المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الثامن
الصفحة 4840 · ص. المطبوع 145 · الشرح
( الشَّرْحُ ) أَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَسَبَقَ فِي فَصْلِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَمِمَّا فِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ۝ لَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَذَهَبَتْ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَحَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَحَدِيثُ أُسَامَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ " إلَى آخِرِهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بِالْمُزْدَلِفَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ مِنْ رِوَايَةِ جَمَاعَاتٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو أَيُّوبَ 145 الْأَنْصَارِيُّ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَجَابِرٌ ، وَكُلُّ رِوَايَاتِهِمْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ إلَّا جَابِرًا فَفِي مُسْلِمٍ خَاصَّةً . وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ۝ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ } فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ قَرِيبًا فِي الْمَسْأَلَةِ السَّادِسَةِ فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ جَابِر { ۝ نَحَرْتُ هَاهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ . وَوَقَفْت هَاهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَجَمْعٌ هِيَ الْمُزْدَلِفَةُ وَسَنُوَضِّحُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا حَدِيثُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فِي لَقْطِ الْحَصَيَاتِ فَصَحِيحٌ ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ ، وَهُوَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادَيْنِ صَحِيحَيْنِ ، إسْنَادِ النَّسَائِيّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ ، لَكِنَّهُمَا رَوَيَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُطْلَقًا ، وَظَاهِرُ رِوَايَتِهِمَا أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ لَا الْفَضْلُ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي الْأَطْرَافِ فِي مُسْنَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ فِي مُسْنَدِ الْفَضْلِ ، وَالْجَمِيعُ صَحِيحٌ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فَيَكُونُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَصَلَهُ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ ، وَأَرْسَلَهُ فِي رِوَايَتَيْ النَّسَائِيّ وَابْنِ مَاجَهْ ، وَهُوَ مُرْسَلُ صَحَابِيٍّ وَهُوَ حُجَّةٌ لَوْ لَمْ يُعْرَفْ الْمُرْسَلُ عَنْهُ ، فَإِذَا عُرِفَ فَأَوْلَى بِالِاحْتِجَاجِ وَالِاعْتِمَادِ ، وَقَدْ عُرِفَ هُنَا أَنَّهُ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ هُوَ ابْنُ مَسْعُودٍ { ۝ مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةً إلَّا لِمِيقَاتِهَا } إلَى آخِرِهِ ، فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَقَوْلُهُ " فِي الصُّبْحِ قَبْلَ مِيقَاتِهَا " أَيْ قَبْلَ مِيقَاتِهَا الْمُعْتَادِ فِي بَاقِي الْأَيَّامِ وَكَانَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ عَقِبَ طُلُوعِ الْفَجْرِ . 146 وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي الْوُقُوفِ بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِهِ الْوَاقِعِ هُنَا ، وَهُوَ بَعْضٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ . وَأَمَّا حَدِيثُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِمَعْنَاهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ سَوْدَةَ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَأَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ الَّذِي بَعْدَهُ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَأَمَّا لُغَاتُ الْفَصْلِ وَأَلْفَاظُهُ ) فَالْمُزْدَلِفَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ . قَالَ الْأَزْهَرِيُّ : سُمِيَتْ بِذَلِكَ مِنْ التَّزَلُّفِ وَالِازْدِلَافِ ، وَهُوَ التَّقَرُّبُ ; لِأَنَّ الْحُجَّاجَ إذَا أَفَاضُوا مِنْ عَرَفَاتٍ ازْدَلَفُوا إلَيْهَا أَيْ مَضَوْا إلَيْهَا وَتَقَرَّبُوا مِنْهَا . وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمَجِيءِ النَّاسِ إلَيْهَا فِي زُلَفٍ مِنْ اللَّيْلِ أَيْ سَاعَاتٍ ، وَسُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَةُ جَمْعًا - بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ - سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ بِهَا .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلَّهَا مِنْ الْحَرَمِ . قَالَ الْأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمَاوَرْدِيُّ صَاحِبُ الْحَاوِي فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ : حَدُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَا بَيْنَ وَادِي مُحَسِّرٍ وَمَأْزِمَيْ عَرَفَةَ ، وَلَيْسَ الْحَدَّانِ مِنْهَا ، وَيَدْخُلُ فِي الْمُزْدَلِفَةِ جَمِيعُ تِلْكَ الشِّعَابِ الْقَوَابِلِ وَالظَّوَاهِرِ ، وَالْجِبَالِ الدَّاخِلَةِ فِي الْحَدِّ الْمَذْكُورِ . وَأَمَّا وَادِي مُحَسِّرٍ فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَبِالرَّاءِ ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ فِيلَ أَصْحَابِ الْفِيلِ حُسِّرَ فِيهِ ، أَيْ أَعْيَا وَكَلَّ عَنْ السَّيْرِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { يَنْقَلِبْ إلَيْك الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } وَوَادِي مُحَسِّرٍ مَوْضِعٌ فَاصِلٌ بَيْنَ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ ، وَلَيْسَ مِنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا . قَالَ الْأَزْرَقِيُّ : وَادِي مُحَسِّرٍ خَمْسُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا . وَأَمَّا مِنًى فَبِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَيَجُوزُ فِيهَا الصَّرْفُ وَعَدَمُهُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ ، وَالْأَجْوَدُ الصَّرْفُ . وَجَزَمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ بِأَنَّهَا 147 لَا تُصْرَفُ ، وَجَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ بِأَنَّ مِنًى مُذَكَّرٌ مَصْرُوفٌ . وَقَالَ الْعُلَمَاءُ : سُمِّيَتْ مِنًى لِمَا يُمْنَى فِيهَا مِنْ الدِّمَاءِ ، أَيْ يُرَاقُ وَيُصَبُّ . هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالتَّوَارِيخِ وَغَيْرِهِمْ وَنَقَلَ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ آدَمَ لَمَّا أَرَادَ مُفَارَقَةَ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : تَمَنَّ ، قَالَ : أَتَمَنَّى الْجَنَّةَ . وَقِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ : مَنَى اللَّهُ الشَّيْءَ أَيْ قَدَّرَهُ . فَسُمِّيَتْ مِنًى ، لِمَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ الشَّعَائِرِ فِيهَا . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : قَالَ يُونُسُ : يُقَال امْتَنَى الْقَوْمُ إذَا أَتَوْا مِنًى ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ يُقَالُ أَمْنَى الْقَوْمُ أَتَوْا مِنًى . وَاعْلَمْ أَنَّ مِنًى مِنْ الْحَرَمِ وَهِيَ شِعْبٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) ثَبِيرٌ ( وَالْآخَرُ ) الصَّانِعُ ، قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَأَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْمَذْهَبِ : حَدُّ مِنًى مَا بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَوَادِي مُحَسِّرٍ ، وَلَيْسَتْ الْجَمْرَةُ وَلَا وَادِي مُحَسِّرٍ مِنْ مِنًى . قَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْأَصْحَابُ : مَا أَقْبَلَ عَلَى مِنًى مِنْ الْجِبَالِ فَهُوَ مِنْهَا ، وَمَا أَدْبَرَ فَلَيْسَ مِنْهَا . قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَغَيْرُهُ : ذَرْعُ مَا بَيْنَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَمُحَسِّرٍ سَبْعَةُ آلَافِ ذِرَاعٍ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ ، قَالَ الْأَزْرَقِيُّ : وَعَرْضُ مِنًى مِنْ مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يَلِي الْجِبَالَ إلَى الْجَبَلِ بِحِذَائِهِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ ، وَمِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ إلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى أَرْبَعُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَسَبْعٌ وَثَمَانُونَ ذِرَاعًا وَنِصْفُ ذِرَاعٍ ، وَمِنْ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى إلَى الْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَخَمْسَةُ أَذْرُعٍ ، وَمِنْ الْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ إلَى أَوْسَطِ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى مَسَافَةَ فَرْسَخٍ ، هُوَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ . وَمِنْ مِنًى 148 إلَى مُزْدَلِفَةَ فَرْسَخٌ ، وَمِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى عَرَفَاتٍ فَرْسَخٌ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ : بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى فَرْسَخَانِ ، وَالصَّوَابُ فَرْسَخٌ فَقَطْ . كَذَا قَالَهُ الْأَزْرَقِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ فِي هَذَا الْفَنِّ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ فَبِفَتْحِ الْمِيمِ . هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ . وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ . قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : وَيَجُوزُ كَسْرُ الْمِيمِ لَكِنْ لَمْ يَرِدْ إلَّا بِالْفَتْحِ . وَحَكَى الْجَوْهَرِيُّ الْكَسْرَ . وَمَعْنَى الْحَرَامِ الْمُحَرَّمُ أَيْ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الصَّيْدُ وَغَيْرُهُ . فَإِنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ذَا الْحُرْمَةِ . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ . هَلْ هُوَ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا أَمْ بَعْضُهَا . وَهُوَ قُزَحُ خَاصَّةً . وَسَنُوَضِّحُ الْخِلَافَ فِيهِ قَرِيبًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ الْعُلَمَاءُ : سُمِّيَ مَشْعَرًا لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّعَائِرِ ، وَهِيَ مَعَالِمُ الدِّينِ وَطَاعَةُ اللَّهِ تَعَالَى . قَوْلُهُ ( فَإِذَا وَجَدَ فُرْجَةً ) وَهِيَ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا . وَيُقَالُ فُرْجٌ بِلَا هَاءٍ ثَلَاثُ لُغَاتٍ سَبَقَ بَيَانُهَا فِي مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ . وَقَوْلُهُ " يَسِيرُ الْعَنَقَ " بِفَتْحِ النُّونِ وَهُوَ ضَرْبٌ مَعْرُوفٌ مِنْ السَّيْرِ فِيهِ إسْرَاعٌ يَسِيرٌ ، " وَالنَّصُّ " بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، أَكْثَرُ مِنْ الْعَنَقِ . قَوْلُهُ ( لِأَنَّهُ نُسُكٌ مَقْصُودٌ فِي مَوْضِعِهِ فَكَانَ وَاجِبًا كَالرَّمْيِ ) احْتَرَزَ عَنْ الرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ فَإِنَّهُمَا تَابِعَانِ لِلطَّوَافِ ، وَكَذَا صَلَاةُ الطَّوَافِ وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ وَنَحْوِهِ وَلَكِنَّهُ يَنْتَقِضُ بِالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ ، وَبِطَوَافِ الْقُدُومِ ، وَبِالْخُطَبِ وَالتَّلْبِيَةِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اُلْقُطْ لِي حَصًى " هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ قَوْلُهُ { ۝ وَيُصَلِّي الصُّبْحَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَيُقَدِّمُهَا أَفْضَلَ تَقْدِيمٍ } أَيْ أَكْثَرَ مَا يُمْكِنُهُ مِنْ التَّقْدِيمِ ، وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَوَّلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ ، قَوْلُهُ " وَقَفَ عَلَى قُزَحَ " هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَهُوَ جَبَلٌ مَعْرُوفٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ قَوْلُهُ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ ، هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَبِالْمَدِّ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ شَاةٌ قَصْوَاءُ وَنَاقَةٌ قَصْوَاءُ إذَا قُطِعَ مِنْ أُذُنِهَا شَيْءٌ لَا يُجَاوِزُ الرُّبُعَ ، فَإِنْ جَاوَزَ فَهِيَ عَضْبَاءُ ، قَالَ الْعُلَمَاءُ : 149 لَمْ تَكُنْ نَاقَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقْطُوعًا مِنْ أُذُنِهَا شَيْءٌ ، قَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ : قَالَ الدَّرَاوَرْدِيُّ إنَّمَا قِيلَ لَهَا الْقَصْوَاءُ لِأَنَّهَا كَانَتْ لَا تَكَادُ تُسْبَقُ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ يُقَالُ شَاةٌ قَصْوَاءُ وَنَاقَةٌ قَصْوَاءُ ، وَلَا يُقَالُ جَمَلٌ أَقْصَى ، وَإِنَّمَا يُقَالُ مَقْصُوٌّ وَمَقْصِيٌّ ، كَمَا يُقَالُ امْرَأَةٌ حَسْنَاءُ ، وَلَا يُقَالُ رَجُلٌ أَحْسَنُ ، وَكَانَ يُقَالُ لِهَذِهِ النَّاقَةِ : الْقَصْوَاءُ وَالْقَصِيُّ وَالْجَدْعَا قَالَ الْعُلَمَاءُ : هِيَ اسْمٌ لِنَاقَةٍ وَاحِدَةٍ وَقِيلَ : هُنَّ ثَلَاثٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَوْلُهُ " رَقِيَ عَلَى الْمَشْعَرِ " هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ ، وَسَبَقَ بَيَانُهُ قَرِيبًا . قَوْلُهُ " حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا " هُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ جُيِّدَ ، وَمَعْنَاهُ إسْفَارًا ظَاهِرًا . قَوْلُهُ " امْرَأَةً ثَبْطَةً " هِيَ بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ بَاءٍ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ أَيْ ثَقِيلَةَ الْبَدَنِ جَسِيمَةً ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسَائِلُ ( إحْدَاهَا ) وَهِيَ مُقَدِّمَةٌ لِمَا بَعْدَهَا فِي بَيَانِ حَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي سَبَقَ الْوَعْدُ بِهِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَافِعٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { ۝ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ فَقَالَ : هَذِهِ عَرَفَةُ ، وَهُوَ الْمَوْقِفُ ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، ثُمَّ أَفَاضَ حِينَ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ عَلَى هِينَتِهِ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ وَيَقُولُ : أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ السَّكِينَةَ ، ثُمَّ أَتَى جَمْعًا فَصَلَّى بِهِمْ الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى قُزَحَ وَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ : هَذَا قُزَحُ وَهُوَ الْمَوْقِفُ ، وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ ، ثُمَّ أَفَاضَ حَتَّى انْتَهَى إلَى وَادِي مُحَسِّرٍ فَقَرَعَ نَاقَتَهُ فَخَبَّتْ حَتَّى جَازَ الْوَادِيَ فَوَقَفَ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ ثُمَّ أَتَى الْجَمْرَةَ فَرَمَاهَا ، ثُمَّ أَتَى الْمَنْحَرَ فَقَالَ هَذَا الْمَنْحَرُ وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ ، وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمَ فَقَالَتْ : إنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَقَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ فِي الْحَجِّ أَفَيُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ ، قَالَ : حُجِّي عَنْ أَبِيكِ ، وَلَوَى عُنُقَ الْفَضْلِ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكَ ؟ قَالَ رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنْ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا . وَأَتَاهُ 150 رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ أَوْ أُقَصِّرَ . قَالَ احْلِقْ وَلَا حَرَجَ . قَالَ : وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، قَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ ، قَالَ ثُمَّ أَتَى الْبَيْتَ فَطَافَ بِهِ ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ فَقَالَ : يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ عَلَيْهِ النَّاسُ لَنَزَعْتُهُ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَقَالَ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُخْتَصَرًا وَفِي رِوَايَتِهِ { ۝ وَالنَّاسُ يَضْرِبُونَ يَمِينًا وَشِمَالًا لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ } . ( الثَّانِيَةُ ) السُّنَّةُ لِلْإِمَامِ إذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَتَحَقَّقَ غُرُوبُهَا أَنْ يُفِيضَ مِنْ عَرَفَاتٍ ، وَيُفِيضَ النَّاسُ مَعَهُ ، وَأَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ بِنِيَّةِ الْجَمْعِ إلَى الْعِشَاءِ ، وَيُكْثِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّلْبِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ } { كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا } .
( الثَّالِثَةُ ) السُّنَّةُ أَنْ يَسْلُكَ فِي ذَهَابِهِ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ ، وَهُوَ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا حَدُّ الْحَرَمِ مِنْ تِلْكَ النَّاحِيَةِ ، وَالْمَأْزِمُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ هُوَ الطَّرِيقُ بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ وَجَمِيعُ الْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ يُسَنُّ الذَّهَابُ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ عَلَى طَرِيقِ الْمَأْزِمَيْنِ ، لَا عَلَى طَرِيقِ ضَبٍّ . وَعَجَبٌ إهْمَالُ الْمُصَنِّفِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ هُنَا مَعَ شُهْرَتِهَا . وَذِكْرُهُ لَهَا فِي التَّنْبِيهِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا . وَقَدْ ثَبَتَ مَعْنَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث