المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
( الشَّرْحُ ) هَذَا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ . لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُدْرِكْ ابْنَ عَبَّاسٍ وَإِنَّمَا رَوَى التَّفْسِيرَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ أَيْضًا الْأَكْثَرُونَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ : يَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ الْمُعَلَّمَةِ ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَغَيْرِهَا ، وَبِجَوَارِحِ الطَّيْرِ كَالنَّسْرِ وَالْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالْبَاشِقِ وَالشَّاهِينَ وَسَائِرِ الصُّقُورِ وَسَوَاءٌ فِي الْكِلَابِ الْأَسْوَدُ وَغَيْرُهُ ، وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا عِنْدَنَا إلَّا وَجْهًا لِأَبِي بَكْرٍ الْفَارِسِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ صَيْدَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ حَرَامٌ ، حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . بَلْ بَاطِلٌ ( وَأَمَّا ) قَوْلُ الْغَزَالِيِّ فِي الْوَسِيطِ فَرِيسَةُ الْفَهْدِ وَالنَّمِرِ حَرَامٌ فَغَلَطٌ مَرْدُودٌ ، وَلَيْسَ وَجْهًا فِي الْمَذْهَبِ ، بَلْ لَهَا حُكْمُ الْكَلْبِ فِي الِاصْطِيَادِ بِلَا خِلَافٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْمُزَنِيِّ وَجَمِيعُ الْأَصْحَابِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ ، وَكُلُّهُمْ صَرَّحُوا بِالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَأَنَّهَا كَالْكَلْبِ ، وَهَذَا نَصُّ الشَّافِعِيِّ 107 رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُخْتَصَرِ قَالَ : كُلُّ مُعَلَّمٍ مِنْ كَلْبٍ وَفَهْدٍ وَنَمِرٍ . وَهَكَذَا عِبَارَةُ جَمِيعِهِمْ . ( وَأَمَّا ) اسْتِبْعَادُ الْغَزَالِيِّ تَعَلُّمَهَا فَلَا يُقْبَلُ ، لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ بِالْفُهُودِ الْمُعَلَّمَةِ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ مُشَاهَدٌ ، وَالنَّمِرُ إذَا أُخِذَ صَغِيرًا تَيَسَّرَ تَعْلِيمُهُ فَحَصَلَ أَنَّهُ خِلَافٌ فِي جَوَازِهِ ، وَأَنَّ الْكَلْبَ وَالنَّمِرَ فِي هَذَا سَوَاءٌ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : ذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْفَهْدَ يَبْعُدُ عَنْهُ التَّعْلِيمُ لِأَنَفَتِهِ وَعَدَمِ انْقِيَادِهِ ، فَإِنْ تُصُوِّرَ تَعَلُّمُهُ عَلَى نُدُورٍ فَهُوَ كَالْكَلْبِ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ لَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ ، قَالَ : وَفِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ مَا يُوهَمُ خِلَافَ هَذَا قَالَ : وَهُوَ مَجْهُولٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ، قَالَ : وَلَا خِلَافَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْمُرَادُ بِجَوَازِ الِاصْطِيَادِ بِهَذِهِ الْجَوَارِحِ أَنَّ مَا أَخَذَتْهُ وَجَرَحَتْهُ وَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهَا مَيْتًا أَوْ فِي حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ ، حَلَّ أَكْلُهُ ، وَيَقُومُ إرْسَالُ الصَّائِدِ وَجُرْحُ الْجَارِحِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مَقَامَ الذَّبْحِ فِي غَيْرِ الصَّيْدِ ، قَالُوا : وَأَمَّا الِاصْطِيَادُ بِمَعْنَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا ، بَلْ يَحْصُلُ بِأَيِّ طَرِيقٍ تَيَسَّرَ ، سَوَاءٌ كَانَ بِكَلْبٍ مُعَلَّمٍ أَوْ غَيْرِ كَلْبٍ ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ إذَا ذَكَّى ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُشْتَرَطُ لِحِلِّ مَا قَتَلَهُ الْجَارِحُ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا ، وَشَرْطُ تَعْلِيمِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنْ يَنْزَجِرَ بِزَجْرِ صَاحِبِهِ ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِرْسَالِ ( وَأَمَّا ) إذَا انْطَلَقَ وَاشْتَدَّ عَدْوُهُ فَفِي اشْتِرَاطِهِ ( أَصَحُّهُمَا ) يُشْتَرَطُ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ ( الشَّرْطُ الثَّانِي ) أَنْ يَسْتَرْسِلَ بِإِرْسَالِهِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أُغْرِيَ بِالصَّيْدِ هَاجَ .
( الثَّالِثُ ) أَنْ يُمْسِكَ الصَّيْدَ فَيَحْبِسَهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُخَلِّيَهُ .
( الرَّابِعُ ) أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ ، هَذَا هُوَ 108 الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ ، وَفِيهِ قَوْلٌ شَاذٌّ إنَّهُ لَا يَضُرُّ الْأَكْلُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْطَلِقَ أَيْضًا بِانْطِلَاقِ صَاحِبِهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ انْطَلَقَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا ، وَرَآهُ الْإِمَامُ مُشْكِلًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَلْبَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ ، إذَا رَأَى صَيْدًا بِالْقُرْبِ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى كَلَبِ الْجُوعِ يَبْعُدُ انْكِفَافُهُ . هَذَا حُكْمُ الْكَلْبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ جَوَارِحِ السِّبَاعِ ( وَأَمَّا ) جَوَارِحُ الطَّيْرِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَهِيجَ عِنْدَ الْإِغْرَاءِ أَيْضًا ، وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ أَكْلِهَا مِنْ الصَّيْدِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَيْنِ ( قَالَ ) الْإِمَامُ : وَلَا نَطْمَعُ فِي انْزِجَارِهَا بَعْدَ الطَّيَرَانِ ( قَالَ ) وَيَبْعُدُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ انْكِفَافِهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : هَذِهِ الْأُمُورُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي التَّعَلُّمِ يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُهَا ، لِيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ تَأَدُّبُ الْجَارِحَةِ ، وَمَصِيرُهَا مُعَلَّمَةً . وَالرُّجُوعُ فِي عَدَدِ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِالْجَوَارِحِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَكْفِي مَرَّتَانِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ . ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ الِاصْطِيَادِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ مِنْ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ، كَالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِ ، وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ ، وَالْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصُّقُورِ كُلِّهَا ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ( قَالَ ) وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا صَيْدَ الْبَازِي وَغَيْرِهِ مِنْ الطُّيُورِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : يَجُوزُ بِذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ أَحْمَدُ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ إذَا كَانَ بَهِيمًا ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ 109 وَأَهْلِ الْكُوفَةِ بِإِبَاحَةِ صَيْدِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ كَغَيْرِهِ ، وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ جَوَازَ كُلِّ صَيْدِ الطُّيُورِ كَالصُّقُورِ : سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ ، حَكَاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ يَنْتَهِي إلَى قَوْلِهِمْ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَمُحَمَّدٍ . وَاحْتُجَّ لِابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } فَخَصَّهُ بِالْكِلَابِ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِلْحَسَنِ وَمُوَافِقِيهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } قَالُوا : وَالْجَوَارِحُ تُطْلَقُ عَلَى السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ . وَالْجَارِحَةُ الْكَاسِبُ ، فَكُلُّ كَاسِبٍ مِنْهَا جَارِحَةٌ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : الْجَوَارِحُ مِنْ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ذَوَاتُ الصَّيْدِ ، وَبِهَذِهِ الْحُرُوفِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ : الْجَوَارِحُ هِيَ الْكَوَاسِبُ مِنْ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ ذَوَاتِ الصَّيْدِ ، وَاحِدُهَا جَارِحَةٌ ، وَالْكَلْبُ الضَّارِي جَارِحَةٌ ، سُمِّيَتْ جَوَارِحَ لِأَنَّهَا كَوَاسِبُ أَنْفُسِهَا ، مِنْ جَرَحَ وَاجْتَرَحَ إذَا اكْتَسَبَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ الطَّيْرَ الصَّائِدَةَ ، وَالْكِلَابَ وَالْفُهُودَ وَسِبَاعَ الطَّيْرِ ، كَالشَّوَاهِينِ وَالْبَوَاشِقِ وَالْعُقْبَانِ ، فَمَا اصْطَادَتْ هَذِهِ فَهُوَ حَلَالٌ . قَالَ الْوَاحِدِيُّ : قَالَ اللَّيْثُ : سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ الصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالْفَهْدِ وَمَا يَصْطَادُ مِنْ السِّبَاعِ فَقَالَ : هَذِهِ كُلُّهَا جَوَارِحُ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ : وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالضَّحَّاكِ أَنَّهُمَا قَالَا : الْجَوَارِحُ الْكِلَابُ دُونَ غَيْرِهَا . قَالَا : وَمَا صَادَ غَيْرُ الْكِلَابِ وَلَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ لَمْ يَحِلَّ ، وَمِثْلُهُ عَنْ السُّدِّيِّ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ : وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مَعْمُولٍ 110 بِهِ قَالَ : وقَوْله تَعَالَى ( مُكَلِّبِينَ ) لِلْكَلْبِ : الَّذِي يُعَلِّمُ الْكِلَابَ الصَّيْدَ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي : وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ صَيْدُ الْكِلَابِ خَاصَّةً ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ : مُؤَدِّبِينَ . هَذَا آخِرُ نَقْلِ الْوَاحِدِيِّ ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مَعَ الْقِيَاسِ عَلَى الْكَلْبِ . ( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ حَدِيثُ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ ، قُلْتُ : وَإِنْ قَتَلَ ؟ قَالَ : إذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ } فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ فَإِنَّ مُجَالِدًا ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : ذِكْرُ الْبَازِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْحُفَّاظُ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ مُجَالِدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَاهَا وَفِي ضِمْنِهِ الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ ( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَتْلِهِ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ ، مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ مَنْسُوخٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدِيٍّ : إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ فَكُلْ } قَالَ : فَالْقَوْلُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاجِبٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُمَا إلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي ضَبْطِ تَعْلِيمِ الْجَارِحَةِ . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي مَصِيرِهِ مُعَلَّمًا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ، وَأَنَّهُ 111 يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُهُ بِحَيْثُ يَقُولُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : إنَّهُ صَارَ مُعَلَّمًا وَأَوْضَحْنَا ذَلِكَ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَصْحَابُنَا عَدَدَ الْمَرَّاتِ فِي ذَلِكَ ، بَلْ اعْتَبَرُوا الْعُرْفَ كَمَا ذَكَرْنَا قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : وَقَالَ مَالِكٌ : الْمُعَلَّمُ الَّذِي يَفْقَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ فَيَأْتَمِرُ إذَا أَمَرَهُ ، وَيَنْزَجِرُ إذَا زَجَرَهُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَرْكُ الْأَكْلِ فِيهِ ، سَوَاءٌ الْكَلْبُ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا تَقْدِيرَ فِي التَّعْلِيمِ ، بَلْ إذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ مَصِيرُهُ مُعَلَّمًا حَلَّ صَيْدُهُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدُّهُ أَنْ يَصْطَادَ وَلَا يَأْكُلَ ، قَالَ : وَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ كَتَعَلُّمِ الصِّنَاعَاتِ ، وَبِهَذَا قَالَ دَاوُد ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : وَهُوَ أَنْ يَصْطَادَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، لَا يَأْكُلُ . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا دَعَا الْكَلْبَ فَأَجَابَ وَزَجَرَهُ فَأَطَاعَ فَمُعَلَّمٌ ( وَأَمَّا ) الطُّيُورُ فَمَا أَجَابَ مِنْهَا إذَا دُعِيَ فَمُعَلَّمٌ ، وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : مَا لَمْ يَأْكُلْ ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ حُصُولَ التَّعَلُّمِ بِمَرَّةٍ .
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي اصْطِيَادِ الْمُسْلِمِ بِكَلْبٍ أَوْ طَائِرٍ عَلَّمَهُ مَجُوسِيٌّ . مَذْهَبُنَا أَنَّهُ حَلَالٌ ، وَيَحِلُّ مَا قَتَلَهُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : وَمِمَّنْ كَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ الِاصْطِيَادَ بِكَلْبِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ : كَلْبُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَهْوَنُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إذَا قَتَلَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ فَأَكَلَ مِنْهُ فَاضْرِبْهُ حَتَّى يُمْسِكَ عَلَيْكَ . ( فَرْعٌ ) الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ قَوْلَهُمْ أَشْلَى الْكَلْبَ ، أَيْ اسْتَدْعَاهُ ، وَأَمَّا إرْسَالُهُ فَيُقَالُ فِيهِ : أَغْرَاهُ . وَاسْتِعْمَالُ الْمُصَنِّفِ لَهُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ عَلَى وَفْقِ هَذَا الْمَشْهُورِ فِي اللُّغَةِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ : كُلُّ مُعَلَّمٍ مِنْ كَلْبٍ 112 أَوْ فَهْدٍ أَوْ نَمِرٍ فَكَانَ إذَا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى وَإِذَا أَخَذَ حَبَسَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَهُوَ مُعَلَّمٌ . هَذَا لَفْظُهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : اعْتَرَضَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : إذَا أَشْلَاهُ اسْتَشْلَى فَقَالَ : يُقَالُ : أَشَلَاهُ إذَا دَعَاهُ ، وَأَغْرَاهُ إذَا أَرْسَلَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ أَشْلَيْتُ عِيرِي وَمَسَحْتُ قَعْبِي ﴿﴾ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الشَّافِعِيَّ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَمَنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِلُغَتِهِمْ كَالْفَرَزْدَقِ وَغَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ عَرَبِيُّ النَّسَبِ وَالدَّارِ وَالْعَصْرِ . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : قَرَأْت دِيوَانَ [ الْهُذَلِيِّينَ ] عَلَى فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالُوا : فَيَكُونُ أَشْلَى مِنْ الْأَضْدَادِ يُطْلَقُ عَلَى الِاسْتِدْعَاءِ وَعَلَى الْإِغْرَاءِ ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْجَوَابَ وَيُوَضِّحُهُ أَكْمَلَ إيضَاحٍ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنَ فَارِسٍ الْمُجْمَعَ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَأَمَانَتِهِ فِي اللُّغَةِ قَالَ فِي كِتَابِ الْمُجْمَلِ : يُقَالُ : أَشْلَيْتُ الْكَلْبَ إذَا دَعْوَتُهُ ، وَأَشْلَيْته أَغْرَيْتُهُ ، قَالَ : قَالَ الْأَعْجَمُ : ﴿﴾ أَتَيْنَا أَبَا عَمْرٍو فَأَشْلَى كِلَابَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَيْنَا فَكِدْنَا بَيْنَ بَيْتَيْهِ نُؤْكَلُ ﴿﴾ ( الْجَوَابُ الثَّانِي ) أَنَّ الْإِشْلَاءَ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الِاسْتِدْعَاءَ - فَاسْتِعْمَالُهُ هُنَا صَحِيحٌ ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَدْعِيهِ لِيُرْسِلَهُ ، فَعَبَّرَ بِالْإِشْلَاءِ عَنْ الْإِرْسَالِ ، لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَيْهِ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ وَمِنْهُ { إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } ( وَالثَّالِثُ ) جَوَابُ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ مَعْنَى أَشْلَى دَعَا ، أَيْ أَجَابَ كَأَنَّهُ يَدْعُوهُ لِلصَّيْدِ فَيُجِيبُهُ وَيَقْصِدُ الصَّيْدَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْمُرَادُ بِجَوَازِ الِاصْطِيَادِ بِهَذِهِ الْجَوَارِحِ أَنَّ مَا أَخَذَتْهُ وَجَرَحَتْهُ وَأَدْرَكَهُ صَاحِبُهَا مَيْتًا أَوْ فِي حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ ، أَوْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ ، حَلَّ أَكْلُهُ ، وَيَقُومُ إرْسَالُ الصَّائِدِ وَجُرْحُ الْجَارِحِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مَقَامَ الذَّبْحِ فِي غَيْرِ الصَّيْدِ ، قَالُوا : وَأَمَّا الِاصْطِيَادُ بِمَعْنَى إثْبَاتِ الْمِلْكِ فَلَا يَخْتَصُّ بِهَا ، بَلْ يَحْصُلُ بِأَيِّ طَرِيقٍ تَيَسَّرَ ، سَوَاءٌ كَانَ بِكَلْبٍ مُعَلَّمٍ أَوْ غَيْرِ كَلْبٍ ، وَلَكِنْ لَا يَحِلُّ مَا قَتَلَهُ غَيْرُ الْمُعَلَّمِ ، وَإِنَّمَا يَحِلُّ إذَا ذَكَّى ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُشْتَرَطُ لِحِلِّ مَا قَتَلَهُ الْجَارِحُ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا ، وَشَرْطُ تَعْلِيمِهِ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنْ يَنْزَجِرَ بِزَجْرِ صَاحِبِهِ ، هَكَذَا أَطْلَقَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِرْسَالِ ( وَأَمَّا ) إذَا انْطَلَقَ وَاشْتَدَّ عَدْوُهُ فَفِي اشْتِرَاطِهِ ( أَصَحُّهُمَا ) يُشْتَرَطُ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ ( الشَّرْطُ الثَّانِي ) أَنْ يَسْتَرْسِلَ بِإِرْسَالِهِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا أُغْرِيَ بِالصَّيْدِ هَاجَ .
( الثَّالِثُ ) أَنْ يُمْسِكَ الصَّيْدَ فَيَحْبِسَهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَا يُخَلِّيَهُ .
( الرَّابِعُ ) أَنْ لَا يَأْكُلَ مِنْهُ ، هَذَا هُوَ 108 الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَالْجُمْهُورُ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ ، وَفِيهِ قَوْلٌ شَاذٌّ إنَّهُ لَا يَضُرُّ الْأَكْلُ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْطَلِقَ أَيْضًا بِانْطِلَاقِ صَاحِبِهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ انْطَلَقَ بِنَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُعَلَّمًا ، وَرَآهُ الْإِمَامُ مُشْكِلًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَلْبَ عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَ ، إذَا رَأَى صَيْدًا بِالْقُرْبِ مِنْهُ وَهُوَ عَلَى كَلَبِ الْجُوعِ يَبْعُدُ انْكِفَافُهُ . هَذَا حُكْمُ الْكَلْبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ جَوَارِحِ السِّبَاعِ ( وَأَمَّا ) جَوَارِحُ الطَّيْرِ فَيُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَهِيجَ عِنْدَ الْإِغْرَاءِ أَيْضًا ، وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ أَكْلِهَا مِنْ الصَّيْدِ عَلَى الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُصَنِّفُ وَكَثِيرُونَ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْخُرَاسَانِيُّونَ فِيهِ قَوْلَيْنِ ( قَالَ ) الْإِمَامُ : وَلَا نَطْمَعُ فِي انْزِجَارِهَا بَعْدَ الطَّيَرَانِ ( قَالَ ) وَيَبْعُدُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ انْكِفَافِهَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالْأَصْحَابُ : هَذِهِ الْأُمُورُ الْمُشْتَرَطَةُ فِي التَّعَلُّمِ يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُهَا ، لِيَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ تَأَدُّبُ الْجَارِحَةِ ، وَمَصِيرُهَا مُعَلَّمَةً . وَالرُّجُوعُ فِي عَدَدِ ذَلِكَ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِالْجَوَارِحِ ، هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَكْفِي مَرَّتَانِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ .
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ . ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا جَوَازُ الِاصْطِيَادِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ الْمُعَلَّمَةِ مِنْ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ، كَالْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَغَيْرِهِ ، وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ ، وَالْبَازِي وَالْعُقَابِ وَالصُّقُورِ كُلِّهَا ، قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ( قَالَ ) وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُمَا كَرِهَا صَيْدَ الْبَازِي وَغَيْرِهِ مِنْ الطُّيُورِ ، وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَقَتَادَةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ : يَجُوزُ بِذَلِكَ كُلِّهِ إلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : قَالَ أَحْمَدُ : مَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ إذَا كَانَ بَهِيمًا ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَالَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ 109 وَأَهْلِ الْكُوفَةِ بِإِبَاحَةِ صَيْدِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ كَغَيْرِهِ ، وَمِمَّنْ رَوَى عَنْهُمْ الْبَيْهَقِيُّ جَوَازَ كُلِّ صَيْدِ الطُّيُورِ كَالصُّقُورِ : سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنِ جُبَيْرٍ ، حَكَاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ يَنْتَهِي إلَى قَوْلِهِمْ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَمُحَمَّدٍ . وَاحْتُجَّ لِابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } فَخَصَّهُ بِالْكِلَابِ .
وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا لِلْحَسَنِ وَمُوَافِقِيهِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ : عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ . وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } قَالُوا : وَالْجَوَارِحُ تُطْلَقُ عَلَى السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ . وَالْجَارِحَةُ الْكَاسِبُ ، فَكُلُّ كَاسِبٍ مِنْهَا جَارِحَةٌ ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ : الْجَوَارِحُ مِنْ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ ذَوَاتُ الصَّيْدِ ، وَبِهَذِهِ الْحُرُوفِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي الْمُجْمَلِ وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ اللُّغَةِ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ فِي الْبَسِيطِ : الْجَوَارِحُ هِيَ الْكَوَاسِبُ مِنْ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ ذَوَاتِ الصَّيْدِ ، وَاحِدُهَا جَارِحَةٌ ، وَالْكَلْبُ الضَّارِي جَارِحَةٌ ، سُمِّيَتْ جَوَارِحَ لِأَنَّهَا كَوَاسِبُ أَنْفُسِهَا ، مِنْ جَرَحَ وَاجْتَرَحَ إذَا اكْتَسَبَ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يُرِيدُ الطَّيْرَ الصَّائِدَةَ ، وَالْكِلَابَ وَالْفُهُودَ وَسِبَاعَ الطَّيْرِ ، كَالشَّوَاهِينِ وَالْبَوَاشِقِ وَالْعُقْبَانِ ، فَمَا اصْطَادَتْ هَذِهِ فَهُوَ حَلَالٌ . قَالَ الْوَاحِدِيُّ : قَالَ اللَّيْثُ : سُئِلَ مُجَاهِدٌ عَنْ الصَّقْرِ وَالْبَازِي وَالْفَهْدِ وَمَا يَصْطَادُ مِنْ السِّبَاعِ فَقَالَ : هَذِهِ كُلُّهَا جَوَارِحُ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ : وَهَذَا قَوْلُ جَمِيعِ الْمُفَسِّرِينَ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالضَّحَّاكِ أَنَّهُمَا قَالَا : الْجَوَارِحُ الْكِلَابُ دُونَ غَيْرِهَا . قَالَا : وَمَا صَادَ غَيْرُ الْكِلَابِ وَلَمْ يُدْرِكْ ذَكَاتَهُ لَمْ يَحِلَّ ، وَمِثْلُهُ عَنْ السُّدِّيِّ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ : وَهَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مَعْمُولٍ 110 بِهِ قَالَ : وقَوْله تَعَالَى ( مُكَلِّبِينَ ) لِلْكَلْبِ : الَّذِي يُعَلِّمُ الْكِلَابَ الصَّيْدَ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ قَالَ أَهْلُ الْمَعَانِي : وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أُبِيحَ صَيْدُ الْكِلَابِ خَاصَّةً ، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ : مُؤَدِّبِينَ . هَذَا آخِرُ نَقْلِ الْوَاحِدِيِّ ، فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاحْتِجَاجِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مَعَ الْقِيَاسِ عَلَى الْكَلْبِ . ( وَأَمَّا ) الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ حَدِيثُ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ ، قُلْتُ : وَإِنْ قَتَلَ ؟ قَالَ : إذَا قَتَلَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ } فَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ فَإِنَّ مُجَالِدًا ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِهِمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : ذِكْرُ الْبَازِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَمْ يَأْتِ بِهِ الْحُفَّاظُ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ مُجَالِدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا مَعْنَاهَا وَفِي ضِمْنِهِ الْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِمْ ( وَأَمَّا ) الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ فَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ قَتْلِهِ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ ، مَعَ أَنَّ الْقَتْلَ مَنْسُوخٌ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِي بَابِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَدِيٍّ : إذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ فَكُلْ } قَالَ : فَالْقَوْلُ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاجِبٌ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُمَا إلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي ضَبْطِ تَعْلِيمِ الْجَارِحَةِ . قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي مَصِيرِهِ مُعَلَّمًا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ ، وَأَنَّهُ 111 يُشْتَرَطُ تَكَرُّرُهُ بِحَيْثُ يَقُولُ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : إنَّهُ صَارَ مُعَلَّمًا وَأَوْضَحْنَا ذَلِكَ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ أَصْحَابُنَا عَدَدَ الْمَرَّاتِ فِي ذَلِكَ ، بَلْ اعْتَبَرُوا الْعُرْفَ كَمَا ذَكَرْنَا قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : وَقَالَ مَالِكٌ : الْمُعَلَّمُ الَّذِي يَفْقَهُ عَنْ مُرْسِلِهِ فَيَأْتَمِرُ إذَا أَمَرَهُ ، وَيَنْزَجِرُ إذَا زَجَرَهُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَرْكُ الْأَكْلِ فِيهِ ، سَوَاءٌ الْكَلْبُ وَغَيْرُهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا تَقْدِيرَ فِي التَّعْلِيمِ ، بَلْ إذَا وَقَعَ فِي نَفْسِ صَاحِبِهِ مَصِيرُهُ مُعَلَّمًا حَلَّ صَيْدُهُ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدُّهُ أَنْ يَصْطَادَ وَلَا يَأْكُلَ ، قَالَ : وَلَيْسَ لَهُ حَدٌّ كَتَعَلُّمِ الصِّنَاعَاتِ ، وَبِهَذَا قَالَ دَاوُد ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ : وَهُوَ أَنْ يَصْطَادَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، لَا يَأْكُلُ . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا دَعَا الْكَلْبَ فَأَجَابَ وَزَجَرَهُ فَأَطَاعَ فَمُعَلَّمٌ ( وَأَمَّا ) الطُّيُورُ فَمَا أَجَابَ مِنْهَا إذَا دُعِيَ فَمُعَلَّمٌ ، وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : مَا لَمْ يَأْكُلْ ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ حُصُولَ التَّعَلُّمِ بِمَرَّةٍ .
( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِهِمْ فِي اصْطِيَادِ الْمُسْلِمِ بِكَلْبٍ أَوْ طَائِرٍ عَلَّمَهُ مَجُوسِيٌّ . مَذْهَبُنَا أَنَّهُ حَلَالٌ ، وَيَحِلُّ مَا قَتَلَهُ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ : وَبِهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ كَافَّةً ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : وَمِمَّنْ كَرِهَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَكَرِهَ الْحَسَنُ الِاصْطِيَادَ بِكَلْبِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ : كَلْبُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَهْوَنُ .
( فَرْعٌ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : إذَا قَتَلَ الْكَلْبُ الصَّيْدَ فَأَكَلَ مِنْهُ فَاضْرِبْهُ حَتَّى يُمْسِكَ عَلَيْكَ . ( فَرْعٌ ) الْمَعْرُوفُ فِي اللُّغَةِ أَنَّ قَوْلَهُمْ أَشْلَى الْكَلْبَ ، أَيْ اسْتَدْعَاهُ ، وَأَمَّا إرْسَالُهُ فَيُقَالُ فِيهِ : أَغْرَاهُ . وَاسْتِعْمَالُ الْمُصَنِّفِ لَهُ هُنَا وَفِي التَّنْبِيهِ عَلَى وَفْقِ هَذَا الْمَشْهُورِ فِي اللُّغَةِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمُخْتَصَرِ : كُلُّ مُعَلَّمٍ مِنْ كَلْبٍ 112 أَوْ فَهْدٍ أَوْ نَمِرٍ فَكَانَ إذَا أُشْلِيَ اسْتَشْلَى وَإِذَا أَخَذَ حَبَسَ وَلَمْ يَأْكُلْ فَهُوَ مُعَلَّمٌ . هَذَا لَفْظُهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : اعْتَرَضَ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ : إذَا أَشْلَاهُ اسْتَشْلَى فَقَالَ : يُقَالُ : أَشَلَاهُ إذَا دَعَاهُ ، وَأَغْرَاهُ إذَا أَرْسَلَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِرُ : ﴿﴾ أَشْلَيْتُ عِيرِي وَمَسَحْتُ قَعْبِي ﴿﴾ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الشَّافِعِيَّ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَمَنْ فُصَحَاءِ الْعَرَبِ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِلُغَتِهِمْ كَالْفَرَزْدَقِ وَغَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ عَرَبِيُّ النَّسَبِ وَالدَّارِ وَالْعَصْرِ . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : قَرَأْت دِيوَانَ [ الْهُذَلِيِّينَ ] عَلَى فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ قَالُوا : فَيَكُونُ أَشْلَى مِنْ الْأَضْدَادِ يُطْلَقُ عَلَى الِاسْتِدْعَاءِ وَعَلَى الْإِغْرَاءِ ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْجَوَابَ وَيُوَضِّحُهُ أَكْمَلَ إيضَاحٍ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْنِ أَحْمَدَ بْنَ فَارِسٍ الْمُجْمَعَ عَلَى تَوْثِيقِهِ وَأَمَانَتِهِ فِي اللُّغَةِ قَالَ فِي كِتَابِ الْمُجْمَلِ : يُقَالُ : أَشْلَيْتُ الْكَلْبَ إذَا دَعْوَتُهُ ، وَأَشْلَيْته أَغْرَيْتُهُ ، قَالَ : قَالَ الْأَعْجَمُ : ﴿﴾ أَتَيْنَا أَبَا عَمْرٍو فَأَشْلَى كِلَابَهُ ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَيْنَا فَكِدْنَا بَيْنَ بَيْتَيْهِ نُؤْكَلُ ﴿﴾ ( الْجَوَابُ الثَّانِي ) أَنَّ الْإِشْلَاءَ - وَإِنْ كَانَ هُوَ الِاسْتِدْعَاءَ - فَاسْتِعْمَالُهُ هُنَا صَحِيحٌ ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَدْعِيهِ لِيُرْسِلَهُ ، فَعَبَّرَ بِالْإِشْلَاءِ عَنْ الْإِرْسَالِ ، لِأَنَّهُ يَئُولُ إلَيْهِ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا يَصِيرُ إلَيْهِ وَمِنْهُ { إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } ( وَالثَّالِثُ ) جَوَابُ الْأَزْهَرِيِّ أَنَّ مَعْنَى أَشْلَى دَعَا ، أَيْ أَجَابَ كَأَنَّهُ يَدْعُوهُ لِلصَّيْدِ فَيُجِيبُهُ وَيَقْصِدُ الصَّيْدَ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث