المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء التاسع
( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مُخْتَصَرًا ، وَسَبَقَ بَيَانُ لَفْظِهِ قَرِيبًا ، وَحَدِيثُ عَدِيٍّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ : { فَإِنْ وَجَدْته بَعْدَ لَيْلَةٍ أَوْ لَيْلَتَيْنِ فَلَمْ تَجِدْ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَ أَثَرِ سَهْمِك فَشِئْت أَنْ تَأْكُلَ مِنْهُ فَكُلْ } هَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ .
وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : النَّهْيُ عَنْ أَكْلِهِ إذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ فَغَرِيبٌ ، وَزِيَادٌ هَذَا تَابِعِيٌّ وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ . وَهُوَ زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الصَّيْدِ - الَّذِي جَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ وَلَمْ يَجِدْ أَثَرَ سَبَبٍ آخَرَ - شَيْءٌ . وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ . وَفِيهِ أَثَرٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ نَظَرٌ ( فَمِنْ ) الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَامِرِ يَعْنِي الشَّعْبِيَّ { أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَبْيًا فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ : رَمَيْتُ أَمْسِ فَطَلَبْته فَأَعْجَزَنِي حَتَّى أَدْرَكَنِي الْمَسَاءُ ، فَرَجَعْتُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اتَّبَعْتُ أَثَرَهُ فَوَجَدْتُهُ فِي غَارٍ أَوْ فِي أَحْجَارٍ ، وَهَذَا مِشْقَصِي فِيهِ أَعْرِفُهُ . قَالَ : بَاتَ عَنْكَ لَيْلَةً ، وَلَا آمَنُ أَنْ تَكُونَ هَامَّةٌ أَعَانَتْك عَلَيْهِ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ فَهُوَ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ . وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ضَعِيفٌ وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : { جَاءَ 132 رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَيْدٍ فَقَالَ : إنِّي رَمَيْتُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَأَعْيَانِي ، وَوَجَدْتُ سَهْمِي فِيهِ مِنْ الْغَدِ ، وَقَدْ عَرَفْتُ سَهْمِي فَقَالَ : اللَّيْلُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَظِيمٌ ، لَعَلَّهُ أَعَانَكَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، انْبِذْهَا عَنْكَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَبُو رَزِينٍ هَذَا اسْمُهُ مَسْعُودُ مَوْلَى شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ رَجُلٌ مَسْتُورٌ أَوْ مَجْهُولٌ غَيْرُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، قَالَ : " أَتَى أَعْرَابِيٌّ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ : إنِّي أَرْمِي الصَّيْدَ فَأُصْمِيَ وَأُنْمِي ، فَكَيْفَ تَرَى ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلْ مَا أَصَمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْته " قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا أَصَمَيْتَ مَا قَتَلَتْهُ الْكِلَابُ وَأَنْتَ تَرَاهُ ، وَمَا أَنْمَيْتَ مَا غَابَ عَنْكَ مَقْتَلُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسْأَلَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) إذَا أَرْسَلَ سَهْمًا أَوْ نَحْوَهُ أَوْ جَارِحَةً مُعَلَّمَةً مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمُرْسِلُ حَيًّا نُظِرَ إنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بِأَنْ كَانَ قَدْ قَطَعَ حُلْقُومَهُ وَمَرِيئَهُ أَوْ أَخَافَهُ أَوْ خَرَقَ أَمْعَاءَهُ أَوْ أَخْرَجَ حَشْوَتَهُ اُسْتُحِبَّ إمْرَارُ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِهِ لِيُرِيحَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ حَلَّ بِلَا خِلَافٍ وَنَقَلُوا فِيهِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَكَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً فَاضْطَرَبَتْ أَوْ عَدَتْ . أَمَّا إذَا بَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَلَهُ حَالَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْ صَائِدِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَيَحِلَّ أَيْضًا لِلْعُذْرِ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ } .
( وَالثَّانِي ) أَنْ لَا يَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ فَيَتْرُكَهُ حَتَّى يَمُوتَ ، أَوْ يَتَعَذَّرَ بِتَقْصِيرِهِ فَيَمُوتَ فَهُوَ حَرَامٌ ، كَمَا لَوْ تَرَدَّى بِئْرًا فَلَمْ يَذْبَحْهُ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ حَرَامٌ 133 فَمِنْ ) صُوَرِ الْحَالِ الْأَوَّلِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِأَخْذِ الْآلَةِ ، وَسَلِّ السِّكِّينِ ، فَيَمُوتَ قَبْلَ إمْكَانِ ذَبْحِهِ ( وَمِنْهَا ) أَنْ يَمْتَنِعَ بِمَا فِيهِ مِنْ بَقِيَّةِ قُوَّةٍ ، وَيَمُوتَ قَبْلَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ( وَمِنْهَا ) أَنْ لَا يَجِدَ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ الذَّبْحُ فِيهِ ( وَمِنْ ) صُوَرِ الْحَالِ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ آلَةُ الذَّبْحِ أَوْ تَضِيعَ آلَتُهُ فَلَا يَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ ، فَلَوْ نَشِبَتْ السِّكِّينُ فِي الْغِمْدِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إخْرَاجِهَا حَتَّى مَاتَ فَفِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ حَرَامٌ ، لِتَقْصِيرِهِ فِي عَدَمِ تَأَمُّلِ السِّكِّينِ قَبْلَ هَذَا .
( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ حَلَالٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرِيِّ ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ، وَلَوْ غَصَبَ الْآلَةَ فَوَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) أَنَّهُ حَرَامٌ لِآنِهِ عُذْرٌ نَادِرٌ ( وَالثَّانِي ) حَلَالٌ ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ، كَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّيْدِ سَبُعٌ حَتَّى مَاتَ ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَجْهًا وَاحِدًا .
وَلَوْ اشْتَغَلَ بِتَحْدِيدِ السِّكِّينِ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ حَرَامٌ ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَلَوْ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْمَذْبَحِ فَلَمْ يَجِدْهُ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ حَلَالٌ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ بِخِلَافِ تَحْدِيدِ السِّكِّينِ ، وَلَوْ كَانَ يَمُرُّ ظَهْرُ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِهِ غَلَطًا فَمَاتَ فَحَرَامٌ بِتَقْصِيرِهِ ، وَلَوْ رَجَعَ الصَّيْدُ مُنَكَّسًا وَاحْتَاجَ إلَى قَلْبِهِ لِيَقْدِرَ عَلَى الْمَذْبَحِ فَمَاتَ أَوْ اشْتَغَلَ بِتَوَجُّهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ فَمَاتَ ، فَحَلَالٌ . وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ مَوْتِ الصَّيْدِ هَلْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَكَاتِهِ فَيَحْرُمُ ؟ أَمْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَيَحِلُّ ؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِتَعَارُضِ الْأَصْلِ ( أَصَحُّهُمَا ) أَنَّهُ حَلَالٌ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِمْكَانِ وَعَدَمُ التَّقْصِيرِ ( وَالثَّانِي ) التَّحْرِيمُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدْوُ إلَى الصَّيْدِ إذَا أَصَابَهُمْ السَّهْمُ أَوْ الْكَلْبُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ ( أَحَدُهُمَا ) نَعَمْ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، لَكِنْ لَا يُكَلَّفُ الْمُبَالَغَةَ بِحَيْثُ يَنَالُهُ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ ( وَأَصَحُّهُمَا ) لَا يُشْتَرَطُ ، بَلْ يَكْفِي الْمَشْيُ ، وَعَلَى هَذَا الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَوْ مَشَى عَلَى هَيِّنَتِهِ وَأَدْرَكَهُ مَيِّتًا وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَسْرَعَ لَأَدْرَكَهُ حَيًّا ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : عِنْدِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِسْرَاعِ ، قُلْنَا : لَا ، لِأَنَّ الْمَاشِيَ عَلَى 134 هَيِّنَتِهِ خَارِجٌ عَنْ عَادَةِ الطَّالِبِينَ وَإِذَا شَرَطْنَا الْعَدْوَ فَتَرَكَهُ ، فَصَارَ الصَّيْدُ مَيِّتًا ، وَلَمْ يَدْرِ أَمَاتَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَسَعُ الْعَدْوَ بِحَيْثُ لَوْ عَدَا لَمْ يُدْرِكْهُ أَمْ بَعْدَهُ ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ قَرِيبًا فِي الشَّكِّ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الذَّكَاةِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) لَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَدَّهُ قِطْعَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ ، أَوْ مُتَفَاوِتَتَيْنِ ، فَهُمَا حَلَالٌ ، وَلَوْ أَبَانَ مِنْهُ بِسَيْفٍ أَوْ غَيْرِهِ عُضْوًا كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ نُظِرَ إنْ أَبَانَهُ بِجِرَاحَةٍ مُذَفِّفَةٍ وَمَاتَ فِي الْحَالِ حَلَّ الْعُضْوُ وَبَاقِي الْبَدَنِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُذَفِّفَةً وَأَدْرَكَهُ وَذَبَحَهُ أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا مُذَفِّفًا فَالْعُضْوُ حَرَامٌ ، لِأَنَّهُ أُبِينَ مِنْ حَيٍّ ، وَبَاقِي الْبَدَنِ حَلَالٌ ، وَإِنْ أَثْبَتَهُ بِالْجِرَاحَةِ الْأُولَى فَقَدْ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ، فَيَتَعَيَّنُ ذَبْحُهُ وَلَا تُجْزِئُ سَائِرُ الْجِرَاحَاتِ ، وَلَوْ مَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ ، حَلَّ بَاقِي الْبَدَنِ . وَفِي الْعُضْوِ ، وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَحْرُمُ ، لِأَنَّهُ أُبِينَ مِنْ حَيٍّ ، فَهُوَ كَمَنْ قَطَعَ أَلْيَةَ شَاةٍ ثُمَّ ذَبَحَهَا . فَإِنَّهُ لَا تَحِلُّ الْأَلْيَةُ ( وَالثَّانِي ) تَحِلُّ لِأَنَّ الْجُرْحَ كَالذَّبْحِ لِلْجُمْلَةِ ، فَتَبِعَهَا الْعُضْوُ ، وَإِنْ جَرَحَهُ جِرَاحَةً أُخْرَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَإِنْ كَانَتْ مُذَفِّفَةً فَالصَّيْدُ حَلَالٌ وَالْعُضْوُ حَرَامٌ . وَإِلَّا فَالصَّيْدُ حَلَالٌ أَيْضًا . وَفِي الْعُضْوِ وَجْهَانِ ( الصَّحِيحُ ) أَنَّهُ حَرَامٌ ، لِأَنَّ الْإِبَانَةَ لَمْ تَتَجَرَّدْ ذَكَاةً لِلصَّيْدِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) إذَا غَابَ عَنْهُ الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ . ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَوَجْهَانِ ( الصَّحِيحُ ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ لَا يَحِلُّ . لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَلَا أَثَرَ لِتَضَمُّخِهِ بِدَمِهِ ، فَرُبَّمَا جَرَحَهُ الْكَلْبُ وَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ أُخْرَى ( وَأَمَّا ) إذَا جَرَحَهُ سَهْمُهُ أَوْ كَلْبُهُ ثُمَّ غَابَ الصَّيْدُ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَإِنْ انْتَهَى بِذَلِكَ الْجُرْحِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ حَلَّ ، وَلَا أَثَرَ لِغَيْبَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ نُظِرَ إنْ وَجَدَهُ فِي مَاءٍ أَوْ وَجَدَ عَلَيْهِ أَثَرَ صَدْمَةٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أُخْرَى وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ سَوَاءٌ وَجَدَ الْكَلْبَ عَلَيْهِ أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ هَلَكَ ، 135 وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَثَرٌ آخَرُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ ( أَحَدُهَا ) يَحِلُّ قَطْعًا ( وَالثَّانِي ) يَحْرُمُ قَطْعًا ( وَأَشْهَرُهَا ) عَلَى قَوْلَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ التَّحْرِيمُ ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ الْحِلُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ ، لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِيهِ ، وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ الصَّحِيحِ لَهَا وَقَدْ سَبَقَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَلَامِنَا إيضَاحُ دَلِيلِ الْجَمِيعِ .
( وَمَنْ ) قَالَ : بِالْإِبَاحَةِ يَتَأَوَّلُ كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَحَادِيثَ لَوْ صَحَّتْ فِي النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ .
( وَمَنْ ) قَالَ بِالتَّحْرِيمِ يَتَأَوَّلُ أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَا إذَا انْتَهَى بِالْجِرَاحَةِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَتُسَمَّى هَذِهِ الْحَالَةُ مَسْأَلَةَ الْإِيمَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا رَمَيْتَ سَهْمَكَ فَغَابَ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَأَدْرَكْتَهُ فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : النَّهْيُ عَنْ أَكْلِهِ إذَا أَنْتَنَ لِلتَّنْزِيهِ لَا لِلتَّحْرِيمِ ، وَأَمَّا حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ فَغَرِيبٌ ، وَزِيَادٌ هَذَا تَابِعِيٌّ وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ . وَهُوَ زِيَادُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
( وَاعْلَمْ ) أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الصَّيْدِ - الَّذِي جَرَحَهُ ثُمَّ غَابَ عَنْهُ وَلَمْ يَجِدْ أَثَرَ سَبَبٍ آخَرَ - شَيْءٌ . وَإِنَّمَا جَاءَ فِيهِ أَحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ . وَفِيهِ أَثَرٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِ نَظَرٌ ( فَمِنْ ) الْأَحَادِيثِ حَدِيثُ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ عَامِرِ يَعْنِي الشَّعْبِيَّ { أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَبْيًا فَقَالَ : مِنْ أَيْنَ أَصَبْتَ هَذَا ؟ فَقَالَ : رَمَيْتُ أَمْسِ فَطَلَبْته فَأَعْجَزَنِي حَتَّى أَدْرَكَنِي الْمَسَاءُ ، فَرَجَعْتُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ اتَّبَعْتُ أَثَرَهُ فَوَجَدْتُهُ فِي غَارٍ أَوْ فِي أَحْجَارٍ ، وَهَذَا مِشْقَصِي فِيهِ أَعْرِفُهُ . قَالَ : بَاتَ عَنْكَ لَيْلَةً ، وَلَا آمَنُ أَنْ تَكُونَ هَامَّةٌ أَعَانَتْك عَلَيْهِ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ فَهُوَ مُرْسَلٌ ضَعِيفٌ . وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ ضَعِيفٌ وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ : { جَاءَ 132 رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِصَيْدٍ فَقَالَ : إنِّي رَمَيْتُهُ مِنْ اللَّيْلِ فَأَعْيَانِي ، وَوَجَدْتُ سَهْمِي فِيهِ مِنْ الْغَدِ ، وَقَدْ عَرَفْتُ سَهْمِي فَقَالَ : اللَّيْلُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَظِيمٌ ، لَعَلَّهُ أَعَانَكَ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، انْبِذْهَا عَنْكَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : أَبُو رَزِينٍ هَذَا اسْمُهُ مَسْعُودُ مَوْلَى شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ ، قَالَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا الْأَثَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ رَجُلٌ مَسْتُورٌ أَوْ مَجْهُولٌ غَيْرُ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ ، قَالَ : " أَتَى أَعْرَابِيٌّ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ : إنِّي أَرْمِي الصَّيْدَ فَأُصْمِيَ وَأُنْمِي ، فَكَيْفَ تَرَى ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كُلْ مَا أَصَمَيْتَ وَدَعْ مَا أَنْمَيْته " قَالَ الشَّافِعِيُّ : مَا أَصَمَيْتَ مَا قَتَلَتْهُ الْكِلَابُ وَأَنْتَ تَرَاهُ ، وَمَا أَنْمَيْتَ مَا غَابَ عَنْكَ مَقْتَلُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) فَفِيهَا مَسْأَلَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) إذَا أَرْسَلَ سَهْمًا أَوْ نَحْوَهُ أَوْ جَارِحَةً مُعَلَّمَةً مِنْ كَلْبٍ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمُرْسِلُ حَيًّا نُظِرَ إنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ بِأَنْ كَانَ قَدْ قَطَعَ حُلْقُومَهُ وَمَرِيئَهُ أَوْ أَخَافَهُ أَوْ خَرَقَ أَمْعَاءَهُ أَوْ أَخْرَجَ حَشْوَتَهُ اُسْتُحِبَّ إمْرَارُ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِهِ لِيُرِيحَهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ حَلَّ بِلَا خِلَافٍ وَنَقَلُوا فِيهِ إجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَكَمَا لَوْ ذَبَحَ شَاةً فَاضْطَرَبَتْ أَوْ عَدَتْ . أَمَّا إذَا بَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَلَهُ حَالَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِغَيْرِ تَقْصِيرٍ مِنْ صَائِدِهِ حَتَّى يَمُوتَ فَيَحِلَّ أَيْضًا لِلْعُذْرِ وَيُسْتَدَلُّ لَهُ أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ } .
( وَالثَّانِي ) أَنْ لَا يَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ فَيَتْرُكَهُ حَتَّى يَمُوتَ ، أَوْ يَتَعَذَّرَ بِتَقْصِيرِهِ فَيَمُوتَ فَهُوَ حَرَامٌ ، كَمَا لَوْ تَرَدَّى بِئْرًا فَلَمْ يَذْبَحْهُ حَتَّى مَاتَ فَإِنَّهُ حَرَامٌ 133 فَمِنْ ) صُوَرِ الْحَالِ الْأَوَّلِ أَنْ يَشْتَغِلَ بِأَخْذِ الْآلَةِ ، وَسَلِّ السِّكِّينِ ، فَيَمُوتَ قَبْلَ إمْكَانِ ذَبْحِهِ ( وَمِنْهَا ) أَنْ يَمْتَنِعَ بِمَا فِيهِ مِنْ بَقِيَّةِ قُوَّةٍ ، وَيَمُوتَ قَبْلَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ( وَمِنْهَا ) أَنْ لَا يَجِدَ مِنْ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُ الذَّبْحُ فِيهِ ( وَمِنْ ) صُوَرِ الْحَالِ الثَّانِي أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ آلَةُ الذَّبْحِ أَوْ تَضِيعَ آلَتُهُ فَلَا يَحِلُّ بِلَا خِلَافٍ ، فَلَوْ نَشِبَتْ السِّكِّينُ فِي الْغِمْدِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إخْرَاجِهَا حَتَّى مَاتَ فَفِيهِ وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ حَرَامٌ ، لِتَقْصِيرِهِ فِي عَدَمِ تَأَمُّلِ السِّكِّينِ قَبْلَ هَذَا .
( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ حَلَالٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالطَّبَرِيِّ ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ، وَلَوْ غَصَبَ الْآلَةَ فَوَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) أَنَّهُ حَرَامٌ لِآنِهِ عُذْرٌ نَادِرٌ ( وَالثَّانِي ) حَلَالٌ ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ ، كَمَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّيْدِ سَبُعٌ حَتَّى مَاتَ ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَجْهًا وَاحِدًا .
وَلَوْ اشْتَغَلَ بِتَحْدِيدِ السِّكِّينِ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ حَرَامٌ ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَحْدِيدُهَا قَبْلَ ذَلِكَ ، قَالَ الرُّويَانِيُّ : وَلَوْ اشْتَغَلَ بِطَلَبِ الْمَذْبَحِ فَلَمْ يَجِدْهُ حَتَّى مَاتَ فَهُوَ حَلَالٌ لِعَدَمِ تَقْصِيرِهِ بِخِلَافِ تَحْدِيدِ السِّكِّينِ ، وَلَوْ كَانَ يَمُرُّ ظَهْرُ السِّكِّينِ عَلَى حَلْقِهِ غَلَطًا فَمَاتَ فَحَرَامٌ بِتَقْصِيرِهِ ، وَلَوْ رَجَعَ الصَّيْدُ مُنَكَّسًا وَاحْتَاجَ إلَى قَلْبِهِ لِيَقْدِرَ عَلَى الْمَذْبَحِ فَمَاتَ أَوْ اشْتَغَلَ بِتَوَجُّهِهِ إلَى الْقِبْلَةِ فَمَاتَ ، فَحَلَالٌ . وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ مَوْتِ الصَّيْدِ هَلْ تَمَكَّنَ مِنْ ذَكَاتِهِ فَيَحْرُمُ ؟ أَمْ لَمْ يَتَمَكَّنْ فَيَحِلُّ ؟ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِتَعَارُضِ الْأَصْلِ ( أَصَحُّهُمَا ) أَنَّهُ حَلَالٌ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِمْكَانِ وَعَدَمُ التَّقْصِيرِ ( وَالثَّانِي ) التَّحْرِيمُ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْحَيَاةِ ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ الْعَدْوُ إلَى الصَّيْدِ إذَا أَصَابَهُمْ السَّهْمُ أَوْ الْكَلْبُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الْخُرَاسَانِيُّونَ ( أَحَدُهُمَا ) نَعَمْ لِأَنَّهُ الْمُعْتَادُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ، لَكِنْ لَا يُكَلَّفُ الْمُبَالَغَةَ بِحَيْثُ يَنَالُهُ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ ( وَأَصَحُّهُمَا ) لَا يُشْتَرَطُ ، بَلْ يَكْفِي الْمَشْيُ ، وَعَلَى هَذَا الصَّحِيحِ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَوْ مَشَى عَلَى هَيِّنَتِهِ وَأَدْرَكَهُ مَيِّتًا وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَسْرَعَ لَأَدْرَكَهُ حَيًّا ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : عِنْدِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْإِسْرَاعِ ، قُلْنَا : لَا ، لِأَنَّ الْمَاشِيَ عَلَى 134 هَيِّنَتِهِ خَارِجٌ عَنْ عَادَةِ الطَّالِبِينَ وَإِذَا شَرَطْنَا الْعَدْوَ فَتَرَكَهُ ، فَصَارَ الصَّيْدُ مَيِّتًا ، وَلَمْ يَدْرِ أَمَاتَ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يَسَعُ الْعَدْوَ بِحَيْثُ لَوْ عَدَا لَمْ يُدْرِكْهُ أَمْ بَعْدَهُ ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ : يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ السَّابِقَيْنِ قَرِيبًا فِي الشَّكِّ فِي التَّمَكُّنِ مِنْ الذَّكَاةِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .
( فَرْعٌ ) لَوْ رَمَى صَيْدًا فَقَدَّهُ قِطْعَتَيْنِ مُتَسَاوِيَتَيْنِ ، أَوْ مُتَفَاوِتَتَيْنِ ، فَهُمَا حَلَالٌ ، وَلَوْ أَبَانَ مِنْهُ بِسَيْفٍ أَوْ غَيْرِهِ عُضْوًا كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ نُظِرَ إنْ أَبَانَهُ بِجِرَاحَةٍ مُذَفِّفَةٍ وَمَاتَ فِي الْحَالِ حَلَّ الْعُضْوُ وَبَاقِي الْبَدَنِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُذَفِّفَةً وَأَدْرَكَهُ وَذَبَحَهُ أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا مُذَفِّفًا فَالْعُضْوُ حَرَامٌ ، لِأَنَّهُ أُبِينَ مِنْ حَيٍّ ، وَبَاقِي الْبَدَنِ حَلَالٌ ، وَإِنْ أَثْبَتَهُ بِالْجِرَاحَةِ الْأُولَى فَقَدْ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ ، فَيَتَعَيَّنُ ذَبْحُهُ وَلَا تُجْزِئُ سَائِرُ الْجِرَاحَاتِ ، وَلَوْ مَاتَ مِنْ تِلْكَ الْجِرَاحَةِ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَنٍ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَبْحِهِ ، حَلَّ بَاقِي الْبَدَنِ . وَفِي الْعُضْوِ ، وَجْهَانِ ( أَصَحُّهُمَا ) يَحْرُمُ ، لِأَنَّهُ أُبِينَ مِنْ حَيٍّ ، فَهُوَ كَمَنْ قَطَعَ أَلْيَةَ شَاةٍ ثُمَّ ذَبَحَهَا . فَإِنَّهُ لَا تَحِلُّ الْأَلْيَةُ ( وَالثَّانِي ) تَحِلُّ لِأَنَّ الْجُرْحَ كَالذَّبْحِ لِلْجُمْلَةِ ، فَتَبِعَهَا الْعُضْوُ ، وَإِنْ جَرَحَهُ جِرَاحَةً أُخْرَى وَالْحَالَةُ هَذِهِ فَإِنْ كَانَتْ مُذَفِّفَةً فَالصَّيْدُ حَلَالٌ وَالْعُضْوُ حَرَامٌ . وَإِلَّا فَالصَّيْدُ حَلَالٌ أَيْضًا . وَفِي الْعُضْوِ وَجْهَانِ ( الصَّحِيحُ ) أَنَّهُ حَرَامٌ ، لِأَنَّ الْإِبَانَةَ لَمْ تَتَجَرَّدْ ذَكَاةً لِلصَّيْدِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) إذَا غَابَ عَنْهُ الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ . ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَوَجْهَانِ ( الصَّحِيحُ ) الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ لَا يَحِلُّ . لِاحْتِمَالِ مَوْتِهِ بِسَبَبٍ آخَرَ وَلَا أَثَرَ لِتَضَمُّخِهِ بِدَمِهِ ، فَرُبَّمَا جَرَحَهُ الْكَلْبُ وَأَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ أُخْرَى ( وَأَمَّا ) إذَا جَرَحَهُ سَهْمُهُ أَوْ كَلْبُهُ ثُمَّ غَابَ الصَّيْدُ عَنْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا فَإِنْ انْتَهَى بِذَلِكَ الْجُرْحِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ حَلَّ ، وَلَا أَثَرَ لِغَيْبَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ نُظِرَ إنْ وَجَدَهُ فِي مَاءٍ أَوْ وَجَدَ عَلَيْهِ أَثَرَ صَدْمَةٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أُخْرَى وَنَحْوَ ذَلِكَ لَمْ يَحِلَّ سَوَاءٌ وَجَدَ الْكَلْبَ عَلَيْهِ أَمْ لَا ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ هَلَكَ ، 135 وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَثَرٌ آخَرُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ طُرُقٍ ( أَحَدُهَا ) يَحِلُّ قَطْعًا ( وَالثَّانِي ) يَحْرُمُ قَطْعًا ( وَأَشْهَرُهَا ) عَلَى قَوْلَيْنِ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ الْعِرَاقِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ التَّحْرِيمُ ( وَأَصَحُّهُمَا ) عِنْدَ الْبَغَوِيِّ وَالْغَزَالِيِّ فِي الْإِحْيَاءِ الْحِلُّ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ ، لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِيهِ ، وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ الصَّحِيحِ لَهَا وَقَدْ سَبَقَ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَكَلَامِنَا إيضَاحُ دَلِيلِ الْجَمِيعِ .
( وَمَنْ ) قَالَ : بِالْإِبَاحَةِ يَتَأَوَّلُ كَلَامَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْأَحَادِيثَ لَوْ صَحَّتْ فِي النَّهْيِ عَلَى التَّنْزِيهِ .
( وَمَنْ ) قَالَ بِالتَّحْرِيمِ يَتَأَوَّلُ أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ عَلَى مَا إذَا انْتَهَى بِالْجِرَاحَةِ إلَى حَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَتُسَمَّى هَذِهِ الْحَالَةُ مَسْأَلَةَ الْإِيمَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith