المجموع شرح المهذب
المجموع شرح المهذب · الجزء الحادي عشر
( فَرْعٌ ) قَسَّمَ الْمَاوَرْدِيُّ الْبَيْعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ إلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : ( أَحَدُهَا ) يَبْرَأُ مِنْ عُيُوبٍ سَمَّاهَا وَوَقَفَ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا ، فَهَذِهِ بَرَاءَةٌ صَحِيحَةٌ وَبَيْعٌ جَائِزٌ ، لِانْتِفَاءِ الْجَهَالَةِ وَلُزُومِ الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ ، فَإِنْ وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِالْمَبِيعِ غَيْرَ تِلْكَ الْعُيُوبِ فَلَهُ الرَّدُّ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا تِلْكَ فَلَيْسَ لَهُ الرَّدُّ . ( الضَّرْبُ الثَّانِي ) أَنْ يَبْرَأَ مِنْ عُيُوبٍ سَمَّاهَا ، وَلَمْ يَقِفْ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا ، فَهَذَا عَلَى نَوْعَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ تَكُونَ الْعُيُوبُ مِمَّا لَا يُعَيَّنُ كَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ ، فَتَصِحُّ الْبَرَاءَةُ فِيهَا بِالتَّسْمِيَةِ ، لِأَنَّهَا غَيْرُ مُشَاهَدَةٍ ، فَلَمْ يُمْكِنْ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا ، وَاكْتَفَى بِالتَّسْمِيَةِ فِيهَا فَإِنَّ ذِكْرَهَا إعْلَامٌ وَاطِّلَاعٌ عَلَيْهَا . ( وَالنَّوْعُ الثَّانِي ) أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُعَايَنُ كَالْبَرَصِ وَالْقُرُوحِ . فَلَا تَكْفِي التَّسْمِيَةُ حَتَّى يَقِفَ عَلَيْهَا وَيُشَاهِدَهَا ; لِأَنَّ لِنَقْصِ الْعَيْبِ قِسْطًا مِنْ الثَّمَنِ يَزِيدُ بِزِيَادَتِهِ الْعَيْبُ وَيَنْقُصُ بِنَقْصِهِ فَصَارَتْ التَّسْمِيَةُ لَهَا عِنْدَ عَدَمِ مُشَاهَدَتِهَا جُمَلًا بِهَا .
( قُلْتُ ) وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ : وَلَوْ سَمَّاهَا لِاخْتِلَافِهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ : وَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَقِفَهُ عَلَيْهِ . وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ لَيْسَ مَحَلَّ الْخِلَافِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْبَرَاءَةِ مُطْلَقًا إذَا أَطْلَقَ شَرْطَ الْبَرَاءَةِ يَقُولُ هُنَا عِنْدَ التَّسْمِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَقِفْهُ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْبَرَصُ وَنَحْوُهُ فِي بَاطِنٍ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَفِي حَالَةِ التَّسْمِيَةِ كَذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ إنْ أَرَاهُ مَوْضِعَ الْبَرَصِ وَقَدَّرَهُ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ فَهُوَ كَشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مُطْلَقًا ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ كَلَامُ 616 الْإِمَامِ وَالْفُورَانِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيِّ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . قَالَ الرَّافِعِيُّ : هَكَذَا فَصَّلُوهُ ، وَكَأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيمَا يَعْرِفُهُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ الْعُيُوبِ وَأَمَّا مَا لَا يَعْرِفُهُ وَيُرِيدُ الْبَرَاءَةَ عَنْهُ لَوْ كَانَ ، فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ تَفْرِيعًا عَلَى فَسَادِ الشَّرْطِ فِيهِ خِلَافًا مُخَرَّجًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ ، يَعْنِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي فَسَادِ الشَّرْطِ الْجَهَالَةُ أَوْ كَوْنُهُ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ( إنْ قُلْنَا ) بِالْأَوَّلِ صَحَّ لِانْتِفَاءِ الْجَهَالَةِ .
( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالثَّانِي فَلَا ، وَمَثَّلَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِتَسْمِيَةِ الْعَيْبِ بِأَنْ يَقُولَ عَلَى أَنَّهُ بَرِئَ مِنْ الزِّنَا وَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ ، وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الَّذِي تُمْكِنُ مُعَايَنَتُهُ لَا تَكْفِي فِيهِ التَّسْمِيَةُ هُوَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ . قَالَ : لِقِلَّةِ الْجَهَالَةِ ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَثَّلَ الْقَاضِي هَذَا النَّوْعَ بِإِخْبَارِهِ بِمِثْلِ الْجِدَارِ وَانْكِسَاحِ الْجِذْعِ . ( فَرْعٌ ) ادَّعَى الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْبَرَاءَةِ إذَا شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ ، لِأَنَّ ذِكْرَهُمَا إعْلَامٌ ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي الْفَتَاوَى مَا يَقْتَضِي الْمُنَازَعَةَ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ ، وَأَنَّهُ إنْ قَالَ : هُوَ آبِقٌ وَبِعْتُكَهُ بِشَرْطِ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ عَيْبِ الْإِبَاقِ ، بَرِئَ قَطْعًا ، وَلَوْ قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ آبِقًا وَبِعْتُكَهُ بِشَرْطِ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ عَيْبِ الْإِبَاقِ ، قَالَ : فَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُقَدِّمَةٌ ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَعْلَمْهُ وَجَهِلَ كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ ابْنِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ فَبَانَ مَيِّتًا . ( فَإِنْ قُلْنَا ) يَبْرَأُ بَرِئَ هُنَا .
( وَإِنْ قُلْنَا ) لَا يَبْرَأُ فَالْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ هَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) يَصِحُّ فَفِي صِحَّةِ الشَّرْطِ جَوَابَانِ - وَإِنْ قَالَ : بِعْتُكَهُ بِشَرْطِ أَنَّى بَرِيءٌ مِنْ الْإِبَاقِ ، وَيَعْنِي لَوْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا قَالَ : فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ إعْلَامٌ . وَإِنْ قَالَ : لَا أَعْلَمُ هَلْ هُوَ آبِقًا أَوْ لَا ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ، يَعْنِي وَلَمْ يَشْتَرِطْ فَوَجَدَهُ آبِقًا فَلَهُ الرَّدُّ ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ . 617 الضَّرْبُ الثَّالِثُ ) أَنْ يَبْرَأَ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهَا ، وَلَا يَقِفُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا فَهُوَ مَحَلُّ الْأَقْوَالِ وَالطُّرُقِ الْمُتَقَدِّمَةِ . ( فَرْعٌ ) فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرِ الْقَوْلِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَوْ أَجْوِبَتِهَا . أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } وَبِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مِنْ الْمَجْهُولِ صَحِيحٌ { لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلَيْنِ تَخَاصَمَا عِنْدَهُ فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ : أَسْهِمَا وَأَوْجِبَا وَلْيُحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ ، وَبِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ لَا تَسْلِيمَ فِيهِ فَيَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ، وَبِأَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِاقْتِضَاءِ مُطْلَقِ الْعَقْدِ السَّلَامَةَ ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالْبَرَاءَةِ ارْتَفَعَ الْإِطْلَاقُ .
( وَالْجَوَابُ ) عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا وَافَقَ الْحَقَّ مِنْهَا ، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِيهِ كَلَامٌ . وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ صِحَّتَهُ ، ثُمَّ هُوَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ } وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ ( وَعَنْ الثَّانِي ) بِأَنَّ التَّحْلِيلَ يَصِحُّ بِأَنْ يُصَيِّرَهُ مَعْلُومًا . فَيَقُولُ : مِنْ كَذَا وَكَذَا ( وَعَنْ الثَّالِثِ ) بِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُمَا ، فَصَحَّا فِي الْمَجْهُولِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ . وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا بِالتَّسْمِيَةِ وَالتَّوْقِيفِ فَالنَّهْيُ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ . وَعَنْ الْغَرَرِ . وَمِنْ الْقِيَاسِ أَنَّهُ رِفْقٌ فِي الْبَيْعِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْطِ ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالْأَجَلِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ ، وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَيَثْبُتُ لَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ عَلَى صِفَتِهِ كَمَا إذَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ حُدُوثِ الْعَيْبِ وَالرِّضَا بِهِ ، وَبِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ فَلَا يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْهِبَةِ وَبِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ فَلَا يُنْفَى بِالشَّرْطِ كَسَائِرِ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ . وَمُلَخَّصُ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ الدَّالَّةِ لِهَذَا الْقَوْلِ تَرْجِعُ إلَى سَبَبَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) التَّعْلِيلُ بِالْجَهَالَةِ ( وَالثَّانِي ) بِمُخَالَفَةِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، وَوَضْعِ الشَّرْعِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
فَإِنْ قَالُوا : الْهِبَةُ فِيهَا تَسْلِيمٌ وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ ، 618 اُنْتُقِضَ عَلَيْهِمْ بِالْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ فَفِيهِمَا تَسْلِيمٌ وَاجِبٌ وَيَصِحَّانِ فِي الْمَجْهُولِ ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى بِأَنْ تُفْرَضَ الْمَسْأَلَةُ فِيمَنْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِمَّا يَحْدُثُ فِي يَدِهِ مِنْ عَيْبٍ ; لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِنْ الضَّمَانِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْإِبْرَاءِ مِنْ ضَمَانِ جَمِيعِ الثَّمَنِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ ، وَأَمَّا الْقَوْلَانِ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ فَضَعِيفَانِ جِدًّا لَا دَلِيلَ لَهُمَا ، وَالسَّادِسُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ قَرِيبٌ مِنْ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ . ( فَرْعٌ ) فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْقَوْلِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَضَاءِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ مُفَارِقَةِ الْحَيَوَانِ لِمَا سِوَاهُ كَمَا بَيَّنَهُ ، فَلَوْ حَكَمْنَا بِأَنَّ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ لَا يَصِحُّ لَأَدَّى إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ بَيْعٌ فِي حَيَوَانٍ أَصْلًا ، وَالتَّمَسُّكُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَيْضًا كَذَلِكَ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ وَتَرَافُعُهُمَا إلَى إمَامِ الْوَقْتِ فِي خُصُومَةٍ وَيُقْضَى بَيْنَهُمَا بِقَضَاءٍ ، الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَعْسُرُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْإِنْكَارُ فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ مُخَالِفٌ ، فَإِنَّهُ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الرَّدُّ ( أَمَّا ) عِلْمُهُ فَلِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْيَمِينِ ( وَأَمَّا ) اعْتِقَادُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَقَبِلَهُ .
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلِمَ وَامْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ تَوَرُّعًا ( قُلْتُ ) وَهَذَا الْجَوَابُ وَالِاحْتِمَالُ يُعْتَضَدُ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الْقَوْلُ بِالْبَرَاءَةِ ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اخْتِلَافِهِ مَعَ مَالِكٍ قَالَ : وَقَدْ اخْتَلَفَ عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ فِي الْعَبْدِ يُبْتَاعُ وَيَبْرَأُ صَاحِبُهُ مِنْ الْعَيْبِ ، فَقَضَى عُثْمَانُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنْ يَحْلِفَ مَا كَانَ بِهِ دَاءٌ عَلِمْتُهُ ، وَقَدْ رَأَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ التَّبَرِّي يُبَرِّئُهُمَا مِمَّا عَلِمَ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ يُخَاطِبُ مَنْ سَأَلَهُ : فَاخْتَرْتُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ وَسَمِعْتُ مِنْ أَصْحَابِكَ مَنْ يَقُولُ : عُثْمَانُ الْخَلِيفَةُ وَقَضَاؤُهُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَأَنَّهُ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ ، وَقَوْلُهُ بِهَذَا كُلِّهِ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ مِنْ ابْنِ عُمَرَ . انْتَهَى . ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ هَذَا فِيمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ عُثْمَانَ وَخِلَافِهِ . فَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي اعْتِقَادَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مُخَالِفٌ لِعُثْمَانَ ، وَحِينَئِذٍ يُعْتَضَدُ 619 الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ - وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ صَحِيحًا ، لَكِنْ لَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِدْلَال لِلشَّافِعِيِّ بِذَلِكَ ، وَهُوَ قَائِلٌ بِخِلَافِهِ . نَعَمْ يَصِحُّ لِمَنْ يَنْظُرُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَهُ . وَمِمَّا يُضْعِفُ التَّمَسُّكُ بِهَذَا الْوَجْهِ لِلْمَذْهَبِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ عَضَّدَ قَوْلَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ مُفَارِقَةِ الْحَيَوَانِ كَانَ كَذَلِكَ لِمَا سَمَّاهُ تَقْلِيدًا ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَشَى عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا انْتَشَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ يَكُونُ كَالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ ، وَفِيهِ نِزَاعٌ ، فَإِنَّهُ أَنْزَلَ رُتْبَةً مِمَّا يَتَحَقَّقُ فِيهِ سُكُوتُ الْبَاقِينَ .
( وَإِنْ قُلْنَا ) بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي السُّكُوتِ حُجَّةٌ لَا سِيَّمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الِاحْتِمَالِ الْقَوِيِّ فِي مُخَالَفَةِ ابْنِ عُمَرَ وَوُرُودِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَعَنْ زَيْدٍ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْرِمُ الظَّنَّ بِعَدَمِ الْخَالِفِ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ هَهُنَا مُعْتَرِضًا عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَذَا الْوَجْهِ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ . ( الْوَجْهُ الثَّانِي ) مِنْ الِاسْتِدْلَالِ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَشَارَ إلَيْهِ مِنْ اعْتِضَادِ قَوْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْقِيَاسِ . وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْقَدِيمِ فَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ . وَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ فَلِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ مَعَ الْقِيَاسِ الضَّعِيفِ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْمَاوَرْدِيُّ بِقِيَاسِ التَّقْرِيبِ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْمَاوَرْدِيُّ بِقِيَاسِ التَّحْقِيقِ ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِالضَّعِيفِ الَّذِي لَا تَجْتَمِعُ فِيهِ شُرُوطُ الْقِيَاسِ فَيُشْكَلُ اعْتِضَادُ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَيَأْتِي فِيهِ الْبَحْثُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْمُرْسَلِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ ، أَوْ الَّذِي اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقِيَاسِ لَكِنَّهُ خَفِيَ لَوْ انْفَرَدَ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ الْقَوِيُّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ .
وَقَدْ فَسَّرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مُرَادَهُ بِقِيَاسِ التَّقْرِيبِ وَقِيَاسِ التَّحْقِيقِ وَهَهُنَا مَبَاحِثُ : 620 أَحَدُهَا ) أَطْلَقَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُنَا أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْقَدِيمِ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ ذَلِكَ مُطْلَقٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ . وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْمُنْتَشِرِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ ، وَهُمَا قَوْلَانِ . فِي الْقَدِيمِ مَنْقُولَانِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ - وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : إنَّهُ فِي الْقَدِيمِ حُجَّةٌ ، وَفِي الْجَدِيدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَّا أَنْ يَنْتَشِرَ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا انْتَشَرَ يَكُونُ حُجَّةً فِي الْجَدِيدِ . وَقَالَ الْجُورِيُّ : إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مُخَالِفٌ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْجَدِيدِ إذَا اُعْتُضِدَ بِضَرْبٍ مِنْ الْقِيَاسِ وَإِنَّهُ فِي الْقَدِيمِ حُجَّةٌ ، فَإِذَا احْتَمَلَ الْمَسْأَلَةَ أَصْلًا كَانَ مَا وَافَقَهُ أَوْلَى ، وَهُوَ أَدْوَنُ الِاجْتِمَاعَاتِ ، وَأَعْلَى مِنْهُ الْإِجْمَاعُ الَّذِي تَعْرِفُهُ الْخَاصَّةُ كَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ وَأَعْلَى مِنْهُ ، وَهُوَ إجْمَاعُ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ لِكَوْنِ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ، هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْجَوْزِيِّ .
وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي مُقَدَّمَةِ كِتَابِ الذَّخِيرَةِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَدَبِ الْقَاضِي : وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُرِدْ الشَّافِعِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ قَبُولَ قَوْلِهِ فِي صُورَةِ التَّقْلِيدِ - فَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَإِنْ قَالَ عُلَمَاؤُهَا قَوْلًا كَانَ حُجَّةً مَقْطُوعًا عَلَى مَعِيَّتِهَا وَإِنْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَوْلًا وَانْتَشَرَ فِي الْبَاقِينَ فَإِنْ صَوَّبُوهُ أَوْ قَالُوا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا ، فَهُوَ إجْمَاعٌ أَيْضًا ، وَحُجَّةٌ مَقْطُوعٌ عَلَى مَعِيَّتِهَا إنْ بَلَغَهُمْ وَسَكَتُوا ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى نَصٍّ وَلَا إنْكَارٍ فَإِذَا انْقَرَضَ الْعَصْرُ كَانَ حُجَّةً أَيْضًا مَقْطُوعًا عَلَى مَعِيَّتِهَا فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِبَارَةِ وَجْهَانِ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يُسَمَّى إجْمَاعًا . وَقَالَ دَاوُد ، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ : لَيْسَ بِحَجَّةٍ . وَإِنْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَوْلًا وَلَمْ يَنْتَشِرْ قَالَ فِي الْقَدِيمِ : هُوَ حُجَّةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَيْسَ بِحُجَّةٍ ( فَإِنْ قُلْنَا ) لَيْسَ بِحُجَّةٍ - فَإِنْ عَاضَدَهُ قِيَاسٌ وَإِنْ ضَعُفَ - كَانَ قَوْلُهُ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ ، وَإِنْ لَمْ يُعَضِّدْهُ قِيَاسٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ التَّابِعِيِّ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُخَصُّ بِقَوْلِهِ الْعُمُومُ ( وَإِنْ قُلْنَا ) حُجَّةٌ قُدِّمَ 621 عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ ، فَيَكُونُ هَذَا الْقِيَاسُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ، وَهَلْ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ ؟ وَجْهَانِ ، هَذَا فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْفُتْيَا .
أَمَّا حُكْمُهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِشَارَةِ الصَّحَابَةِ فَإِجْمَاعٌ ، وَإِلَّا فَإِنْ انْتَشَرَ وَلَمْ يُنْكِرْ فَاَلَّذِي سَمِعْتُ الشَّيْخَ يَقُولُ : لَيْسَ بِحَجَّةٍ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَنْتَشِرْ عَلَى قَوْلَيْنِ ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَسَعُ خِلَافُهُ ، فَلَا يَدُلُّ السُّكُوتُ عَلَى الرِّضَا ، وَرَأَيْتُ أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ فِي الْإِفْصَاحِ يَقُولُ : هَذَا حُجَّةٌ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَكِنْ هَلْ يَقَعُ عَلَى مَعِيَّتِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) نَعَمْ كَالْفَتْوَى ( وَالثَّانِي ) لَا ، وَإِذَا انْتَشَرَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ فِي التَّابِعِينَ لَمْ يَكُنْ كَانْتِشَارِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فِي الصَّحَابَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ ، هَذَا تَلْخِيصُ كَلَامِ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَكَثِيرٌ مِمَّا ذَكَرَهُ شَارَكَهُ فِيهِ الْمُصَنِّفُ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، وَلَكِنْ فِي كَلَامِهِ زِيَادَةُ فَوَائِدَ ، فَلِذَلِكَ رَأَيْتُ نَقْلَهُ ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِنَا : إنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، أَنَّهُ إذَا عَضَّدَهُ قِيَاسٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِيرُ حُجَّةً ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِانْفِرَادٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ : يَصِيرُ حُجَّةً ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأُصُولِ يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الضَّعِيفِ بِمَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ قِيَاسٌ أَقْوَى مِنْهُ فَيُقَدَّمُ هُوَ مَعَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ ، وَحِينَئِذٍ يُتَّجَهُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فُهِمَ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ يَقُولُ بِظَاهِرِ عِبَارَتِهِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَادِحًا فِي التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ .
وَقَدْ رَأَيْتُ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِمَا قُلْنَاهُ ، وَيُشِيرُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ إنَّهُ حُجَّةٌ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَشِرْ وَلَا يُعَضِّدُهُ شَيْءٌ لَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ بِهِ فِي قَدِيمٍ وَلَا جَدِيدٍ ، وَإِنْ اعْتَضَدَ أَوْ انْتَشَرَ قَالَ بِهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ . 622 قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي أَوَّلِ تَعْلِيقَتِهِ : إنَّهُ إذَا اقْتَرَنَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ خَفِيَ قُدِّمَ عَلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا قُلْتُهُ وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ ، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى فِي لَيْلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِتَّ سَجَدَاتٍ ، قَالَ : لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ لَقُلْتُ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فَعَلَهُ تَوْقِيفًا . فَهَذَا النَّصُّ مِنْ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا ، وَإِنَّهُ إنَّمَا يَرُدُّهُ إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ وَالْأُصُولِيُّونَ ذَكَرُوا هَذَا النَّصَّ مِنْ تَفَارِيعِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْحَدِيثِ مِنْ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ : قَوْلُ الصَّحَابِيِّ إذَا انْتَشَرَ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهَا وَهَلْ يُسَمَّى إجْمَاعًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْقَدِيمِ ، فَعَلَى الْقَدِيمِ فِي تَخَصُّصِ الْعُمُومِ بِهِ وَجْهَانِ وَيُقَدَّمُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَيْهِ . وَفِي الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَهُوَ الشَّبَهُ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ . ( وَالثَّانِي ) يُقَدَّمُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ : إنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ، وَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ فَلَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ قَطْعًا ، وَفِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ فَالْقِيَاسُ الَّذِي عَضَّدَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً أَيْضًا لَمْ تَثْبُتْ الدَّلَالَةُ بِاجْتِمَاعِهِمَا وَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ كَافِيًا فِي الْقِيَاسِ وَتَقَدَّمَ الْحُجَّةَ ، فَالْحُجَّةُ فِيهِ لَا فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ .
( وَالْجَوَابُ ) أَنَّ الْقِيَاسَ الْقَوِيَّ يُقْتَضَى أَنْ لَا يَبْرَأَ مُطْلَقًا أَوْ يَبْرَأَ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ : وَإِنَّهُ أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ ، يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ أَصَحُّ ، وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ قِيَاسٌ صَحِيحٌ فَلَوْ انْفَرَدَ هَذَانِ الْقِيَاسَانِ لَقُلْنَا بِالْقِيَاسِ الْأَصَحِّ لَكِنْ لَمَّا جَاءَ قَضَاءُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوِيَ هُوَ 623 وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ عَلَى الْقِيَاسِ الْأَصَحِّ . وَلَا يُمْنَعُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً أَنْ لَا يُقَوَّى بِهِ لَا سِيَّمَا عُثْمَانَ وَقَضَاؤُهُ فِي هَذَا . ( الْأَمْرُ الثَّالِثُ ) أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ سَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ تَقْلِيدًا ؟ وَقَبُولُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْقَدِيمِ أَوْ إذَا اعْتَضَدَ بِمَا ذَكَرْتُمْ عَلَى الْجَدِيدِ حُجَّةٌ وَقَبُولُ الْحُجَّةِ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا لِقَبُولِ الْخَبَرِ .
( وَالْجَوَابُ ) أَنَّ الْوَاجِبَ اتِّبَاعُهُ ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِهِ وَهُوَ مَجْمُوعُ مَا حَصَلَ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ مَعَ الْقِيَاسِ الْفَارِقِ وَالْمَوْصُوفِ بِالتَّقْلِيدِ هُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحْدَهُ ، وَإِطْلَاقُ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ صَحِيحٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ وَحْدَهُ وَلَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ قَالَهُ ، وَهَذَانِ هُمَا حَدُّ التَّقْلِيدِ ، فَاجْتَمَعَ هُنَا تَقْلِيدٌ وَدَلِيلٌ ، وَالْمُمْتَنِعُ عِنْدَنَا هُوَ التَّقْلِيدُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَالرُّويَانِيُّ قَالَ : إنَّهُ مَا قُصِدَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ مَحْضَ التَّقْلِيدِ ، بَلْ أَرَادَ الِاسْتِئْنَاسَ كَمَا قَالَ فِي الْفَرَائِضِ أَنَّهُ قَلَّدَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فِي الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْقِيَاسِ . ( الرَّابِعُ ) فِي قَوْلِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ عِنْدَنَا هُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي اسْتَشْكَلَهَا إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَفِي الْأُمِّ مِنْ كَلَامِ الرَّبِيعِ أَوْ مِنْ كَلَامِ الْبُوَيْطِيِّ اللَّهُ أَعْلَمُ فِي اخْتِلَافِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ ( فَقُلْتُ ) لِلشَّافِعِيِّ : إنَّ لَنَا كِتَابًا قَدْ صِرْنَا إلَى اتِّبَاعِهِ ، وَفِيهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَدْ أَوْضَحْنَا لَكَ مَا يَدُلُّكَ عَلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ بِالْمَدِينَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا ، وَطَوَّلَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ الْإِيرَادِ ، نَحْوَ ثَلَاثِ وَرَقَاتٍ ثُمَّ قَالَ : وَمَا كَلَّمْتُ مِنْكُمْ أَحَدًا قَطُّ فَرَأَيْتُهُ يَعْرِفُ مَعْنَاهَا ، وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَجْهَلُوا كَيْفَ مَوْضِعُ الْأَمْرِ عِنْدَنَا إنْ كَانَ يُوجَدُ فِيهِ مَا تَرَوْنَ .
( قُلْتُ ) وَقَدْ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ مَالِكٍ بَيَانَ قَوْلِهِ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ ( فَقَالَ ) إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : سَأَلْتُ خَالِي مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّإِ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا 624 يُفَسِّرُهُ لِي ، فَقَالَ : أَمَّا قَوْلِي : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، فَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا . وَأَمَّا قَوْلِي : الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ فَهُوَ الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَقْتَدِي بِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الْخِلَافِ . وَأَمَّا قَوْلِي : الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَمَا سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ ، فَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَرْتَضِيهِ وَأَقْتَدِي بِهِ ، وَمَا اخْتَرْتُهُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ دُونَ لَفْظِهِ ( قَالَ ) وَتَنْزِيلُ مَالِكٍ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَتَرْتِيبُهَا مَعَ تَقَارُبِهَا فِي الْأَلْفَاظِ يَدُلُّ عَلَى تَجَوُّزِهِ فِي الْعِبَارَةِ ، وَأَنَّهُ يُطْلِقُ لَفْظَ الْإِجْمَاعِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ تَرْجِيحَ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ مِنْ الرُّتْبَةِ .
( قُلْتُ ) وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الْمُخْتَصَرِ : وَلَوْ سَمَّاهَا لِاخْتِلَافِهَا ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي اخْتِلَافِ الْعِرَاقِيِّينَ : وَلَا يَبْرَأُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَقِفَهُ عَلَيْهِ . وَكَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ هَذَا الضَّرْبَ لَيْسَ مَحَلَّ الْخِلَافِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْقَائِلَ بِالْبَرَاءَةِ مُطْلَقًا إذَا أَطْلَقَ شَرْطَ الْبَرَاءَةِ يَقُولُ هُنَا عِنْدَ التَّسْمِيَةِ وَإِنْ لَمْ يَقِفْهُ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْبَرَصُ وَنَحْوُهُ فِي بَاطِنٍ فَإِنَّ الْأَصَحَّ أَنْ يَبْرَأَ مِنْهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَفِي حَالَةِ التَّسْمِيَةِ كَذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ إنْ أَرَاهُ مَوْضِعَ الْبَرَصِ وَقَدَّرَهُ صَحَّ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ فَهُوَ كَشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مُطْلَقًا ، وَكَذَلِكَ يَقْتَضِيهِ كَلَامُ 616 الْإِمَامِ وَالْفُورَانِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَالْبَغَوِيِّ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . قَالَ الرَّافِعِيُّ : هَكَذَا فَصَّلُوهُ ، وَكَأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِيمَا يَعْرِفُهُ فِي الْمَبِيعِ مِنْ الْعُيُوبِ وَأَمَّا مَا لَا يَعْرِفُهُ وَيُرِيدُ الْبَرَاءَةَ عَنْهُ لَوْ كَانَ ، فَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ تَفْرِيعًا عَلَى فَسَادِ الشَّرْطِ فِيهِ خِلَافًا مُخَرَّجًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَيَيْنِ ، يَعْنِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي فَسَادِ الشَّرْطِ الْجَهَالَةُ أَوْ كَوْنُهُ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ( إنْ قُلْنَا ) بِالْأَوَّلِ صَحَّ لِانْتِفَاءِ الْجَهَالَةِ .
( وَإِنْ قُلْنَا ) بِالثَّانِي فَلَا ، وَمَثَّلَ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ بِتَسْمِيَةِ الْعَيْبِ بِأَنْ يَقُولَ عَلَى أَنَّهُ بَرِئَ مِنْ الزِّنَا وَالْإِبَاقِ وَالسَّرِقَةِ ، وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الَّذِي تُمْكِنُ مُعَايَنَتُهُ لَا تَكْفِي فِيهِ التَّسْمِيَةُ هُوَ قَوْلُ الْأَصْحَابِ . قَالَ : لِقِلَّةِ الْجَهَالَةِ ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ ، وَمَثَّلَ الْقَاضِي هَذَا النَّوْعَ بِإِخْبَارِهِ بِمِثْلِ الْجِدَارِ وَانْكِسَاحِ الْجِذْعِ . ( فَرْعٌ ) ادَّعَى الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْبَرَاءَةِ إذَا شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِنْ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْإِبَاقِ ، لِأَنَّ ذِكْرَهُمَا إعْلَامٌ ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي الْفَتَاوَى مَا يَقْتَضِي الْمُنَازَعَةَ فِي هَذَا الْإِطْلَاقِ ، وَأَنَّهُ إنْ قَالَ : هُوَ آبِقٌ وَبِعْتُكَهُ بِشَرْطِ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ عَيْبِ الْإِبَاقِ ، بَرِئَ قَطْعًا ، وَلَوْ قَالَ : لَا أَعْلَمُهُ آبِقًا وَبِعْتُكَهُ بِشَرْطِ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْ عَيْبِ الْإِبَاقِ ، قَالَ : فَلِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُقَدِّمَةٌ ، وَهِيَ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَعْلَمْهُ وَجَهِلَ كَمَا لَوْ بَاعَ مَالَ ابْنِهِ عَلَى ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ فَبَانَ مَيِّتًا . ( فَإِنْ قُلْنَا ) يَبْرَأُ بَرِئَ هُنَا .
( وَإِنْ قُلْنَا ) لَا يَبْرَأُ فَالْبَيْعُ بِهَذَا الشَّرْطِ هَلْ يَصِحُّ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ( فَإِنْ قُلْنَا ) يَصِحُّ فَفِي صِحَّةِ الشَّرْطِ جَوَابَانِ - وَإِنْ قَالَ : بِعْتُكَهُ بِشَرْطِ أَنَّى بَرِيءٌ مِنْ الْإِبَاقِ ، وَيَعْنِي لَوْ لَمْ يَعْلَمْ شَيْئًا قَالَ : فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ رَدُّهُ ; لِأَنَّ الشَّرْطَ إعْلَامٌ . وَإِنْ قَالَ : لَا أَعْلَمُ هَلْ هُوَ آبِقًا أَوْ لَا ، وَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ، يَعْنِي وَلَمْ يَشْتَرِطْ فَوَجَدَهُ آبِقًا فَلَهُ الرَّدُّ ، ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي فَتَاوِيهِ . 617 الضَّرْبُ الثَّالِثُ ) أَنْ يَبْرَأَ إلَيْهِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَمِّيَهَا ، وَلَا يَقِفُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهَا فَهُوَ مَحَلُّ الْأَقْوَالِ وَالطُّرُقِ الْمُتَقَدِّمَةِ . ( فَرْعٌ ) فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْأَقْوَالِ الْمَذْكُورَةِ غَيْرِ الْقَوْلِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَوْ أَجْوِبَتِهَا . أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنَّهُ يَبْرَأُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } وَبِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مِنْ الْمَجْهُولِ صَحِيحٌ { لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلَيْنِ تَخَاصَمَا عِنْدَهُ فِي مَوَارِيثَ دَرَسَتْ : أَسْهِمَا وَأَوْجِبَا وَلْيُحْلِلْ أَحَدُكُمَا صَاحِبَهُ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ ، وَبِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ لَا تَسْلِيمَ فِيهِ فَيَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ ، وَبِأَنَّ خِيَارَ الْعَيْبِ إنَّمَا يَثْبُتُ لِاقْتِضَاءِ مُطْلَقِ الْعَقْدِ السَّلَامَةَ ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالْبَرَاءَةِ ارْتَفَعَ الْإِطْلَاقُ .
( وَالْجَوَابُ ) عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ رُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا وَافَقَ الْحَقَّ مِنْهَا ، عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فِيهِ كَلَامٌ . وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ صِحَّتَهُ ، ثُمَّ هُوَ مُعَارِضٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ } وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ ( وَعَنْ الثَّانِي ) بِأَنَّ التَّحْلِيلَ يَصِحُّ بِأَنْ يُصَيِّرَهُ مَعْلُومًا . فَيَقُولُ : مِنْ كَذَا وَكَذَا ( وَعَنْ الثَّالِثِ ) بِأَنَّ الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُمَا ، فَصَحَّا فِي الْمَجْهُولِ بِخِلَافِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ . وَأَمَّا الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الْعُيُوبِ إلَّا بِالتَّسْمِيَةِ وَالتَّوْقِيفِ فَالنَّهْيُ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ . وَعَنْ الْغَرَرِ . وَمِنْ الْقِيَاسِ أَنَّهُ رِفْقٌ فِي الْبَيْعِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالشَّرْطِ ، فَلَا يَثْبُتُ مَعَ الْجَهَالَةِ كَالْأَجَلِ وَالرَّهْنِ وَالضَّمَانِ ، وَلِأَنَّهُ عَيْبٌ لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي فَيَثْبُتُ لَهُ رَدُّ الْمَبِيعِ عَلَى صِفَتِهِ كَمَا إذَا لَمْ يَبْرَأْ مِنْهُ وَفِيهِ احْتِرَازٌ عَنْ حُدُوثِ الْعَيْبِ وَالرِّضَا بِهِ ، وَبِأَنَّ الْإِبْرَاءَ مِنْ الْمَجْهُولِ لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ فَلَا يَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ كَالْهِبَةِ وَبِأَنَّهُ خِيَارٌ ثَابِتٌ بِالشَّرْعِ فَلَا يُنْفَى بِالشَّرْطِ كَسَائِرِ مُقْتَضَيَاتِ الْعَقْدِ . وَمُلَخَّصُ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ الدَّالَّةِ لِهَذَا الْقَوْلِ تَرْجِعُ إلَى سَبَبَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) التَّعْلِيلُ بِالْجَهَالَةِ ( وَالثَّانِي ) بِمُخَالَفَةِ مُقْتَضَى الْعَقْدِ ، وَوَضْعِ الشَّرْعِ فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
فَإِنْ قَالُوا : الْهِبَةُ فِيهَا تَسْلِيمٌ وَالْجَهَالَةُ تَمْنَعُ مِنْ التَّسْلِيمِ ، 618 اُنْتُقِضَ عَلَيْهِمْ بِالْوَصِيَّةِ وَالْإِقْرَارِ فَفِيهِمَا تَسْلِيمٌ وَاجِبٌ وَيَصِحَّانِ فِي الْمَجْهُولِ ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ طَرِيقَةٌ أُخْرَى بِأَنْ تُفْرَضَ الْمَسْأَلَةُ فِيمَنْ شَرَطَ الْبَرَاءَةَ مِمَّا يَحْدُثُ فِي يَدِهِ مِنْ عَيْبٍ ; لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ مِنْ الضَّمَانِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْإِبْرَاءِ مِنْ ضَمَانِ جَمِيعِ الثَّمَنِ إذَا تَلِفَ فِي يَدِهِ ، وَأَمَّا الْقَوْلَانِ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ فَضَعِيفَانِ جِدًّا لَا دَلِيلَ لَهُمَا ، وَالسَّادِسُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ قَرِيبٌ مِنْ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ . ( فَرْعٌ ) فِي الِاسْتِدْلَالِ لِلْقَوْلِ الظَّاهِرِ مِنْ الْمَذْهَبِ ، الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ قَضَاءِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ مُفَارِقَةِ الْحَيَوَانِ لِمَا سِوَاهُ كَمَا بَيَّنَهُ ، فَلَوْ حَكَمْنَا بِأَنَّ الْبَيْعَ وَالشَّرْطَ لَا يَصِحُّ لَأَدَّى إلَى أَنْ لَا يَسْتَقِرَّ بَيْعٌ فِي حَيَوَانٍ أَصْلًا ، وَالتَّمَسُّكُ بِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ أَيْضًا كَذَلِكَ ، وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ الْمُشْتَرِي مِنْهُ وَتَرَافُعُهُمَا إلَى إمَامِ الْوَقْتِ فِي خُصُومَةٍ وَيُقْضَى بَيْنَهُمَا بِقَضَاءٍ ، الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ يَعْسُرُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْإِنْكَارُ فَكَانَ إجْمَاعًا ، وَاعْتُرِضَ عَلَى هَذَا بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ مُخَالِفٌ ، فَإِنَّهُ عَلِمَ بِالْعَيْبِ وَاعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ الرَّدُّ ( أَمَّا ) عِلْمُهُ فَلِامْتِنَاعِهِ مِنْ الْيَمِينِ ( وَأَمَّا ) اعْتِقَادُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَقَبِلَهُ .
وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ عَلِمَ وَامْتَنَعَ عَنْ الْيَمِينِ تَوَرُّعًا ( قُلْتُ ) وَهَذَا الْجَوَابُ وَالِاحْتِمَالُ يُعْتَضَدُ بِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ الْقَوْلُ بِالْبَرَاءَةِ ، لَكِنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اخْتِلَافِهِ مَعَ مَالِكٍ قَالَ : وَقَدْ اخْتَلَفَ عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ فِي الْعَبْدِ يُبْتَاعُ وَيَبْرَأُ صَاحِبُهُ مِنْ الْعَيْبِ ، فَقَضَى عُثْمَانُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنْ يَحْلِفَ مَا كَانَ بِهِ دَاءٌ عَلِمْتُهُ ، وَقَدْ رَأَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ التَّبَرِّي يُبَرِّئُهُمَا مِمَّا عَلِمَ وَمَا لَمْ يَعْلَمْ ، قَالَ الشَّافِعِيُّ يُخَاطِبُ مَنْ سَأَلَهُ : فَاخْتَرْتُ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ وَسَمِعْتُ مِنْ أَصْحَابِكَ مَنْ يَقُولُ : عُثْمَانُ الْخَلِيفَةُ وَقَضَاؤُهُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَأَنَّهُ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ ، وَقَوْلُهُ بِهَذَا كُلِّهِ أَوْلَى أَنْ يُتَّبَعَ مِنْ ابْنِ عُمَرَ . انْتَهَى . ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ هَذَا فِيمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ عُثْمَانَ وَخِلَافِهِ . فَهَذَا الْكَلَامُ مِنْ الشَّافِعِيِّ يَقْتَضِي اعْتِقَادَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مُخَالِفٌ لِعُثْمَانَ ، وَحِينَئِذٍ يُعْتَضَدُ 619 الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ - وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ ، وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرُوهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ صَحِيحًا ، لَكِنْ لَا يَسْتَقِيمُ الِاسْتِدْلَال لِلشَّافِعِيِّ بِذَلِكَ ، وَهُوَ قَائِلٌ بِخِلَافِهِ . نَعَمْ يَصِحُّ لِمَنْ يَنْظُرُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَهُ . وَمِمَّا يُضْعِفُ التَّمَسُّكُ بِهَذَا الْوَجْهِ لِلْمَذْهَبِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ عَضَّدَ قَوْلَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا ذَكَرَهُ مِنْ مُفَارِقَةِ الْحَيَوَانِ كَانَ كَذَلِكَ لِمَا سَمَّاهُ تَقْلِيدًا ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مَشَى عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ إذَا انْتَشَرَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ يَكُونُ كَالْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ ، وَفِيهِ نِزَاعٌ ، فَإِنَّهُ أَنْزَلَ رُتْبَةً مِمَّا يَتَحَقَّقُ فِيهِ سُكُوتُ الْبَاقِينَ .
( وَإِنْ قُلْنَا ) بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ فِي السُّكُوتِ حُجَّةٌ لَا سِيَّمَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الِاحْتِمَالِ الْقَوِيِّ فِي مُخَالَفَةِ ابْنِ عُمَرَ وَوُرُودِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَعَنْ زَيْدٍ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ وَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَخْرِمُ الظَّنَّ بِعَدَمِ الْخَالِفِ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ هَهُنَا مُعْتَرِضًا عَلَى التَّمَسُّكِ بِهَذَا الْوَجْهِ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ . ( الْوَجْهُ الثَّانِي ) مِنْ الِاسْتِدْلَالِ مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَشَارَ إلَيْهِ مِنْ اعْتِضَادِ قَوْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْقِيَاسِ . وَمِثْلُ هَذَا يَكُونُ حُجَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْقَدِيمِ فَلِأَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ . وَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ فَلِأَنَّهُ يَرَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ مَعَ الْقِيَاسِ الضَّعِيفِ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْمَاوَرْدِيُّ بِقِيَاسِ التَّقْرِيبِ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْمَاوَرْدِيُّ بِقِيَاسِ التَّحْقِيقِ ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِالضَّعِيفِ الَّذِي لَا تَجْتَمِعُ فِيهِ شُرُوطُ الْقِيَاسِ فَيُشْكَلُ اعْتِضَادُ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَيَأْتِي فِيهِ الْبَحْثُ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي الْمُرْسَلِ فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ ، أَوْ الَّذِي اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْقِيَاسِ لَكِنَّهُ خَفِيَ لَوْ انْفَرَدَ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ الْقَوِيُّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادَ .
وَقَدْ فَسَّرَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ مُرَادَهُ بِقِيَاسِ التَّقْرِيبِ وَقِيَاسِ التَّحْقِيقِ وَهَهُنَا مَبَاحِثُ : 620 أَحَدُهَا ) أَطْلَقَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُنَا أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْقَدِيمِ حُجَّةٌ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْقِيَاسِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ ذَلِكَ مُطْلَقٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ . وَقَيَّدَهُ الْمَاوَرْدِيُّ بِالْمُنْتَشِرِ الَّذِي لَمْ يُعْلَمْ خِلَافُهُ ، وَهُمَا قَوْلَانِ . فِي الْقَدِيمِ مَنْقُولَانِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ - وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ : إنَّهُ فِي الْقَدِيمِ حُجَّةٌ ، وَفِي الْجَدِيدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَّا أَنْ يَنْتَشِرَ ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا انْتَشَرَ يَكُونُ حُجَّةً فِي الْجَدِيدِ . وَقَالَ الْجُورِيُّ : إنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مُخَالِفٌ إنَّمَا يَكُونُ حُجَّةً فِي الْجَدِيدِ إذَا اُعْتُضِدَ بِضَرْبٍ مِنْ الْقِيَاسِ وَإِنَّهُ فِي الْقَدِيمِ حُجَّةٌ ، فَإِذَا احْتَمَلَ الْمَسْأَلَةَ أَصْلًا كَانَ مَا وَافَقَهُ أَوْلَى ، وَهُوَ أَدْوَنُ الِاجْتِمَاعَاتِ ، وَأَعْلَى مِنْهُ الْإِجْمَاعُ الَّذِي تَعْرِفُهُ الْخَاصَّةُ كَتَحْرِيمِ النِّكَاحِ فِي الْعِدَّةِ وَأَعْلَى مِنْهُ ، وَهُوَ إجْمَاعُ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ لِكَوْنِ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ، هَذَا مُخْتَصَرُ كَلَامِ الْجَوْزِيِّ .
وَقَالَ الْبَنْدَنِيجِيُّ فِي مُقَدَّمَةِ كِتَابِ الذَّخِيرَةِ : قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَدَبِ الْقَاضِي : وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يُقَلِّدَ أَحَدًا غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُرِدْ الشَّافِعِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلُهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ قَبُولَ قَوْلِهِ فِي صُورَةِ التَّقْلِيدِ - فَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَإِنْ قَالَ عُلَمَاؤُهَا قَوْلًا كَانَ حُجَّةً مَقْطُوعًا عَلَى مَعِيَّتِهَا وَإِنْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَوْلًا وَانْتَشَرَ فِي الْبَاقِينَ فَإِنْ صَوَّبُوهُ أَوْ قَالُوا مَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا ، فَهُوَ إجْمَاعٌ أَيْضًا ، وَحُجَّةٌ مَقْطُوعٌ عَلَى مَعِيَّتِهَا إنْ بَلَغَهُمْ وَسَكَتُوا ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى نَصٍّ وَلَا إنْكَارٍ فَإِذَا انْقَرَضَ الْعَصْرُ كَانَ حُجَّةً أَيْضًا مَقْطُوعًا عَلَى مَعِيَّتِهَا فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْإِجْمَاعِ عَلَيْهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِبَارَةِ وَجْهَانِ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يُسَمَّى إجْمَاعًا . وَقَالَ دَاوُد ، وَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ : لَيْسَ بِحَجَّةٍ . وَإِنْ قَالَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَوْلًا وَلَمْ يَنْتَشِرْ قَالَ فِي الْقَدِيمِ : هُوَ حُجَّةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ : لَيْسَ بِحُجَّةٍ ( فَإِنْ قُلْنَا ) لَيْسَ بِحُجَّةٍ - فَإِنْ عَاضَدَهُ قِيَاسٌ وَإِنْ ضَعُفَ - كَانَ قَوْلُهُ مُقَدَّمًا عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ ، وَإِنْ لَمْ يُعَضِّدْهُ قِيَاسٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ التَّابِعِيِّ يُقَدَّمُ الْقِيَاسُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُخَصُّ بِقَوْلِهِ الْعُمُومُ ( وَإِنْ قُلْنَا ) حُجَّةٌ قُدِّمَ 621 عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ ، فَيَكُونُ هَذَا الْقِيَاسُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ ، وَهَلْ يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ ؟ وَجْهَانِ ، هَذَا فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْفُتْيَا .
أَمَّا حُكْمُهُ فَإِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِشَارَةِ الصَّحَابَةِ فَإِجْمَاعٌ ، وَإِلَّا فَإِنْ انْتَشَرَ وَلَمْ يُنْكِرْ فَاَلَّذِي سَمِعْتُ الشَّيْخَ يَقُولُ : لَيْسَ بِحَجَّةٍ ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْوَاحِدِ إذَا لَمْ يَنْتَشِرْ عَلَى قَوْلَيْنِ ، لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يَسَعُ خِلَافُهُ ، فَلَا يَدُلُّ السُّكُوتُ عَلَى الرِّضَا ، وَرَأَيْتُ أَبَا عَلِيٍّ الطَّبَرِيَّ فِي الْإِفْصَاحِ يَقُولُ : هَذَا حُجَّةٌ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَلَكِنْ هَلْ يَقَعُ عَلَى مَعِيَّتِهَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) نَعَمْ كَالْفَتْوَى ( وَالثَّانِي ) لَا ، وَإِذَا انْتَشَرَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ فِي التَّابِعِينَ لَمْ يَكُنْ كَانْتِشَارِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فِي الصَّحَابَةِ عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ ، هَذَا تَلْخِيصُ كَلَامِ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَكَثِيرٌ مِمَّا ذَكَرَهُ شَارَكَهُ فِيهِ الْمُصَنِّفُ وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، وَلَكِنْ فِي كَلَامِهِ زِيَادَةُ فَوَائِدَ ، فَلِذَلِكَ رَأَيْتُ نَقْلَهُ ، وَاخْتَارَ الْمُصَنِّفُ عَلَى قَوْلِنَا : إنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ، أَنَّهُ إذَا عَضَّدَهُ قِيَاسٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِيرُ حُجَّةً ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا بِانْفِرَادٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ . وَقَالَ الصَّيْرَفِيُّ : يَصِيرُ حُجَّةً ، وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْأُصُولِ يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْمَاوَرْدِيُّ هُنَا أَنَّ ذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ ، وَقَدْ قَدَّمْتُ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الضَّعِيفِ بِمَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ قِيَاسٌ أَقْوَى مِنْهُ فَيُقَدَّمُ هُوَ مَعَ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْقِيَاسِ الْقَوِيِّ ، وَحِينَئِذٍ يُتَّجَهُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فُهِمَ عَنْ الصَّيْرَفِيِّ أَنَّهُ يَقُولُ بِظَاهِرِ عِبَارَتِهِ وَحِينَئِذٍ لَا يَكُونُ قَادِحًا فِي التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ .
وَقَدْ رَأَيْتُ كَلَامَ أَبِي بَكْرٍ الصَّيْرَفِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ ، وَهُوَ يُشْعِرُ بِمَا قُلْنَاهُ ، وَيُشِيرُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ إنَّهُ حُجَّةٌ كَأَنَّهُ يَرَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَنْتَشِرْ وَلَا يُعَضِّدُهُ شَيْءٌ لَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ بِهِ فِي قَدِيمٍ وَلَا جَدِيدٍ ، وَإِنْ اعْتَضَدَ أَوْ انْتَشَرَ قَالَ بِهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْجَدِيدِ . 622 قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي أَوَّلِ تَعْلِيقَتِهِ : إنَّهُ إذَا اقْتَرَنَ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ قِيَاسٌ خَفِيَ قُدِّمَ عَلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا قُلْتُهُ وَمَا قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ ، وَيُؤَيِّدُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ فِي اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ صَلَّى فِي لَيْلَةٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ سِتَّ سَجَدَاتٍ ، قَالَ : لَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ لَقُلْتُ بِهِ ، فَإِنَّهُ لَا مَجَالَ لِلْقِيَاسِ فِيهِ ، فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ فَعَلَهُ تَوْقِيفًا . فَهَذَا النَّصُّ مِنْ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَيْنَ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا ، وَإِنَّهُ إنَّمَا يَرُدُّهُ إذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ وَالْأُصُولِيُّونَ ذَكَرُوا هَذَا النَّصَّ مِنْ تَفَارِيعِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ ، وَعِنْدِي فِي ذَلِكَ أَنَّ اخْتِلَافَ الْحَدِيثِ مِنْ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ ، وَقَدْ رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْمِصْرِيِّينَ عَنْهُ .
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ : قَوْلُ الصَّحَابِيِّ إذَا انْتَشَرَ حُجَّةٌ مَقْطُوعٌ بِهَا وَهَلْ يُسَمَّى إجْمَاعًا ؟ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَشِرْ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ حُجَّةٌ فِي الْقَدِيمِ ، فَعَلَى الْقَدِيمِ فِي تَخَصُّصِ الْعُمُومِ بِهِ وَجْهَانِ وَيُقَدَّمُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ عَلَيْهِ . وَفِي الْقِيَاسِ الْخَفِيِّ وَهُوَ الشَّبَهُ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) يُقَدَّمُ عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ . ( وَالثَّانِي ) يُقَدَّمُ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ : إنَّهُ يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ ، وَأَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ فَلَا يُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ قَطْعًا ، وَفِي تَرْجِيحِ أَحَدِ الْقِيَاسَيْنِ فَالْقِيَاسُ الَّذِي عَضَّدَهُ مِنْ الْفَرْقِ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً أَيْضًا لَمْ تَثْبُتْ الدَّلَالَةُ بِاجْتِمَاعِهِمَا وَإِنْ كَانَ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ كَافِيًا فِي الْقِيَاسِ وَتَقَدَّمَ الْحُجَّةَ ، فَالْحُجَّةُ فِيهِ لَا فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ .
( وَالْجَوَابُ ) أَنَّ الْقِيَاسَ الْقَوِيَّ يُقْتَضَى أَنْ لَا يَبْرَأَ مُطْلَقًا أَوْ يَبْرَأَ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ : وَإِنَّهُ أَصَحُّ فِي الْقِيَاسِ ، يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّ هَذَا قِيَاسٌ أَصَحُّ ، وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ قِيَاسٌ صَحِيحٌ فَلَوْ انْفَرَدَ هَذَانِ الْقِيَاسَانِ لَقُلْنَا بِالْقِيَاسِ الْأَصَحِّ لَكِنْ لَمَّا جَاءَ قَضَاءُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوِيَ هُوَ 623 وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ عَلَى الْقِيَاسِ الْأَصَحِّ . وَلَا يُمْنَعُ إذَا لَمْ يَكُنْ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً أَنْ لَا يُقَوَّى بِهِ لَا سِيَّمَا عُثْمَانَ وَقَضَاؤُهُ فِي هَذَا . ( الْأَمْرُ الثَّالِثُ ) أَنَّهُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَلِمَ سَمَّاهُ الشَّافِعِيُّ تَقْلِيدًا ؟ وَقَبُولُ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ عَلَى الْقَدِيمِ أَوْ إذَا اعْتَضَدَ بِمَا ذَكَرْتُمْ عَلَى الْجَدِيدِ حُجَّةٌ وَقَبُولُ الْحُجَّةِ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا لِقَبُولِ الْخَبَرِ .
( وَالْجَوَابُ ) أَنَّ الْوَاجِبَ اتِّبَاعُهُ ، وَقِيَامُ الْحُجَّةِ بِهِ وَهُوَ مَجْمُوعُ مَا حَصَلَ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ مَعَ الْقِيَاسِ الْفَارِقِ وَالْمَوْصُوفِ بِالتَّقْلِيدِ هُوَ قَوْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَحْدَهُ ، وَإِطْلَاقُ التَّقْلِيدِ عَلَيْهِ وَحْدَهُ صَحِيحٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ قَبُولُهُ وَحْدَهُ وَلَا يُدْرَى مِنْ أَيْنَ قَالَهُ ، وَهَذَانِ هُمَا حَدُّ التَّقْلِيدِ ، فَاجْتَمَعَ هُنَا تَقْلِيدٌ وَدَلِيلٌ ، وَالْمُمْتَنِعُ عِنْدَنَا هُوَ التَّقْلِيدُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، وَالرُّويَانِيُّ قَالَ : إنَّهُ مَا قُصِدَ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ مَحْضَ التَّقْلِيدِ ، بَلْ أَرَادَ الِاسْتِئْنَاسَ كَمَا قَالَ فِي الْفَرَائِضِ أَنَّهُ قَلَّدَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فِي الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالْقِيَاسِ . ( الرَّابِعُ ) فِي قَوْلِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهِ عِنْدَنَا هُوَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الْمُشْكِلَاتِ الَّتِي اسْتَشْكَلَهَا إمَامُنَا الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَفِي الْأُمِّ مِنْ كَلَامِ الرَّبِيعِ أَوْ مِنْ كَلَامِ الْبُوَيْطِيِّ اللَّهُ أَعْلَمُ فِي اخْتِلَافِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ ( فَقُلْتُ ) لِلشَّافِعِيِّ : إنَّ لَنَا كِتَابًا قَدْ صِرْنَا إلَى اتِّبَاعِهِ ، وَفِيهِ الْأَمْرُ عِنْدَنَا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : قَدْ أَوْضَحْنَا لَكَ مَا يَدُلُّكَ عَلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ بِالْمَدِينَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا ، وَطَوَّلَ الشَّافِعِيُّ فِي الْبَحْثِ فِي ذَلِكَ الْإِيرَادِ ، نَحْوَ ثَلَاثِ وَرَقَاتٍ ثُمَّ قَالَ : وَمَا كَلَّمْتُ مِنْكُمْ أَحَدًا قَطُّ فَرَأَيْتُهُ يَعْرِفُ مَعْنَاهَا ، وَمَا يَنْبَغِي لَكُمْ أَنْ تَجْهَلُوا كَيْفَ مَوْضِعُ الْأَمْرِ عِنْدَنَا إنْ كَانَ يُوجَدُ فِيهِ مَا تَرَوْنَ .
( قُلْتُ ) وَقَدْ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَلَّفَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَقَدْ رَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ مَالِكٍ بَيَانَ قَوْلِهِ : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ ( فَقَالَ ) إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ : سَأَلْتُ خَالِي مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ فِي الْمُوَطَّإِ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ وَالْأَمْرُ عِنْدَنَا 624 يُفَسِّرُهُ لِي ، فَقَالَ : أَمَّا قَوْلِي : الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا ، الْأَمْرُ الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ ، فَهَذَا مَا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا . وَأَمَّا قَوْلِي : الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ فَهُوَ الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مَنْ أَرْضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَقْتَدِي بِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَعْضُ الْخِلَافِ . وَأَمَّا قَوْلِي : الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَمَا سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ ، فَهُوَ قَوْلُ مَنْ أَرْتَضِيهِ وَأَقْتَدِي بِهِ ، وَمَا اخْتَرْتُهُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ ، هَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ دُونَ لَفْظِهِ ( قَالَ ) وَتَنْزِيلُ مَالِكٍ لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَتَرْتِيبُهَا مَعَ تَقَارُبِهَا فِي الْأَلْفَاظِ يَدُلُّ عَلَى تَجَوُّزِهِ فِي الْعِبَارَةِ ، وَأَنَّهُ يُطْلِقُ لَفْظَ الْإِجْمَاعِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ تَرْجِيحَ مَا يَمِيلُ إلَيْهِ مِنْ الرُّتْبَةِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث