المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء السابع
1559 - مَسْأَلَةٌ : وَمَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُسَمًّى حَالَّةً ، أَوْ إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَرِيبًا أَوْ بَعِيدًا فَلَهُ أَنْ يَبْتَاعَ تِلْكَ السِّلْعَةَ مِنْ الَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ مِثْلِ الَّذِي بَاعَهَا بِهِ مِنْهُ ، وَبِأَكْثَرَ مِنْهُ ، وَبِأَقَلَّ حَالًّا ، وَإِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَقْرَبَ مِنْ الَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ إلَيْهِ ، أَوْ أَبْعَدَ وَمِثْلَهُ ، كُلُّ ذَلِكَ حَلَالٌ لَا كَرَاهِيَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ شَرْطٍ مَذْكُورٍ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ ، فَإِنْ كَانَ عَنْ شَرْطٍ فَهُوَ حَرَامٌ مَفْسُوخٌ أَبَدًا مَحْكُومٌ فِيهِ بِحُكْمِ الْغَصْبِ - وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَأَصْحَابِهِمَا .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .
وقَوْله تَعَالَى : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } .
فَهَذَانِ بَيْعَانِ فَهُمَا حَلَالَانِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَأْتِ تَفْصِيلُ تَحْرِيمِهِمَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } فَلَيْسَا بِحَرَامٍ .
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ } .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَا وَقَبَضَ السِّلْعَةَ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ الْبَائِعِ لَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ هُوَ الثَّمَنَ الَّذِي كَانَ اشْتَرَاهَا هُوَ بِهِ : فَالْبَيْعُ الثَّانِي بَاطِلٌ .
فَإِنْ بَاعَهَا مِنْ الَّذِي كَانَ ابْتَاعَهَا مِنْهُ بِدَنَانِيرَ ، وَكَانَ هُوَ قَدْ اشْتَرَاهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ ابْتَاعَهَا بِدَنَانِيرَ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ بَائِعِهَا بِدَرَاهِمَ فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الثَّمَنِ الثَّانِي أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ .
فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ الَّذِي ابْتَاعَهَا هُوَ مِنْهُ بِسِلْعَةٍ : جَازَ ذَلِكَ - كَانَ ثَمَنُهَا أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ أَوْ أَكْثَرَ .
549 فَإِنْ ابْتَاعَهَا فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا بِثَمَنٍ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ بَائِعِهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ مِنْهُ فَهُوَ جَائِزٌ .
قَالَ : وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فَهُوَ يَحْرُمُ عَلَى شَرِيكِهِ فِي التِّجَارَةِ الَّتِي تِلْكَ السِّلْعَةُ مِنْهَا ، وَعَلَى وَكِيلِهِ ، وَعَلَى مُدَبَّرِهِ ، وَعَلَى مُكَاتَبِهِ ، وَعَلَى عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، ثُمَّ ابْتَاعَهَا هُوَ مِنْ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ .
فَإِنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً لَيْسَتْ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا بِثَمَنٍ مُسَمًّى ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ الَّذِي كَانَ بَاعَهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ بِأَكْثَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَيْنَةِ وَقَدْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ .
فَإِنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ ، أَوْ بِسِلْعَةٍ تُسَاوِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ نَقْدًا ، أَوْ إلَى أَجَلٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ أَوْ مِثْلِهِ : لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ نَقْدًا ، أَوْ إلَى أَجَلٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ ، أَوْ مِثْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ بَائِعِهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ ، وَلَا بِسِلْعَةٍ تُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : احْتَجَّ أَهْلُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِمَا رُوِّينَاهُ - : مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ امْرَأَتِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أُمِّهِ الْعَالِيَةَ بِنْتِ أَيْفَعَ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأُمِّ وَلَدٍ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَقَالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : إنِّي بِعْت غُلَامًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً إلَى الْعَطَاءِ وَاشْتَرَيْتُهُ بِسِتِّمِائَةٍ ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّك قَدْ أَبْطَلْت جِهَادَك مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يَتُوبَ ، بِئْسَمَا اشْتَرَيْت وَبِئْسَمَا شَرَيْت ؟ قَالَتْ : أَرَأَيْت إنْ لَمْ آخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِي ؟ قَالَتْ { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } فَقَالُوا : مِثْلُ هَذَا الْوَعِيدِ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ وَلَا فِيمَا سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادُ - فَصَحَّ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ .
550 وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ الْقَيْسِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْجَرِيرَةَ إلَى رَجُلٍ فَكَرِهَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا - يَعْنِي بِدُونِ مَا بَاعَهَا .
وَقَالُوا : هِيَ دَرَاهِمُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، وَقَالُوا : هَذَانِ أَرَادَا الرِّبَا فَتَحَيَّلَا لَهُ بِهَذَا الْبَيْعِ - مَا لَهُمْ شَيْءٌ شَغَبُوا بِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ .
فَأَمَّا خَبَرُ امْرَأَةِ أَبِي إِسْحَاقَ : فَفَاسِدٌ جِدًّا ; لِوُجُوهٍ - : أَوَّلُهَا - أَنَّ امْرَأَةَ أَبِي إِسْحَاقَ مَجْهُولَةُ الْحَالِ ، لَمْ يَرْوِ عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُ زَوْجِهَا ، وَوَلَدُهَا يُونُسُ ، عَلَى أَنَّ يُونُسَ قَدْ ضَعَّفَهُ شُعْبَةُ بِأَقْبَحِ التَّضْعِيفِ ، وَضَعَّفَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ جِدًّا ، وَقَالَ فِيهِ شُعْبَةُ : أَمَا قَالَ لَكُمْ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ .
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ مُدَلِّسٌ ، وَأَنَّ امْرَأَةَ أَبِي إِسْحَاقَ لَمْ تَسْمَعْهُ مِنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَلَا وَلَدُهَا : أَنَّهَا سَمِعَتْ سُؤَالَ الْمَرْأَةِ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا جَوَابَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لَهَا ، إنَّمَا فِي حَدِيثِهَا : دَخَلْت عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَا ، وَأُمُّ وَلَدٍ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَسَأَلَتْهَا أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السُّؤَالُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهِ ، فَوَجَدْنَا : مَا حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ اللَّخْمِيُّ أَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ الْقَاضِي أَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَرْوَانَ الْقَيْسَرَانِيُّ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ امْرَأَةِ أَبِي السَّفَرِ : أَنَّهَا بَاعَتْ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ خَادِمًا لَهَا بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ ، فَاحْتَاجَ فَابْتَاعَتْهَا مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَسَأَلَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَتْ : بِئْسَ مَا شَرَيْت وَبِئْسَ مَا اشْتَرَيْت مِرَارًا ، أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ بَطَلَ جِهَادُهُ إنْ لَمْ يَتُبْ ؟ قَالَتْ : فَإِنْ لَمْ آخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِي قَالَتْ عَائِشَةُ : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } .
وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ امْرَأَتِهِ قَالَتْ : سَمِعْت امْرَأَةَ أَبِي السَّفَرِ تَقُولُ : سَأَلْت عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْت : بِعْت زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ خَادِمًا إلَى الْعَطَاءِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَابْتَعْتهَا مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ ؟ فَقَالَتْ لَهَا 551 عَائِشَةُ بِئْسَ مَا شَرَيْت أَوْ بِئْسَ مَا اشْتَرَيْت أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يَتُوبَ ؟ قَالَتْ : أَفَرَأَيْت إنْ أَخَذْت رَأْسَ مَالِي ؟ قَالَتْ : لَا بَأْسَ { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } .
فَبَيَّنَ سُفْيَانُ الدَّفِينَةَ الَّتِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّهَا لَمْ تَسْمَعْهُ امْرَأَةُ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا رَوَتْهُ عَنْ امْرَأَةِ أَبِي السَّفَرِ ، وَهِيَ الَّتِي بَاعَتْ مِنْ زَيْدٍ ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِزَيْدٍ ، وَهِيَ فِي الْجَهَالَةِ أَشَدُّ وَأَقْوَى مِنْ امْرَأَةِ أَبِي إِسْحَاقَ ، فَصَارَتْ مَجْهُولَةً عَنْ أَشَدَّ مِنْهَا جَهَالَةً وَنَكِرَةً - فَبَطَلَ جُمْلَةً وَلِلَّهِ - تَعَالَى - الْحَمْدُ .
وَلَيْسَ بَيْنَ يُونُسَ ، وَبَيْنَ سُفْيَانَ نِسْبَةٌ فِي الثِّقَةِ وَالْحِفْظِ ، فَالرِّوَايَةُ مَا رَوَى سُفْيَانُ .
وَالثَّالِثُ - أَنَّ مِنْ الْبُرْهَانِ الْوَاضِحِ عَلَى كَذِبِ هَذَا الْخَبَرِ وَوَضْعِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا أَصْلًا : مَا فِيهِ مِمَّا نُسِبَ إلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنَّهَا قَالَتْ : أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ لَمْ يَتُبْ وَزَيْدٌ لَمْ يَفُتْهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا غَزْوَتَانِ فَقَطْ : بَدْرٌ ، وَأُحُدٌ ، فَقَطْ ، وَشَهِدَ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَائِرَ غَزَوَاتِهِ ، وَأَنْفَقَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ، وَشَهِدَ بَيْعَةَ الرَّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، وَشَهِدَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ بِالصِّدْقِ وَبِالْجَنَّةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ .
وَنَصَّ الْقُرْآنُ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ رَضِيَ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، فَوَاَللَّهِ مَا يُبْطِلُ هَذَا كُلَّهُ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ غَيْرُ الرِّدَّةِ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَطْ ، وَقَدْ أَعَاذَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْهَا بِرِضَاهُ عَنْهُ ، وَأَعَاذَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْ تَقُولَ هَذَا الْبَاطِلَ .
وَالرَّابِعُ - أَنَّهُ يُوَضِّحُ كَذِبَ هَذَا الْخَبَرِ أَيْضًا - : أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنَّ زَيْدًا أَتَى أَعْظَمَ الذُّنُوبِ مِنْ الرِّبَا الْمُصَرَّحِ - وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ حَرَامٌ - لَكَانَ مَأْجُورًا فِي ذَلِكَ أَجْرًا وَاحِدًا غَيْرَ آثِمٍ ، وَلَكَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إبَاحَةِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ جِهَارًا يَدًا بِيَدٍ ، وَمَا لِطَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذْ أَخَذَ دَنَانِيرَ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ثُمَّ أَخَّرَهُ بِالدَّرَاهِمِ فِي صَرْفِهَا إلَى مَجِيءِ خَازِنِهِ مِنْ الْغَابَةِ بِحَضْرَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : فَمَا زَادَ عُمَرُ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ تَعْلِيمِهِ ، وَلَا زَادَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى لِقَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَعْلِيمِهِ .
وَمَا أَبْطَلَ عُمَرُ ; وَلَا أَبُو سَعِيدٍ بِذَلِكَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً مِنْ عَمَلِ طَلْحَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ بِالنَّصِّ الثَّابِتِ رِبًا صُرَاحٌ ، وَلَا شَيْءَ فِي الرِّبَا فَوْقَهُ .
552 فَكَيْفَ يُظَنُّ بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إبْطَالُ جِهَادِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي شَيْءٍ عَمِلَهُ مُجْتَهِدًا ، لَا نَصَّ فِي الْعَالَمِ يُوجَدُ خِلَافُهُ ، لَا صَحِيحٌ وَلَا مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ ، هَذَا وَاَللَّهِ الْكَذِبُ الْمَحْضُ الْمَقْطُوعُ بِهِ ، فَلْيَتُبْ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مَنْ يَنْسُبُهُ إلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَنْ يُحَرِّمُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذِهِ بَرَاهِينُ أَرْبَعَةٌ فِي بُطْلَانِ هَذَا الْخَبَرِ ، وَأَنَّهُ خُرَافَةٌ مَكْذُوبَةٌ .
ثُمَّ نَقُولُ : إنَّهُ لَوْ صَحَّ صِحَّةَ الشَّمْسِ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ لِوُجُوهٍ - : أَوَّلُهَا - أَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَا قَوْلُهَا بِأَوْلَى مِنْ قَوْلِ زَيْدٍ - وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ - إذَا تَنَازَعَا ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالرَّدِّ إلَى أَحَدٍ دُونَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ .
وَالثَّانِي - أَنْ نَقُولَ لَهُمْ : كَمْ قَوْلَةٍ رَدَدْتُمُوهَا لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدَّعَاوَى الْفَاسِدَةِ كَبَيْعِهَا الْمُدَبَّرَةَ وَإِبَاحَتِهَا الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ ، فَاطَّرَحْتُمْ حُكْمَهَا وَتَعَلَّقْتُمْ بِمُخَالَفَةِ عُمَرَ لَهَا فِي الْمُدَبَّرَةِ .
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ : مَنْ قَدَّمَ ثِقْلَهُ مِنْ مِنًى قَبْلَ أَنْ يَنْفِرَ فَلَا حَجَّ لَهُ ، وَالِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ ، فَأَطْرَحْتُمْ قَوْلَ عُمَرَ ، وَلَمْ تَقُولُوا : مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ تَوْقِيفٌ .
وَخَالَفْتُمُوهُ لِقَوْلِ ابْنِهِ : لَا أَعْرِفُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ ، فَمَرَّةً يَكُونُ قَوْلُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حُجَّةً ، وَمَرَّةً لَا يُشْتَغَلُ بِهِ ، وَمَرَّةً تَكُونُ عَائِشَةُ حُجَّةً عَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَعُمَرُ حُجَّةً عَلَى عَائِشَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ حُجَّةً عَلَى عُمَرَ ، وَغَيْرُ ابْنِ عُمَرَ حُجَّةً عَلَى ابْنِ عُمَرَ - وَهَذَا هُوَ التَّلَاعُبُ بِالدِّينِ وَبِالْحَقَائِقِ .
وَالثَّالِثُ - أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ مَا أَوْرَدْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ وَدِدْت أَنِّي رَأَيْت الْأَيْدِيَ تُقْطَعُ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ فَهَلَّا قُلْتُمْ : مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ كَمَا قُلْتُمْ هَهُنَا ؟
وَالرَّابِعُ - أَنَّ مِنْ الضَّلَالِ الْعَظِيمِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ عِنْدَهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثَرًا ثُمَّ تَكْتُمُهُ فَلَا تَرْوِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - حَاشَا لَهَا مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَنْ تَكْتُمَ مَا عِنْدَهَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ؟ 553 فَمَا حَصَلُوا إلَّا عَلَى الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَقْوِيلِهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ ، إذْ لَوْ قَالَهُ لَكَانَ مَحْفُوظًا بِحِفْظِ اللَّهِ - تَعَالَى - حَتَّى بَلَغَ إلَى أُمَّتِهِ ، وَالْكَذِبِ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ .
وَالْخَامِسُ - أَنَّهَا أَنْكَرَتْ الْبَيْعَ إلَى الْعَطَاءِ بِقَوْلِهَا بِئْسَ مَا شَرَيْت - وَالْمَالِكِيُّونَ يُبِيحُونَهُ بِمِثْلِ هَذَا ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا ؟ نِصْفُ كَلَامِهَا حُجَّةٌ وَنِصْفُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ .
؟ وَالسَّادِسُ - أَنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ خَدِيجِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أُمِّ مَحَبَّةَ خَتَنَةِ أَبِي السَّفَرِ أَنَّهَا نَذَرَتْ مَشْيًا إلَى مَكَّةَ فَعَجَزَتْ ؟ فَقَالَ لَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ : هَلْ لَكِ ابْنَةٌ تَمْشِي عَنْكِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَلَكِنَّهَا أَعْظَمُ فِي نَفْسِهَا مِنْ ذَلِكَ .
فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ لَا حُجَّةَ فِيهَا فَهِيَ تِلْكَ نَفْسُهَا أَوْ مِثْلُهَا ، بَلْ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ أُمِّ مَحَبَّةَ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَبَرُ حُجَّةً ، فَهَذَا حُجَّةٌ ، وَإِلَّا فَقَدْ حَصَلَ التَّنَاقُضُ - فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الِاحْتِجَاجِ جُمْلَةً - وَلِلَّهِ - تَعَالَى - الْحَمْدُ .
وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَهُوَ رَأْيٌ مِنْهُ ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : ذُكِرَ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ بَاعَ سَرْجًا بِنَقْدٍ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِدُونِ مَا بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَعَلَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ بَاعَهُ بِدُونِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا .
وَكَمْ قِصَّةٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ خَالَفُوهُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا آنِفًا - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِابْنِ عَبَّاسٍ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الشَّيْءَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ إذَا قَاصَصَهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهَا دَرَاهِمُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ؟ فَعَجَبٌ لَا نَظِيرَ لَهُ جِدًّا ، وَقَدْ قُلْت لِبَعْضِهِمْ : مَا تَقُولُونَ فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ بِدِينَارٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ بِدِينَارَيْنِ ؟ فَقَالَ : حَلَالٌ : فَقُلْت لَهُ : وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إذَا بَاعَهُ بِدِينَارَيْنِ وَاشْتَرَاهُ بِدِينَارٍ رِبًا وَدِينَارًا بِدِينَارَيْنِ ، وَلَمْ يَجِبْ إذَا بَاعَهُ بِدِينَارٍ إلَى أَجَلٍ وَاشْتَرَاهُ بِدِينَارَيْنِ : أَنْ يَكُونَ رِبًا وَدِينَارًا بِدِينَارَيْنِ ، وَهَلْ فِي الْهَوَسِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَبِيعَ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو دِينَارًا بِدِينَارَيْنِ فَيَكُونَ 554 رِبًا ، وَيَبِيعَ مِنْهُ دِينَارَيْنِ بِدِينَارٍ فَلَا يَكُونُ رِبًا ، لَيْتَ شِعْرِي فِي أَيِّ دِينٍ وَجَدْتُمْ هَذَا ؟ أَمْ فِي أَيِّ عَقْلٍ ؟ فَمَا أَتَى بِفَرْقٍ ، وَلَا يَأْتُونَ بِهِ أَبَدًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُمَا أَرَادَا الرِّبَا كَمَا ذَكَرْنَا فَتَحَيَّلَا بِهَذَا الْعَمَلِ ؟ فَجَوَابُهُمْ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا أَرَادَا الرِّبَا كَمَا ذَكَرْتُمْ فَتَحَيَّلَا بِهَذَا الْعَمَلِ ، فَبَارَكَ اللَّهُ فِيهِمَا ، فَقَدْ أَحْسَنَا مَا شَاءَا إذْ هَرَبَا مِنْ الرِّبَا الْحَرَامِ إلَى الْبَيْعِ الْحَلَالِ ، وَفَرَّا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَى مَا أَحَلَّ ، وَلَقَدْ أَسَاءَ مَا شَاءَ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا عَلَيْهِمَا ، وَأَثِمَ مَرَّتَيْنِ لِإِنْكَارِهِ إحْسَانَهُمَا ، ثُمَّ لِظَنِّهِ بِهِمَا مَا لَعَلَّهُمَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِمَا ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ } . وَأَمَّا أَقْوَالُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا يَسِيرًا مِنْ تَقْسِيمِهِمَا ، وَكُلُّ مَنْ تَأَمَّلَهُ يَرَى أَنَّهَا تَقَاسِيمُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، وَالتَّنَاقُضِ ، كَتَفْرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ ابْتِيَاعِهِ بِسِلْعَةٍ وَبَيْنَ ابْتِيَاعِهِ بِدَنَانِيرَ ، وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ إنَّمَا بَاعَ بِدَرَاهِمَ - وَكَتَحْرِيمِهِ ذَلِكَ عَلَى وَكِيلِهِ وَشَرِيكِهِ .
وَكَتَفْرِيقِ مَالِكٍ بَيْنَ ابْتِيَاعِهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا كَانَ بَاعَهَا بِهِ فَيَرَاهُ حَلَالًا ، وَبَيْنَ ابْتِيَاعِهِ بِأَقَلَّ فَيَرَاهُ حَرَامًا ، وَهَذِهِ عَجَائِبُ بِلَا دَلِيلٍ كَمَا تَرَى ؟ ثُمَّ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْهَمَ أَنَّهُ أَخَذَ بِخَبَرِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ ; لِأَنَّهُ يَرَى ذَلِكَ فِيمَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ مَا لَمْ يَنْتَقِدْ جَمِيعَ الثَّمَنِ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي خَبَرِ عَائِشَةَ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
بُرْهَانُ ذَلِكَ - : قَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى - : { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } .
وقَوْله تَعَالَى : { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } .
فَهَذَانِ بَيْعَانِ فَهُمَا حَلَالَانِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَأْتِ تَفْصِيلُ تَحْرِيمِهِمَا فِي كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } فَلَيْسَا بِحَرَامٍ .
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ ذَلِكَ فَلِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ } .
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِثَمَنٍ مَا وَقَبَضَ السِّلْعَةَ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ الْبَائِعِ لَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْقُدَ هُوَ الثَّمَنَ الَّذِي كَانَ اشْتَرَاهَا هُوَ بِهِ : فَالْبَيْعُ الثَّانِي بَاطِلٌ .
فَإِنْ بَاعَهَا مِنْ الَّذِي كَانَ ابْتَاعَهَا مِنْهُ بِدَنَانِيرَ ، وَكَانَ هُوَ قَدْ اشْتَرَاهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ ابْتَاعَهَا بِدَنَانِيرَ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ بَائِعِهَا بِدَرَاهِمَ فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ الثَّمَنِ الثَّانِي أَقَلَّ مِنْ قِيمَةِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ .
فَإِنْ كَانَ اشْتَرَاهَا بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ الَّذِي ابْتَاعَهَا هُوَ مِنْهُ بِسِلْعَةٍ : جَازَ ذَلِكَ - كَانَ ثَمَنُهَا أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهَا بِهِ أَوْ أَكْثَرَ .
549 فَإِنْ ابْتَاعَهَا فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا بِثَمَنٍ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْ بَائِعِهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهَا بِهِ مِنْهُ فَهُوَ جَائِزٌ .
قَالَ : وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْبَائِعِ الْأَوَّلِ فَهُوَ يَحْرُمُ عَلَى شَرِيكِهِ فِي التِّجَارَةِ الَّتِي تِلْكَ السِّلْعَةُ مِنْهَا ، وَعَلَى وَكِيلِهِ ، وَعَلَى مُدَبَّرِهِ ، وَعَلَى مُكَاتَبِهِ ، وَعَلَى عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : مَنْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ، ثُمَّ ابْتَاعَهَا هُوَ مِنْ الَّذِي ابْتَاعَهَا مِنْهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إلَى مِثْلِ ذَلِكَ الْأَجَلِ لَمْ يَجُزْ .
فَإِنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً لَيْسَتْ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا بِثَمَنٍ مُسَمًّى ثُمَّ اشْتَرَاهَا مِنْهُ الَّذِي كَانَ بَاعَهَا مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ أَوْ بِأَكْثَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَيْنَةِ وَقَدْ نَقَدَهُ الثَّمَنَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ .
فَإِنْ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنٍ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ ، أَوْ بِسِلْعَةٍ تُسَاوِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ نَقْدًا ، أَوْ إلَى أَجَلٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ أَوْ مِثْلِهِ : لَمْ يَجُزْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ الَّذِي بَاعَهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ نَقْدًا ، أَوْ إلَى أَجَلٍ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ ، أَوْ مِثْلِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مِنْ بَائِعِهَا مِنْهُ بِثَمَنٍ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ ، وَلَا بِسِلْعَةٍ تُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : احْتَجَّ أَهْلُ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِمَا رُوِّينَاهُ - : مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ امْرَأَتِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أُمِّهِ الْعَالِيَةَ بِنْتِ أَيْفَعَ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَنْهَا قَالَتْ : دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَأُمِّ وَلَدٍ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فَقَالَتْ أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ : إنِّي بِعْت غُلَامًا مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ نَسِيئَةً إلَى الْعَطَاءِ وَاشْتَرَيْتُهُ بِسِتِّمِائَةٍ ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّك قَدْ أَبْطَلْت جِهَادَك مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يَتُوبَ ، بِئْسَمَا اشْتَرَيْت وَبِئْسَمَا شَرَيْت ؟ قَالَتْ : أَرَأَيْت إنْ لَمْ آخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِي ؟ قَالَتْ { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } فَقَالُوا : مِثْلُ هَذَا الْوَعِيدِ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ وَلَا فِيمَا سَبِيلُهُ الِاجْتِهَادُ - فَصَحَّ أَنَّهُ تَوْقِيفٌ .
550 وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْ حَيَّانَ بْنِ عُمَيْرٍ الْقَيْسِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْجَرِيرَةَ إلَى رَجُلٍ فَكَرِهَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا - يَعْنِي بِدُونِ مَا بَاعَهَا .
وَقَالُوا : هِيَ دَرَاهِمُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ، وَقَالُوا : هَذَانِ أَرَادَا الرِّبَا فَتَحَيَّلَا لَهُ بِهَذَا الْبَيْعِ - مَا لَهُمْ شَيْءٌ شَغَبُوا بِهِ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَاهُ .
فَأَمَّا خَبَرُ امْرَأَةِ أَبِي إِسْحَاقَ : فَفَاسِدٌ جِدًّا ; لِوُجُوهٍ - : أَوَّلُهَا - أَنَّ امْرَأَةَ أَبِي إِسْحَاقَ مَجْهُولَةُ الْحَالِ ، لَمْ يَرْوِ عَنْهَا أَحَدٌ غَيْرُ زَوْجِهَا ، وَوَلَدُهَا يُونُسُ ، عَلَى أَنَّ يُونُسَ قَدْ ضَعَّفَهُ شُعْبَةُ بِأَقْبَحِ التَّضْعِيفِ ، وَضَعَّفَهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ جِدًّا ، وَقَالَ فِيهِ شُعْبَةُ : أَمَا قَالَ لَكُمْ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ .
وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ مُدَلِّسٌ ، وَأَنَّ امْرَأَةَ أَبِي إِسْحَاقَ لَمْ تَسْمَعْهُ مِنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَلَا وَلَدُهَا : أَنَّهَا سَمِعَتْ سُؤَالَ الْمَرْأَةِ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا جَوَابَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ لَهَا ، إنَّمَا فِي حَدِيثِهَا : دَخَلْت عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَا ، وَأُمُّ وَلَدٍ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، فَسَأَلَتْهَا أُمُّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ السُّؤَالُ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهِ ، فَوَجَدْنَا : مَا حَدَّثَنَاهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْأَنْصَارِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ اللَّخْمِيُّ أَنَا ابْنُ مُفَرِّجٍ الْقَاضِي أَنَا الْحَسَنُ بْنُ مَرْوَانَ الْقَيْسَرَانِيُّ أَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ أَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ امْرَأَةِ أَبِي السَّفَرِ : أَنَّهَا بَاعَتْ مِنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ خَادِمًا لَهَا بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى الْعَطَاءِ ، فَاحْتَاجَ فَابْتَاعَتْهَا مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَسَأَلَتْ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ ؟ فَقَالَتْ : بِئْسَ مَا شَرَيْت وَبِئْسَ مَا اشْتَرَيْت مِرَارًا ، أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ بَطَلَ جِهَادُهُ إنْ لَمْ يَتُبْ ؟ قَالَتْ : فَإِنْ لَمْ آخُذْ إلَّا رَأْسَ مَالِي قَالَتْ عَائِشَةُ : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } .
وَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ امْرَأَتِهِ قَالَتْ : سَمِعْت امْرَأَةَ أَبِي السَّفَرِ تَقُولُ : سَأَلْت عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْت : بِعْت زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ خَادِمًا إلَى الْعَطَاءِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَابْتَعْتهَا مِنْهُ بِسِتِّمِائَةِ دِرْهَمٍ ؟ فَقَالَتْ لَهَا 551 عَائِشَةُ بِئْسَ مَا شَرَيْت أَوْ بِئْسَ مَا اشْتَرَيْت أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنْ يَتُوبَ ؟ قَالَتْ : أَفَرَأَيْت إنْ أَخَذْت رَأْسَ مَالِي ؟ قَالَتْ : لَا بَأْسَ { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ } .
فَبَيَّنَ سُفْيَانُ الدَّفِينَةَ الَّتِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّهَا لَمْ تَسْمَعْهُ امْرَأَةُ أَبِي إِسْحَاقَ مِنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَإِنَّمَا رَوَتْهُ عَنْ امْرَأَةِ أَبِي السَّفَرِ ، وَهِيَ الَّتِي بَاعَتْ مِنْ زَيْدٍ ، وَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِزَيْدٍ ، وَهِيَ فِي الْجَهَالَةِ أَشَدُّ وَأَقْوَى مِنْ امْرَأَةِ أَبِي إِسْحَاقَ ، فَصَارَتْ مَجْهُولَةً عَنْ أَشَدَّ مِنْهَا جَهَالَةً وَنَكِرَةً - فَبَطَلَ جُمْلَةً وَلِلَّهِ - تَعَالَى - الْحَمْدُ .
وَلَيْسَ بَيْنَ يُونُسَ ، وَبَيْنَ سُفْيَانَ نِسْبَةٌ فِي الثِّقَةِ وَالْحِفْظِ ، فَالرِّوَايَةُ مَا رَوَى سُفْيَانُ .
وَالثَّالِثُ - أَنَّ مِنْ الْبُرْهَانِ الْوَاضِحِ عَلَى كَذِبِ هَذَا الْخَبَرِ وَوَضْعِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا أَصْلًا : مَا فِيهِ مِمَّا نُسِبَ إلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنَّهَا قَالَتْ : أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ لَمْ يَتُبْ وَزَيْدٌ لَمْ يَفُتْهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا غَزْوَتَانِ فَقَطْ : بَدْرٌ ، وَأُحُدٌ ، فَقَطْ ، وَشَهِدَ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَائِرَ غَزَوَاتِهِ ، وَأَنْفَقَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ، وَشَهِدَ بَيْعَةَ الرَّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بِالْحُدَيْبِيَةِ ، وَنَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ، وَشَهِدَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ بِالصِّدْقِ وَبِالْجَنَّةِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ .
وَنَصَّ الْقُرْآنُ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ رَضِيَ عَنْهُ وَعَنْ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، فَوَاَللَّهِ مَا يُبْطِلُ هَذَا كُلَّهُ ذَنْبٌ مِنْ الذُّنُوبِ غَيْرُ الرِّدَّةِ عَنْ الْإِسْلَامِ فَقَطْ ، وَقَدْ أَعَاذَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - مِنْهَا بِرِضَاهُ عَنْهُ ، وَأَعَاذَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْ تَقُولَ هَذَا الْبَاطِلَ .
وَالرَّابِعُ - أَنَّهُ يُوَضِّحُ كَذِبَ هَذَا الْخَبَرِ أَيْضًا - : أَنَّهُ لَوْ صَحَّ أَنَّ زَيْدًا أَتَى أَعْظَمَ الذُّنُوبِ مِنْ الرِّبَا الْمُصَرَّحِ - وَهُوَ لَا يَدْرِي أَنَّهُ حَرَامٌ - لَكَانَ مَأْجُورًا فِي ذَلِكَ أَجْرًا وَاحِدًا غَيْرَ آثِمٍ ، وَلَكَانَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي إبَاحَةِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ جِهَارًا يَدًا بِيَدٍ ، وَمَا لِطَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذْ أَخَذَ دَنَانِيرَ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ ثُمَّ أَخَّرَهُ بِالدَّرَاهِمِ فِي صَرْفِهَا إلَى مَجِيءِ خَازِنِهِ مِنْ الْغَابَةِ بِحَضْرَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : فَمَا زَادَ عُمَرُ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ تَعْلِيمِهِ ، وَلَا زَادَ أَبُو سَعِيدٍ عَلَى لِقَاءِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَتَعْلِيمِهِ .
وَمَا أَبْطَلَ عُمَرُ ; وَلَا أَبُو سَعِيدٍ بِذَلِكَ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً مِنْ عَمَلِ طَلْحَةَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ بِالنَّصِّ الثَّابِتِ رِبًا صُرَاحٌ ، وَلَا شَيْءَ فِي الرِّبَا فَوْقَهُ .
552 فَكَيْفَ يُظَنُّ بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ إبْطَالُ جِهَادِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي شَيْءٍ عَمِلَهُ مُجْتَهِدًا ، لَا نَصَّ فِي الْعَالَمِ يُوجَدُ خِلَافُهُ ، لَا صَحِيحٌ وَلَا مِنْ طَرِيقٍ وَاهِيَةٍ ، هَذَا وَاَللَّهِ الْكَذِبُ الْمَحْضُ الْمَقْطُوعُ بِهِ ، فَلْيَتُبْ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مَنْ يَنْسُبُهُ إلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَنْ يُحَرِّمُ بِهِ فِي دِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - مَا لَمْ يُحَرِّمْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَلَا رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَذِهِ بَرَاهِينُ أَرْبَعَةٌ فِي بُطْلَانِ هَذَا الْخَبَرِ ، وَأَنَّهُ خُرَافَةٌ مَكْذُوبَةٌ .
ثُمَّ نَقُولُ : إنَّهُ لَوْ صَحَّ صِحَّةَ الشَّمْسِ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ لِوُجُوهٍ - : أَوَّلُهَا - أَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَمَا قَوْلُهَا بِأَوْلَى مِنْ قَوْلِ زَيْدٍ - وَإِنْ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ - إذَا تَنَازَعَا ; لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ } وَلَمْ يَأْمُرْنَا بِالرَّدِّ إلَى أَحَدٍ دُونَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ .
وَالثَّانِي - أَنْ نَقُولَ لَهُمْ : كَمْ قَوْلَةٍ رَدَدْتُمُوهَا لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ بِالدَّعَاوَى الْفَاسِدَةِ كَبَيْعِهَا الْمُدَبَّرَةَ وَإِبَاحَتِهَا الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ ، فَاطَّرَحْتُمْ حُكْمَهَا وَتَعَلَّقْتُمْ بِمُخَالَفَةِ عُمَرَ لَهَا فِي الْمُدَبَّرَةِ .
وَصَحَّ عَنْ عُمَرَ : مَنْ قَدَّمَ ثِقْلَهُ مِنْ مِنًى قَبْلَ أَنْ يَنْفِرَ فَلَا حَجَّ لَهُ ، وَالِاشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ ، فَأَطْرَحْتُمْ قَوْلَ عُمَرَ ، وَلَمْ تَقُولُوا : مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ تَوْقِيفٌ .
وَخَالَفْتُمُوهُ لِقَوْلِ ابْنِهِ : لَا أَعْرِفُ الِاشْتِرَاطَ فِي الْحَجِّ ، فَمَرَّةً يَكُونُ قَوْلُ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ حُجَّةً ، وَمَرَّةً لَا يُشْتَغَلُ بِهِ ، وَمَرَّةً تَكُونُ عَائِشَةُ حُجَّةً عَلَى زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَعُمَرُ حُجَّةً عَلَى عَائِشَةَ ، وَابْنُ عُمَرَ حُجَّةً عَلَى عُمَرَ ، وَغَيْرُ ابْنِ عُمَرَ حُجَّةً عَلَى ابْنِ عُمَرَ - وَهَذَا هُوَ التَّلَاعُبُ بِالدِّينِ وَبِالْحَقَائِقِ .
وَالثَّالِثُ - أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَدْ صَحَّ عَنْهُ مَا أَوْرَدْنَاهُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ وَدِدْت أَنِّي رَأَيْت الْأَيْدِيَ تُقْطَعُ فِي بَيْعِ الْمَصَاحِفِ فَهَلَّا قُلْتُمْ : مِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ كَمَا قُلْتُمْ هَهُنَا ؟
وَالرَّابِعُ - أَنَّ مِنْ الضَّلَالِ الْعَظِيمِ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ عِنْدَهَا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - فِي هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَثَرًا ثُمَّ تَكْتُمُهُ فَلَا تَرْوِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - حَاشَا لَهَا مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَنْ تَكْتُمَ مَا عِنْدَهَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ؟ 553 فَمَا حَصَلُوا إلَّا عَلَى الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَقْوِيلِهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ قَطُّ ، إذْ لَوْ قَالَهُ لَكَانَ مَحْفُوظًا بِحِفْظِ اللَّهِ - تَعَالَى - حَتَّى بَلَغَ إلَى أُمَّتِهِ ، وَالْكَذِبِ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ .
وَالْخَامِسُ - أَنَّهَا أَنْكَرَتْ الْبَيْعَ إلَى الْعَطَاءِ بِقَوْلِهَا بِئْسَ مَا شَرَيْت - وَالْمَالِكِيُّونَ يُبِيحُونَهُ بِمِثْلِ هَذَا ، وَهَذَا عَجَبٌ جِدًّا ؟ نِصْفُ كَلَامِهَا حُجَّةٌ وَنِصْفُهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ .
؟ وَالسَّادِسُ - أَنَّنَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ خَدِيجِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنْ أُمِّ مَحَبَّةَ خَتَنَةِ أَبِي السَّفَرِ أَنَّهَا نَذَرَتْ مَشْيًا إلَى مَكَّةَ فَعَجَزَتْ ؟ فَقَالَ لَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ : هَلْ لَكِ ابْنَةٌ تَمْشِي عَنْكِ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ ، وَلَكِنَّهَا أَعْظَمُ فِي نَفْسِهَا مِنْ ذَلِكَ .
فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الطَّرِيقُ لَا حُجَّةَ فِيهَا فَهِيَ تِلْكَ نَفْسُهَا أَوْ مِثْلُهَا ، بَلْ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ أُمِّ مَحَبَّةَ أَيْضًا ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْخَبَرُ حُجَّةً ، فَهَذَا حُجَّةٌ ، وَإِلَّا فَقَدْ حَصَلَ التَّنَاقُضُ - فَظَهَرَ فَسَادُ هَذَا الِاحْتِجَاجِ جُمْلَةً - وَلِلَّهِ - تَعَالَى - الْحَمْدُ .
وَأَمَّا خَبَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَهُوَ رَأْيٌ مِنْهُ ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُ عُمَرَ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : ذُكِرَ لِابْنِ عُمَرَ رَجُلٌ بَاعَ سَرْجًا بِنَقْدٍ ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ بِدُونِ مَا بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِدَ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَعَلَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِهِ بَاعَهُ بِدُونِ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا .
وَكَمْ قِصَّةٍ لِابْنِ عَبَّاسٍ خَالَفُوهُ فِيهَا كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ هَذَا آنِفًا - فَسَقَطَ تَعَلُّقُهُمْ بِابْنِ عَبَّاسٍ .
وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : لَا بَأْسَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ الشَّيْءَ إلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَبِيعَهُ مِنْ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ إذَا قَاصَصَهُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهَا دَرَاهِمُ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ؟ فَعَجَبٌ لَا نَظِيرَ لَهُ جِدًّا ، وَقَدْ قُلْت لِبَعْضِهِمْ : مَا تَقُولُونَ فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً إلَى أَجَلٍ بِدِينَارٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا بِنَقْدٍ بِدِينَارَيْنِ ؟ فَقَالَ : حَلَالٌ : فَقُلْت لَهُ : وَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ إذَا بَاعَهُ بِدِينَارَيْنِ وَاشْتَرَاهُ بِدِينَارٍ رِبًا وَدِينَارًا بِدِينَارَيْنِ ، وَلَمْ يَجِبْ إذَا بَاعَهُ بِدِينَارٍ إلَى أَجَلٍ وَاشْتَرَاهُ بِدِينَارَيْنِ : أَنْ يَكُونَ رِبًا وَدِينَارًا بِدِينَارَيْنِ ، وَهَلْ فِي الْهَوَسِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَبِيعَ زَيْدٌ مِنْ عَمْرٍو دِينَارًا بِدِينَارَيْنِ فَيَكُونَ 554 رِبًا ، وَيَبِيعَ مِنْهُ دِينَارَيْنِ بِدِينَارٍ فَلَا يَكُونُ رِبًا ، لَيْتَ شِعْرِي فِي أَيِّ دِينٍ وَجَدْتُمْ هَذَا ؟ أَمْ فِي أَيِّ عَقْلٍ ؟ فَمَا أَتَى بِفَرْقٍ ، وَلَا يَأْتُونَ بِهِ أَبَدًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُمَا أَرَادَا الرِّبَا كَمَا ذَكَرْنَا فَتَحَيَّلَا بِهَذَا الْعَمَلِ ؟ فَجَوَابُهُمْ أَنَّهُمَا إنْ كَانَا أَرَادَا الرِّبَا كَمَا ذَكَرْتُمْ فَتَحَيَّلَا بِهَذَا الْعَمَلِ ، فَبَارَكَ اللَّهُ فِيهِمَا ، فَقَدْ أَحْسَنَا مَا شَاءَا إذْ هَرَبَا مِنْ الرِّبَا الْحَرَامِ إلَى الْبَيْعِ الْحَلَالِ ، وَفَرَّا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - إلَى مَا أَحَلَّ ، وَلَقَدْ أَسَاءَ مَا شَاءَ مَنْ أَنْكَرَ هَذَا عَلَيْهِمَا ، وَأَثِمَ مَرَّتَيْنِ لِإِنْكَارِهِ إحْسَانَهُمَا ، ثُمَّ لِظَنِّهِ بِهِمَا مَا لَعَلَّهُمَا لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِمَا ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الظَّنُّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ } . وَأَمَّا أَقْوَالُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٍ ، فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَدْ ذَكَرْنَا طَرَفًا يَسِيرًا مِنْ تَقْسِيمِهِمَا ، وَكُلُّ مَنْ تَأَمَّلَهُ يَرَى أَنَّهَا تَقَاسِيمُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ ، وَالتَّنَاقُضِ ، كَتَفْرِيقِ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ ابْتِيَاعِهِ بِسِلْعَةٍ وَبَيْنَ ابْتِيَاعِهِ بِدَنَانِيرَ ، وَفِي كِلَا الْوَجْهَيْنِ إنَّمَا بَاعَ بِدَرَاهِمَ - وَكَتَحْرِيمِهِ ذَلِكَ عَلَى وَكِيلِهِ وَشَرِيكِهِ .
وَكَتَفْرِيقِ مَالِكٍ بَيْنَ ابْتِيَاعِهِ بِأَكْثَرَ مِمَّا كَانَ بَاعَهَا بِهِ فَيَرَاهُ حَلَالًا ، وَبَيْنَ ابْتِيَاعِهِ بِأَقَلَّ فَيَرَاهُ حَرَامًا ، وَهَذِهِ عَجَائِبُ بِلَا دَلِيلٍ كَمَا تَرَى ؟ ثُمَّ إنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَوْهَمَ أَنَّهُ أَخَذَ بِخَبَرِ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - وَلَمْ يَأْخُذْ بِهِ ; لِأَنَّهُ يَرَى ذَلِكَ فِيمَنْ بَاعَ بِثَمَنٍ حَالٍّ مَا لَمْ يَنْتَقِدْ جَمِيعَ الثَّمَنِ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي خَبَرِ عَائِشَةَ أَصْلًا - وَبِاَللَّهِ - تَعَالَى - التَّوْفِيقُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث