المحلى بالآثار
المحلى بالآثار · الجزء العاشر
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ التَّخْيِيرَ زِيَادَةٌ فِي النَّصِّ ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي النَّصِّ إلَّا بِمَا يَجُوزُ بِهِ النَّسْخُ : فَصَحِيحٌ ، وَالنَّسْخُ جَائِزٌ ; لِمَا فِي الْقُرْآنِ بِقُرْآنٍ ، أَوْ سُنَّةٍ ثَابِتَةٍ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ .
وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا لِلسُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ ، وَبِخَبَرٍ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ الثِّقَاتِ أَيْضًا .
فَلَوْ أَنَّهُمْ احْتَجُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِهَذَا الْقَوْلِ حَيْثُ زَادُوا عَلَى النَّسْخِ بِالْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ لَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ ، كَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ ، وَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ ، وَالتَّدْلِيكِ فِي الْغُسْلِ - وَكَإِيجَابِ الدِّيَاتِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ بِقِيَاسٍ ، أَوْ رِوَايَةٍ سَاقِطَةٍ أَوْ تَقْلِيدٍ بِغَيْرِ نَصٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . 250
وَأَمَّا رِوَايَتُهُمْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - وَلَمْ يُولَدْ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِنَحْوِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً - وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ الثَّابِتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافًا لَهُ .
وَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى الْقَاتِلِ ، فَدَعْوَى كَاذِبَةٌ ، وَمُحَالٌ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهَا دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ ، وَتَكَلُّفٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ - مَعَ أَنَّهُ خِلَافٌ لِقَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ فِي الْآيَةِ : { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } فَقَالُوا هُمْ : بَلْ نَتْبَعُ بِضَرْبِ مِائَةِ سَوْطٍ وَنَفْيِ سَنَةٍ بِلَا نَصٍّ أَوْجَبَ ذَلِكَ أَصْلًا ، وَلَا رِوَايَةٍ عَنْ صَاحِبٍ - وَلَا يَشُكُّ ذُو فَهْمٍ أَنَّ الْمَعْفُوَّ لَهُ مِنْ دِيَتِهِ فِي أَخِيهِ هُوَ الْقَاتِلُ ، وَأَمَّا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فَلَمْ يُعْفَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَخِيهِ ، وَحَتَّى لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ مَا تَأَوَّلُوهُ بِالْبَاطِلِ لَكَانَ مُخَالِفًا لِأَقْوَالِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ مُرَاعَاةَ رِضَا الْوَلِيِّ ، بَلْ كَانَ يَكُونُ الْخِيَارُ حِينَئِذٍ لِلْقَاتِلِ فَقَطْ - وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَا هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ - فَصَحَّ أَنَّ تَأْوِيلَهُمْ فِي الْآيَةِ مُحَالٌ بَاطِلٌ مُمْتَنِعٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ أَصْلًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَى فِيهِ أَيْضًا : إمَّا أَنْ يُقَادَ وَإِمَّا أَنْ يُفَادَى أَهْلُ الْقَتِيلِ : فَصَحِيحٌ ، وَهُوَ مَعْنًى ثَالِثٌ ، وَبِهِ نَقُولُ ، وَهُوَ اتِّفَاقُهُمْ كُلُّهُمْ - الْقَاتِلُ وَأَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ - عَلَى فِدَاءِ الْقَاتِلِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِمَّا صَحَّ ، وَلَا ضَرْبُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ - فَهَذَا هُوَ التَّلَاعُبُ بِالدِّينِ ، وَكَيْدُ الْإِسْلَامِ جِهَارًا - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَلَيْسَ تَرْكُ الصَّحِيحِ مِمَّا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ مِنْ أَنْ يُقَادَ أَوْ يُودَى مِنْ أَجْلِ مَا قَدْ صَحَّ أَيْضًا مِنْ أَنْ يُقَادَ أَوْ يُفَادَى بِأَوْلَى مِنْ آخَرَ خَالَفَ الْحَقَّ ، فَتَرَكَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَنْ يُفَادَى مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ : أَوْ يُودَى - وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ - فَصَحَّ أَنَّ أَخْذَ كُلِّ ذَلِكَ ، وَضَمَّ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ : هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ .
وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ فِي خَبَرِ أَبِي شُرَيْحٍ بِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ : فَسُفْيَانُ مَجْهُولٌ 251 لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِهِ ، وَهُمْ مُخَالِفُونَ مَا فِيهِ ; لِأَنَّ فِيهِ : إيجَابَ الْقَوَدِ فِي الْجِرَاحِ جُمْلَةً ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ الْقَوَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحِ إلَّا فِي الْمُوضِحَةِ وَحْدَهَا فَقَطْ ، فَيَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَيِّ بَابٍ يَقَعُ احْتِجَاجُ الْمَرْءِ عَلَى خَصْمِهِ بِمَا يُخَالِفُ - وَهُوَ يُصَحِّحُهُ وَخَصْمُهُ لَا يُصَحِّحُهُ - .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً لَنَا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ فِيهِ التَّخْيِيرَ لِلْمَجْرُوحِ ، أَوْ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ بَيْنَ الْقَوَدِ ، أَوْ الدِّيَةِ ، أَوْ الْعَفْوِ دُونَ اشْتِرَاطِ رِضَا الْجَانِي - وَهَذَا عَجَبٌ آخَرُ ، وَرِضًا بِالتَّمْوِيهِ الْمُفْتَضَحِ مِنْ قُرْبٍ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ .
وَأَمَّا قَوْلُنَا - بِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا فَرْقَ ، فَلِعُمُومِ نَصِّ الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَّةِ الَّتِي أَوْرَدْنَا فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَخُصَّ إحْدَى الدَّارَيْنِ مِنْ الْأُخْرَى { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ - وَبِهِ نَأْخُذُ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : إنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَمْدًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ - وَكَانَ الْمَقْتُولُ غَيْرَ سَاكِنٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ - فَلَا قَوَدَ فِيهِ أَصْلًا ، إنَّمَا فِيهِ الدِّيَةُ - فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْمَقْتُولُ سَاكِنًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَعَلَى قَاتِلِهِ عَمْدًا - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ - الْكَفَّارَةُ فَقَطْ ، وَلَا قَوَدَ فِيهِ ، وَلَا دِيَةَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخْرَجَ هَذَا الْقَوْلَ السَّخِيفَ ، وَلَا مَنْ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ - وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمُبْتَلِينَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِتَقْلِيدِهِ مَوَّهُوا فِي ذَلِكَ - : بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ { : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ ، فَذَكَرْتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ ؟ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ قَالَ : أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ } .
وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ 252 قَالَ { بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا : أَسْلَمْنَا - فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : صَبَأْنَا ، صَبَأْنَا ، وَجَعَلَ خَالِدٌ فِيهِمْ أَسْرًا وَقَتْلًا ، وَدَفَعَ إلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرًا ، حَتَّى إذَا أَصْبَحَ يَوْمًا أَمَرَنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَسِيرَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَاَللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي ، وَلَا يَقْتُلُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ ، فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذُكِرَ لَهُ صَنِيعُ خَالِدٍ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ } .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد أَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ { : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إلَى خَثْعَمَ فَاعْتَصَمُوا بِالسُّجُودِ ، فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ ؟ قَالَ : لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ غَيْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ - : وَأَمَّا حَدِيثُ الْيَمَانِ وَالِد حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَفِيهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ - وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ .
وَأَمَّا حَدِيثُ مُلْجَمِ بْنِ قُدَامَةَ وَقَتْلُهُ عَامِرَ بْنَ الْأَضْبَطِ ، وَإِعْطَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّيَةَ فِيهِ ، وَمَنْعُهُ مِنْ الْقَوَدِ ، فَفِيهِ زِيَادُ بْنُ ضُمَيْرَةَ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - بَلْ إنَّهُ يَصِحُّ فِي حَدِيثِ مُلْجَم الْمَذْكُورِ - : مَا نَاهُ حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ الْقَعْقَاعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ قَالَ { : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أُطُمٍ ، فَلَقِيَنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ - هُوَ أَشْجَعِيٌّ - فَحَيَّانَا بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ فَقَامَ إلَيْهِ الْمُلْجَمُ بْنُ جَثَّامَةَ - هُوَ لَيْثِيٌّ كِنَانِيٌّ - فَقَتَلَهُ ثُمَّ سَلَبَهُ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْنَاهُ فَنَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا 253 لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا } } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كُلُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ خَالِدًا لَمْ يَقْتُلْ بَنِي جَذِيمَةَ إلَّا مُتَأَوِّلًا أَنَّهُمْ كُفَّارٌ ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَنْ قَوْلَهُمْ : صَبَأْنَا ، صَبَأْنَا - إسْلَامٌ صَحِيحٌ ، وَكَذَلِكَ أُسَامَةُ بِلَا شَكٍّ ، وَحَسْبُك بِمُرَاجَعَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، وَقَوْلِهِ : إنَّمَا قَالَهَا مِنْ خَوْفِ السِّلَاحِ - وَهُوَ وَاَللَّهِ الثِّقَةُ الصَّادِقُ الَّذِي ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إلَّا مَا فِي نَفْسِهِ . وَكَذَلِكَ السَّرِيَّةُ الَّتِي أَسْرَعَتْ بِالْقَتْلِ فِي خَثْعَمَ وَهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِالسُّجُودِ ، وَإِذْ هُمْ مُتَأَوِّلُونَ فَهُمْ قَاتِلُو خَطَأٍ بِلَا شَكٍّ ، فَسَقَطَ الْقَوَدُ . ثُمَّ نَظَرْنَا فِيهِمْ فَوَجَدْنَاهُمْ كُلَّهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنَا ، فَسَقَطَتْ الدِّيَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْكَفَّارَةُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ ضَرُورَةً : إمَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَهُمْ بِهَا فَسَكَتَ الرَّاوِي عَنْ ذَلِكَ .
وَإِمَّا أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَالدُّعَاءُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَطْ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَقُولُ مُتَأَوِّلًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ فِعْلِهِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، قَدْ بَرِئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ خَطَأٍ خَالَفَ الْحَقَّ ، وَنَحْنُ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فَاعِلُهُ مَأْجُورًا أَجْرًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يَبْرَأْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَالِدٍ قَطُّ ، إنَّمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَهَكَذَا نَقُولُ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كُلِّ تَأْوِيلٍ أَخْطَأَ فِيهِ الْمُتَأَوِّلُ ، وَلَا نَبْرَأُ مِنْ الْمُتَأَوِّلِ - وَلَوْ بَرِئَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ خَالِدٍ لَمَا أَمَرَهُ بَعْدَهَا - فَصَحَّ قَوْلُنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
254 فَإِنْ قِيلَ : فَمَا وَجْهُ إعْطَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَثْعَمًا نِصْفَ الدِّيَةِ ؟ قُلْنَا : فَعَلَ ذَلِكَ تَفَضُّلًا ، وَصِلَةً وَاسْتِئْلَافًا عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَطْ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَهُمْ دِيَةٌ لَمَا مَنَعَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْهَا وَبَرَةً فَمَا فَوْقَهَا .
فَلَمَّا بَطَلَ احْتِجَاجُ الْحَنَفِيِّينَ لِقَوْلِهِمْ الْخَبِيثِ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي إسْقَاطِ الْقَوَدِ ، وَالدِّيَةِ عَمَّنْ تَعَمَّدَ قَتْلَ مُسْلِمٍ يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ - وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ - وَفِي إسْقَاطِهِمْ الْقَوَدَ فَقَطْ عَنْ الْمُتَعَمِّدِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، إذْ قَدْ صَحَّ أَنَّهَا كُلُّهَا قَتْلُ خَطَأٍ لَا قَتْلُ عَمْدٍ - فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ بِيَقِينٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ بَرِئَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ سَكَنَ بَيْنَ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ ؟ قُلْنَا : لَوْ كَانَ هَذَا مُبِيحًا لِتَعَمُّدِ قَتْلِهِ لَبَطَلَ قَوْلُكُمْ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : أَنَّهُ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ ، فَإِنْ قَتَلَهُ مَنْ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَلَا قَوَدَ ، وَلَا دِيَةَ ، إنَّمَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ ; بِنَصِّ الْقُرْآنِ .
ثُمَّ زَادُوا ضَلَالًا فَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِخَبَرٍ سَاقِطٍ مَوْضُوعٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ } فَكَانَ هَذَا عَجَبًا ; لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا الْخَبَرِ ، فَيَقْطَعُونَ الْأَيْدِيَ فِي السَّفَرِ ، فَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ تَخْصِيصُ دَارِ الْحَرْبِ بِذَلِكَ ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ ذَلِكَ لَكَانَ إسْقَاطُهُمْ الْقَوَدَ ، وَالدِّيَةَ ، أَوْ الْقَوَدَ فَقَطْ عَلَى تَرْكِ قَطْعِ الْأَيْدِي هَوَسًا ظَاهِرًا - وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أَنْ يُرِيدَ النَّهْيَ عَنْ الْقَوَدِ ، وَالدِّيَةِ فِي قَتْلِ نَفْسِ الْمُسْلِمِ عَمْدًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَيَدَعَ ذِكْرَ ذَلِكَ وَيَقْتَصِرَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ قَطْعِ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ - هَذَا لَا يُضِيفُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا كَذَّابٌ مَلْعُونٌ مُتَعَمِّدُ الْكَذِبِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَأَمَّا قَوْلُنَا يُقْتَلُ قَاتِلُ الْعَمْدِ بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ بِهِ فَإِنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كُلِّ ذَلِكَ - : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَمَا قُلْنَا - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا حَفْصٌ - هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : الْعَمْدُ كُلُّهُ قَوَدٌ . 255 وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالُوا كُلُّهُمْ : الْعَمْدُ قَوَدٌ . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَمَّنْ سَمِعَ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ : إذَا مَثَّلَ بِالرَّجُلِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُمَثَّلُ بِهِ ثُمَّ يُقْتَلُ . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ : كُلِّ شَيْءٍ يَقْتُلُهُ فَإِنَّهُ يُقَادُ بِهِ نَحْوُ الْحَجَرِ الْعَظِيمِ وَالْخَشَبَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَقْتُلُ . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنًا لِصُهَيْبٍ أَخَذَ ابْنًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فَضَرَبَهُ بِخَشَبَةٍ مَعَهُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَأَنَّهُ مَاتَ مِنْهَا ، وَأَنَّ الصُّهَيْبِيَّ دُفِعَ إلَى وَلِيِّ حَاطِبٍ ، فَضَرَبَهُ بِعَصًا مَعَهُ فِي الرَّأْسِ حَتَّى تَطَايَرَتْ شُؤُونُ رَأْسِهِ فَمَاتَ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ جَالِسٌ لَا يُنْكِرُهُ - كَانَ اسْمُ الصُّهَيْبِيِّ : الْحَسَنَ بْنَ عُثْمَانَ - وَكَانَ اسْمُ الْحَاطِبِيِّ : يَزِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ .
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِي أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ : قَالَ قَتَادَةُ : إنْ قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِحَجَرٍ ، وَإِنْ قَتَلَ بِخَشَبَةٍ قُتِلَ بِخَشَبَةٍ . وَهُوَ قَوْلُ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا حُمَيْدٌ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ : أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ بِفِهْرٍ ؟ فَكَتَبَ مَيْمُونٌ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِدَفْعِهِ إلَى أُمِّ الْيَهُودِيِّ ، فَدَفَعَهُ إلَيْهَا ، فَقَتَلَتْهُ بِفِهْرٍ . وَبِهِ يَأْخُذُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ ، أَوْ عَصًا ، أَوْ بِالنَّارِ ، أَوْ بِالتَّغْرِيقِ : قُتِلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، يُكَرَّرُ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَمُوتَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ حَتَّى مَاتَ : ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ أَبَدًا حَتَّى يَمُوتَ ، وَإِنْ حَبَسَهُ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ حَتَّى يَمُوتَ : حُبِسَ مِثْلُ تِلْكَ الْمُدَّةِ حَتَّى يَمُوتَ ، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ : قُتِلَ بِالسَّيْفِ ، وَهَكَذَا إنْ غَرَّقَهُ ، وَهَكَذَا إنْ أَلْقَاهُ مِنْ مَهْوَاةٍ عَالِيَةٍ - فَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ : قُطِعَتْ يَدَا الْقَاطِعِ وَرِجْلَاهُ ، فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ .
256 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنْ لَمْ يَمُتْ تُرِكَ كَمَا هُوَ حَتَّى يَمُوتَ : لَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى - وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ جُوعًا أَوْ عَطَشًا : جُوِّعَ وَعُطِّشَ حَتَّى يَمُوتَ وَلَا بُدَّ - وَلَا تُرَاعَى الْمُدَّةُ أَصْلًا .
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : إنْ غَمَسَهُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَمُوتَ : غَمَسْتُهُ فِيهِ حَتَّى يَمُوتَ - وَإِنْ قَتَلَهُ ضَرْبًا ضَرَبْتُهُ مِثْلَ ضَرْبِهِ لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْمُثْلَةَ ، وَيَقُولُونَ : السَّيْفُ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بَلْ أَضْرِبُهُ حَتَّى يَمُوتَ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُقْتَلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا بِالسَّيْفِ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا قَوَدَ إلَّا بِحَدِيدَةٍ . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ قَتَلَ بِخَشَبَةٍ أَوْ بِالشَّيْءِ ؟ قَالَ : السَّيْفُ مَحَلُّ ذَلِكَ . وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ لَا قَوَدَ إلَّا بِحَدِيدَةٍ ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ سُفْيَانَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَهُ - مِمَّا يُوجِبُ الْقَوَدَ - فَلَا يُقَادُ إلَّا بِالسَّيْفِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ظَاهِرُ مَا رُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ : إيجَابُ الْقَوَدِ بِالسَّيْفِ ، وَالرُّمْحِ ، وَالسِّكِّينِ ، وَالْمِطْرَقَةِ - : فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .
وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } .
وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إنَّمَا 257 السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
قَالُوا : فَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَوْرَدْنَا : مُوجِبٌ أَنَّ الْغَرَضَ فِي الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ إنَّمَا هُوَ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى بِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَعَدِّي ذَلِكَ إلَى غَيْرِ مَا اعْتَدَى بِهِ .
قَالُوا : فَمَنْ قَتَلَ بِالسَّيْفِ مَنْ قَتَلَ مُتَعَدِّيًا بِغَيْرِ السَّيْفِ ، فَقَاتِلُهُ بِمَا لَمْ يَقْتُلْ بِهِ ، مُتَعَدٍّ ظَالِمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، عَاصٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا أُمِرَ بِهِ .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا - بِمَا قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } .
وَهُوَ جَائِزٌ أَيْضًا لِلسُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ ، وَبِخَبَرٍ ثَابِتٍ مِنْ طَرِيقِ الثِّقَاتِ أَيْضًا .
فَلَوْ أَنَّهُمْ احْتَجُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِهَذَا الْقَوْلِ حَيْثُ زَادُوا عَلَى النَّسْخِ بِالْأَخْبَارِ الْوَاهِيَةِ لَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ ، كَالْوُضُوءِ بِالنَّبِيذِ ، وَالْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ ، وَالتَّدْلِيكِ فِي الْغُسْلِ - وَكَإِيجَابِ الدِّيَاتِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ بِقِيَاسٍ ، أَوْ رِوَايَةٍ سَاقِطَةٍ أَوْ تَقْلِيدٍ بِغَيْرِ نَصٍّ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ . 250
وَأَمَّا رِوَايَتُهُمْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَلَا تَصِحُّ ; لِأَنَّهَا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - وَلَمْ يُولَدْ عُمَرُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَّا بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِنَحْوِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً - وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ الثَّابِتُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ خِلَافًا لَهُ .
وَأَمَّا تَعَلُّقُهُمْ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إلَى الْقَاتِلِ ، فَدَعْوَى كَاذِبَةٌ ، وَمُحَالٌ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهَا دَعْوَى بِلَا دَلِيلٍ ، وَتَكَلُّفٌ ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ - مَعَ أَنَّهُ خِلَافٌ لِقَوْلِ الْمَالِكِيِّينَ مِنْهُمْ ; لِأَنَّ فِي الْآيَةِ : { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } فَقَالُوا هُمْ : بَلْ نَتْبَعُ بِضَرْبِ مِائَةِ سَوْطٍ وَنَفْيِ سَنَةٍ بِلَا نَصٍّ أَوْجَبَ ذَلِكَ أَصْلًا ، وَلَا رِوَايَةٍ عَنْ صَاحِبٍ - وَلَا يَشُكُّ ذُو فَهْمٍ أَنَّ الْمَعْفُوَّ لَهُ مِنْ دِيَتِهِ فِي أَخِيهِ هُوَ الْقَاتِلُ ، وَأَمَّا وَلِيُّ الْمَقْتُولِ فَلَمْ يُعْفَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ أَخِيهِ ، وَحَتَّى لَوْ كَانَ مَعْنَاهُ مَا تَأَوَّلُوهُ بِالْبَاطِلِ لَكَانَ مُخَالِفًا لِأَقْوَالِهِمْ ; لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ مُرَاعَاةَ رِضَا الْوَلِيِّ ، بَلْ كَانَ يَكُونُ الْخِيَارُ حِينَئِذٍ لِلْقَاتِلِ فَقَطْ - وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَا هُمْ وَلَا غَيْرُهُمْ - فَصَحَّ أَنَّ تَأْوِيلَهُمْ فِي الْآيَةِ مُحَالٌ بَاطِلٌ مُمْتَنِعٌ لَا يَحِلُّ الْقَوْلُ بِهِ أَصْلًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ فِي خَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِأَنَّهُ قَدْ رَوَى فِيهِ أَيْضًا : إمَّا أَنْ يُقَادَ وَإِمَّا أَنْ يُفَادَى أَهْلُ الْقَتِيلِ : فَصَحِيحٌ ، وَهُوَ مَعْنًى ثَالِثٌ ، وَبِهِ نَقُولُ ، وَهُوَ اتِّفَاقُهُمْ كُلُّهُمْ - الْقَاتِلُ وَأَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ - عَلَى فِدَاءِ الْقَاتِلِ بِأَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ ، وَلَا يَحِلُّ تَرْكُ شَيْءٍ مِمَّا صَحَّ ، وَلَا ضَرْبُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ - فَهَذَا هُوَ التَّلَاعُبُ بِالدِّينِ ، وَكَيْدُ الْإِسْلَامِ جِهَارًا - وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَلَيْسَ تَرْكُ الصَّحِيحِ مِمَّا فِي ذَلِكَ الْخَبَرِ مِنْ أَنْ يُقَادَ أَوْ يُودَى مِنْ أَجْلِ مَا قَدْ صَحَّ أَيْضًا مِنْ أَنْ يُقَادَ أَوْ يُفَادَى بِأَوْلَى مِنْ آخَرَ خَالَفَ الْحَقَّ ، فَتَرَكَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : أَنْ يُفَادَى مِنْ أَجْلِ قَوْلِهِ : أَوْ يُودَى - وَكُلُّ ذَلِكَ بَاطِلٌ - فَصَحَّ أَنَّ أَخْذَ كُلِّ ذَلِكَ ، وَضَمَّ بَعْضِهِ إلَى بَعْضٍ : هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ .
وَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ فِي خَبَرِ أَبِي شُرَيْحٍ بِرِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ : فَسُفْيَانُ مَجْهُولٌ 251 لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ - ثُمَّ الْعَجَبُ كُلُّهُ مِنْ احْتِجَاجِهِمْ بِهِ ، وَهُمْ مُخَالِفُونَ مَا فِيهِ ; لِأَنَّ فِيهِ : إيجَابَ الْقَوَدِ فِي الْجِرَاحِ جُمْلَةً ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ الْقَوَدَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْجِرَاحِ إلَّا فِي الْمُوضِحَةِ وَحْدَهَا فَقَطْ ، فَيَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي أَيِّ بَابٍ يَقَعُ احْتِجَاجُ الْمَرْءِ عَلَى خَصْمِهِ بِمَا يُخَالِفُ - وَهُوَ يُصَحِّحُهُ وَخَصْمُهُ لَا يُصَحِّحُهُ - .
ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ حُجَّةً لَنَا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ فِيهِ التَّخْيِيرَ لِلْمَجْرُوحِ ، أَوْ لِوَلِيِّ الْمَقْتُولِ بَيْنَ الْقَوَدِ ، أَوْ الدِّيَةِ ، أَوْ الْعَفْوِ دُونَ اشْتِرَاطِ رِضَا الْجَانِي - وَهَذَا عَجَبٌ آخَرُ ، وَرِضًا بِالتَّمْوِيهِ الْمُفْتَضَحِ مِنْ قُرْبٍ - وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ .
وَأَمَّا قَوْلُنَا - بِأَنَّ كُلَّ مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا مُسْلِمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ ، وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، كَمَا لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَا فَرْقَ ، فَلِعُمُومِ نَصِّ الْقُرْآنِ ، وَالسُّنَّةِ الَّتِي أَوْرَدْنَا فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَخُصَّ إحْدَى الدَّارَيْنِ مِنْ الْأُخْرَى { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا } .
وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ ، وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي سُلَيْمَانَ ، وَجَمِيعِ أَصْحَابِهِمْ - وَبِهِ نَأْخُذُ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : إنْ قَتَلَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا عَمْدًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ - وَكَانَ الْمَقْتُولُ غَيْرَ سَاكِنٍ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ - فَلَا قَوَدَ فِيهِ أَصْلًا ، إنَّمَا فِيهِ الدِّيَةُ - فَإِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْمَقْتُولُ سَاكِنًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَعَلَى قَاتِلِهِ عَمْدًا - وَهُوَ يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ - الْكَفَّارَةُ فَقَطْ ، وَلَا قَوَدَ فِيهِ ، وَلَا دِيَةَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَخْرَجَ هَذَا الْقَوْلَ السَّخِيفَ ، وَلَا مَنْ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ - وَالْعَجَبُ أَنَّ الْمُبْتَلِينَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِتَقْلِيدِهِ مَوَّهُوا فِي ذَلِكَ - : بِمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ { : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ ، فَذَكَرْتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ ؟ قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنْ السِّلَاحِ قَالَ : أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا ؟ فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْت أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ } .
وَبِمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ 252 قَالَ { بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا : أَسْلَمْنَا - فَجَعَلُوا يَقُولُونَ : صَبَأْنَا ، صَبَأْنَا ، وَجَعَلَ خَالِدٌ فِيهِمْ أَسْرًا وَقَتْلًا ، وَدَفَعَ إلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرًا ، حَتَّى إذَا أَصْبَحَ يَوْمًا أَمَرَنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا أَسِيرَهُ ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَاَللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي ، وَلَا يَقْتُلُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ ، فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذُكِرَ لَهُ صَنِيعُ خَالِدٍ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ } .
وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُد أَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ أَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ { : بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إلَى خَثْعَمَ فَاعْتَصَمُوا بِالسُّجُودِ ، فَأَسْرَعَ فِيهِمْ الْقَتْلَ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ وَقَالَ : أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ ؟ قَالَ : لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا } .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ غَيْرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ - : وَأَمَّا حَدِيثُ الْيَمَانِ وَالِد حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَفِيهِ زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ - وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ .
وَأَمَّا حَدِيثُ مُلْجَمِ بْنِ قُدَامَةَ وَقَتْلُهُ عَامِرَ بْنَ الْأَضْبَطِ ، وَإِعْطَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدِّيَةَ فِيهِ ، وَمَنْعُهُ مِنْ الْقَوَدِ ، فَفِيهِ زِيَادُ بْنُ ضُمَيْرَةَ - وَهُوَ مَجْهُولٌ - بَلْ إنَّهُ يَصِحُّ فِي حَدِيثِ مُلْجَم الْمَذْكُورِ - : مَا نَاهُ حُمَامُ بْنُ أَحْمَدَ أَنَا عَبَّاسُ بْنُ أَصْبَغَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ أَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ الْقَعْقَاعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ قَالَ { : بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أُطُمٍ ، فَلَقِيَنَا عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ - هُوَ أَشْجَعِيٌّ - فَحَيَّانَا بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ فَقَامَ إلَيْهِ الْمُلْجَمُ بْنُ جَثَّامَةَ - هُوَ لَيْثِيٌّ كِنَانِيٌّ - فَقَتَلَهُ ثُمَّ سَلَبَهُ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرْنَاهُ فَنَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا 253 لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا } } . قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : كُلُّ هَذِهِ الْأَخْبَارِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ خَالِدًا لَمْ يَقْتُلْ بَنِي جَذِيمَةَ إلَّا مُتَأَوِّلًا أَنَّهُمْ كُفَّارٌ ، وَلَمْ يَعْرِفْ أَنْ قَوْلَهُمْ : صَبَأْنَا ، صَبَأْنَا - إسْلَامٌ صَحِيحٌ ، وَكَذَلِكَ أُسَامَةُ بِلَا شَكٍّ ، وَحَسْبُك بِمُرَاجَعَتِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ ، وَقَوْلِهِ : إنَّمَا قَالَهَا مِنْ خَوْفِ السِّلَاحِ - وَهُوَ وَاَللَّهِ الثِّقَةُ الصَّادِقُ الَّذِي ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إلَّا مَا فِي نَفْسِهِ . وَكَذَلِكَ السَّرِيَّةُ الَّتِي أَسْرَعَتْ بِالْقَتْلِ فِي خَثْعَمَ وَهُمْ مُعْتَصِمُونَ بِالسُّجُودِ ، وَإِذْ هُمْ مُتَأَوِّلُونَ فَهُمْ قَاتِلُو خَطَأٍ بِلَا شَكٍّ ، فَسَقَطَ الْقَوَدُ . ثُمَّ نَظَرْنَا فِيهِمْ فَوَجَدْنَاهُمْ كُلَّهُمْ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي قَوْمٍ عَدُوٍّ لَنَا ، فَسَقَطَتْ الدِّيَةُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، وَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْكَفَّارَةُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ ضَرُورَةً : إمَّا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَهُمْ بِهَا فَسَكَتَ الرَّاوِي عَنْ ذَلِكَ .
وَإِمَّا أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي فِيهَا : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ إلَّا الِاسْتِغْفَارُ وَالدُّعَاءُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَطْ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَقُولُ مُتَأَوِّلًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَبْرَأُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ فِعْلِهِ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ، قَدْ بَرِئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كُلِّ خَطَأٍ خَالَفَ الْحَقَّ ، وَنَحْنُ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فَاعِلُهُ مَأْجُورًا أَجْرًا وَاحِدًا ، وَلَمْ يَبْرَأْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ خَالِدٍ قَطُّ ، إنَّمَا بَرِئَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَهَكَذَا نَقُولُ نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كُلِّ تَأْوِيلٍ أَخْطَأَ فِيهِ الْمُتَأَوِّلُ ، وَلَا نَبْرَأُ مِنْ الْمُتَأَوِّلِ - وَلَوْ بَرِئَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ خَالِدٍ لَمَا أَمَرَهُ بَعْدَهَا - فَصَحَّ قَوْلُنَا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
254 فَإِنْ قِيلَ : فَمَا وَجْهُ إعْطَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَثْعَمًا نِصْفَ الدِّيَةِ ؟ قُلْنَا : فَعَلَ ذَلِكَ تَفَضُّلًا ، وَصِلَةً وَاسْتِئْلَافًا عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَطْ ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَهُمْ دِيَةٌ لَمَا مَنَعَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْهَا وَبَرَةً فَمَا فَوْقَهَا .
فَلَمَّا بَطَلَ احْتِجَاجُ الْحَنَفِيِّينَ لِقَوْلِهِمْ الْخَبِيثِ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فِي إسْقَاطِ الْقَوَدِ ، وَالدِّيَةِ عَمَّنْ تَعَمَّدَ قَتْلَ مُسْلِمٍ يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ - وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ - وَفِي إسْقَاطِهِمْ الْقَوَدَ فَقَطْ عَنْ الْمُتَعَمِّدِ قَتْلَ الْمُسْلِمِ فِي عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، إذْ قَدْ صَحَّ أَنَّهَا كُلُّهَا قَتْلُ خَطَأٍ لَا قَتْلُ عَمْدٍ - فَظَهَرَ فَسَادُ قَوْلِهِمْ بِيَقِينٍ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ بَرِئَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ سَكَنَ بَيْنَ أَهْلِ دَارِ الْحَرْبِ ؟ قُلْنَا : لَوْ كَانَ هَذَا مُبِيحًا لِتَعَمُّدِ قَتْلِهِ لَبَطَلَ قَوْلُكُمْ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : أَنَّهُ جَانٍ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ ، فَإِنْ قَتَلَهُ مَنْ لَا يَدْرِي أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَلَا قَوَدَ ، وَلَا دِيَةَ ، إنَّمَا فِيهِ الْكَفَّارَةُ فَقَطْ ; بِنَصِّ الْقُرْآنِ .
ثُمَّ زَادُوا ضَلَالًا فَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِخَبَرٍ سَاقِطٍ مَوْضُوعٍ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ } فَكَانَ هَذَا عَجَبًا ; لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مُخَالِفٍ لِهَذَا الْخَبَرِ ، فَيَقْطَعُونَ الْأَيْدِيَ فِي السَّفَرِ ، فَلَا نَدْرِي مِنْ أَيْنَ وَقَعَ لَهُمْ تَخْصِيصُ دَارِ الْحَرْبِ بِذَلِكَ ؟ ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَهُمْ ذَلِكَ لَكَانَ إسْقَاطُهُمْ الْقَوَدَ ، وَالدِّيَةَ ، أَوْ الْقَوَدَ فَقَطْ عَلَى تَرْكِ قَطْعِ الْأَيْدِي هَوَسًا ظَاهِرًا - وَقَدْ أَعَاذَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أَنْ يُرِيدَ النَّهْيَ عَنْ الْقَوَدِ ، وَالدِّيَةِ فِي قَتْلِ نَفْسِ الْمُسْلِمِ عَمْدًا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فَيَدَعَ ذِكْرَ ذَلِكَ وَيَقْتَصِرَ عَلَى النَّهْيِ عَنْ قَطْعِ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ - هَذَا لَا يُضِيفُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا كَذَّابٌ مَلْعُونٌ مُتَعَمِّدُ الْكَذِبِ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَأَمَّا قَوْلُنَا يُقْتَلُ قَاتِلُ الْعَمْدِ بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَ بِهِ فَإِنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي كُلِّ ذَلِكَ - : فَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَمَا قُلْنَا - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا حَفْصٌ - هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ - عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قَالَ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : الْعَمْدُ كُلُّهُ قَوَدٌ . 255 وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ عَنْ أَشْعَثَ عَنْ الشَّعْبِيِّ ، وَالْحَسَنِ ، وَابْنِ سِيرِينَ ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالُوا كُلُّهُمْ : الْعَمْدُ قَوَدٌ . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَمَّنْ سَمِعَ الشَّعْبِيَّ يَقُولُ : إذَا مَثَّلَ بِالرَّجُلِ ثُمَّ قَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُمَثَّلُ بِهِ ثُمَّ يُقْتَلُ . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ إيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ : كُلِّ شَيْءٍ يَقْتُلُهُ فَإِنَّهُ يُقَادُ بِهِ نَحْوُ الْحَجَرِ الْعَظِيمِ وَالْخَشَبَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَقْتُلُ . وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنًا لِصُهَيْبٍ أَخَذَ ابْنًا لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فَضَرَبَهُ بِخَشَبَةٍ مَعَهُ حَتَّى ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ - وَأَنَّهُ مَاتَ مِنْهَا ، وَأَنَّ الصُّهَيْبِيَّ دُفِعَ إلَى وَلِيِّ حَاطِبٍ ، فَضَرَبَهُ بِعَصًا مَعَهُ فِي الرَّأْسِ حَتَّى تَطَايَرَتْ شُؤُونُ رَأْسِهِ فَمَاتَ ، وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ جَالِسٌ لَا يُنْكِرُهُ - كَانَ اسْمُ الصُّهَيْبِيِّ : الْحَسَنَ بْنَ عُثْمَانَ - وَكَانَ اسْمُ الْحَاطِبِيِّ : يَزِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ .
وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْقَاضِي أَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ أَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ : قَالَ قَتَادَةُ : إنْ قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِحَجَرٍ ، وَإِنْ قَتَلَ بِخَشَبَةٍ قُتِلَ بِخَشَبَةٍ . وَهُوَ قَوْلُ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ .
وَمِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَا حُمَيْدٌ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ : أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَهُ مُسْلِمٌ بِفِهْرٍ ؟ فَكَتَبَ مَيْمُونٌ فِي ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ يَأْمُرُهُ بِدَفْعِهِ إلَى أُمِّ الْيَهُودِيِّ ، فَدَفَعَهُ إلَيْهَا ، فَقَتَلَتْهُ بِفِهْرٍ . وَبِهِ يَأْخُذُ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقُ ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَأَصْحَابُهُمْ ، وَغَيْرُهُمْ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ قَتَلَهُ بِحَجَرٍ ، أَوْ عَصًا ، أَوْ بِالنَّارِ ، أَوْ بِالتَّغْرِيقِ : قُتِلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ، يُكَرَّرُ عَلَيْهِ أَبَدًا حَتَّى يَمُوتَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنْ ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ حَتَّى مَاتَ : ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ أَبَدًا حَتَّى يَمُوتَ ، وَإِنْ حَبَسَهُ بِلَا طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ حَتَّى يَمُوتَ : حُبِسَ مِثْلُ تِلْكَ الْمُدَّةِ حَتَّى يَمُوتَ ، فَإِنْ لَمْ يَمُتْ : قُتِلَ بِالسَّيْفِ ، وَهَكَذَا إنْ غَرَّقَهُ ، وَهَكَذَا إنْ أَلْقَاهُ مِنْ مَهْوَاةٍ عَالِيَةٍ - فَإِنْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فَمَاتَ : قُطِعَتْ يَدَا الْقَاطِعِ وَرِجْلَاهُ ، فَإِنْ مَاتَ وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ .
256 قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنْ لَمْ يَمُتْ تُرِكَ كَمَا هُوَ حَتَّى يَمُوتَ : لَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى - وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَهُ جُوعًا أَوْ عَطَشًا : جُوِّعَ وَعُطِّشَ حَتَّى يَمُوتَ وَلَا بُدَّ - وَلَا تُرَاعَى الْمُدَّةُ أَصْلًا .
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : إنْ غَمَسَهُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يَمُوتَ : غَمَسْتُهُ فِيهِ حَتَّى يَمُوتَ - وَإِنْ قَتَلَهُ ضَرْبًا ضَرَبْتُهُ مِثْلَ ضَرْبِهِ لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . وَقَدْ كَانُوا يَكْرَهُونَ الْمُثْلَةَ ، وَيَقُولُونَ : السَّيْفُ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : بَلْ أَضْرِبُهُ حَتَّى يَمُوتَ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ : لَا يُقْتَلُ فِي كُلِّ ذَلِكَ إلَّا بِالسَّيْفِ - : كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا قَوَدَ إلَّا بِحَدِيدَةٍ . وَمِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ أَنَا سُفْيَانُ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِيمَنْ قَتَلَ بِخَشَبَةٍ أَوْ بِالشَّيْءِ ؟ قَالَ : السَّيْفُ مَحَلُّ ذَلِكَ . وَمِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ الْمُغِيرَةِ عَنْ إبْرَاهِيمَ لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ . وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَا وَكِيعٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ لَا قَوَدَ إلَّا بِحَدِيدَةٍ ، وَرُوِيَ نَحْوُ هَذَا عَنْ سُفْيَانَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَصْحَابُهُ : بِأَيِّ شَيْءٍ قَتَلَهُ - مِمَّا يُوجِبُ الْقَوَدَ - فَلَا يُقَادُ إلَّا بِالسَّيْفِ - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سُلَيْمَانَ .
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ظَاهِرُ مَا رُوِّينَا عَنْ الْحَسَنِ ، وَالشَّعْبِيِّ : إيجَابُ الْقَوَدِ بِالسَّيْفِ ، وَالرُّمْحِ ، وَالسِّكِّينِ ، وَالْمِطْرَقَةِ - : فَنَظَرْنَا فِيمَا احْتَجَّتْ بِهِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى فَوَجَدْنَاهُمْ يَحْتَجُّونَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ } .
وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا } ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } .
وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَمَنْ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إنَّمَا 257 السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
وَبِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } .
وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
قَالُوا : فَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَوْرَدْنَا : مُوجِبٌ أَنَّ الْغَرَضَ فِي الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ فَمَا دُونَهُ إنَّمَا هُوَ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى بِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَحِلُّ تَعَدِّي ذَلِكَ إلَى غَيْرِ مَا اعْتَدَى بِهِ .
قَالُوا : فَمَنْ قَتَلَ بِالسَّيْفِ مَنْ قَتَلَ مُتَعَدِّيًا بِغَيْرِ السَّيْفِ ، فَقَاتِلُهُ بِمَا لَمْ يَقْتُلْ بِهِ ، مُتَعَدٍّ ظَالِمٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، عَاصٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيمَا أُمِرَ بِهِ .
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا - بِمَا قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } .
■narrator
■prophet
■place / term
■āya / ḥadīth-no
matn → hadith