثَّانِي ) : قُوتُ نَفْسِهِ .
( وَالثَّالِثُ ) : يَتَخَيَّرُ بَيْنَ جَمِيعِ الْأَقْوَاتِ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالتَّخْيِيرِ لَمْ يُتَصَوَّرْ الْعُدُولُ إلَى مَا دُونَ الْوَاجِبِ ، وَإِنْ قُلْنَا بِتَعَيُّنِ قُوتِهِ أَوْ قُوتِ بَلَدِهِ ، فَعَدَلَ إلَى مَا دُونَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ بِلَا خِلَافٍ ، أَمَّا إذَا عَدَلَ إلَى أَعْلَى مِنْ الْوَاجِبِ فَيُجْزِئُهُ وَهُوَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ زَادَ خَيْرًا .
هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ إلَّا صَاحِبَ " الْحَاوِي " ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِي إجْزَاءِ الْأَعْلَى وَجْهَيْنِ .
( أَحَدُهُمَا ) : قَالَ وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ : يُجْزِئُهُ ، كَمَا لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِ سِنٌّ مِنْ الْمَاشِيَةِ فَأَخْرَجَ أَعْلَى مِنْهَا .
( وَالثَّانِي ) : لَا يُجْزِئُهُ ; لِأَنَّهُ غَيَّرَ الْوَاجِبَ ، كَمَنْ أَخْرَجَ حِنْطَةً عَنْ شَعِيرٍ اسْتَغَلَّهُ أَوْ دَنَانِيرَ عَنْ دَرَاهِمَ أَوْ بَقَرَةً عَنْ شَاةٍ وَنَظَائِرَهُ ، وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ : أَنَّ الْحِنْطَةَ لَا تُجْزِئُ عَنْ الشَّعِيرِ وَلَا الدَّنَانِيرَ عَنْ الدَّرَاهِمِ فِي حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الزَّكَاةِ ، بِخِلَافِ الْفِطْرَةِ فَإِنَّ الشَّخْصَ الْوَاحِدَ قَدْ يَكُونُ فِي وَقْتٍ قُوتُهُ أَوْ قُوتُ بَلَدِهِ جِنْسًا ثُمَّ يَصِيرُ غَيْرَهُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَفِيمَا يُعْتَبَرُ بِهِ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ .
( أَصَحُّهُمَا ) : الِاعْتِبَارُ بِزِيَادَةِ صَلَاحِيَتِهِ لِلِاقْتِيَاتِ .
( وَالثَّانِي ) : زِيَادَةُ الْقِيمَةِ ، فَعَلَى هَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَقْوَاتِ وَالْبِلَادِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : إلَّا أَنْ يُعْتَبَرَ زِيَادَةُ الْقِيمَةِ فِي الْأَكْثَرِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ قَالَ أَصْحَابُنَا : الْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ الشَّعِيرِ بِلَا خِلَافٍ ، قَالَ الْجُمْهُورُ : وَالْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ .
وَقَالَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " فِي الْبُرِّ وَالتَّمْرِ 97 وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا .
( أَحَدُهُمَا ) : التَّمْرُ أَفْضَلُ وَخَيْرٌ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُخْرِجُ مِنْهُ ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، قَالَ : وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ ، ( وَالثَّانِي ) : قَالَ : وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ الْبُرُّ أَفْضَلُ ، قَالَ : وَلَوْ قِيلَ : إنَّ أَفْضَلَهُمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبِلَادِ ، لَكَانَ مُتَّجَهًا ، هَذَا كَلَامُهُ ، وَالْمَشْهُورُ : تَرْجِيحُ الْبُرِّ مُطْلَقًا ، وَالْبُرُّ خَيْرٌ مِنْ الْأُرْزِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَفِي التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَجْهَانِ .
( أَحَدُهُمَا ) : وَهُوَ قَوْلُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ تَرْجِيحُ التَّمْرِ ، ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْبَغَوِيِّ : تَرْجِيحُ الشَّعِيرِ ، وَهَذَا أَصَحُّ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الِاقْتِيَاتِ ، وَتَرَدَّدَ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ ، وَفِي الزَّبِيبِ وَالشَّعِيرِ أَيُّهُمَا أَرْجَحُ ؟ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَالْأَشْبَهُ تَقْدِيمُ التَّمْرِ عَلَى الزَّبِيبِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ هُوَ الصَّوَابُ الْمُتَعَيَّنُ ، وَالصَّوَابُ : تَقْدِيمُ الشَّعِيرِ عَلَى الزَّبِيبِ ، وَإِذَا قُلْنَا : الْمُعْتَبَرُ قُوتُ نَفْسِهِ كَانَ يَلِيقُ بِهِ الْبُرُّ ، وَهُوَ يَقْتَاتُ الشَّعِيرَ بُخْلًا لَزِمَهُ الْبُرُّ بِالِاتِّفَاقِ ، وَإِنْ كَانَ يَلِيقُ بِهِ الشَّعِيرُ وَهُوَ يَقْتَاتُ الْبُرَّ ( تَنَعُّمًا ) فَوَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ ، هَكَذَا وَجْهَيْنِ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَحَكَاهُمَا إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَوْلَيْنِ : ( أَصَحُّهُمَا ) : يُجْزِئُهُ الشَّعِيرُ .
( وَالثَّانِي ) : تَتَعَيَّنُ الْحِنْطَةُ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا أَوْجَبْنَا غَالِبَ قُوتِ الْبَلَدِ فَكَانُوا يَقْتَاتُونَ أَجْنَاسًا لَا غَالِبَ فِيهَا ، أَخْرَجَ مَا شَاءَ مِنْهَا ، وَالْأَفْضَلُ : أَعْلَاهَا ، هَكَذَا نَقَلَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ وَجَزَمُوا بِهِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) إذَا قُلْنَا : الْمُعْتَبَرُ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ : قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي " الْوَسِيطِ " : الْمُعْتَبَرُ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ وَقْتَ وُجُوبِ الْفِطْرِ لَا فِي جَمِيعِ السَّنَةِ ، وَقَالَ فِي " الْوَجِيزِ " : غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ يَوْمَ الْعِيدِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : هَذَا الَّذِي قَالَهُ لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ ( قُلْتُ ) : هَذَا النَّقْلُ غَرِيبٌ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَالصَّوَابُ : أَنَّ الْمُرَادَ قُوتُ السَّنَةِ ، كَمَا سَنُوضِحُهُ فِي الْفَرْعِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
( فَرْعٌ ) إذَا اعْتَبَرْنَا قُوتَ الْبَلَدِ وَقُوتَ نَفْسِهِ ، فَكَانَ الْقُوتُ 98 مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ الْأَقْوَاتِ ، فَفِي بَعْضِهَا يَقْتَاتُونَ أَوْ يَقْتَاتُ جِنْسًا ، وَفِي بَعْضِهَا جِنْسًا آخَرَ ، قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي " الْأَمَالِي " : إنْ أَخْرَجَ مِنْ عَلَى الْأَعْلَى أَجْزَأَهُ وَكَانَ أَفْضَلَ ، وَإِنْ اقْتَصَدَ وَأَخْرَجَ مِنْ الْأَدْنَى فَقَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : لَا يُجْزِئُهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ . وَأَصَحُّهُمَا : يُجْزِئُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ ; وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى مُخْرَجًا مِنْ قُوتِ الْبَلَدِ أَوْ مِنْ قُوتِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث